الالتزامات الناشئة عن المعاهدات، وعن قواعد حقوق الإنسان
الخطة
المطلب الأول: الالتزامات الناشئة عن المعاهدات الدولية بشكل عام
الفرع الأول: الالتزام بتطبيق المعاهدة وبتنفيذ أحكامها
الفرع الثاني: تغليب أحكام المعاهدة على قواعد القانون الداخلي
المطلب الثاني: التزام الدولة بإنفاذ قواعد حقوق الإنسان على الصعيد الوطني
الفرع الأول: الالتزام باحترام حقوق الإنسان
الفرع الثاني: الالتزام بضمان حقوق الإنسان
الفرع الثالث: سن القوانين اللازمة لإنفاذ حقوق الإنسان
المطلب الثالث: اختبار ضمانات حقوق الإنسان في القانون الليبي في ضوء الضمانات الدولية (تطبيق عملي)
الفرع الأول: مقارنة عامة بالحقوق الواردة في الوثائق الدولية المصدّق عليها من الدولة الليبية
الحق في محاكمة عادلة – حق المساواة بين الرجل والمرأة - الحق في الخصوصية الثقافية - حرية الرأي والتعبير
الفرع الثاني: بيان مدى حاجة القوانين الوطنية للتعديل ضماناً وحماية لهذه الحقوق ولغيرها من حقوق الإنسان.
مسائل للمناقشة
يتضمن المطلب الأخير من هذه المحاضرة أسئلة جوهرية ترتبط بالغاية من دراسة المادة في هذه المرحلة. يفترض في المتدرب أنه تلقَّى حتى الآن قدراً كافياً من المعلومات النظرية كفيلاً بأن يسعفه في الاستهداء إلى إجابة عن كل الأسئلة.
القدرة على إجابتها والمشاركة في النقاش دليل على استيعابك الجيد لما درست. لذا، ستكون هذه المحاضرة في غاية الأهمية لتقييم أدائك ومشاركتك. فلا تفوت هذه الفرصة.
المطلب الأول: الالتزامات الناشئة عن المعاهدات الدولية بشكل عام
تضمنت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الأحكام الخاصة بالالتزام بالمعاهدات الدولية وبتنفيذها في المواد من 26 إلى30، وفي المواد 61 و62 و63. طبقاً لها، فإن تصديق الدولة على المعاهدة الدولية يفرض عليها التزامات قانونية. هي التزامات حتمية، وهي صارمة ومعينة إلى حد أنه ليس لسلطان الدولة حيالها سلطة تقديرية إلا ضمن هامش تقديري ضيق. فلئن كان لها ابتداءً السلطان المطلق في الإقبال على المعاهدة أو العزوف عنها، إلا أنها متى صارت طرفاً فيها، تحدَّد سلطان إرادتها في شؤون المعاهدة، وبشكل فوري، بما تفرضه أحكامها عليها. ولا يغير من طبيعة التزامها وحدوده تعلُّقُ هذه الأحكام بشؤون داخلية كان التدخل الدولي فيها في الماضي يشكل تعدياً على سيادة الدولة وتدخلاً في شؤون الغير. يمكن إجمال هذه الالتزامات في التزامين رئيسين:
الفرع الأول: الالتزام بتطبيق المعاهدة وبتنفيذ أحكامها
لا يَنتقص من القيمة القانونية للقاعدة الدولية عدم تمتع كل قواعد القانون الدولي من الناحية العملية بدرجة واحدة من القبول بين الدول المختلفة، ولا أن الدول في العادة تقبل بعض القواعد وتطرح أو تتجاهل أخرى أو تفسرها بطريقة تتملص بها من الالتزام بمضمونها الحقيقي. فكل هذه الحقائق تبقى مجرد ممارسات فردية منفصلة عن القيمة القانونية. وطبقاً للقانون الدولي، فإن موقف دولة ما أو بعض الدول تجاه قاعدة قانونية دولية لا يغير من طبيعة هذه القاعدة أو مضمونها، إذ تسمو القاعدة القانونية ما دامت سارية إلى أن يتم إلغاؤها أو نسخها بقاعدة قانونية دولية أخرى، عرفية كانت أو اتفاقية.[1]
