6 م ق: حقوق الإنسان: المحاضرة السادسة: تتمة نطاق حقوق الإنسان
Home Icon 2026-03-10
Home Icon د. عياد دربال

تعارض بعض الحقوق مع الحق في الخصوصية الثقافية، وعلاجه


الخطة

المطلب الثالث: التعارض مع الحق في الحفاظ على الخصوصية الثقافية

عرفنا أن تعارض حقوق الإنسان ظاهرة شائعة، وأن القانون الدولي يقر به ويعالجه بتقييد الحقوق بضوابط محددة. وليس الحق في الخصوصية الثقافية باستثناء من ذلك، فقد وقفنا على أن ممارسة هذا الحق مع بعض حقوق الإنسان الأخرى على نطاقها الواسع قد يكون مستعصياً أو متعذراً. وبالنظر إلى شيوع هذا التعارض وأهمية التعرف على وسائل علاجه، كونه يرتبط بأكثر الاتهامات الموجهة إلى الدولة الليبية بانتهاكات حقوق الإنسان، يلزمنا أن ندرس المناهج المطروحة لعلاجه بلوغاً إلى تقديم المنهج الأسلم. على أننا نمهد لذلك بتكملة لحديثنا عن هذا الحق نبين فيها أهميته وتأثير ثقافة المجتمع على الفرد.

الفرع الأول: تأثير الثقافة على السلوك الاجتماعي

من الثابت في علم الأحياء أن العلاقة بين البيئة وسلوك الإنسان من أقوى العلاقات وأشدها فعالية. كذلك فإن من التفاعلات النشطة في حياة الشعوب عبر التاريخ التفاعلَ بين المؤسسات الاجتماعية ونمط سلوك الفرد. فالمؤسسات الاجتماعية، كالأسرة والمدرسة والمؤسسة الدينية، تمثل أدوات صناعة القيم ورسم المفاهيم في أذهان الأفراد وعقولهم، ولذا فهي المؤثر الأقوى في توجيه سلوكهم وتصرفهم.[1] إنها بذلك تلعب الدور الأهم في تشكيل ثقافتنا التي تساهم في تحديد طرق حياتنا، وفي فهمنا للأشياء، وفي تسبيب الأقوال والأفعال والممارسات.[2] وهكذا فإن القيم والمفاهيم الأساسية، كتلك المرتبطة بالآداب والأخلاق لدى الفرد في الجماعة الثقافية، تتشكل وتتطور متأثرة بالمفاهيم السائدة في ثقافة هذه الجماعة حتى إن الفرد يكتسب مفاهيمه عن الحياة من محيطه الاجتماعي ويتصرف تلقائياً، ومن دون وعي ولا تعمد، وفقاً لها.[3]

فمنذ أن يولد الفرد، يتربى في الثقافة التي ولد فيها، وما لم تتح له الفرصة للتعرف العميق على ثقافات أخرى، يندر أن يتكون لديه وعي بالكثير من الخصائص المميزة لثقافته نفسها. فآثار ثقافته على سلوكه تكون بالنسبة له مجردَ مسلمات يتعامل معها ووفقاً لها بلا إدراك صريح منه.[4] كذلك فإن الفرد، وبشكل لاإرادي، يتعاطى مع العالم وينظر إليه من خلال القيم والمفاهيم الثقافية التي اكتسبها في مجتمعه، حتى إذا ما وقف على ما يخالف تلك القواعد، رفضه في حقه واستنكره على الأقل بالنسبة إلى شخصه وإلى مجتمعه. لذلك فلا غرابة أن ديدن المجتمعات الثقافية الحفاظ على ثقافتها والعمل على تقويتها وتحصينها من التأثير الخارجي.[5] وكثيراً ما يُنظر إلى أيَّ تحدٍّ لها على أنه امتهان لكرامة كل فرد فيها، وانتقاص من القيم الأساسية لديه، وتهديد لفهمه لذاته ولعالمه، وهو ما يثير عادة ردود أفعال عاطفية شديدة للخلاص من هذه التهديدات والمحافظة على التماسك الثقافي.[6]

تبدو هيمنة الثقافة في هذا الصدد ملحوظةً بوضوح في تشابه أفراد المجتمع الواحد في أنماط سلوكهم الاجتماعي وتصرفاتهم ونظرتهم إلى الأشياء.[7] فلا يقتصر التأثير على جنس واحد، بل يطال الرجال والنساء على السواء. وهذا ما يفسر التشابه الكبير بين امرأة ورجل يعيشان في بيئة اجتماعية واحدة تسودها الثقافة نفسها، وهو أيضاً ما يفسر اتفاقهما في القيم والمفاهيم والمعتقدات أكثر من اتفاق امرأتين أو رجلين من بيئتين مختلفتين.[8] فالثقافة في المقام الأول، أياً كان عنصرها الفاعل، هي التي تقرر بشكل مسبق نمط السلوك المقبول وغير المقبول، الجميل والقبيح، الجائز والمحرم،[9] فيتحقق بها توافق أعضاء الجماعة الواحدة وتمايزهم عن الجماعات الثقافية الأخرى.

ويبدو العالم ثرياً بالشواهد التي تدلل على التأثير القوي لثقافة الجماعة على أعضائها وعلى حرصها على هويتها الكامنة في البعد العرقي واللغوي والديني وفي أنماط العادات والتقاليد التي تمارسها. فعلى سبيل المثال، فإن الثقافة هي ما يضع كلاً من الرجل والمرأة، في مجتمعات كثيرة، في مراكز اجتماعية منفصلة ترسم لهم حقوقهم وواجباتهم المتمايزة، وتؤثر على تصرفاتهم والتزاماتهم. وهي التي ترسخ فيهم عقيدة قبول تلك المراكز والاستسلام لها، وتبعث فيهم الرغبة في الالتزام بها والانقياد وراءها والوفاء بمتطلباتها والعمل على الحفاظ عليها. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الثقافة السائدة في أوروبا في القرن التاسع عشر هي ما جعلت تعليم المرأة مسبة تشمئز منها النساء أكثر من الرجال.[10] والخلفية الثقافية هي التي تدفع الكثير من النساء إلى مقاومة التغييرات الاجتماعية التي تهدف إلى إنقاص الفوارق بين الجنسين. لهذا عارضت أقلية معتبرة المساعي الأولى لتمتع المرأة بحق الانتخاب في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر، وسعت جاهدة لحمل الحكومة على الرفض، وعارضت أيضاً التعديل الدستوري للدستور الأمريكي في شأن المساواة في الحقوق. كان أغلب هؤلاء النسوة أشد حرصاً على المحافظة على حزمة القيم التقليدية والدينية المنبثقة عن الكنيسة، ولم يكنَّ يأبهن بحرية أوسع، أو يتطلعن إلى حقوق أكثر متى كانت على حساب الحفاظ على القيم الموروثة.[11]

