منزلة المعاهدات في النظام ق الليبي، ومدي قابلية نصوص المعاهدات للتطبيق المباشر
الخطة
المطلب الأول: منزلة المعاهدات الدولية عموماً في النظام القانوني الليبي
الفرع الأول: خطوات نفاذ المعاهدات الدولية في النظام القانوني الليبي
الفرع الثاني: مرتبة المعاهدات الدولية في هرم القواعد القانونية السارية. (يمهد لهذا ببيان نظامي وحدة القانونين وثنائيتهما)
الفرع الثالث: المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان في مسوَّدة الدستور الليبي
المطلب الثاني: مدى قابلية نصوص معاهدات حقوق الإنسان للتطبيق المباشر
الفرع الأول: تأثير الطبيعة البنيوية لنصوص معاهدات حقوق الإنسان في إمكان تطبيقها مباشرة.
الفرع الثاني: موقف المشرع الدستوري والمشرع العادي تجاه مسؤولية الدولة عن التزاماتها الدولية باحترام حقوق الإنسان وضمانها.
المطلب الثالث: منزلة القانون الدولي لحقوق الإنسان في قضاء المحكمة العليا
الفرع الأول: القيمة القانونية لقضاء المحكمة العليا.
الفرع الثاني: مذهب المحكمة العليا بشأن حجية معاهدات حقوق الإنسان أمام القضاء الوطني.
مسائل للمناقشة
ملاحظة: تتضمن هذه المحاضرة اجتهادات في مسائل افترقت فيها وجهات النظر. ولا أعلم، في ما اطلعت، قائلاً بهذه الاجتهادات في الفقه والقضاء الليبيين. مازالت في طور البناء الذي يتطلب استكماله مزيداً من التأصيل والتفصيل. وإذ أطرحها ههنا قبل ينعها، إنما لإثارة مسائلها في ذهن المتدرب ولطرحها للتحليل والنقد فتكون بهذا جزءاً من أدوات تدريبه بمناسبة هذه المادة.
مبحث مسؤولية القضاء عن ضمان حماية حقوق الإنسان هو ما سيكون موضوعنا الرئيس في المناقشة. يفترض في كل طالب أن يشارك في كل الموضوعات المدرجة في كل فرع
المطلب الأول: منزلة المعاهدات الدولية عموماً في النظام القانوني الليبي
تمر المعاهدة الدولية قبل نفاذها بعملية معقدة من الإجراءات. طبقاً لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، فإن التعبير عن رضا الدولة الالتزام بالمعاهدة يكون بتوقيعها، أو بتبادل وثائق إنشائها، أو بالتصديق عليها، أو بالموافقة عليها، أو بقبولها، أو بالانضمام إليها، أو بأيـة وسيلة أخرى متفق عليها. وغالباً ما يتحدد ذلك بما تنص عليه المعاهدة من طرق الالتزام بها. على أن التصديق من حيث الأصل هو ما يضع المعاهدة موضع القبول النهائي من الدولة، ويجعلها طرفاً فيها، وينشئ التزاماً دولياً عليها بتنفيذ أحكامها.
ويعني التصديق قبول المعاهدة بصورة رسمية من السلطة التي تملك حق عقد المعاهدات باسم الدولة. بموجبه، تتعهد الدولة باحترام المعاهدة، وبمجرد تمام إجراءاته، ترتبط الدولة بالمعاهدة وتدخل جيز النفاذ بالنسبة لها. [1]
فالدولة تظل في حل من الالتزام بالمعاهدة إلى أن يتم التصديق عليها من السلطة المختصة. وهي في العادة لا تقدم على هذه الخطوة إلا بعد التحقق من توافقها من نظامها القانوني الداخلي، إذ بهذا الإجراء تنتقل المعاهدة، طبقاً للقانون الدولي، إلى نطاق القواعد الواجبة التطبيق على إقليم الدولة. بل، وكما رأينا، فإنها على وفق القانون الدولي تتمتع بصفة السمو على قواعد القانون الداخلي.
الفرع الأول: خطوات نفاذ المعاهدات الدولية في النظام القانوني الليبي
لا صعوبة في تحديد منزلة المعاهدة الدولية في هرم القاعدة القانونية في الدول التي تحدد تلك المنزلة بنصوص دستورية. لكن المسألة تدق عند غياب النص كما هو الحال في النظام القانوني الليبي. وكما سبق البيان، فإن التزام الدولة بتطبيق المعاهدة ينشأ دولياً بمجرد التصديق عليها. لكن في النهاية، فإن التطبيق الفعلي يعتمد على ما يقضي به النظام القانوني الوطني.