تصير الدول الأطراف في المعاهدة ملزمة بتنفيذ أحكامها من اليوم الذي تدخل فيه حيز التنفيذ بالنسبة إليها. هذه الفورية أصلٌ في التنفيذ لا يجوز الخروج عنه إلا في الأحوال التي تقضي فيها المعاهدة بواجب التدرج في تنفيذها. ومن لوازم هذا الواجب أن تنفَّذ المعاهدة بحسن نية، وأن تتخذ الدولة الطرف كل التدابير الضرورية لوضع أحكامها موضع التنفيذ العملي.[2] ولا يصح لها التحجج بمبررات غير مقبولة في عين القانون الدولي للتخلص من تنفيذ أحكام المعاهدة، كأن تعلن بإرادتها المنفردة تحللها من التزاماتها، أو أن تدفع بانقضاء المعاهدة، أو أن تتخلى عنها بذريعة تغير نظامها القانوني أو السياسي عن ذاك الذي كان سائداً إبان إبرامها، أو بحجة وقوف الدولة على تعارض بين قواعد المعاهدة وقواعد اتفاقية أخرى أبرمتها مع الغير. ولا يبرر لها ذلك أيضاً التحدي بانقطاع العلاقات الدبلوماسية أو القنصلية مع أطراف المعاهدة، أو باستحالة تنفيذها بشكل دائم أو مؤقت إذا كانت هذه الاستحالة بخطأ منها.[3]
وقلما تشترط المعاهدات الدولية طرقاً محددة لتنفيذها على المستوى الوطني، أو تقرر نفاذها بشكل مباشر دون الحاجة إلى تدابير إضافية ودون الأخذ في الحسبان القواعد الدستورية للدولة المعنية.[4] فلا وجود لطريق أو شكل محدد للدول لتسلكه في تطبيقها للقانون الدولي. وهكذا فإن لها حرية اختيار الطرق المناسبة لتنفيذ التزاماتها الدولية بشكل عام، والتزاماتها الناشئة عن المعاهدات الدولية خصوصاً.[5] وغالباً ما تسلك الدول في تطبيقها للقانون الدولي الاتفاقي واحداً من طريقين: إما أن تختار إدماج المعاهدة الدولية ضمن جسم قانونها الوطني، وإما أن تفضل انعكاس التزاماتها الناشئة عنها في تشريعات قانونية.[6] العبرة في القانون الدولي إنما هي بتنفيذ التزامات الاتفاقية بصورة فعلية بصرف النظر عن الآلية المتبعة.[7]
وتُعدُّ المعاهدة الدولية ذاتية التنفيذ أو قابلة للتنفيذ المباشر إذا كانت المحاكم الوطنية تقبل تطبيق أحكامها بشكل مباشر دون الحاجة إلى نصوص تشريعية إضافية. هذه المكانة للمعاهدة ترخص للأفراد التمسك بها أمام المحاكم للتظلم من أي تعد على حقوقهم المعترف بها فيها، تماماً مثلما يفعلون مع القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية الوطنية.[8] ولا تعد المعاهدة كذلك إذا كانت كل أحكامها مرفوضة التطبيق بشكل كلي أمام المحاكم الوطنية، أو كانت مقبولة التطبيق في جزء منها فقط.[9]
وعلى نطاق معاهدات حقوق الإنسان، تشترط المادة 2(2) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على الدول الأطراف "أن تتخذ، طبقاً لإجراءاتها الدستورية ولأحكام ... العهد، ما يكون ضرورياً ... من تدابير تشريعية أو غير تشريعية" لإعمال أحكام العهد. والإشارة إلى اتخاذ "ما يكون ضرورياً" طبقاً للإجراءات الدستورية، تحمل معنى الحاجة إلى تدخل الدولة لتبني أساليب التنفيذ المناسبة لإعمال تلك الحقوق.[10] وهذا يدلل بوضوح على أن العهد لا يقرر التطبيق المباشر له على المستوى الوطني،[11] بل يترك الخيار للدول الأطراف في اتخاذ الآليات المناسبة لتنفيذ أحكام العهد على أقاليمها. وقد استقرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان على تبني هذا الفهم لنص المادة الثانية زمناً طويلاً، وإن لم تخف استحساناً للتطبيق المباشر للعهد.[12] وعلى هذا فإن الدول الأطراف في العهد غير مطالبة بأكثر من اتخاذ كل التدابير الضرورية التي تختارها وفقاً لنظامها القانوني من أجل تنفيذ أحكام العهد وإعمال الحقوق الواردة فيه. فليس للمحاكم الوطنية ولا للأفراد أو الجهات المعنية إقحام نصوص العهد مباشرة للتنفيذ إذا ما كان النظام القانوني للدولة لا يسمح بذلك. ولا تكون الدولة مسؤولة دولياً مادامت تضع أحكام العهد موضع التنفيذ عن طريق تشريعات وطنية.[13]