وللتأثير الثقافي في حياة الجماعة أثره في معظم المجتمعات إن لم يكن فيها جمعاء. ففي اليابان مثلاً، رغم المساواة الشكلية، تختلف سن الزواج بحسب الجنس تماشياً مع تقاليد ثقافية في المجتمع الياباني.[12] وفي هاييتي، يعد قتْل الزوجة أو شريكها حفاظاً على الشرف سبباً للإباحة، فيما هو ليس كذلك في الصورة العكسية.[13] وفي إسبانيا التي يتبنى دستورها لعام 1978 مبدأ المساواة بين الجنسين، تستثني المادة 57 منه المساواة في خلافة تاج إسبانيا بالنص على تفضيل الذكر على الأنثى تمسكاً بجذور ثقافية سائدة في البلاد منذ زمن طويل.[14] وفي الولايات المتحدة الأمريكية، لم تزل ظاهرة تعدد الزوجات عند طائفة المورمون النصرانية قائمة، والدعوة إلى العودة إلى "القيم التقليدية" في شؤون المرأة في البلاد مستمرة.[15]

ومن شواهد التأثير الثقافي تحفظ فرنسا على المادتين 5 و 16(1)(ج) من اتفاقية المرأة اللتين تعطيان الأبوين حقوقاً ومسؤوليات متساوية في شؤون أطفالهما. تحفظت أيضاً على المادة 6(1)(ز) التي تعطي الزوجين حقوقاً متساوية بما في ذلك الحق في اختيار اسم الأسرة، إذ يتغير اسم الزوجة في فرنسا بزواجها لتلحق بعائلة زوجها بقوة القانون.[16]

وفي العالم الإسلامي، صارت الممارسات الدينية عموماً، الفردية منها والجماعية، جزءاً لا يتجزأ من ثقافة المجتمع الإسلامي في أغلب الدول الإسلامية حتى إنها طالت جوانبَ الحياة جميعها لتمثل طريقة حياة يتشارك في تبنيها الفرد والجماعة على السواء مع الشعور العميق بإلزاميتها. ويعد التشابه الكبير في القيم والمفاهيم التي يحملها أفراد المجتمعات الإسلامية في شتى دول العالم أهم مظهر من مظاهر تأثير الإسلام على ثقافتها. وهو تأثير، بالرغم من ظاهرة العولمة، وما أحدثته من انصهار لبعض القيم الثقافية في المجتمعات، ما يزال قوياً إلى درجة كافية لتمييز المجتمع الإسلامي عن غيره بكل يسر. لهذا التأثير للإسلام عادت جمهوريات آسيا الوسطى الخمس[17] إلى هويتها الإسلامية بعد حصولها على استقلالها من الاتحاد السوفياتي عام 1991. فبالرغم من تأثر الهوية الدينية لهذه الدول تأثراً عميقاً بالسياسات الإلحادية للاتحاد، وبإنشاء هويات وطنية على حساب الهويات الدينية، ما أحدث أذىً شديداً بالممارسات الدينية وبالوجود الثقافي للإسلام، بالرغم من ذلك، عاشت تلك الدول مرة أخرى في ظل الهوية الإسلامية بعد استردادها التراث الإسلامي. من مظاهر العودة حذف العديد من الكلمات الروسية من اللغات الوطنية لتحل محلها كلمات من أصل عربي أو فارسي، وازدادت الممارسات الدينية وشاعت حتى صار الإسلام الركيزةَ المرجعية للهوية.[18]  ولهذا التأثير، تحرص معظم الدول الإسلامية على عد الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية مصدر التشريع. يتجلى هذا في أحكام الأسرة كأنظمة الزواج والطلاق والميراث، وفي تلك المتعلقة بالعقوبات الحدية.

الفرع الثاني: أهمية الحق في الخصوصية الثقافية

أولاً: أهمية الحق في الخصوصية الثقافية كحق مستقل

تأثير الثقافة في تشكّل سلوك الفرد تأثيرٌ منتظم وقوي، ويفضي إلى هيمنة ملحوظة لأنماط سلوك اجتماعي على تصرفات أعضاء الجماعة الثقافية جميعاً.[19] وعلى هذا فإن للثقافة جانباً إنسانياً يجعل من احترامها واجباً أخلاقياً لا ينفصل عن احترام كرامة الإنسان. ومن هنا تبرز أهمية الحق في الخصوصية الثقافية كحق مستقل من حقوق الإنسان.[20] وإذا ما أدركنا أن للإعمال الفعلي للحق في الخصوصية الثقافية دوراً مهماً في محافظة المجتمعات الثقافية على هوياتها المتغايرة وعلى سبيل المساواة، فإنه بالضرورة يلعب دوراً رئيسياً في أداء الوظيفة الأساسية لقانون حقوق الإنسان وهي احترام الكرامة الإنسانية لكل بني البشر، فهو يعمل كوسيلة لعيش حياة فكرية وعاطفية ومعنوية وروحية أكثر اكتمالاً. وبالتالي فإن هذه الأهمية تجعله جزءاً لا يتجزأ من الحماية الضرورية لحقوق الإنسان.[21]

وتعزيز الحق في الخصوصية الثقافية واحترامه أمر مهم أيضاً للتفاعل الاجتماعي الإيجابي بين الأفراد والمجتمعات في عالم متنوع الثقافات.[22] فكونه الضامن لاستمرار تطور الهوية الثقافية والدينية والاجتماعية للمجتمعات الثقافية يثري نسيج المجتمع البشري ككل.[23] وتُقدِّر الأمم المتحدة بأن لثلاثة أرباع الصراعات الكبرى في العالم أبعاداً ثقافية، فتذهب إلى أن الاحترام المتبادل للثقافات أمر ضروري وعاجل للسلام والاستقرار والتنمية.[24] وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في ديباجة إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي 2001 UNESCO Universal Declaration on Cultural Diversity[25] على أهمية احترام الخصوصيات الثقافية كخير "ضمان لتحقيق السلام والأمن الدوليين."[26] فلهذا الاحترام دوره المهم في رفع أسباب التوتر والصدام بين المجتمعات البشرية على مختلف ثقافاتها، إذ تميل المجتمعات الثقافية إلى تقديس خصوصياتها الثقافية إلى حد تصوريها المساس بها بمثابة الاحتلال الذي يستحث المقاومة من أجل التحرير.[27]

ولا يقف دور احترام الخصوصيات الثقافية عند ذلك الحد، إذ يتعداه إلى التأثير في الحياة الصحية للفرد في الجماعة الثقافية. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى دراسات علمية تؤكد أن لاحترام الخصوصيات الثقافية تأثيراً إيجابياً على الحياة الصحية لأفراد الجماعات الثقافية. فصحة الإنسان تتأثر بالعوامل الخارجية التي يدخل فيها السلوك والمعتقد والمنظور الثقافي والاحترام المتبادل، وهي جميعها عناصر ترتبط بالهوية الثقافية للفرد، ولذلك يترتب على تجاهلها إضرار بصحة الفرد.[28]

وتجمل اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ما تقدم في ما تقرره من أن الحق في الخصوصية الثقافية هو من الأهمية بحيث يمكن أن يؤدي انتهاكه إلى ضرر متعذر الإصلاح، وإلى خسارة لا معوض عنها، فهو، ككل الحقوق الأخرى، جوهري لكل إنسان، ولا غني عنه لكرامته الإنسانية، وذو فائدة كبيرة في مجال المساهمة في التراث المشترك للإنسانية.[29]