طبقاً لوثيقة الإعلان الدستوري لعام 2011 المعدلة، فإن السلطة التشريعية في النظام القانوني الليبي الحالي هي المختصة بالتصديق على المعاهدة الدولية بعد التوقيع عليها من السلطة التنفيذية. وقد كانت كذلك أيضاً في ظل النظام السياسي السابق. وللسلطة التشريعية من الناحية القانونية الدولية مطلق الحرية في التصديق على المعاهدة أو عدمه ودون التقيد بموقف السلطة التنفيذية. وهي بهذا تمارس نوعاً من الرقابة عليها يفترض فيها أن تتحرى بواسطتها مدى مطابقة موضوع المعاهدة ونصوها للقواعد الدستورية النافذة في البلاد. وللسلطة التشريعية من بعد خيار التصديق والامتناع عنه، ولها أن تتحفظ على بعض نصوص المعاهدة ولكن دون أن تمتد صلاحيتها إلى تعديلها.
لهذا، تصير المعاهدة نافذة على التراب الليبي بتمام التصديق عليها من السلطة التشريعية بالأغلبية المقرر، وهي أغلبية أصوات الحاضرين. وقد كانت قبل التعديل الأخير بأغلبية مئة وعشرين صوتاً على الأقل.
الفرع الثاني: مرتبة المعاهدات الدولية في هرم القواعد القانونية السارية
إن أبرز ما يعبر عن مبدأ سمو القانون الدولي الاتفاقي على القانون الوطني للدول الأطراف هو التسليم دولياً بامتناع الاحتجاج من دولة طرف في المعاهدة بقانونها الوطني لتبرير إخفاقها في الالتزام بأحكام تلك المعاهدة. ويذهب البعض إلى أنه إذا كان هذا هو حال المعاهدات الدولية التي تعالج مسائل دولية بطبيعتها، فإنه يشمل ضرورةً المعاهدات الدولية المتعلقة بتعزيز حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وحمايتها من تسلط الدولة.[2] غير أن غالبية القانونيين يذهبون إلى أن طبيعة العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي هي شأن تختص بتنظيمه القواعد الدستورية المعمول بها في الدولة المعنية.[3] وفي هذا تفترق الدول إلى نظامين رئيسين، نظام ثنائية القانونين، ونظام وحدتهما، وقد تخلط في ممارساتها الفعلية بينهما.
أولاً: مرتبة المعاهدات في مذهب ثنائية القانونين الدولي والداخلي
في هذا المذهب، لا وجه للتساؤل عن أي القانونين هو الأسمى فالأَولى بالتطبيق، فالمقارنة غير منعقدة أصلاً لأن القانونين نظامان منفصلان تماماً. كل منهما يستمد وجوده من السلطة التي ينتمي إليها، الإرادة المنفردة والمطلقة للدولة مقابل الإرادة المشتركة للدول، ولكل منهما مجالاته التطبيقية التي لا يتداخل فيها مع مجالات الآخر. شؤون القانون الدولي دولية ترتبط بحقوق والتزامات متبادلة بين الدول، فيما الشؤون الداخلية لكل دولة على حدة هي موضوع القانون الداخلي. ولا محل في هذا المذهب لتطبيق القانون الدولي داخل الدولة حتى لو كان مصدره معاهدة دولية هي إحدى أطرافها[4][5] لأن الفرض في هذه المعاهدة أنها لا تتعلق بشأن داخلي حتى يتصور إعمالها داخلياً أو منازعتها للقاعدة الداخلية. وعلى ذلك، فالتنازع بينهما غير متصور. وفي جميع الأحوال، فإن على القاضي الوطني أن يلتزم بتطبيق القانون الوطني دون الحاجة للتحري عن مدى موافقته لالتزامات بلاده الدولية.[6] واستقلال كل قانون عن الآخر استقلالاً تاماً يستتبع استحالة تطبيق محاكم أي من النظامين الداخلي أو الدولي للقواعد تنتمي إلى النظام الآخر. فدائرة انطباق كل منهما تختلف عن الأخرى فلا يتمتع أي منهما بوصف القانون في مجال انطباق الآخر وإنما تنحصر الصفة الإلزامية لأي قاعدة داخل نظامها القانوني،[7] اللهم إلا في حالات إحالة أي من القانونين على قواعد في الآخر.[8] وهكذا، فعلى القاضي الوطني في جميع الأحوال، أن يلتزم بتطبيق القانون الوطني دون الحاجة لتحري مدى موافقته لالتزامات بلاده الدولية.[9] فكما يمتنع على القانون الداخلي أن يكتسب قوة إلزام دولي إلا إذا تحول إلى قاعدة دولية، فإن القاعدة الدولية لا تصير بذاتها داخلية. فإذا ما رأت السلطة التشريعية في الدولة أن قاعدةً دولية جديرةٌ بالتطبيق على المستوى الداخلي، تبنتها بموجب تشريع داخلي ينص عليها. وفي هذه الحالة يكون تطبيقها في الحقيقة تطبيقاً للقانون الداخلي لا الدولي. ولها من بعد تعديلها أو إلغاؤها أني شاءت طبقاً لأحكام القانون الداخلي في التعديل والإلغاء.