الفرع الثاني: تغليب أحكام الاتفاقية على قواعد القانون الداخلي
من أهم ما يعترض التطبيق الفعلي لقواعد القانون الدولي التحجج بالقانون الداخلي مبرراً لعدم تنفيذ الالتزامات الدولية لاسيما تلك المتعلقة بشؤون منظمة بتشريعات وطنية. ومنشأ هذه العقبة التمسك بمبدأ سيادة الدولة على إقليمها، ورفْض إقحام القانون الدولي في شؤونها الداخلية التي تفضّل إبقاءها ضمن الاختصاص المانع للقوانين الصادرة عنها انطلاقاً من أن الدولة ذاتها/المعنية أقدر من غيرها على تحديد مصالحها وتلبية حاجاتها الاجتماعية وأكفأ بحكم خصوصياتها الثقافية على تعيينها بدقة.
سمو القانون الدولي، الاتفاقي خصوصاً، على القانون الداخلي، وبصرف النظر عن مدى توفيقه/صحته/سلامته والتقيّد عملياً به، مبدأ راسخ في القانون الدولي. بموجبه يمتنع على الدول الأطراف في المعاهدات الدولية التذرع بالقانون الوطني في عدم تنفيذها. وهو في الإجمال واجبٌ يعزوه البعض إلى قاعدة الوفاء بالعهد، والتزامٌ تقرره المادة 27 من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات التي تمنع التحجج بالقوانين الداخلية للتحلل من الالتزامات الدولية، أو لتبرير إخفاق الدولة في الالتزام بأحكام الاتفاقية التي تكون طرفاً فيها.[14]
يشمل المفهوم الاصطلاحي "للقانون الوطني" أو "القانون الداخلي" أو "القانون المحلي" كل القواعد القانونية المتبناة على المستوى الوطني بما فيها القوانين الدستورية، فيدخل فيه الدستور، والتشريع العادي، واللوائح التنفيذية، والقرارات الإدارية.
مبدأ سمو القانون الدولي قررته أيضاً محكمة العدل الدولية في مناسبات عدة أرست فيها قاعدة عدم جواز التنصل من الالتزامات الدولية بحجة التقيد بالقانون الداخلي.[15] من ذلك ما قررته في رأيها الاستشاري لعام 1988،[16] إذ قضت أن "سمو القانون الدولي على القانون الداخلي مبدأ أساسي مستقر في القانون الدولي كان قد تَقرر بحكم قضائي قديم قِدَم حكم التحكيم الصادر في 14 سبتمبر، 1872 في قضية "ألاباما" بين بريطانيا والولايات المتحدة، وقد تأكد تكراراً مذاك." سلكت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أيضاً هذا المسلك، فتبنت مبدأ سمو العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على القانون الوطني. وذهبت إلى أنه "من المخالف للعهد إعطاء الدولة الطرف أولويةً في التطبيق لقانونها الوطني على التزاماتها الناشئة عن العهد."[17] فلا يقبل من الدولة الاحتجاج بأحكام القانون الدستوري، أو بغير ذلك من أجزاء القانون المحلي لتبرير عدم وفائها بالتزاماتها الدولية المرتبطة بالمعاهدة.[18]ولضمان هذا السمو، تحث اللجنةُ بصورة مستمرة الدولَ الأطراف على مراجعة القوانين الحالية ومشاريع القوانين للتحقق من موافقتها لأحكام العهد، وتطالب بالنص صراحةً في القانون الوطني للدول الأطراف على أن "الحقوق الواردة في العهد تتبوأ مكانة عليا، وتسمو على القانون الوطني في حالات التعارض."[19]
[1] Ibid., p. 341.