ثانياً: أهمية الحق في الخصوصية الثقافية لارتباطه بحقوق أخرى

تتجاوز أهمية الحق في الخصوصية حدود الحق ذاته لتتعلق ببعض حقوق الإنسان الأخرى أيضاً. والتداخل بينه وبينها يؤكد خاصية التشابك والاعتماد المتبادل لحقوق الإنسان عموماً. ولعل المثال الأبرز على ذلك في ارتباط الحق في الخصوصية الثقافية بالحق في تقرير المصير الذي لا يقتصر مدلوله على البعد المشهور المتعلق بحق المستعمرات في التحرر والاستقلال عن المستعمر وتمتعها بالحكم الذاتي.[30]

تقضي المادة الثانية من إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة[31] بأن: "لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية مركزها السياسي، وتسعي بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي." وتقضي المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بأن: "لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي، وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي." ويفسر جانب واسع من الفقه هذين النصَّين على أنهما تقرير للحق في عدم تدخل الآخرين في الشؤون الداخلية للشعوب المستقلة، سواء كان هذا التدخل في جانب الشؤون السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الثقافية مما تختاره الشعوب المستقلة لنفسها طريقة للحياة. ولذلك يُعرَّف الحق في تقرير المصير بأنه "حق الشعب في الانفراد بالمسؤولية الكاملة على تحديد مصيره السياسي والاقتصادي والثقافي ودون إكراه."[32] إعمالاً لهذا التعريف، يعني هذا الحق أن للشعوب الحق في اختيار النظام الذي ترتضي دون أن يكون لبقية الدول الحق في فرض أنظمتها الثقافية أو السياسية خارج حدودها.[33] ولا شك في أن هذا يستغرق ضرورةً حق تلك الشعوب في المحافظة على قيمها الثقافية والعيش في إطار ما يرسمه نظام الحياة المنبثق عن ثقافاتها، وهذا، كما رأينا، هو جوهر الحق في الخصوصية الثقافية.

يتشابك الحق في الخصوصية الثقافية أيضاً مع حرية العقيدة الدينية. وقد رأينا أن الدين جزء من عناصر الثقافة المحمية بموجبه. فالقواعد الدينية تنظم الكثير من الممارسات الحياتية في إطار المجتمع، وتنعكس بصورة مباشرة على سلوك الأفراد وتصرفاتهم. وهذه الممارسات في معظمها تشكل جزءاً من ثقافة المجتمع، وإذن فالمساس بها يستتبع في الوقت نفسه انتهاكاً لحرية العقيدة الدينية.[34]

ولا يتوقف تشابك الحق في الخصوصية الثقافية مع حقوق الإنسان الأخرى عند ذلك الحد، حتى إن البعض يذهب إلى أن هذا الحق هو من أكثر الحقوق تعبيراً على خاصيتي الترابط وعدم القابلية للتجزئة اللتين تمتاز بهما حقوق الإنسان بشكل عام. فعلاوة على الأمثلة المذكورة، نجد مثلاً أن الحق في حرية التفكير في الإطار الثقافي للفرد هو حق محمي بموجب حرية الرأي والضمير، والحق في التعبير عن الثقافة بشكل علني محمي بموجب الحق في المشاركة السياسية والحق في حرية التعبير والتجمع. [35]

الفرع الثالث: علاج تعارض حقوق الإنسان مع الحق في الخصوصية الثقافية

أولاً: مذهب عالمية الحقوق في الفصل في التعارض

ينطلق أنصار نظرية عالمية حقوق الإنسان من مبدأ أنه: "لا يمكن لحقوق الإنسان أن تكون مختلفة بين العالم الشرقي والعالم الغربي، ولا أن تكون مختلفة بين الدول المتقدمة ودول العالم الثالث. فحقوق الإنسان لا تميز الألوان ولا الاتجاهات، فهي لا تعرف غير الإنسان."[36] وهذا المبدأ، عند هؤلاء، ليس تعبيراً عن موقف دولة أو بعض الدول في العالم وعن نظرتها لحقوق الإنسان، ولا هو انعكاس لثقافة مجتمع بعينه، وإنما هو أثر من آثار طبيعة تلك الحقوق، ونتاج لجملة من الأعمال التي باشرها المجتمع الدولي ككل، وعبر عنها بصورة تغلب عليها الجماعية بما يكفي لوصفها بالعالمية. وهذه العالمية في الطبيعة والنشأة ليست وحدها ما يبرر عالمية حقوق الإنسان، بل يساندها ما دأبت عليه الدول بمختلف ثقافاتها من اعتراف بهذه العالمية، من خلال ما تشارك فيه من أعمال دولية متمثلة في إعلانات ومؤتمرات ومعاهدات دولية، حتى إن نسبة الدول التي صدقت حتى اليوم على المعاهدات الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان طوعاً تزيد عن 85 بالمئة من دول العالم.[37]

وتفترض صفة العالمية في حقوق الإنسان، عند هؤلاء، أن هذه الحقوق لا تتأثر بالنظرة الثقافية للمجتمعات المختلفة، ولذا فأي صدام بين المفهوم العالمي لحق من حقوق الإنسان وبين ممارسة ثقافية مخالفة لهذا المفهوم، سواء وجدت مصدرها في الثقافة الإسلامية أو في غيرها، يستوجب تغليب المفاهيم العالمية على الخصوصيات الثقافية. والقول بغير هذا يقود إلى رفع الصفة العالمية عن حقوق الإنسان وهو ما لا يمكن قبوله. فمصدر شرعية القانون الدولي لحقوق الإنسان تكمن في التسليم بوحدة المفاهيم والقيم التي تحميها قواعده، وبتجاوزها الخصوصياتِ الثقافيةَ والاجتماعية في كل دول العالم؛[38] فهي ليست انعكاساً لثقافة أو أيديولوجية ما، بل هي تجسيد لمعايير أخلاقية عالمية مرتبطة بالطبيعة البشرية غير المتغيرة، ومن ثم فهي ثابتة وسامية تتفوق على المفاهيم والمبادئ المصطنعة في كل المجتمعات الثقافية تحت ظروف خاصة. ودون هذه المعايير سيحرص كل فرد وكل مجتمع على الزعم أن طريقته أو قواعده في الحياة أفضل من تلك الخاصة بالآخرين.[39]

