62 م.ك: إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة عديدة – عدم معاصرة التعويض للاستيلاء يحيله غصباً للملكية
Home Icon 2021-06-30
Home Icon د. عياد دربال

إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة عديدة – عدم معاصرة التعويض للاستيلاء يحيله غصباً للملكية - عدالة التعويض تقتضي مراعاة القيمة الحقيقية للنقد


القاعدة

إجراءات نزع الملكية لأغراض المنفعة العامة جمعٌ لا إجراء واحد. إن اتُّبعت جميعها، كان الاستيلاءُ نزعاً لدواعي المنفعة العامة تحكمه نصوصُ هذا القانون. أمّا إذا لم تُتَّبَع كلُّها أو بعضها أو حتى أحدُها، كان غصباً موجباً لتطبيق الأحكام العامة في القانون المدني.

استيلاء الشركة العامة للكهرباء يشكِّل غصباً من وجه كونه جرى بلا تعويض. فاستيفاء قرار النزع الشرائطَ القانونية جمعاء لا يزيل عن الاستيلاءِ صفةَ الغصب إلا بتقدير تعويضٍ للمالك، وإخطاره به، ونشره بالوسائل والطرق المذكورة بما يضمن وصول العلم إلى المالك بأن مبلغ التعويض متاحٌ للقبض.

ولا وجهَ للتحجج بسَعةِ الوقت لدفع التعويض وباحتماله التراخي. فالملكيةَ حقٌّ لا يحلُّ المساسُ به إلا بشروط أحدُها أن يكون مقابلَ تعويضٍ عادل. هذا أصلٌ عامٌّ يفضي إليه بداهةً اشتراطُ العدالة في التعويض من ناحية، واستعمالُ لفظ "مقابل" من ناحية أخرى. فمن ناحية، تفرض العدالةُ التواقتَ بين الاستيلاء ودفع التعويض؛ إذ المعاصرةُ جزءٌ من العدل والذي يقتضي ألَّا يُحرَم الشخصُ في الوقت ذاته من البدلين: مالِه الذي انتُزع والتعويضِ المستحقِّ عنه. ومن ناحية ثانية، فإن لفظ "مقابل" هو الآخرُ مستلزِمٌ أصالةً للفورية ما لم يصرفه عن هذه الدلالة صارف. وهذا غير موجود.

لا إلزام على المالك لاستحقاق التعويض التقدمُ بطلب به، ولا سندَ لتحدٍّ بتوقفِ الاستعجالِ في التقدير والصرف على هذا الطلب. ولئن أمكن حسبانُ تأخيرٍ إجرائيٍّ معقول في منحه مبرَّراً باعتبارات المصلحة العامة، إلا أن تقاعسَ الجهةِ الملزمة به زمناً طويلاً بلا عذرٍ سائغ تبديه يحيل استيلاءَها على عقار الغير غصباً حتى لو سلِمت إجراءاتُه السابقة بكليتها. ثم إن عدَّه غصباً لمجرد إهمال بعض الإجراءات الشكلية لَيجعلُ من نعته بالغصب لعدم التعويض مستلزَماً بحكم الأولوية. فلا مُرية في أن الاستحواذ على ملك الغير دون مقابل لهو أشدُّ صور الاعتداء على الملكية وطأةً، وإذن فلا أولى ألبتَّة بصفة الغصب منه.

الشرطُ في التعويض عدالتَه، وهذه تقتضي أن يكون مجزِئاً، ولا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه. ولذا، فعدالتُه توجب الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به. وهذه المنفعة لا تتمُّ إلا بمراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها، وهي تقدِّر التعويض، ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الواقعية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي.


بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 18 شعبان 1442هـ. الموافق: 31-3-2021
برئاسة د. عيـاد علي دربال، القاضي، وحضور ...، كاتب الجلسة،
أصـــدرت المحكمةُ، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــمَ
الدعوى: ...
المدعي: ...
المدعى عليه: الممثل القانوني للشركة العامة للكهرباء؛ الممثل القانوني للشركة العامة للكهرباء فرع المنطقة الغربية

ملخص الدعوى

اختصم المدعيُ، عن نفسه وبصفته، (يشار إليه فيما بعد بالمدعي) المدعى عليهما بصحيفة أعلنها وفق القانون. شرح الدعوى بما فحواه أنه سبق لوالده هو ومَن يمثِّل أن أقام الدعوى ...-2005 ضد المدعى عليهما أمام المحكمة المدنية الجزئية، فقضت بعدم اختصاصها نوعياً بنظرها، وهذا ما جعله يقيم الدعوى الماثلة.

يقول: إنهم يملكون بسبب الإرث مزرعةً بمنطقة ... مساحتها عشرة هكتارات، مقاماً عليها المنزل الذي يقيمون فيه. الأرض كثيرةُ الأشجار متنوعتُها. وحصل منذ سنوات عديدة أن مدَّت شركةُ الكهرباء خطوطَ كهرباء على امتدادها طولاً وعرضاً. منها خطُّ (30 ألف ك.ف.)، وآخر 11 ألف. كما نصبت فيها برجين كهربائيين على مساحة 100م2 لكلٍّ. ترتب على ذلك تكوُّن شبكة من الخطوط الكهربائية على الأرض بما عذَّر استغلالها زراعة، وخفَضَ قيمتَها عن قيمة مثلها في المنطقة. ولهذا، ولما لهذه الشبكة من أثرٍ على صحتهم وسلامتهم، سعى المورِّث إلى إزالتها، لكنه لم يلق استجابة، فاستصدر أمراً بانتداب خبير لإثبات حالة الأرض، فكان له ذلك، وأودع التقرير ملفَ الدعوى ... المشار إليها مبيِّناً الأضرارَ الناشئة.