[2] Manfred Nowak, U.N. Convention on Civil and Political Rights, CCPR Commentary, (N.P. Engel, Kehl am Rhein, Germany, 2nd. ed. (2005)), p. 60; انظر أيضاً د. ﷴ سامي عبد الحميد، د. ﷴ سعيد الدقاق، د. مصطفى سلامة حسين، القانون الدولي العام، دار الهدى للمطبوعات، الإسكندرية، 2001، ص 229.
[3] أ.د. أحمد أبو الوفا، القانون الدولي والعلاقات الدولية، المرجع السابق، ص 94، 95 ؛ انظر أيضاً المادة 30 (4)، والمواد 61 و62 و63 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969.
[4] Dr. Christian Tomuschat, National Implementation of International Standards on Human Rights, op. cit., p. 9; د. علي إبراهيم، المرجع السابق، ص 106.
[5] Manfred Nowak, op. cit., p. 57.
[6] Dr. Christian Tomuschat, op. cit., p. 9.
[7] Manfred Nowak, op. cit., p. 57.
[8] Oscar Schachter, The Obligation to Implement the Covenant in Domestic Law, In, Louis Henkin, (ed.), The International Bill of Rights: The covenant on Civil and Political Rights, op. cit., p. 312.
[9] David Sloss, op. cit., p. 145.
[10] Anja Seibert-Fohr, op. cit., p. 418.
[11] Christian A. Levesque, The International Covenant On Civil And Political Rights: A Primer For Raising A Defense Against The Juvenile Death Penalty In Federal Courts, 50 Am. U.L. Rev. 755 (2001), pp. 779, 780.
[12] Manfred Nowak, op. cit., p. 59.
[13] Oscar Schachter, op. cit., p. 313.
[14] أ.د. أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة، المرجع السابق، ص 130. تنص المادة 27 من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات على أنه: "لا يجوز لطرف في معاهدة أن يحتج بنصوص قانونه الداخلي كمبرر لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة"
[15] نبيل عبدالرحمن ناصر الدين، تطبيق القضاء الداخلي لأحكام القانون الدولي: دراسة تطبيقية الجمهورية اليمنية وجمهورية مصر العربية، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 2011، ص 68.
[16] طلبت هذا الرأيَ الجمعيةُ العامة بالأمم المتحدة بموجب القرار رقم: 44\229
ICJ., Applicability of the Obligation to Arbitrate under Section 21 of the United Nations Headquarters Agreement of 26 June 1947, Advisory Opinion of 26 April 1988, Reports 1988, p. 12, para 57.
[17] U.N. Human Rights Committee, Tae Hoon Park v. Republic of Korea, Communication No. 628/1995, U.N. Doc. CCPR/C/64/D/628/1995 (3 November 1998), para. 10.4.
[18] اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 31: طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد، المرجع السابق، فقرة 14.
[19] U.N. Human Rights Committee, Tae Hoon Park v. Republic of Korea, op. cit.,para. 7; Anja Seibert-Fohr, op. cit., p. 439.