يخلص أنصار هذا المذهب إلى أنه لا وجه لقبول غير فهم واحد وغير تطبيق مماثل لكل حقوق الإنسان في كل مكان، وهو ما يستلزم ببساطة قطع أي صلة للرؤى الثقافية بالمساهمة في وضع أو تحديد أي من تلك العناصر العالمية.[40] ولهذا ينتهون إلى تبني تفسير ضيق للحق في الخصوصية الثقافية، فيذهبون إلى أنه، وإن كان القانون الدولي لحقوق الإنسان يراعي حقيقة الاختلافات الثقافية بين المجتمعات الإنسانية داخل الدولة الواحدة وبين المجتمعات الإنسانية في الدول المختلفة، إلا أن الاعتراف القانوني بهذا الاختلاف يقتصر على ما يتلاءم منه والقيمَ الليبرالية المتعلقة بالحقوق الفردية والاستقلالية الذاتية التي تعد أمراً مقدساً في مفاهيم حقوق الإنسان. أما فيما يخص الممارسات والقيم التي تتعارض مع المنهج الليبرالي، فهذه، عندهم، تضعنا بين خيارين فحسب: إما أن نحافظ على القيم الليبرالية على حساب الحقوق الثقافية، أو أن نضحي بالأولى من أجل الأخيرة عن طريق هجر المنهج الليبرالي بالكلية والبحث عن بديل سياسي آخر، أو إعادة النظر في قيمه الجوهرية الحالية. ولا شك في أن الخيار الثاني ليس مطروحاً.[41] ولهذا يجدر بالحق في الخصوصية الثقافية ألا يمتد إلى أكثر من الإبداع الفني والعلمي والأدبي، حيث لا يثير هذا أي إشكالية مع المفاهيم العالمية لحقوق الإنسان. أما محاولة إضفاء الشرعية، بموجب هذا الحق، على الممارسات الثقافية التي تستند إلى الأعراف والتقاليد والقواعد الدينية للمجتمع الثقافي، والتي تنطوي في الكثير من الأحيان على انتهاك لحقوق الإنسان، فإنها مما لا يمكن أن يستوعبها هذا الحق.[42] كذلك فإن الاعتراف بالخصوصية الثقافية بشكل واسع النطاق ينطوي على اعتراف بالنسبية الثقافية للمبادئ الأخلاقية، وهذا مؤداه رفض شرعية القانون الدولي لحقوق الإنسان برمته.[43]

وبناء على ذلك، فإن القاعدة الأساسية في شأن احترام الخصوصيات الثقافية تكمن في أن هذه الخصوصيات تظل مقبولة ومحلاً للاحترام والتفهم إلى الحد الذي يمس الحقوق الفردية للإنسان. فإذا ما اصطدمت مع هذه الحقوق، بأن أبطلتها أو أنقصت من نطاقها أو وضعت عليها قيوداً، كان من المتعين تجاهل أي قيمة لتلك الخصوصيات.[44] فلا مجال للاعتراف بالخصوصية الثقافية إذا كانت الممارسات الثقافية المقصودة تقمع حقوق وحريات أعضاء تلك الثقافة أو الغرباء عنها، أو أنها تعادي الحقوق الفردية، أو تحط من أهميتها كقيمة ثقافية جوهرية.[45] ولا يمكن التحجج بالحق في الخصوصية الثقافية في مثل هذه الأحوال لأنه حق يقل في درجة أهميته عن درجة الأهمية التي تتمتع بها حقوق الإنسان الأخرى. فالحقوق الثقافية إجمالاً تنتمي إلى طائفة حقوق الجيل الثاني، وإذن فهي أدنى درجة وأقل أهمية من الحقوق التي تندرج تحت طائفة الجيل الأول المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تتمتع بمركز أولوية فعلية داخل نظام حقوق الإنسان يشهد لها ما تحظى به من احترام وحماية على المستوين الداخلي والدولي. بل إن الحقوق الثقافية لا تتمتع بأهمية خاصة حتى ضمن الجيل الثاني من الحقوق، وذلك بسبب طبيعتها التي تجعلها أقل أهمية من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأكثر التصاقاً بالحياة الكريمة للفرد.[46]

وجملة ما تقدم، أن التعارض الذي قد يحصل مع الحق في الخصوصية الثقافية، وذلك في الحالات التي يعترف فيها أصلاً بهذا الحق، لا تتطلب عناءً لعلاجها وفق منهج هذه النظرية، فالحق الآخر يكون دائماً المتفوق على الخصوصية الثقافية أياً كانت الثقافة التي تنتمي إليها، وهو ما يعني أن الأول، في نظر أنصار هذه النظرية، هو الحق الأدنى درجة في سلم الحقوق جميعها، فإذا ما تعارض مع أي حق منها، تعين دائماً أن يكون المرجوح.

ثانياً: مذهب النسبية الثقافية في الفصل في التعارض

كما سبق أن رأينا، فإن النسبية الثقافية في مجال حقوق الإنسان تشير إلى "المذهب القائل بأن التقاليد الثقافية المحلية، بما فيها الممارسات الدينية، والسياسية، والقانونية، هي التي تقرر وجود الحقوق المدنية والسياسية التي يتمتع بها الأفراد في المجتمع وهي التي تحدد نطاقها." ومقتضى هذا في منظور أنصار هذا المذهب، أنه لا وجود ولا شرعية لمعايير قانونية أو أخلاقية عابرة للحدود لتقييم مدى سلامة ممارسات بشرية.[47] ففكرة الحق والباطل وكل القيم والمبادئ الأخلاقية هي في الحقيقة وليدة الثقافة المحلية للمجتمع، وهي بالضرورة مختلفة حتماً بسبب اختلاف الثقافات التي انبثقت فيها.[48] ونظراً لانعدام معايير عالمية يمكن من خلالها الحكم على تلك القيم والمبادئ، فإن على الشعوب أن تتبع منها ما هو خاص بثقافتها لا ما ينبع من ثقافة غيرها.[49]

فالتقاليد الثقافية المحلية هي المصدر الوحيد لشرعية الحق أو القاعدة الأخلاقية لكونها، دون غيرها، هي التي تستطيع أن تقرر وبدقة وجود ونطاق الحقوق التي يتمتع بها الأفراد في مجتمع معين.[50] ولما كانت الحقوق والممارسات والقيم والقواعد الأخلاقية جميعها تتقرر ويتحدد مضمونها ونطاقها ثقافياً، فإنه، وفي أحسن الظروف، لا مجال للتسليم بوجود غير جزء يسير جداً من الحقوق الأساسية التي قد يمكن قبول عالميتها؛ لتعلقها بقيم محدودة تتحد بشأنها كل الثقافات.[51]

وعلى ذلك، فإن حقوق الإنسان وفقاً لهذا المذهب ليست عالمية القيم كما يزعم أنصار مبدأ عالميتها، وإنما هي نتاج هيمنة الأجزاء الغربية من العالم، وقد صيغت بلغتها، وعكست حاجاتها وتطلعاتها. فكما أن "rights of man" كما تصورها المفكرون الليبراليون الأوائل لم تكن لتشمل النساء والعبيد والسكان الأصليين في المستعمرات، كذلك فإن حقوق الإنسان العالمية لا تزال اليوم أجنبية على غير الغربيين من الناحية الواقعية.[52] ومادامت وثائق ومعاهدات حقوق الإنسان هي أدوات لتطبيق مفاهيم غربية على العالم أجمع، فإنها، بالتالي، تمثل تجديداً للحقبة الاستعمارية في ثوب مختلف يأخذ شكل الهيمنة الثقافية، وهذا مبرر قوي لرفض القبول بعالميتها.[53]

وعلى غرار نظرية عالمية حقوق الإنسان، لا يضع أنصار نظرية النسبية الثقافية حقوق الإنسان على درجة واحدة من الأهمية. غير أنه من المهم بيان أن المستمسكين بالنسبية الثقافية للرد على الاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان، يهمنا منهم ليبيا والعالم الإسلامي عموماً، لا ينادون بالنسبية أو الخصوصية الثقافية من باب أنها حق منضبط من حقوق الإنسان تضمنته الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، بل من باب أنها مبدأ عام يحكم القيمة القانونية أو الأخلاقية لحقوق الإنسان بشكل عام بالنسبة إلى مختلف ثقافات العالم. وعلى هذا فإن هذا المبدأ لا يخضع بالنسبة لهم إلى القواعد العامة المقررة في تلك الصكوك بشأن تقييد الحقوق وعلاقتها ببعضها.