يضيف المدعي أن حالةَ المزرعة أفقدتهم دخلهم منها، وحالت دون تشييدهم مساكنَ عليها، وأن ما يصدر من أصوات عن خطوط الكهرباء قد يسبِّبُ أمراضاً نفسيةً وجسدية، فضلاً عن إخلالها بالرَّاحة النفسية وتوليدها حالةً من الخوف من احتمال كارثة قد تنجم عن تشابك تلك الخطوط. وينتهي إلى طلب الحكم له بإلزام المدعى عليهما بالآتي:

أولاً: تعويضهم بمئتي ألف دينار عن إقامة "الأبراج الكهربائية"؛

ثانياً: تعويضهم بثمانين ألف دينار عن الأضرار المعنوية والصحية؛

ثالثاً: دفع خمسمئة ألف دينار عن حرمانهم من استغلال ما تحت الخطوط والأبراج؛

رابعاً: دفع 25 ألفاً أتعاباً للمحاماة، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل، وبلا كفالة.

بدأت المحكمةُ نظرَ الدعوى بجلسة 13-2-2019. أمامها، حضر عن المدعي محاميهم المذكور، وعن المدعى عليه الأول، محاميه الأستاذ ...، ولم يحضر الثاني. طلب محامي المدعي ضمَّ ملف الدعوى ...-2012 استئناف جزئي ... لاحتوائه مستنداتِه في الدعوى الماثلة.

ضُمَّ الملفُّ، فكان استئنافاً للحكم الصادر في الدعوى ... المشار إليها. وهي دعوى مرفوعة من مورِّث المدعي ومَن يمثل ضد المدعى عليهما بشأن موضوع الدعوى الماثلة ذاتِه. قضت المحكمة الاستئنافية بإلغاء الحكم المستأنف، وبعدم الاختصاص النوعي. ضَمَّ الملفُ مستنداتِ المدعي وهي:

-       فريضة شرعية تثبت وفاةَ المورِّث وانحصارَ إرثه في المدعي ومَن يمثل؛

-       تأشيرة أمين الزراعة بجودائم في 4-2005 بزيارة أرض المورِّث موضوع هذه الدعوى، وبإثبات "وجود خطوط كهرباء قديمة وبها (اثنان برج كهرباء)"؛

-        إفادة اللجنة الشعبية لمؤتمر جودائم بملكية المورِّث الأرضَ موضوع الدعوى؛

-       تقرير خبرة أُجريت بأمرٍ من رئيس المحكمة الابتدائية. فيه يثبت الخبيرُ وجودَ برجي "شد" حديديين، جهد (30 ك.ف.)، على 100م2 من الأرض لكلٍّ، وامتدادَ خطهما بمنتصف المزرعة. كما أثبت انتشاراً لكثيرٍ من الأعمدة الخشبية جهد (11 ك.ف.) عليها، وامتدادَ مسارين من خطوطها باتجاهات مختلفة. وخلص إلى حصر الأضرار في القيد على الاستغلال الزراعي والمعماري، وفي التأثير المباشر على الأجهزة الكهربائية.

انتهى المحامي إلى طلب حجز الدعوى للحكم له بالطلبات الواردة في صحيفة الدعوى.

دافع محامي المدعى عليه الأول كتابةً بما تجمله المحكمة في التالي:

-       عدم أهلية المدعى عليه الثاني للتقاضي. فالمديرُ العام هو الممثل القانوني للشركة؛

-       عدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى نوعياً، وانعقاده إلى لجان خاصة وفق المقرر بقانون التطوير العمراني 116-1972؛

-       نزع الملكية لا يشمل إلا المساحةَ التي يقع عليها البرج، ولا يتعداها إلى غيرها. ولهذا، لا يجوز التعويض عن غير هذه المساحة. أما الأسلاكُ الممتدة على المزرعة، فلا تشكِّل خطراً ولا عائقاً زراعياً أو رعوياً. وأما المنازل، فالخطرُ عليها محصورٌ "بالردود المحددة"، وهي ردودٌ يقع منزلُ المدعي خارجها. وأما خطُّ (11 ك.ف.)، فلا خطر فيه. كما لم يثبت المدعيُ الأضرارَ الصحية، ولا هو برهن على الانتقاص من خصوبة التربة أو تأثر الأشجار. وأما تقديرات الخبير، فكانت جزافية؛

-       حقُّ المدعي في "المطلب الأول" سقط بالتقادم وقد مضى على مدِّ الخط الكهربائي أكثر من أربعين عاماً، "ومورِّثه قد يكون استلم تعويضاً في السابق"؛

-       أعمال الشركة مشروعة، فلا وجه للتعويض عن ضررٍ معنوي.

قدم الدفاع صوراً للوثائق التالية، وكان قدَّم الأخيرتين مع مستنداته في الدعوى المشار إليها:

-       قرار اللجنة الشعبية لشعبية ... 740-2003 بنزع ملكية مواقع أبراج (30 ك.ف.) لصالح الشركة العامة للكهرباء، منها 100م2 موقع البرج 25 بأرض مورِّث المدعي؛

-       تقرير اللجنة المشكلة بقرارٍ من مدير عام المشروعات بالشركة العامة للكهرباء لحصر الأضرار الزراعية الناشئة عن إقامة الأبراج المذكورة للتو، يثبت تغطية مساحات واسعة من الأرض بالأشجار، وتضررَ 6 أشجار برتقال مثمرة نتيجة البرج 25 المقام بأرض مورِّث المدعي؛

-       قرار اللجنة الشعبية العامة 466-2009 بإنشاء لجنة التعويض عن العقارات الواقعة بمسارات المشروعات المقررة للمنفعة العامة، يقضي باختصاصها بتلقي ملفات التعويضات عن تلك العقارات، وتقدير قيمتها؛

-       تقرير لجنة إعداد الاشتراطات البيئية الخاصة بمحطات الهاتف المحمول ومحطات وخطوط نقل الكهرباء وتحديد معايير الأمان للإشعاعات غير المؤينة، والمشكَّلة بقرار أمين اللجنة الشعبية العامة للبيئة. يورد التقريرُ أن مسألةَ مدى تأثير خطوط نقل الكهرباء على الصحة العامة مازالت محلَّ جدلٍ عالمي، وأن التعرضَ للمجال الكهربائي والمغناطيسي بمستوى أعلى من الحدود الدولية هو وحدَه ما يؤثِّر سلباً على صحة الإنسان. أما ما دون ذلك، فلا دليل على خطورته، وإن كانت الإحصائياتُ تشير إلى تضاعف نسبة الأطفال المصابين بسرطان الدم ممن تعرضوا لمجالٍ مغناطيسي دون الحدود الدولية لفتراتٍ طويلة بالمقارنة بالأطفال البعيدين عنه. ويعقِّب التقريرُ بأنه وإن لم توجد أدلةٌ قاطعةٌ على آثار بيولوجية ضارة نتيجة التعرض لمستويات دون الحدود العليا، إلا أن الأمرَ بشأن الآثار على المدى الطويل غيرُ محسوم. ولذا، فالقناعةُ الدولية متجهةٌ نحو ضرورة أخذ التحوُّطات لخفض المجالات؛ لما قد يكون لها من آثار سلبية على المدى البعيد. توصي اللجنةُ، ختاماً، بضرورة إقصاء شبكات الكهرباء ذات الجهد العالي عن العمران، وبتبني الخطوط الأرضية بدل الأسلاك الهوائية، وبرفع مستوى التحوطات في الأماكن المزدحمة؛