المطلب الثاني: التزام الدولة بإنفاذ قواعد حقوق الإنسان على الصعيد الوطني
تضمنت المادة الثانية من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية النص على الالتزامات التي تقع على عاتق الدول الأطراف على النحو التالي:
"1. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز ...؛
2. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلاً إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقاً لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضرورياً لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية. "
عملاً بهذا النص، واستئناساً بما انتهت إليه اللجنة المعنية بحقوق الإنسان[1] في تعليقاتها العامة خاصة التعليق 31 لسنة 2004،[2] يمكن استنباط ماهية الالتزامات الواقعة على عاتق الدول وتحديد طبيعتها في التزام سلبي باحترام حقوق الإنسان، وآخر إيجابي بضمان حقوق الإنسان.[3]
الفرع الأول: الالتزام باحترام حقوق الإنسان
يحكم هذا النوعُ من الالتزام جميعَ الإجراءات والتدابير المتخذة من جانب الدولة من خلال أي سلطة أو مسؤول، وعلى أي مستوى من الحكومة.[4] وهو التزام ذو طابع سلبي من حيث إنه واجب بكف اليد حاصله أن على الدولة التزاماً بالامتناع عن التدخل في التمتع بحقوق الإنسان بأي طريقة أو وسيلة غير مسموح بها صراحة.[5] فلا يحل للدولة انتهاك حقوق الإنسان، وعليها أن تمتنع عن فرض قيود عليها إلا في تلك التي تسمح بها المعاهدة. وعلى هذا، فإن أي تدخل غير مبرر من جانب الدولة، أو من جانب أحد الموظفين، أو الأجهزة التابعة لها، في تمتّع جميع الأفراد الموجودين على إقليمها، وجميع الأفراد الخاضعين لولايتها بأي من حقوق الإنسان المعترف بها يعد انتهاكاً لهذا الالتزام السلبي.[6]
الفرع الثاني: الالتزام بضمان حقوق الإنسان
يعني الالتزام بضمان حقوق الإنسان أن على الدولة واجباً بتمكين الأفراد الخاضعين لسلطتها أو لسيطرتها الفعلية من التمتع بشكل كامل بالحقوق الواردة في العهد.[7] وخلافاً للالتزام باحترام الحقوق، فإن الالتزام بضمانها يعد التزاماً إيجابياً، بمقتضاه تلتزم الدولة بتبني كل الإجراءات الضرورية لإزالة أي عقبات، أو عوائق قد تنشأ وتمنع الأفراد من التمتع الكامل بالحقوق المضمونة بالاتفاقية.[8] ويستتبع هذا الالتزام أيضاً أن توفر الدولةُ الحمايةَ اللازمة للأفراد من أي انتهاكات لحقوقهم قد يتعرضون إليها، سواء من المسؤولين العامين أو موظفي الدولة أو من عامة السكان.[9]
يرتبط بهذا الالتزام واجب الدولة أن تسن من القوانين ما يعد ضرورياً لإنفاذ حقوق الإنسان، وألا تتبنى القوانين التي قد تسفر عن انتهاك للحقوق والحريات في ذاتها، ولا تلك التي تتعارض مع مضمون وأهداف المعاهدة."[10] ومفاد هذا أن انتهاك الدولة لحقوق الإنسان لا يحصل بالإخفاق في اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعمال الحق فحسب، بل يتحقق أيضاً بتبنيها نصوصاً قانونية تتعارض مع مسؤولياتها الناشئة عن معاهدة حقوق الإنسان. ولهذا فإن الدولة ملزمة بتعديل قوانينها لتكفل بشكل فعال التمتع الكامل والحر بالحقوق والحريات المنصوص عليها بالعهد.[11]
المطلب الثالث: اختبار ضمانات حقوق الإنسان في القانون الليبي في ضوء الضمانات الدولية (تطبيق عملي)
الفرع الأول: مقارنة عامة بالحقوق الواردة في الوثائق الدولية المصدّق عليها من الدولة الليبية
يلتزم المتدرب في معهد القضاء باختبار توافق القوانين الوطنية في ليبيا مع حقوق الإنسان. يجب أن يضع في الحسبان مبدأ تعارض الحقوق، وأن كثيراً منها تتصادم مع الحق في الخصوصية الثقافية للمجتمع الليبي، وأن هذه الخصوصية تتميز عن ثقافة العالم الغربي.
إذا غلَّبتَ الحق في الخصوصية الثقافية، يجب أن تبرر الحاجة الاجتماعية لتقييد الحق المقابل أو لإهداره بالكلية. سنكتفي في ذلك بالحقوق الأكثر اتصالاً بالعمل القضائي وهي التالية:
أولاً: حق المساواة بين الرجل والمرأة من نصوص قانون الزواج والطلاق، وقانون العقوبات
ما مدى شرعية أحكام الطلاق، وتعدد الزوجات، والميراث، والولاية؟ كيف تبررها في مقابل الاتهامات الدولية بأنها تنتهك الحق في المساواة بين الجنسين.
