إثبات قيام الوراثة شرط ابتدائي لتعيين مصفي تركة – سلطة المحكمة في أمر الخصم بتقديم مستند
القاعدة
على المدعية، لتؤتى سؤلها بتعيين مصفٍ للتركة، أن تثبت في المقام الأول قيام حالة الإرث. هذا يكون بالتدليل على وفاة المورث، وعلى انحصار إرثه في من تقول إنهم ورثته. إذا قصرت في ذلك كلياً، ولم تجد المحكمة في ملف الدعوى، وقد عدم الحجة مطلقاً وإن بمفهومها الواسع، ما يحثها على أن تأمرها من تلقاء نفسها بتقديم مستند استشهدت به، فلا يكون في تركها هذه الرخصة أي انتقاص من كمال وظيفتها ساعياً للوصول إلى الحقيقة.
لا تلازم بين إخفاق المدعية في إثبات الوراثة وعدمها. ولهذا، فليس الحكم بالرفض، بسبب خلو أوراق الدعوى من السند القانوني للإرث، بحكم حاسم لا وجه للرجوع فيه، وليس من شأنه أن يمنع المدعية من معاودة إقامة دعواها أمام هذه المحكمة إذا ما تفادت أسباب عدم إجابتها وتغيرت حالة الأوراق التي انتهت بهذا الحكم. فهذا الحكم لا يعدو في جوهره أن يكون قضاءً في الدعوى بحالتها الراهنة التي لا تكفي لوضع حد لها. فلا تكون له إلا حجية موقوتة تقتصر على هذه الحالة مادامت لم تتغير.
بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 21 ربيع الآخر 1441هـ. الموافق: 18-12-2019
برئاسة د. عيـاد علي دربال، القاضي، وحضور ...، كاتب الجلسة،
أصـــدرت المحكمةُ، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــمَ
الدعوى: ...
المدعي: ...
المدعى عليه: ...
ملخص الدعوى
تجمل الدعـوى في اختصام المدعية بصفتها للمدعى عليهما بصحيفة أعلنت إليهما طبقاً للقانون. شرحت الدعوى بما جماعه أن مورث الخصوم: ...، كان قد توفي في 16-2-2015، وخلف من بعده بناته وزوجته وابنه "المذكورين أعلاه" على حد تعبير الصحيفة. وفقاً للصحيفة، قررت المحكمة في الأمر الولائي ...-2015 لكلٍّ نصيباً أسهماً. قدرت المدعية قيمة أعيان التركة بثلاثة ملايين دينار تقريباً، وأوردت وصفاً لها. تمثلت بشكل مجمل في: قطعتي أرض بمدينة ...، محلة المقطع؛ صالة مفروشات بالمحلة ذاتها؛ مزرعة بمنطقة ....
لذلك، واستناداً إلى المادة 870 من القانون المدني، وإلى أحكام القانون 6 لسنة 1959 بشأن حماية حقوق المرأة، وبسبب امتناع المدعى عليه الأول عن تسليم "المدعيات" نصيبهن بعد إخطاره بمطالبتهن به، أقمن هذه الدعوى مطالبات بالتالي:
أولاً: انتداب خبير مصفياً للتركة، لحصر أعيانها، وبيان ما لها وما عليها؛
ثانياً: الحكم بإلزام "المدعى عليه بدفع ما يسفر عنه تقرير الخبير المصفي كنصيب للمدعيات"، وبتسلمهن شهادة بالإرث الشرعي.
ثالثاً: إلزام المدعى عليهما بالمصاريف والأتعاب، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل، وبلا كفالة.
بدأت المحكمة نظر الدعوى في 19-6-2019. أمامها، حضر عن المدعية بصفتها الأستاذة ... بتفويض من محاميها الأستاذ .... لم يحضر المدعى عليهما. قدم الدفاع مستندات المدعية فكانت: التوكيل الخاص المثبت وكالتها في الدعوى؛ حافظة مستندات ضمت من الوثائق ما يجدر بإهمالها لتجردها من أي قيمة تدليلية في الدعوى. اكتفى الدفاع بذلك، على الرغم من نظر الدعوى عدة جلسات، طالباً انتداب خبير وفق الوارد بصحيفة الدعوى.