-       رسم هندسي يصور الأبعادَ المأمونةَ لخطوط (30 و11) في الأماكن المأهولة بالسكان، محدِّداً 10 أمتار من الأولى ومن الثانية 7 حدَّاً أدنى للمسافة المحظور بناءُ المنازلِ ضمنها؛

-       رسم توضيحي أعدَّه مكتبُ الخبرة بالشركة العامة للكهرباء يبيِّن موقعي البرجين بأرض المدعي وحملَهما خطاً يقطعها من الشرق إلى الغرب، وثمانيةَ أعمدةٍ تحمل خطين لجهد (11 ك.ف.) يقطعان الأرض طولاً وعرضاً. يشير الرسمُ إلى أن "الأبعاد القانونية" من خط (30) هي 10 أمتار، فيما هي من خط (11) 7 أمتار؛

-       كتاب مدير عام التخطيط بأمانة الكهرباء بأن خطوط (30 ك.ف.) العابرة للأراضي الزراعية تمنع بناءَ المساكن على بُعدٍ أقلَّ من 15 متراً، وبأن المسافة الدنيا من قمة المنشآت المقامة تحتها هي 5 أمتار.

انتهى الدفاع إلى طلب الحكم له بموجب دفوعه.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وهنا قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءُه ليمتحن شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة، وقد اجتهدت في تفحص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها وفي الإلمام بأحكامها، والسدادَ في قضائها بشأنها. وإنه لقضاءٌ أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.
حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن المدعي محاميه. وعن المدعى عليه الأول، حضر دفاعه، ولم يحضر الثاني. وإذن، فالحكم حضوريٌّ للحاضرين فقط عملاً بالمادتين 92 و103 من قانون المرافعات. على أن المحكمة غفلت في منطوق حكمها عن تمييز الحكم بالغيابي بشأن المدعى عليه الثاني، فتشير إلى أنْ ليس لهذا الإغفال أن يشين الحكم. فما ذاك، وفق ما استقر قضاء المحكمة العليا عليه، بالبيان الجوهري فالذي يعيب تخلفُه الحكم؛ إذ إن حقيقة الواقع هي الفيصل في كون الحكم حضورياً أو غيابياً.
حيث إن تكييف الدعوى من تصريف المحكمة. وحيث إن العبرة فيه، كما تقضي المحكمة العليا في الطعن المدني 27/27ق، بالسبب المباشر المولِّد لها، وبحقيقة العلاقة بين طرفيها، بصرف النظر عما يستند إليه المدعي في تأييد طلبه أو النص القانوني الذي يقيمه عليه. وحيث إن الذي استبانته المحكمة من استقرائها لوقائع الدعوى ودفوع طرفيها ومستنداتهما، وعلى النحو الذي سيأتي تفصيله بعد حين، أن المدعى عليه الأول وإن توسَّل في استيلائه على موقع البرج 25 بقرارٍ بنزع الملكية، إلا أنه هذا لا يسعفه في نفي صفة الغصب عن فعله، كما أن ما يشفُّ عنه ظاهرُ الأوراق، من أن إقامته منشآتِه الأخرى لم تستند أصلاً إلى قرارٍ بالنزع، يحمل المحكمةَ على تكييف هذا الفعل أيضاً بالغصب. ولهذا، فالمحكمة تكيِّف الدعوى على أنها دعوى استرداد ملكية مغصوب بطريق التعويض مع التعويض عن الأضرار الناشئة، لا على أنها دعوى تعويضٍ عن نزع ملكية للمنفعة العامة، وبالتالي فإنها تُجري عليها الأحكامَ المقرَّرةَ لذلك النوع من الدعاوى.
وحيث إن من دفوع دفاع المدعى عليه الأول ما يستلزم الاختبارَ قبل وُغول صلب الموضوع، فإن المحكمة تستهل بوزنها.
وحيث إنه عن الدفع بعدم الاختصاص الولائي بدعوى انعقاده للجانٍ إدارية خاصةٍ مقرَّرة بقانون التطوير العمراني، فردّ. والمحكمة في ردِّه لَتجدُ نفسَها في غنىً عن سبر غور الافتراق القضائي بشأن هذه المسألة. ذلك أنه برغم هذا الافتراق الشديد، لا مُشاحَّة في أن استدعاءَ أحكام ذلك القانون للتطبيق مشروطٌ، في المقام الأول، بالتزام جهة الإدارة في نزعها الملكيةَ بالإجراءات التي نص عليها، وهي جمعٌ منها لا إجراءٌ واحدٌ فقط. فإن لم تفعل، عُدَّ استيلاؤها، قولاً واحداً، غصباً خاضعاً للقواعد العامة في الاختصاص المقررة في القانون المدني وقانون المرافعات المدنية. وعلى هذا، لما كانت المحكمةُ قد كيَّفت استيلاءَ شركة الكهرباء على ملك المدعي بأنه غصب لا نزع ملكية للمنفعة العامة، فإن المدعي إذ ولَّى وجهَه إليها، مقيماً دعواه هذه، طالباً ردَّ أرضِه بطريق التعويض، فإنه يكون قد ولّاه شطرَ الجهةِ المختصةِ قانوناً بالفصل فيها.
وأما الدفع بعدم صفة المدعى عليه الثاني لعدم أهليته للتقاضي، فمصيب. ذلك أن للشركة العامة للكهرباء ممثلاً قانونياً واحداً، وليس لفروعها ممثلٌ مستقلٌ عنه، بل هو وحدَه مَن يمثل هذه الفروعَ أيضاً.
وعن الدفع بالتقادم، فمرفوضٌ من وجه كون الأوراق تخلو مما يؤيده، ومع هذا، لا يدلل الدافع عليه. فهو يكتفي بإطلاق القول المرسل برغم قدرته المفترضة على إثباته، إن صح، ذلك أن المجرى العادي لأعمال الشركات يفترض تنظيمَها تنظيماً أدناه توثيقُها وحفظُ المستندات التي تتضمن تفاصيلَ تنفيذها، ومنها تاريخها.