من الجدير بالإشارة في هذا المقام أنه يشار إلى المساواة بين الرجل والمرأة بتعبيرين: "sex equality"، و"gender equality".[12] يعني الأول "المساواة بين الجنسين"، فيما تترجم كلمة "gender" في التعبير الثاني بعبارة "النوع الاجتماعي"، أو "الجنوسة"، لتكون التعبير "المساواة بين النوعين الاجتماعيين" أو " المساواة بين النوعين الجنسيين."
لتوضيح مفهوم التعبيرين، نشير إلى الأول "المساواة بين الجنسين" يستعمل بشكل عام للإشارة إلى الاختلاف البيولوجي بين الذكر والأنثى والمتربط بخِلقة كل منهما التي لا إرادة للإنسان والمجتمع فيها. وهذا هو التعبير الذي استعملته الصكوك الدولية المؤسسة لحقوق الإنسان. ويستعمل الثاني كتعبير عن المعاني الاجتماعية المضفاة على الفروق البيولوجية المتصلة بنوع الجنس. يرى المتمسكون بهذا التعبير بأن الاختلاف بين الذكر والأنثى يرجع إلى سبب وحيد هو اختلاف دورهما الاجتماعي العارض، وهو ناشئ عن ثقافة المجتمع والوظائف الاجتماعية التي خص بها المجتمعُ كلَّ جنس استناداً إلى طبيعة جنسه. فذات المرأة، وفقاً لمفهوم "النوع الاجتماعي"، ليست معطى "ماهوي"، إذ لا يولد أحد بهوية محددة بل يتشكل لاحقاً إما على نحو ما يصنعه بنفسه أو كيفما تشكله التقاليد والأعراف الاجتماعية. وعلى هذا، وإن دخلت قدرة المرأة على الحمل والإنجاب في إطار اختلاف جنسها عن الرجل، فإن حقوقها ومسؤوليتها في الكثير من المجتمعات، كمسؤوليتها عن أعمال المنزل مثلاً تدخل في إطار اختلافهما الاجتماعي.[13] وينبني على هذه الرؤية أنه في الوقت الذي لا يمكن فيه لطبيعة الجنس أن تتغير، فإن الأمر خلاف ذلك بالنسبة إلى النوع الاجتماعي؛ لكونه غير نابع عن فروق بيولوجية بين الذكر والأنثى، وإنما عن فروق ثقافية أو اجتماعية ومعاني رسخها فيهما المجتمع خصوصاً.[14]
حريٌّ بالتنبيه أن أكثر المنظمات الدولية لحقوق الإنسان وجانباً من فقهاء القانون الدولي صار يقدِّم استعمال تعبير المساواة وعدم التمييز بحسب "النوع الاجتماعي" على حساب "المساواة بين الجنسين" وعدم التمييز "بسبب الجنس"، مصحوباً ذلك بصريح اللفظ أو بالإيحاء بإشارة إلى أن مرجع الفروق في معاملة الجنسين لا يعدو أن يكون شيئاً مصطنعاً من المجتمع الذي يعيشان فيه. وبحسب هذا المذهب، فإن المرأة "لا تولد امرأة، لكنها تصبح كذلك"، ومن ثم يجب التمرد على المجتمع ليكون كل واحد، خصوصاً "المرأة" حراً في صناعة ذاته بنفسه وفي تقرير ما يريد أن يكون عليه.[15] ولا يخفي ما في هذا من تعارض شديد مع أحكام الشريعة الإسلامية والثقافة السائدة عموماً في المجتمعات الإسلامية، وهو ما يحملنا على التحرز الشديد عند التعامل مع مثل هذه المفاهيم والمصطلحات المستحدثة الوافدة.