ولنا أن نفرق المتحججين بالنسبية الثقافية إلى تيارين: تيار النسبية الثقافية المتشدد، وتيار النسبية الثقافية المعتدل. طبقاً للأول، فإن حق الشعوب والجماعات الثقافية في التمتع بهويتها الثقافية هو حق يسمو على كل حقوق الإنسان. فالاستحالة المتأصلة في عملية إيجاد معايير موحدة للقيم والمفاهيم والناشئة عن ارتباط هذه القيم والمفاهيم بالمنظور الثقافي النسبي، تحول دون السماح لأي من حقوق الإنسان لينافس ذلك الحق؛ لأن تلك الحقوق كانت قد قُرِّرت في مجملها استناداً إلى معايير ثقافية خاصة بثقافة واحدة، هي ثقافة المهيمن التي هي الثقافة الغربية، ومن ثم، فلا يصح تغليب ما قرره الغير من مفاهيم تلائمه على ما استقر من قيم ومفاهيم عند أصحاب ثقافة مختلفة.[54] عملاً بهذا لا حدود للحق في الخصوصية الثقافية، فهو يسمو على كل الحقوق، والحكم في التعارض بينه وبين حقوق الإنسان الأخرى محسوم مسبقاً بغلبته دون حاجة إلى أي بحث في القيم التي يحميها الحق المنافس أو في ماهيته؛ إذ مادام متعارضاً مع الثقافة المحلية، فإن مؤدى هذا أنه في جميع الأحوال سيكون نابعاً عن ثقافة أجنبية، ومن ثم، فلا مكان له.

ويصور بعض فقهاء القانون الدولي لحقوق الإنسان جماعة طالبان على أنها من أشهر الأمثلة على التشدد في التمسك بالنسبية الثقافية ورفض عالمية حقوق الإنسان بشكل كلي. فعندما استحوذت هذه الجماعة على الحكم في أفغانستان عام 1996م،[55] سارع العالم الغربي، بإدانة وشجب قوانين طالبان المتعلقة بالمرأة الأفغانية،[56] كفرْضها عليها ارتداء البرقع، ومنْعها من العمل ومن الدراسة إلى حين إعداد مناهج إسلامية.[57] وبالمقابل، سارعت طالبان إلى الدفاع بدعوى أن هذه السياسة في معاملة المرأة تجد مرجعها في التقاليد الدينية والثقافية، وأن من حقها أن تعمل على تحصين ثقافة المجتمع من تأثير الثقافة الغربية، مثيرة سؤالاً أساسياً هو: "ما هي حقوق المرأة؟ ومَن هو صاحب الحق في تقريرها؟" في إشارة واضحة إلى التمسك بالنسبية الثقافية، وهو ما منع الشد والجذب من أن ينتهيا بسهولة. فكل من الغرب وطالبان يعتمد في بناء حجته على تعريفه الخاص لمفهوم حقوق المرأة، وعلى مصدر مختلف لتقرير تلك الحقوق. إذ يصر الغرب على عالمية حقوق الإنسان، وعلى تطبيق المعايير والمفاهيم العالمية لهذه الحقوق، فيما يتمسك الفريق الثاني بالمصدر الديني لتلك الحقوق، وبخصوصية القيم والمفاهيم الخاصة بها لتعلقها بثقافة المجتمع المثارة فيه تلك الحقوق.[58] ففي رد لوزير خارجية طالبان على النقد الدولي لاستعمال العقوبات الحدية، قال: "لسنا نحن مَن شرع هذا القانون، بل إن الله هو من أوحاه إلى ﷴ ﷺ. ولذلك، فإن هؤلاء الذين يعتقدون بأن فرض مثل هذا القانون يتعارض مع حقوق الإنسان، إنما يزدرون المسلمين جميعهم ويزدرون معتقداتهم."[59] ويبدو أنه أراد بهذه الفقرة الأخيرة الإشارة إلى جوهرية احترام التنوع الثقافي للمجتمعات الإنسانية المختلفة في علاقاتها ببعضها.

وأما تيار النسبية المعتدل، فيقسم أنصاره الحقوق إلى طائفتين: أساسية وأخرى غير أساسية، وفيما يقصرون السمة العالمية على الطائفة الأولى لتعلقها بحقوق محورية، يفسحون المجال بشأن الثانية للاختلافات الثقافية في تفسيرها وفي تطبيقها لتتلاءم مع ما تقتضيه ثقافة المجتمع المعني بها. وبسبب ما يحمله إقرار أنصار هذا التيار بأساسية بعض حقوق الإنسان من اعتراف ضمني بسموها على تلك الحقوق غير الأساسية، لا يبدو استنباط منهج هذا التيار في علاج حالات التعارض التي تنشأ بين حق من الطائفة الأولى وآخر من الطائفة الثانية مستعصياً. فمادام أحد الحقين هو واحداً من الحقوق الأساسية، فإنه هو الذي يسمو، لكن سموه هذا ليس لكونه من الحقوق العالمية بالمعنى الفني الدقيق، بل لأنه من الحقوق المحورية التي ينبغي وصفها بالعالمية، فالسمو راجع إلى طبيعة الحق في المنظور الثقافي لا إلى طبيعته القانونية وفقاً للقانون الدولي. ولذا فإن الإشكال في هذا المنهج يكمن في أن أنصاره لا يقدمون مرجعاً معيارياً موضوعياً يمكن الاستناد إليه في تقرير أساسية الحق أو ثانويته؛ إذ يكتفون بالقول بأن الحقوق المحورية هي تلك الحقوق الجوهرية والأساسية بالنسبة للإنسان لالتصاقها بكرامته الإنسانية، ولأنها تستند إلى قيم موجودة في كل تراث ثقافي ونظام اجتماعي.[60] غير أن هذا الوصف لا يبدو كافياً لتحديد تلك الحقوق بدقة، فإذا كان الحق في الحياة مما يسهل إدخاله ضمن هذه الحقوق، فإنه من الصعب تطبيق هذا المعيار على حقوق أخرى مثل الحق في المساواة بين الرجل والمرأة. فالنسبية الثقافية، وفقاً لنظرية النسبية الثقافية نفسها، ستلعب دوماً دورها في التقييم وما يترتب عليه من تصنيف للحقوق، ولن يصور المجتمعُ الحقَّ على أنه أساسي إلا إذا كان كذلك وفقاً لمنظوره الثقافي. وهكذا فإن التنافس بين هذا الحق وحق غير أساسي لن يكون تنافساً بين حقين موصوفين وصفاً موضوعياً، بل بين حقين موصوفين وصفاً ثقافياً، بين حق عالمي وفقاً للمنظور الثقافي، وآخر غير عالمي وفقاً للمنظور نفسه.