وأما الدفع بأن المورِّث "قد يكون استلم تعويضاً في السابق"، فظاهر الفساد لابتنائه على الظن. فكان على المستمسك به رفع الصفة الاحتمالية عنه بإثبات التخلص من الالتزام وفق المقرر بالمادة 376 من القانون المدني، ولكنه لم يفعل.
لما كان ذلك، فإن المحكمة تنتقل إلى صلب الموضوع، لتستبينَ أوجهَ استيلاء المدعى عليه الأول على ملك المدعي وتبرِّرَ تكييفَه بالغصب، لتكشفَ من بعدُ عن الضرر الناشئ، انتهاءً إلى تقرير التعويض عنه.
وحيث إنه عن الاستيلاء على ملكية المدعي ومن يمثِّل، فمتحققٌ بما أقامه ذلك المدعى عليه من منشآت كهربائية على أرضهم المملوكة لهم بسبب الإرث. دل على ذلك ما ورد في المستندات المشار إليها. فقد أثبت أمينُ الزراعة في تأشيرته وجودَ خطوطٍ للكهرباء وبرجين بأرض المدعي، وحصر الخبيرُ القضائي المنشآتِ في هذين البرجين مقامين على 100م2 من الأرض لكلٍّ، وفي انتشارٍ لأعمدةٍ خشبية كثيرة، جهد (11 ك.ف.)، وفي امتدادٍ لأسلاك البرجين والأعمدة في اتجاهات مختلفة على الأرض. كما يحمل دفاعُ محامي المدعى عليه، في ما كتبه وما قدَّمه من وثائق، إقراراً بالاستيلاء على مساحة البرجين، وبامتداد تلك الخطوط الكهربائية على الأرض، وبحظر استغلال المالك للأرض، في السكن وفي المنشآت الزراعية تحتها، خارج نطاق الأبعاد المأمونة لخطي 30 و11 القاطعين لها. وهو في الإجمال لا يجادلُ في واقعية شيءٍ من ذلك، بل يمحور منازعتَه على حقِّ التعويض فحسب.
وحيث إن تلك المنشآتِ تقتطع جزءاً من الأرض ذاتها، وهي تلك المقام عليها البرجان والأعمدة الخشبية وذلك الفضاء الذي يعلو الأرضَ والذي صار مشغولاً بما مُدَّ فيه من أسلاك، وتنتقصُ من سلطات المالك على أجزاء أخرى هي تلك المحسوبة غيرَ مأمونة للسكن أو المنشآت الزراعية. وإذن، فهذا كلُّه يشكل مساساً بحق المدعي في ملكيته الأرض ملكيةً مطلقة.
وحيث إن المدعى عليه الأول توسَّل في استيلائه على الأرض بطريقين: الاستيلاء المباشر دون صدور قرار نزع ملكية، وهذا في شأن كلِّ المنشآت عدا البرج 25؛ والاستيلاء على هذا الأخير استناداً إلى قرار نزع الملكية. لذا، فالمحكمة تفصِّل في تكييف الطريقين للزومه في تحديد الأحكام القانونية واجبة التطبيق.
أما هذا الذي لم تستند فيه إلى قرارٍ سابقٍ بنزع الملكية، فهو، وفق ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا في العديد من أحكامها، بمثابة غصبٍ للملكية. فلا ينقل الملكية، ويظل من حقِّ ذي الشأن استردادُ ملكه المغتصب بالحالة التي كان عليها، أو طلبُ التعويض النقدي إذا ما تعذر التنفيذُ العيني أو آثرَ هو التعويض. وحيث إن المدعي يكتفي بطلب التعويض، فإن دعواه في هذا الشق دعوى استرداد ملكية بطريق التعويض.
أما الدعوى بالتعويض عن استيلاء المدعى عليه على موقع البرج 25، فهي الأخرى بالتكييف المتقدم. ذلك أنه ولئن استند الاستيلاءُ إلى قرار اللجنة الشعبية لشعبية ... 740 بنزع ملكية المئة مترٍ المقام عليها، إلا أنه، علاوة على عدم شموله بالنزع فضاءَ أسلاك البرج، غير مجزئٍ في رفع صفة الغصب عن الاستيلاء على مساحة البرج. فهذه الصفةُ أصلٌ ملازمٌ لاستلابِ أملاك الغير، ولا ينخلعُ منه إلا بسببٍ قانوني، وهو في دعوانا نزعُ الملكية لأغراض المنفعة العامة ووفق إجراءاتٍ نصَّ عليها قانون التطوير العمراني تفصيلاً. فإذا لم يكن كذلك، عُدَّ مصادرةً وغصباً محظوراً. وقد أدركتِ المحكمةُ العليا حرصَ المشرع على قداسة حقِّ الملكية وإحاطتِه بضمانات موضوعية وإجرائية تكفله، وذلك من تشدّده في تقرير شروطِ تجويزِ المساسِ به، ولهذا نراها ثابتةً في أحكامها على إيجاب اتباع كِّل الإجراءات التي حدَّدها هذا القانون، وعلى عدِّ النزع المخالف لها غصباً. وهي تدأب على استعمالها لفظ "الإجراءات"، بصيغة الجمع لا المفرد، تأكيداً على أنها حزمةُ أعمال لا عملٌ واحد. وحدَّدتها في حكمها الصادر في الطعن المدني 29/33ق في أنها تلك التي نصَّ عليها قانون التطوير العمراني "في المادة 17 والمواد التي بعدها"، ورتَّبت على تخلُّف أيٍّ منها استحالةَ الاستيلاءِ غصباً. وفي الطعن المدني 17/27ق حصرتها في أنها "المنصوص عليها في المواد 17 و18 و19" من قانون التطوير العمراني، قاضيةً بأنه "إذا لم تبدأ الجهةُ الإدارية هذه الإجراءاتِ، واستولت على العقار، فلا مجال لتطبيق المادة 34 من هذا القانون ولا للقرار المحدِّد لتسعيرة الأراضي"، واصفةً الاستيلاءَ في هذه الحالة بالقول إن "قضاء المحكمة العليا قد جرى على أن استيلاء جهة الإدارة على عقار لضمِّه للمنفعة العامة دون أن تتخذَ الإجراءات التي يوجبها قانونُ نزع الملكية لا ينقل الملكيةَ، وإنما يبقى العقارُ على ملك صاحبه حتى يتمَّ استرجاعُه أو التعويضُ عنه بقيمته وبمقدار ما أصاب باقي الأرض المتخلفة بعد الاستيلاء من ضرر." وقد استقر قضاؤها على هذا المذهب كما يظهر من جملةٍ من أحكامها في طعون مدنية منها: 12/22ق؛ 118/22ق؛ 29/24ق؛ 102/25ق؛ 46/26ق؛ 69/44ق؛ 101/46ق.