ثانياً: الحق في الخصوصية الثقافية: من نصوص قانون الزواج والطلاق، وقوانين العقوبات
هل للخصوصية الثقافية آثار واضحة في هذه القوانين؟ ما رأيك في تعبير "مساواة النوع الاجتماعي، أو الجنوسة" "Gender Equality" الذي صار يطغى على حساب تعبير "المساواة بين الجنسين" "Sex Equality"
ثالثاً: الحق في محاكمة عادلة: من واقع قانون الإجراءات الجنائية، وقانون المرافعات
ماذا عن الضمانات المقررة للعقوبات الحدية؟ هل هي كافية لتحقيق العدالة؟
رابعاً: حرية الرأي والتعبير: من واقع قانون العقوبات
ماذا عن هذه المواد:
المادة 14: القانون الجنائي والشريعة الغراء
لا تخل أحكام هذا القانون في أي حال من الأحوال بالحقوق الشخصية المقررة في الشريعة الغراء.
المادة 205: إهانة الأمة وشعائرها
كل من أهان علانية الأمة الليبية أو العلم الوطني أو شعار الدولة يعاقب بالسجن مدة لاتزيد على ثلاث سنوات.
وفي القانون الجنائي تشمل عبارة (العلم الوطني) علم الدولة الرسمي وكل علم آخر يحمل الألوان الوطنية.
وتطبق أحكام هذه المادة أيضاً على من أهان علانية الألوان التي ترمز مجتمعة للعلم الوطـني.
المادة 222: الاعتداء على علم دولة أجنبية أو هيئة دولية
كل من أهان داخل أراضي الليبية في محل عام أو معد للكافة علماً رسمياً أو شعاراً لدولة أجنبية متى كان استعمالها متمشياً مع القانون الليبي يعاقب بالحبس.
وتطبق العقوبة ذاتها إذا لحقت الإهانة بعلم أو شعار لهيئة الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية أو أية هيئة دولية أخرى يصدر بتعيينها قرار من وزير الخارجية.
المادة 289: التعرض لإقامة الشعائر الدينية وإهانة المقدسات
يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تجاوز خمسين جنيهاً كل من شوش على إقامة شعائر دينية تؤدى علانية أو على احتفال ديني خاص بها أو عطلها بالعنف أو التهديد.
ويعاقب بالعقوبات ذاتها كل من خرب أو كسر أو أتلف أو دنس مباني معدة لإقامة شعائر دينية أو أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء ملة أو فريق من السكان.
المادة 290: التعدي على الأديان
يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة السابقة كل من اعتدى بإحدى طرق العلانية على أحد الأديان التي تؤدى شعائرها علناً، ويقع تحت حكم هذه المادة:
أولاً: طبع أو نشر كتاب مقدس في نظر أهل دين من الأديان التي تؤدى شعائرها إذا حرف عمداً نص هذا الكتاب تحريفاً يغير معناه.
ثانياً: تقليد احتفال ديني أو شعيرة دينية في مجتمع عام بقصد السخرية أو لتسلية الجمهور.
المادة 291: إهانة دين الدولة
كل من اعتدى علانية على الدين الإسلامي الذي هو دين الدولة الرسمي بموجب دستور ليبيا أوفاه بألفاظ لا تليق بالذات الإلهية أو الرسول أو الأنبياء يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز السنتين.
المادة 220: العيب في ذات رؤساء الدول الأجنبية
يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز خمس سنوات كل من عاب علانية في ذات رئيس دولة أجنبية أو مس كرامته وهو داخل الأراضي الليبية.
المادة 284: إذاعة معلومات تتعلق بإجراء جنائي سري
يعاقب بالحبس مـدة لا تزيـد على سنة وبغرامة تتراوح بين عشرين ومائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أذاع بطريقة الصحافة أو بأي طريق آخر من طرق العلانية بياناً عن قضية جنائية نظرت سراً أو أذاع محتويات وثائق أو أوراق تتعلق بالتحقيق في قضية يجب أن تبقى سرية قانوناً.
ولا يطبق هذا الحكم على الوثائق وحيثيات التحقيق التي أدلى بها فيما بعد في مناقشة علنية وبوجه عام لا يطبق على سائر أوراق الإجراءات الجنائية القضائية بعد انقضاء ثلاثين سنة على الفصل فيها أو قبل ذلك إذا أذن وزير العدل بالنشر صراحة.
ولا يعاقب في الأحوال المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة على مجرد الإعلان عن القضية ولا على نشر الحكم فيها فقط.