ثالثاً: مبدأ التناسب للفصل في التعارض

من المعضلات التي تعانيها منظومة حقوق الإنسان اليوم أن العالم الغربي، متأثراً بالفكر الليبرالي، يعطي أولوية خاصة للجيل الأول من حقوق الإنسان.[61] بالمقابل، يشدد العالم الثالث على التمسك بأولوية حقوق الجيل الثاني. أسفر هذا التصنيف لحقوق الإنسان على حالة من عدم التوازن بين هاتين الطائفتين منها،[62] وأثر على العلاقة بينها عند التعارض. ففيما يجنح أنصار الجيل الأول من حقوق الإنسان إلى تفضيلها استناداً إلى مفهومهم الخاص لمبدأ عالمية حقوق الإنسان، ينادي المتمسكون بالخصوصيات الثقافية من أنصار مبدأ النسبية الثقافية بتغليب هذه الخصوصيات على تلك الحقوق بحجة أن هذه الأخيرة ليست إلا تكريساً للمفاهيم والقيم الغربية المنبثقة من ثقافة العالم الغربي، فلا يصح تطبيقها على غيره. ولا يقدم القانون الدولي لحقوق الإنسان مرجعاً معيارياً للتعامل مع هذا التعارض. لكنه إذ يكشف على الخصائص الرئيسة لحقوق الإنسان من مثل ترابطها، وعالميتها، وتساويها في الأهمية، وعدم تدرّجها، وقابليتها للتقييد، يقطع في الدلالة على أنه لا يسمح بتفضيل انتقائي مسبق لبعضها على الآخر.[63] هذه الخصائص تُضعف من حجة أنصار المذهبين المشار إليهما. ومن هنا لزم تقديم منهج بديل يستحضر في فصله في التعارض تلك الخصائص لينطلق من مبدأ تساوي حقوق الإنسان وانعدام التدرج بينهما، وأن اتصالها جميعاً بالكرامة الإنسانية يقتضي السعي كلما أمكن نحو العمل على تعايشهما معاً.

لا يذهب هذا المنهج إلى رفض مطلق لهذا الحق أو ذاك عند تعارضه مع آخر. ينبغي أن ينطلق من القبول بمبدأ عالمية حقوق الإنسان من الناحية القانونية بالنسبة إلى الدول الأطراف في معاهدات حقوق الإنسان. فليس أمام هذه الدول، وقد ارتضت إرادياً الالتزامَ بها، إلا أنْ تمتثل لما تفرضه من أحكام. وعلى هذا المنهج أن يسلم بعد ذلك بأن القانون الدولي لحقوق الإنسان ليس مجرد قائمة حصرية تكتفي ببيان الحقوق التي يستحق كل إنسان التمتع بها، بل يتضمن أيضاً جملة من القواعد تُستشَف منها الخصائص المشتركة لحقوق الإنسان، وتلك التي تحكم العلاقة بينها وتضع الإطار العام للقيود التي يمكن فرضها عليها.

المنهج الراجح من الناحية القانونية والعملية على السواء للفصل في التعارض والموازنة بين الحقوق ما يطلق عليه "مبدأ التناسب" "the principle of proportionality".

يعكس هذا المبدأ الطريقة الأكثر قبولاً واتباعاً في محاكم دولية ودستورية كآلية مناسبة للتعامل مع تقييد حقوق الإنسان والتضارب الذي يحصل بينها في الدعاوى المرفوعة أمامها. وتتمثل هذه الطريقة في أن أي قيد يفرض على حقوق الإنسان، بما في ذلك تغليب حق على آخر، يجب أن يكون معقولاً ومتناسباً مع المصالح المقيدة أو المرجوحة.[64]

ويفضل البعضُ هذا الحلَّ لفحص مدى سلامة القيود المفروضة على حقوق الإنسان، لكنه ينتقد استعماله في علاج تضارب هذه الحقوق بسبب ما يؤدي إليه من تفضيل مسبق لحق على آخر، وذلك قبل البدء في استعمال المبدأ. فالحق المدعى بانتهاكه يشد الانتباه إليه ويستحوذ على القدر الأكبر من اهتمام القائم بعملية التقييم؛ لأن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة في هذه الحالة يتمثل فيما إذا كان هذا الحق قد تم انتهاكه أم لا، وهكذا فسيُنظر إلى الحق الآخر المتعارض معه على أنه من قبيل القيود المطلوب اختبار شرعيتها ومدى سلامة تقييدها للحق المدعى بانتهاكه.[65] لهذا يفضل البعض طريقة بديلة لعلاج التعارض بين حقوق الإنسان تتمثل في وزن أهمية كل حق من الحقوق المتعارضة في مواجهة بعضها، وتسمى بمعيار الموازنة "balancing test".[66] وهو معيار يعتمد على وزن المصالح المحمية بالحقوق المتعارضة في مواجهة بعضها البعض لمنح الأولوية إلى الحق ذي المصالح الأكبر أهمية.[67]

 على أنه بالرجوع إلى التطبيقات القضائية الدولية لمحاكم حقوق الإنسان، نجد هذين المبدأين يُستعملان كمترادفين؛ ذلك أن عملية الموازنة تشكل في الواقع العنصر الرئيس في عملية التحقق من قيام التناسب أو عدمه. فإذا ما تبين بعد وزن المصالح المتعارضة أن المصلحة التي يحققها القيد المفروض أو الحق المنافس تفوق تلك التي ينطوي عليها إعمال الحق المراد تقييده، تَحققَ شرط التناسب وسَلمَ القيد من العيب من هذه الناحية.[68]

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن بعض المحاكم الدولية لحقوق الإنسان، أهمها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تقر بأن عملية الموازنة تستعصي أحياناً على القضاة الدوليين لعدم إحاطتهم الكافية بمقدار الحاجة الاجتماعية إلى القيد أو إلى تفضيل الحق المقابل. لهذا تترك للسلطات المحلية مجالاً لتقدير تلك الحاجة والتصرف على وفقها في ما اصطلح على تسميته بمبدأ الهامش التقديري. ومن المفيد ههنا أن نشير إلى حكم للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ينطوي على إقرار بغلبة الحق في الخصوصية الثقافية على الحق في حرية التعبير في مسألة طرحت عليها. إنه حكمها في قضية "مؤسسة أوتو برومنجر ضد النمسا" "Otto-Preminger-Institute v. Austria[69] المتعلقة بدعوى مؤسسة غير ربحية لعرض الأفلام بشأن انتهاك السلطات النمساوية لحقها في حرية التعبير المضمونة بنص المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وذلك بسبب مصادرة تلك السلطات، بناء على طلب من الكنيسة الكاثوليكية، لفيلم كان مقرراً لها أن تعرضه للجمهور في موعد محدد. الفيلم يحمل اسم "مجلس في السماء" "Das Liebeskonzil (Council in Heaven)" ويصور وقائع تتعارض مع العقيدة المسيحية لتصويرها الإله والمسيح ومريم العذراء في وضع يحط من منزلتهم.[70] وقد بني المنع والمصادرة على المادة 188 من قانون العقوبات النمساوي التي تعاقب على الاستخفاف بالعقيدة أو الأعراف القانونية أو المؤسسات الشرعية الخاصة بالكنيسة أو بجماعة دينية.