لما كان ذلك، فإن الفيصل في وصف الاستيلاء على عقار الغير بأنه نزعٌ مشروعٌ أو غصب هو بمدى اتباعه الإجراءاتِ المقررةَ في المواد المذكورة. فإن اتُّبعت جميعُها، كان الاستيلاء نزعاً لدواعي المنفعة العامة تحكمه نصوصُ قانون التطوير العمراني. أمّا إذا لم تُتَّبَع كلُّها أو بعضها أو حتى أحدُها، كان غصباً موجباً لتطبيق الأحكام العامة في القانون المدني. ولهذا، فالمحكمة تستعرض ههنا هذه الإجراءاتِ توطئةً لتكييف واقعة الاستيلاء على أرض البرج 25:
صدور قرار من الجهة المختصة بنزع الملكية للمنفعة العامة؛
أن يكون النزعُ تنفيذاً لمشروعِ إسكانٍ أو تطويرٍ عمراني أو صناعة؛
أن يتضمن القرارُ بياناً محدَّداً ووافياً عن المشروع ذي النفع العام. فإن لم يكن، وجب أن يرفقَ به هذا البيان؛
أن يتضمن بياناً محدَّداً وافياً عن العقارات اللازمة للمشروع وحدودها، أو أن يرفق به؛
أن يُنشر القرارُ والبيانُ كلاهما في الجريدة الرسمية؛
إيداع القرارِ والبيانِ كليهما مكتبَ السجل العقاري؛
تعويض مالك العقار بما تقدِّره، وفق معاييرَ محددة، لجانٌ مشكَّلة بقرار من وزير الإسكان؛
إخطار المالك الظاهر بقرار تقدير التعويض، ونشره مرتين في إحدى الصحف، وتعليقه على لوحة الإعلانات بالبلدية، وبمقر مركز الشرطة، وفي مكان ظاهر بالعقار.
ينبني على ذلك أن استيلاء المدعى عليهما على ملكية أرض المدعي، وإن استند إلى قرار بنزع الملكية، يظل غصباً من عدة أوجه يكفي الواحدُ منها بذاته لصلاحية النعت:
فهو غصبٌ من وجهِ كونِ قرارِ النزعِ ليس بالقرار الذي عناه المشرع؛ إذ هذا مقيدٌ بجملةٍ من الشروط، وذاك صدر خالياً منها. فمن جهة، لم يكن البيانُ الذي تضمنه عن المشروع العام وافياً بما يمكنُ استبانةُ تفاصيله والتحققُ من لزومه للنفع العام والذي يقتضي، وفقاً للمادة 18 من قانون التطوير العمراني، أن يكون من أجل أحد المشاريع المذكورة. أما مجرد بيان أن النزع من أجل إقامة أبراج الجهد (30 ك.ف.) لصالح الشركة العامة للكهرباء، فإنه وإن ترجَّح معه أن المشروع يبتغي النفعَ العام جرياً مع طبيعة عمل الشركة، إلا أنه لا يقطع في الدلالة على أن هذا النزعَ بذاته حتميٌّ لتحقيق هذه المنفعة. وما نصَّ المشرِّعُ على وجوب البيان المحدَّد الوافي للمشروع إلا ليضمن عدمَ تعسُّف جهة الإدارة واجترائها على الاستحواذ على أملاك الغير دون تدليلٍ كافٍ على ضرورته للمنفعة العامة، ناقضاً بهذا الشرطِ القولَ بمتلازمة المنفعة العامة في أعمال الإدارة العامة.
ومن جهةٍ ثانية، فإن القرار لم يتضمن بياناً محدَّداً وافياً بالعقارات اللازمة للمشروع وحدودها. فهو وإن بيّن أن المساحةَ المنزوعة من أجل البرج 25 هي 100م2 بمزرعة ... (مورِّث المدعي)، إلا أنه لم يوضِّح موقعَ البرج في المزرعة، ولا هو بيَّن حدودَ هذه المزرعة بما يضمن أن الاستيلاءَ على المساحة المحدَّدة لم يجرِ جزافاً بغير قاعدة، بل بعد تدقيقٍ وتمحيصٍ ودراسةٍ جديَّةٍ كشفت عن الحاجة إليها لإمضاءِ مصلحةٍ عامةٍ حقيقية تبرِّر التضحيةَ بملكية المالكِ وسلبَها منه مع ما في هذا من مساسٍ بحقٍّ محوريٍّ له جبراً عنه.
وحيث إنه ليس في القرار ما يشير إلى بيانٍ مرفقٍ به يكمِّل كلَّ ذلك النقص (النقص في بيان المشروع وبيان حدود العقار)، فإنه لا يصلح أساساً لنزعِ الملكيةِ المشروع. والمحكمة في ردِّها له لَمدركةٌ أنه ردٌّ لجدواهُ في المحاجّة في هذا المقام لا ردٌّ لمشروعيته المفترضة في ذاته كقرار إداري. ولا يخفى أن هذين أمران متمايزان تماماً.
ومن جهةٍ ثالثة، يظهر عدمُ اتباع الإجراءات القانونية في الاستيلاء على موقع البرج 25، في أنه ليس في الأوراق ما يثبتُ نشرَ كلٍّ من القرار والبيان الوافي، على افتراض وجوده، في الجريدة الرسمية. ولمثل هذا، يجري قضاء محكمة النقض المصرية على حسبان الاستيلاء غصباً. فهو عندها كذلك إذ تمَّ على عقار صدر بشأنه قرار نزع ملكية للمنفعة العامة ونُشر في الجريدة الرسمية لكنه لم يودَع بالشهر العقاري في الميعاد المحدد قانوناً أياً كانت الأسباب (10023/88ق، جلسة 22-6-2019؛ 26/56ق، جلسة 8-6-1988).