الفرع الثاني: بيان مدى حاجة القوانين الوطنية للتعديل ضماناً وحماية لهذه الحقوق ولغيرها من حقوق الإنسان.
هل ترى أن القوانين الوطنية في حاجة للتعديل لتوافق المفاهيم الغربية لبعض حقوق الإنسان، وحتى نتخلص من الوابل غير المنقطع لسهام الاتهام بانتهاك ليبيا لحقوق الإنسان؟
أم أننا نحتاج تعديلاً من نوع آخر نضمن فيه قدراً أعلى من الخصوصية الثقافية بوصف هذا هو الآخر حقاً من حقوق الإنسان؟
[1] حريٌّ بالبيان أنه طبقاً للمادة 40 من العهد، يقع تفسير نصوص العهد ضمن اختصاصات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان.
[2] التعليق بشأن "طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد"، اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 31: طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد، الدورة الثمانون، 2004، الوثائق الرسمية، الأمم المتحدة، (HRI/GEN/1/Rev.8).
[3] المرجع نفسه، فقرة 6.
[4] Thomas Buergenthal, op. cit., p. 77.
[5] Manfred Nowak, op. cit., p. 37.
[6] اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 31: طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد، المرجع السابق، فقرة 6.
[7] Thomas Buergenthal, op. cit., p. 77.
[8] Alex Conte, Scott Davidson, and Richard Burchill, Defining civil and political rights: the jurisprudence of the United Nations Human Rights Committee, (Ashgate, Aldershot, UK., (2004)), p. 47.
[9] اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 31: طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد، المرجع السابق، فقرة 8.
[10] Inter-American Court of Human Rights, International Responsibility for the Promulgation and Enforcement of Laws in Violation of the Convention (Arts. 1 and 2 of the American Convention on Human Rights), Advisory Opinion OC-14/94, 9 December 1994, (Ser. A) No. 14 (1994), para. 33, 36.
[11] Inter-American Commission on Human Rights, Certain Attributes of the (Arts. 41, 42, 44, 46, 47, 50 and 51 of the American Convention on Human Rights), Advisory Opinion OC-13/93 of July 16, 1993, (Ser. A No. 13), para. 26.
[12] جاء تبني هذا المصطلح في قاموس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لأول مرة في مؤتمر القاهرة للإنماء والسكان في القاهرة عام 1994م، الذي تكرر استعماله في وثائقه أكثر من خمسين مرة. وقد كانت هذه نقطة البداية لاستعماله الواسع في وثائق المؤتمرات اللاحقة المعنية بحقوق المرأة وفي أعمال هيئات دولية أخرى معنية بحقوق الإنسان. انظر، برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، القاهرة، 5-13 سبتمبر 1994، وثيقة الأمم المتحدة A/Conf.171/13.Annex (18Oct.1994). ؛ أحمد جمعة عبدالله خليفة، حقوق المرأة في القانون الدولي: دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية، أطروحة دكتوراه، جامعة عين شمس، كلية الحقوق، ص 310؛ انظر أيضاً، استعمال المصطلح من لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة في التوصية العامة رقم 25: لجنة القضاء علي التمييز ضد المرأة، التوصية العامة رقم 25: تساوي أجور الأعمال المتساوية القيمة، الدورة الثلاثون، 2004، (HRI/GEN/1/Rev.8)، فقرة 7، وحاشية رقم 2.
[13] Marysia Zalewski, Searching for the Hard Questions about Women’s Human Rights. In Cindy Holder and David Reidy, op. cit., p. 356; Saul McLeod, Biological Theories of Gender, (2014). Available at:www.simplypsychology.org/gender-biology.html;
لجنة القضاء علي التمييز ضد المرأة، التوصية العامة رقم 25: تساوي أجور الأعمال المتساوية القيمة، المرجع السابق، فقرة 6، وحاشية رقم 2؛ أحمد جمعة عبدالله خليفة، المرجع السابق، ص 310، 312.
[14] Saul McLeod, Biological Theories of Gender, op. cit..
[15] انظر، سيمون دوبوفوار، كتابها "الجنس الآخر"


أضف تعليقاً