بعد فحص الدعوى، وجدت المحكمة أن تدخل الحكومة النمساوية في الحق في حرية التعبير كان قد تم بقانون وتلبية لهدف مشروع معتمدة على أن إجراءات المنع والمصادرة كانت اتخذت بقصد "حماية حق المواطنين في ألا تتعرض مشاعرهم الدينية للإهانة من خلال تعبير علني لأشخاص آخرين."[71] ومن ثم، انتهت إلى تقرير أن ما تم اتخاذه من إجراءات كان من أجل غرض مشروع طبقاً للمادة 10(2) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان يتمثل في "حماية حقوق الآخرين." وفي اختبارها لما إذا كانت إجراءات الحكومة "ضرورية في مجتمع ديمقراطي"، أوردت أن حرية التعبير لا تقتصر على "المعلومات" أو "الأفكار" التي "تلقى استحساناً، أو تلك غير المؤذية أو غير المتحيزة، بل تتعداها إلى التي تصدم الدولة أو أي قطاع من السكان، أو تسيئ إليهما، أو تعكر صفوهما"، ثم عقبت بأنه عندما تتعلق هذه الحرية بالآراء الدينية والمعتقدات، فإن من حق الدولة أن تفرض "التزاماً بتفادي التعبيرات المسيئة للآخرين والتي تشكل خرقاً لحقوقهم بلا مبرر."[72]

قصارى القول إن مبدأ التناسب مع إقرانه بمبدأ الهامش التقديري يضمن قدراً عالياً من الموضوعية في تحديد مفاهيم الحقوق وتكييف ما يفرض عليها من قيود. وهو من الناحية القانونية منهج مبني على القواعد العامة التي تفرضها معاهدات حقوق الإنسان على تقييد الحقوق، ومن الناحية الواقعية يعترف بحقيقة التنوع الثقافي السائد بين المجتمعات البشرية، والذي يبرر إفساح المجال أمام التفسيرات المحلية للتوفيق بين المعايير العالمية لحقوق الإنسان والخصوصيات الثقافية للمجتمعات دون تجاهل لجوهر الحقوق والقيم التي تحميها.



[1] Edmund W. Gordont, Cultural Identity and Behavioral Change, 47 Case W. Res. L. Rev. 389 (1996-1997), p. 396, 397.

[2] (UNESCO), World Conference on Cultural Policies, op. cit.

[3] See, Robert Justin Lipkin, op. cit., p. 8.; Xiaorong Li, Rethinking Culture: Globalization and the Challenges of Interculturality- a Cultural Critique of Cultural Relativism, 66 No. 1, American Journal of Economics and Sociology 151 (January, 2007), p. 157.;

د. علي أحمد الطراح، الأوطان والهويات الوطنية: إشكالية علاقة الإنسان بالأوطان. في، د. غسان منير حمزة سنو، و د. علي أحمد الطراح، الهويات الوطنية والمجتمع العالمي والإعلام: دراسات في إجراءات تشكل الهوية في ظل الهيمنة الإعلامية العالمية، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ط 1، 2002، ص 37.

[4] آن بلايبرج، المرجع السابق، ص 335.

[5] Antonija Petricusic, The Rights of Minorities in International Law: Tracing Developments in Normative Arrangements of International Organizations, 11 No. 38/39 Croatian International Relations Review (2005), p. 5.;

د. علي أحمد الطراح، المرجع السابق، ص 24، 25، بتصرف.

[6] آن بلايبرج، المرجع السابق، ص 335.

[7] See, Jack Donnelly, Cultural Relativism and Universal Human Rights, 6 Hum. Rts. Q. 400 (1984), p. 403.

[8] Robert Max Jackson, Destined For Equality: The Inevitable Rise of Women’s Status, (Harvard University Press, Cambridge, Massachusetts, and London, England (1998)), p. 175.

[9] Ali Mazrui 1990: 7, Cited in, Abdullahi Ahmed An-Na’im (ed.), Cultural Transformation and Human Rights in Africa, op. cit., p. 22.

[10] عباس محمود العقاد، المرأة في القرآن، المرجع السابق، 109.

[11] Robert Max Jackson, Destined For Equality: The Inevitable Rise of Women’s Status, op. cit., p. 202-205.

[12] هي 18 سنة بالنسبة للذكر، و 16 سنة بالنسبة للأنثى،   CEDAW, Concluding observations: Japan, U.N. Doc A/58/38 part II (2003) 130, at para. 371. Cited in, Dr. Fareda Banda, op. cit., p. 66.

[13] المادتان 269 و287 من قانون العقوبات الهاييتي، مشار إليه في      Dr. Fareda Banda, op. cit., p. 89.

[14] تم إلغاء التفضيل القانوني للذكر على الأنثى بموجب القانون رقم: 33 لسنة 2006 بعد التغير الذي طرأ على الثقافة الإسبانية في هذا الخصوص. انظر في ذلك، Dr. Fareda Banda, op. cit., p.104.

([15]) هيومن رايتس ووتش، قرايم رد، المرجع السابق.

([16]) د. سرور طالبي المل، حقوق المرأة في الدول العربية خلال إصلاحات 2000-2008، المرجع السابق، ص 145.

[17] جمهوريات آسيا الوسطى الخمس هي: كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وأوزباكستان.

[18] منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، تقرير اليونسكو العالمي: الاستثمار في التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات، المرجع السابق، ص 21.

[19] Jack Donnelly, Cultural Relativism and Universal Human Rights, op. cit., p. 403.

[20] انظر المادة 4 من إعلان اليونسكو العالمي بشان التنوع الثقافي، منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة، إعلان اليونسكو العالمي بشان التنوع الثقافي، 2 نوفمبر 2001؛ Federico Lenzerini, op. cit., p. 122.

[21] Organization for Security and Co-operation in Europe, High Commissioner on National Minorities, Report on the Linguistic Rights of Persons Belonging to National Minorities in the OSCE Area, (The Hague, The Netherlands, No publishing date), p. 8.;

 انظر أيضاً، منظمة الأمم المتحدة، اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، متاح على الموقع الإلكتروني: http://www.un.org/ar/events/culturaldiversityday/background.shtml. آخر زيارة: 23-10-2016.

[22] اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام رقم 21، المرجع السابق، فقرة، 1.

[23] انظر، اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 23: المادة 27 (حقوق الأقليات)، الدورة الثمانون، 2004، الوثائق الرسمية، الأمم المتحدة، (HRI/GEN/1/Rev.8)، فقرة 9.

[24]  منظمة الأمم المتحدة، اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، المرجع السابق.

[25] منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة، إعلان اليونسكو العالمي بشان التنوع الثقافي، 2 نوفمبر 2001.