وحيث إن المدعي يخطِّئُ استيلاءَ شركة الكهرباء على أرضه بدعوى عدم استناده إلى القانون. وحيث إنه أفلح في إثبات وقائع الاستيلاء على النحو الذي مرَّ تصويرُه، فإن على المدعى عليه الأول، وقد تحجج بشرعية الاستيلاء على أرض البرج 25 أن يدللَ عليها. وحيث إنه اكتفى بتقديم قرار النزع بحالته الموصوفة، ولم يتعدَّ ذلك إلى البرهنة على تحقق شروطه المقررة قانوناً وعلى سلامة إجراءاته بأسرها، وليس في الأوراق ما يثبتها، فإن ذلك يقصُر عن أن يجزئَه في قبول دفعه.
وعلاوة على ذلك، فإن استيلاء المدعى عليه على ملكية أرض البرج يشكِّل غصباً من وجه كونه جرى بلا تعويض. فحتى لو سلمنا، على سبيل الافتراض الساقط، أن قرارَ النزع مستوفٍ الشرائطَ القانونية جمعاء، فإن هذا حسبه لا يزيل عن الاستيلاءِ صفةَ الغصب. فالمادتان 19 و22 من قانون التطوير العمراني تستلزمان لعدِّه نزعاً للمنفعة العامة تقديرَ تعويضٍ للمالك، وإخطارَه به، ونشرَه بالوسائل والطرق المذكورة. ومؤدَّى هذا أن يجريَ التقديرُ، ويُعلَنَ عنه، ويخطرَ المالكُ بأن مبلغ التعويض متاحٌ للقبض. وحيث إن هذه إجراءاتٌ توافق الخصمان على عدم اتباعها؛ إذ لعدمها قامت هذه الخصومة، فإن الاستيلاء يكون معيباً في إجراءاته من هذه الناحية أيضاً.
ولا وجهَ للتحجج بسَعةِ الوقت لدفع التعويض وباحتماله التراخي. ذلك أنه من المقرَّرَ قانوناً والمستقر عليه قضاءً أن الملكيةَ حقٌّ لا يحلُّ المساسُ به إلا بشروط أحدُها أن يكون مقابلَ تعويضٍ عادل (المادة 814 من القانون المدني؛ المادة 21 من قانون التطوير العمراني؛ الطعن المدني: 28/26ق؛ 207/41ق). وحيث إن هذا أصلٌ عامٌّ يفضي إليه بداهةً اشتراطُ العدالة في التعويض من ناحية، واستعمالُ لفظ "مقابل" من ناحية أخرى، فلا يجوز الخروجُ عنه إلا بنصٍّ صريح في القانون. فمن ناحية، تفرض العدالةُ التواقتَ بين الاستيلاء ودفع التعويض؛ إذ المعاصرةُ جزءٌ من العدل، وهذا (العدل) يقتضي ألَّا يُحرَم الشخصُ في الوقت ذاته من البدلين: مالِه الذي انتُزع والتعويضِ المستحقِّ عنه.[1]
ومن ناحية ثانية، فإن لفظ "مقابل" هو الآخرُ مستلزِمٌ أصالةً للفورية ما لم يصرفه عن هذه الدلالة صارف. وهذا غير موجود.
أضف إلى ذلك أن الذي يُفهم من نصوص قانون التطوير العمراني أيضاً أن المشرع يوجب التعويضَ الكامل على وجه السرعة، وأنه لا يقرُّ تأخيراً في دفعه إلا إذا جاوز مبلغاً محدداً. فإن جاوزه، أُدِّي بعضُه، ودُفع ما تبقى على أقساطٍ سنوية بإضافة نسبة ثابتة (المادة 25). كما يضَحُ وجوبُ الاستعجال في أداء التعويض من نص المادة 29. فبتعليقه ردَّ العقار المنزوع، في حالة عدم تنفيذ المشروع، على ردِّ المالك ما قبضه من تعويض، يكشف المشرِّعُ عن فكِّه الارتباطَ بين دفع التعويض والبدء في تنفيذ المشروع، وهو ما ينبئ عن أن التعجيلَ في التعويض واجبٌ حتى عند التَّأنِّي في التنفيذ. وما استعمالُه عبارةَ "وبشرط أن يردّوا ما صُرف إليهم من تعويض" إلا دليلٌ على التسليم بوجوب التعويض عاجلاً ودون انتظار إلى ما بعد تنفيذ المشروع. فلو لم يكن الأمر كذلك، لجاءت العبارةُ في صيغة تقليلٍ لا تحقيق، كأن يقول: "وبشرط أن يردوا ما قد يكونوا قبضوه من تعويض".
وعلى ذلك، فإنه ولئن أمكن حسبانُ تأخيرٍ إجرائيٍّ معقول في منح التعويض مبرَّراً باعتبارات المصلحة العامة التي توجب ترجيحَها على الخاصة، وداعياً أيضاً للمجادلة في اختصاص القضاء بالفصل في التعويض دون اللجان المذكورة في القانون، إلا أن تقاعسَ الجهةِ الملزمة به زمناً طويلاً بلا عذرٍ سائغ تبديه يحيل استيلاءَها على عقار الغير غصباً حتى لو سلِمت إجراءاتُه السابقة بكليتها. ثم إن عدَّه غصباً لمجرد إهمال بعض الإجراءات الشكلية لَيجعلُ من نعته بالغصب لعدم التعويض مستلزَماً بحكم الأولوية. فلا مُرية في أن الاستحواذ على ملك الغير دون مقابل لهو أشدُّ صور الاعتداء على الملكية وطأةً، وإذن فلا أولى ألبتَّة بصفة الغصب منه.