حجزت المحكمة الدعوى للحكم بآخر جلسة اليوم، وهنا قضت بالوارد في المنطوق.
الأسباب
الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءه ليبتلي في الحالتين شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة وقد اجتهدت في تفحص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في ما قضت به بشأنها. وإنه لقضاءٌ أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.
حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن المدعية بصفتها دفاعها، فيما لم يحضر المدعى عليهما. وإذاً، فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً للمدعية، غيابياً للمدعى عليهما عملاً بالمادتين 92 و103 من قانون المرافعات.
وحيث إن المدعية بصفتها تطلب تعيينَ مصف للتركة، مفصحة عن تقصُّدها من ذلك جردَ تركة مورث الخصوم وإعدادَ مشروع قسمة حسب الفريضة الشرعية. وحيث إنه لتؤتى سؤلها، يتعين عليها في المقام الأول إثبات عنصر دعواها الأساسي بالبرهنة على قيام حالة الإرث، وذلك بالتدليل على وفاة المقول بوفاته، وعلى انحصار إرثه في من تقول إنهم ورثته. وحيث إن المدعية بصفتها تقصر في هذا كلياً، فلا تقدم أي دليل عليه، فإن دعواها تكون خليقة بالرفض وفق الوارد بالمنطوق.
أما مجرد توسلها في صحيفة الدعوى بفريضة شرعية، فغير مغن في تحقيق المراد. ففضلاً عن عدم تمييز رقمها بمصدر يعرِّف بالمحكمة التي أصدرتها، لم تقدم المدعية صورة منها ضمن مستنداتها. وعلى ذلك، فبالرغم من أن للمحكمة، وفقاً للمادة 115 من قانون المرافعات، الحق في أن تأمرها من تلقاء نفسها بتقديم مستند استشهدت به، إلا أن القانون يقرر هذا على سبيل الجواز لا الإلزام. ولما لم تجد المحكمة في ملف الدعوى بحالته التي أسست لها المدعية بصفتها، وقد عدم الحجة مطلقاً وإن بمفهومها الواسع، ما يحثها على الأخذ بهذه الرخصة، تركتها. وهذا ترك مبرر، وليس فيه أي انتقاص من كمال وظيفة المحكمة ساعياً للوصول إلى الحقيقة.
وحيث إن المحكمة وإن قضت بذلك، فإنها تعي عدم التلازم بين إخفاق المدعية في إثبات الوراثة وعدمها. ولهذا، فإن المحكمة لم تفصل في هذه المسألة لنقص موجبات الفصل فيها، وإذاً فليس ما انتهت إليه، بسبب خلو أوراق الدعوى من السند القانوني للإرث، بحكم حاسم لا وجه للرجوع فيه، وليس من شأنه أن يمنع المدعية من معاودة إقامة دعواها أمام هذه المحكمة إذا ما تفادت أسباب عدم إجابتها وتغيرت حالة الأوراق التي انتهت بهذا الحكم. فهذا الحكم لا يعدو في جوهره أن يكون قضاءً في الدعوى بحالتها الراهنة التي لا تكفي لوضع حد لها. فلا تكون له، من ثم، إلا حجية موقوتة تقتصر على هذه الحالة مادامت لم تتغير.[1]
وحيث إنه عن المصاريف، تلزم المحكمةُ المدعية بصفتها بها لخسرانها الدعوى، وذلك وفقاً للمادتين 281 و282 من قانون المرافعات.
[1] وعلى هذا الرأي من الحجية الآنيّة استقر القضاء في مصر، وعلى رأسه محكمة النقض، كما يبين، على سبيل المثال، في الطعون: 635-71 جلسة 19-12-2011؛ 4922-63 جلسة 19-1-1995؛ 2256-54 جلسة 29-11-1992.


أضف تعليقاً