[26] إعلان اليونسكو العالمي بشان التنوع الثقافي، 2 نوفمبر 2001، فقرة 7.

[27] Declaration of the UNESCO/OAU Intergovernmental Conference on Cultural Policies in Africa. Accra, Ghana, 27 October-6 November 1975, para. 32.

[28] National Institutes of Health, Cultural Respect, available at: https://www.nih.gov/institutes-nih/nih-office-director/office-communications-public-liaison/clear-communication/cultural-respect. Last visited: 17-10-2016.

[29] Committee on Economic, Social and Cultural Rights, Fortieth session, Geneva, 28 April – 16 May 2008, Day of General Discussion, Right to take part in cultural life (article 15 (1) (a) of the Covenant) Cultural rights and universality of human rights, by Mr. Patrick Thornberry, U.N. Doc. E/C.12/40/15, 9 May 2008, p. 21.

[30] M. Pomerance, Self-Determination in Law and Practice, 130-138 (1982). Cited in, Fernando R. Tesón, op. cit., p. 880.

[31] حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول، الأمم المتحدة، نيويورك، 1993، رقم المبيعA.94.XIV-Vol.1, Part 1، ص 75. يعد هذا الإعلان جزءاً من القانون الدولي العرفي.

[32] Mojekwu, International Human Rights: The African Perspective, In, J. Nelson & V. Green, (Eds.). International Human Rights: Contemporary Issues, (1980), p. 89. Cited in, Fernando R. Tesón, op. cit., p. 881.

[33] Fernando R. Tesón, op. cit., pp. 881-82.

[34] See, Frances Raday, op. cit., 667.

[35] David Weissbrodt and Connie De La Vega, op. cit., p. 181.

([36]) Christian Tomuschat, Human Rights between Idealism and Realism, (Oxford University Press, New York, 2nd. ed. (2008)), pp. 70, 71.

([37]) جاك دونللي، النسبية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المرجع السابق.

([38]) Kimberly Younce Schooley, Cultural Sovereignty, Islam, and Human Rights-Toward a Communitarian Revision, 25 Cumb. L. Rev. 651, 692 (1994). Cited in, Jason Morgan-Foster, op. cit., p. 41.

([39]) Andrew Heard, op. cit., pp. 6, 7; Guyora Binder, op. cit., p. 211.

([40]) Jack Donnelly, Cultural Relativism and Universal Human Rights, op. cit., p. 400.

([41]) Robert Justin Lipkin, op. cit., p. 48.

([42]) See, David Weissbrodt and Connie De La Vega, op. cit., p. 181.

([43]) Guyora Binder, op. cit., p. 211.

([44]) David Weissbrodt and Connie De La Vega, op. cit., pp. 182, 183; Organization for Security and Co-operation in Europe, High Commissioner on National Minorities,op. cit., p. 9; Johanna Schalkwyk, op. cit., p. 4.

([45]) Robert Justin Lipkin, op. cit., pp. 6, 7; see also, Micheline R. Ishay, op. cit., p. 276.

([46]) Eva Brems, Enemies or Allies? Feminism and Cultural Relativism as Dissident Voices in Human Rights Discourse ,op. cit., p. 160.

([47]) Fernando R. Tesón, op. cit., pp. 870, 871.

([48]) Henry J. Steiner, Phillip Alston and Ryan Goodman, op. cit., pp. 192, 193.

([49]) Guyora Binder, op. cit., p. 218.

([50]) Fernando R. Tesón, op. cit., pp. 870, 871; Federico Lenzerini, op. cit., p. 4.

([51]) Jack Donnelly, Cultural Relativism and Universal Human Rights, op. cit., p. 401; see also: Henry J. Steiner, Phillip Alston and Ryan Goodman, op. cit., p. 193.

([52]) Eva Brems, Enemies or Allies? Feminism and Cultural Relativism as Dissident Voices in Human Rights Discourse, op. cit., p. 142.

([53]) Tracey E. Higgins, Anti-Essentialism, Relativism, and Human Rights, 19 HARV. Women's L.J. 89 (1996), p. 96; فرج محمد نصر لامة، حقوق الإنسان في إطار جامعة الدول العربية (1945-2000م)، رسالة ماجستير، جامعة الدول العربية، معهد البحوث والدراسات العربية، قسم الدراسات السياسية، القاهرة، 2003، ص 69، 70.

([54]) David Weissbrodt and Connie De La Vega, op. cit., pp. 181, 182.

([55]) Robert D. Sloane, op. cit., p. 571.

([56]) Shefali Desai, op. cit., p. 806.

([57]) Robert D. Sloane, op. cit., p. 571.

([58]) Shefali Desai, op. cit., p. 806.

([59]) Peter Marsden,The Taliban: War, Religion & the New Order in Afghanistan63 (1998). Cited in, Robert D. Sloane, op. cit., p. 574.

([60]) د. سرور طالبي المل، حقوق المرأة في الدول العربية خلال إصلاحات 2000-2008، المرجع السابق، ص 237؛

Eva Brems, Enemies or Allies? Feminism and Cultural Relativism as Dissident Voices in Human Rights Discourse, op. cit., p. 147.

([61]) Jack Donnelly, Universal Human Rights in Theory and Practice, (Cornell University Press, New York. US., 2nd. ed. (2003)), pp. 64, 65.

([62]) David Bromwich, Against Culturalism, 6 Yale J.L. & Human. 115 (1994), pp. 146, 147.

([63])  See, Renu Mandhane, op. cit., p. 302.

([64]) Stavros Tsakyrakis, Proportionality: An Assault on Human Rights? 7 Int'l J. Const. L. 468 (2009), p. 468; Juan Cianciardo, The Principle of Proportionality: Its Dimensions and Limits, Selected Works of Juan Cianciardo, October, (2009), p. 2. Available at:http://works.bepress.com/juan_cianciardo/1.

([65]) Eva Brems, Conflicting Human Rights: An Exploration in the Context of the Right to Fair Trial in the European Convention for the Protection of Human Rights and Fundamental Freedoms, 27/1 Human Rights Quartery, 294 (2005), p. 305.

([66]) Peggy Ducoulombier, Conflicts Between Fundamental Rights and the European Court of Human Rights: An Overwiew, In, Eva Brems, (ed.), Conflicts Between Fundamental Rights, Op. cit., p. 227.

([67]) Olivier De Schutter and Francoise Tulkens, Rights in Conflict: The European Court of Human Rights As a Pragmatic Institution,op. cit., p. 191.

([68]) Stavros Tsakyrakis, Ibid.

([69]) European Court of Human Rights, Otto-Preminger-Institut v. Austria, Judgement of 20 September 1994, Application No. 295-A.

([70]) يصور الفيلم الرب، والمسيح، ومريم العذراء في حالة تآمر مع الشيطان لإيجاد طريقة لمعاقبة البشرية، وينتهون إلى إصابتها بمرض الزهري لتتولى ابنة الشيطان مهمة نشره على الأرض بين الأسقف والقساوسة والكنائس ثم بين عامة الناس.

([71]) European Court of Human Rights, Otto-Preminger-Institut v. Austria, op. cit., para. 48.

([72]) Ibid., p. 49.