ولا سندَ لتحدٍّ بتوقفِ الاستعجالِ في التعويض على تقدُّم المالك بطلب به. فباستنطاق نصوص قانون التطوير العمراني من المادة 19 إلى 29 يتجلّى أن المبادرة في هذا تكون من جهة الإدارة لا ممن استَلبتْه ملكيتَه. فقد ارتأى المشرعُ أن العدالةَ تقتضي ألَّا يُثقِل عليه بمزيدٍ على ما لاقى من حرمانه من ملكيته عنوةً. ولهذا، لم تتضمن النصوصُ أيَّ إشارة إلى وجوبِ سَبقه بالمطالبة بالتعويض، بل إن نصها على "استحقاق المالك التعويض"، و"التزام لجان التعويض بتقديره"، و"وجوب إخطار المالك بقيمته"، و"منحه الحق في الاعتراض"، لواضحُ في الدلالةِ على وجوب مسارعة جهة الإدارة بإجراءات التعويض إلى مداها الذي هو جعْلُ مبلغه مهيَّأً للقبض. ولا نجدُ إلزاماً على المالك بتقدُّمه بطلبٍ إلا في حالة واحدة هي عند تخيّره ردَّ العقار لعدم تنفيذ المشروع، أو في حالة اعتراضه على تقدير التعويض. والعلة ههنا، ولا شك، جلية. وعليه، فإن الظاهر الذي يؤيده سياق النصوص وقواعد العدالة ولا يوجد لما يخالفه سندٌ هو أن المشرّع يلزِمُ الجهةُ المنتفعة، وقد نَزعَت لها الإدارةُ عقاراً، أن تُفرِّج عن مالكه بالعوض دون تأخيرٍ ولا توقُّفٍ على طلب منه.
لما كان ذلك، وكان قد مضى على استيلاء شركة الكهرباء على أرض المدعي سنوات، وكان المدعى عليه إلى اليوم يرفض تعويضَه عن ذلك، فلا جرمَ أن يكون فعلُه غصباً للملكية من هذه الناحية أيضاً، إذ ما الغصب في معناه الدقيق وأظهره إلا استحواذٌ على ملك الغير دون مقابلٍ عادل، فكيف به إذا حصل دون أيِّ مقابل؟!
ولا يغير من مذهب المحكمة بشأن ضربَيِّ استيلاء شركة الكهرباء على ملك المدعي ما يقضي به قرارُ اللجنة الشعبية العامة 1067 لسنة 1984 بإصدار النظام الأساسي للشركة العامة للكهرباء، مِن منحها الحقَّ في سبيل تحقيق أغراضها في أن "تتبع مختلف الوسائل القانونية، وأن تباشرَ جميع الأعمال اللازمة لذلك"، والتي منها مدُّ الأسلاك وإقامةُ المجمَّعات فوق أرضي الأفراد مع تعويض ذوي الشأن تعويضاً عادلاً عن الأضرار المترتبة. ذلك أنه، وإن كان لها هذا بموجبه، إلا أن مكانة هذا القرار في هرم القواعد القانونية، تمنعه من أن يصلح وحده سنداً للمساس بحق الغير في الملكية دون رضاه؛ فهذا مصون بالدستور وبموجب تشريع وفق ما مر. وبالتالي، لزم الشركةَ العامةَ لمشروعية أعمالها الماسة بحق ملكية الغير أن تتبعَ الطريقَ المقررَ لذلك في هذا التشريع. ولا ترى المحكمةُ في القرار ذاته ما يمكن حملُه على غير ذلك. فهو يفرض على الشركة اتباعَ "الوسائل القانونية" للاستيلاء على حقِّ الملكية أو الانتقاص منه، ثم يلزمُها بتعويض ذي الشأن التعويضَ العادلَ وفق المقرر بالقانون. وهذا مدعاةٌ لوصفه بالتنفيذي لا المنشئ من حيث إنَّ ما يفرضه متماشٍ مع أحكام قانون التطوير العمراني، القانون الأساسي لأحكام نزع الملكية، وإذن فالوسائل القانونية المقصودة هي تلك التي يتضمنها هذا القانون والذي يبسط أيضاً أحكامَ التعويض العادل، وهو كذلك الذي يقرر التزامَ الجهةِ المنتفعة، لا مقررةِ النزع، بتحمُّله.
لما كان ما تقدم، فمشروعيةُ أعمال شركة الكهرباء، وفقاً للقرار 1067 والقانون كليهما، توجب مبادرتَها باستصدار قرارٍ بنزع الملكية من الجهة المختصة. أمَا وهي لم تفعل في الضرب الأول من استيلائها على عقار المدعي، وكانت الإجراءاتُ في الثاني مشوبةً بعيب عدم اكتمالها، فإنه لا يكون من أصلٍ في القانون لإضفاء المشروعية على سلوكها بالاستناد إلى ذلك القرار.
وحيث إن المحكمة انتهت إلى ثبوت استيلاء المدعى عليه الأول على أرض المدعي في ما بيَّنته من أجزائها، وثبت لها أن هذا الاستيلاءَ يشكل غصباً للملكية، صار حقاً له عليها أن تردَّ إليه ما سُلب. وحيث إنه اختار ذلك بطريق التعويض عما لحق من ضرر. وحيث إن هذا ثابتٌ بنوعه الماديِّ بما عُلمَ من تجريده ومَن يمثل من ملكيتهم أجزاءَ من أرضهم ومن ثمارها، وبنوعه المعنوي بما رتبه السلبُ من مساس بعاطفته، كل ذلك على النحو الذي سيأتي نبؤه حالاً. لذلك، فإن المحكمة تؤتيه سؤلَه بالتعويض، محتكمةً في تقديره إلى القواعد العامة في القانون المدني (المواد: 173 و224 و225) التي تمنحها من سلطة واسعة لا يحدُّها فيها إلا أن يكون مكافئاً للخسارة اللاحقة والكسب الفائت.
وحيث إنه عن تقدير التعويض عن الضرر المادي، فإنه لما كان هذا النوعُ من الضرر هو ذاك الذي يمس بمصلحة مشروعة للمضرور في شخصه أو في ماله. وحيث إن المقصودَ به في الجانب المالي الخسارةُ الماليةُ اللاحقةُ بالمدعي ومن يمثل، وما فاتهم من كسبٍ مما هو نتيجةٌ طبيعية للغصب، لذا فالمحكمة تقدِّر التعويضَ عنه بالمبلغ الوارد بالمنطوق، مستهديةً بطول زمن حرمانهم من ملكهم دون مقابل، وبالمعلوم من الارتفاع الشديد في قيمة الأراضي في السنوات الأخيرة، لاسيما الشجراء منها كأرضه، وبحجم ما اقتطعه المدعى عليه الأول من الأرض وما يعلوها، وبما أنقصه من سلطات المالكين على أجزاء أخرى منها ومما يعلوها، وبما تضرَّر من أشجار البرتقال المثمرة، وبما فرضه الاستيلاءُ من قيود على حق استعمال الأرض واستغلالها والمقرر بالمادتين 811 و812 من القانون المدني. فقد حُرموا من الحق في إقامة مساكن عليها ومنشآت أخرى في نطاقها على النحو الذي سلف تفصيله. كما تستحضر المحكمةُ ما طرأ على قيمة الأرض المتبقية من انخفاض حتمي بسبب كلِّ ذلك انخفاضاً يفوِّت على المالكين مغنمَ الاستفادة من قيمتها الحقيقة فيما لو لم تكن مثقلةً بتلك المنشآت، سواء من حيث ثمنُها أو أوجهُ الانتفاع الزراعي والعمراني بها.
وحيث إنه عن تقدير التعويض عن الضرر في الشق الأدبي، فأساسُه أن هذا النوع من الضرر، وفق مدلول ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا، هو المصاب في الشعور أو العاطفة أو الكرامة أو الشرف أو ما شابه ذلك مما يصيب الواحدَ في قيمٍ معنوية مهمة في حياته. وهو من الخفايا غيرِ المدركة بالظاهر، بحيث يتعذَّرُ لمسُه والوقوفُ عليه وتحديدُ عناصره. وعليه، يكفي المدعيَ لقبول طلبِه التعويضَ عنه معقوليةُ تصوّر ترتبه عن فعل المدعى عليه، ومعقوليةُ مقدار المبلغِ المرادِ جبراً له أو تخفيفاً منه.  والمحكمة تقدِّر ستين ألف دينار تعويضاً مجزئاً في التهوين منه، مسترفدةً ما تصورته من مصاب المدعي ومَن يمثل في أنفسهم، من يوم الاستحواذ على ملكهم، دون أيِّ تعويض يطفئ أُوار توجّعهم أو يخفِّفه، إلى يوم الفصل في هذه الدعوى، وما ألمَّ بهم في شعورهم وعاطفتهم من حزن لا شك أنه ظل يتفاقم أثناء هذا الزمن الطويل. كما تستهدي المحكمة في التقدير بحالة التوجس من المخاطر الصحية التي قد تفضي إليها الموجات الصادرة عن المنشآت الكهربية. فمع أن هذه المخاطرَ، وفق التقرير العلمي المشار إليه، غيرُ قطعية الحدوث، إلا أن التقرير لا ينفيها، بل يذهب إلى احتمال تأثيرها سلباً على الصحة على المدى البعيد. ولا شك في أن هذا، وإن لم يصلح لقيام الضرر المادي بسبب طبيعته الاحتمالية، إلا أنه كافٍ لإثارة حالةٍ من الخوف من الخطر في قلوب المالكين. وهذا في ذاته ضررٌ معنويٌّ مستمر.
وحيث إنه لما كان الشرطُ في التعويض عدالتَه، وكانت هذه تقتضي أن يكون مجزِئاً. وحيث إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه، أي مواسياً ومتناسباً مع وزن الضرر وملابساته دون إسراف أو تقتير. وصفوة القول أن عدالتُه توجب، مع ما تقدم، الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به عند القضاء به. وهذه المنفعة لا تتمُّ إلا بمراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لكلِّ ذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها، وهي تقدِّر التعويض، ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الواقعية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي، والذي كان بموجب قرار مصرف ليبيا المركزي 1 لسنة 2020 بشأن تعديل سعر صرف الدينار. وكما تقول محكمة النقض المصرية في جملة من أحكامها، كذينك الصادرين في الطعنين 5860/89ق، جلسة 19-5-2020؛ و16048/88ق، جلسة 19-12-2020، فإن تغيُّر قيمة النقد هو أحد المؤِّثرات على مقدار التعويض عن الضرر، ومن ثم، فعلى القاضي ليكون تعويضُه عادلاً أن يراعيَه.
وحيث إنه عن طلب شمول الحكم بالنفاذ المعجل، وبغير كفالة، فالمحكمة ترفضه لعدم تحقق أيٍّ من مسوغاته الواردة في المادة 380 من قانون المرافعات.
وحيث إنه عن المصاريف، فيتحملها المدعى عليه الأول، خاسر الدعوى، استناداً إلى نصي المادتين 281 و282 من قانون المرافعات.


[1]  ولهذا استقر قضاء محكمة النقض المصرية على أن أنه لا يجوز أن "يُنتقَصَ من ملكية أحدِ الأفراد أو حقوقه إلا إذا عاصر ذلك تعويضٌ مكافئٌ لما لحقه من خسارةٍ وما فاته من كسبٍ. فالمعاصرةُ جزءٌ من العدل؛ لأن العدلَ يقتضي ألَّا يُحرَم الشخصُ في الوقت ذاته من البدلين: مالِه الذي انتُزع أو التعويضِ المستحقِّ عنه." (نقض مصري: 16048/88 ق جلسة 19-12-2020؛ 5860/89ق، جلسة 19-5-2020؛ 14025/83ق، 9-3-2020).

 

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً:

أولاً: بعدم قبول الدعوى ضد المدعى عليه الثاني؛

ثانياً: بإلزام المدعى عليه الأول بأن يدفع للمدعي، عن نفسه وبصفته، مئتي ألف دينار تعويضاً عن الأضرار المادية، وستين ألفاً تعويضاً عن الأضرار المعنوية؛

ثالثاً: بإلزام المدعى عليه الأول بالمصاريف، وبرفض ما عدا ذلك من طلبات.