ثانياً: مذهب وحدة القانونين الدولي والداخلي
في نظام أحادية القانونين، يجتمع القانون الدولي والقانون الداخلي معاً ليشكلا بناء قانونياً موحَّداً. مرجع ذلك أن القانون الدولي ليس إلا جزءاً من النظام القانوني للدولة يختص بتنسيق علاقاتها مع الدول الأخرى.[10] فالتصديق على المعاهدة جزء من النظام القانوني الداخلي، ومن ثم فهو كافٍ بذاته لإدماجها مباشرة في القانون الداخلي، فتصير قابلة للتنفيذ بشكل مباشر على المستوى الوطني،[11] ويقع على المحاكم الوطنية واجب تطبيق قواعدها، وعلى كل السلطات المحلية والأفراد واجب احترامها.[12]
بيد أن فقه وحدة القانونين مختلف في مسألة أي القانونين يغلَّب على الآخر. ينادي البعض بسمو القانون الدولي بمقولة إنه الأصل الذي يشتق منه القانون الداخلي، ولا يصح تغليب الفرع على الأصل في التطبيق عند التعارض. فالقانون الدولي هو مصدر سيادة الدولة على إقليمها ومواطنيها، وهو الذي يحدد اختصاصاتها،[13] وهو الذي يفوض السلطة التشريعية في وظيفتها، وما العلاقة بين القانونين إلا كالعلاقة بين القانون الفيدرالي وقوانين الولايات.[14] على أن هذا الرأي محل نقد من حيث إنه يجافي الحقيقة التاريخية التي تجزم بأن القانون الداخلي أسبق في النشأة على القانون الدولي.[15]
وينادي الفريق الآخر بسمو القانون الوطني استناداً إلى أنه مصدر اشتقاق القانون الدولي. يؤيد هذا غياب السلطة الأممية، أي تلك التي تعلو سلطة الدولة. ثم إن قدرة الدولة على إبرام المعاهدات الدولية عائدة في أساسها إلى السلطة التي منحها لها دستورها الداخلي بالاختصاص بذلك. ولهذا فالدستور الداخلي ليس مصدراً للقواعد القانونية الداخلية فحسب، بل وللقواعد الدولية أيضاً.[16] أضف إليه أن حرية الدولة في الدخول إلى المعاهدة الدولية استناداً إلى ما تتمتع به من سيادة يفرض القبول بأعلوية قانونها الداخلي؛ ذلك أن في القول بخلاف هذا مدعاةً للنفور من المعاهدات الدولية تحرزاً من التورط في التزامات قد تخل بنظامها الداخلي.
ثالثاً: مرتبة المعاهدات في النظام القانوني الليبي
ليس في الإعلان الدستوري نص يحدد مرتبة المعاهدة الدولية في هرم القاعدة القانونية في ليبيا. وأما ما تقضي به نصوص متناثرة في القانون المدني وفي قوانين خاصة من تغليب المعاهدات الدولية في بعض المنازعات، فلا يصلح للاستدلال به في تحديد مرتبة المعاهدة إلا في خصوص تلك المسائل؛ ذلك أن المشرع إذ غلبها في حالات مخصوصة، إنما لخصوصية موضوعاتها وجنسية بعض أطرافها كما هو الحال في مسائل القانون الدولي الخاص وبعض الأعمال التجارية.
ومما يساند ذلك بيانُ المشرع في المادة الأولى من القانون المدني لأصول القانون على سبيل الحصر دون أن يورد ضمنها المعاهدات الدولية. فلا يكون للقاضي، وهو ملزم دستورياً وبموجب هذا النص أيضاً بتطبيق القانون فحسب، أن يطبق في غير الحالات المنصوص عليها معاهدة دولية على نزاع يعرض أمامه . ثم إن نص المشرع في المادة الثانية على أنه: " لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم، أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع" يدل على أن ليس من شأن القاعدة القانونية الدولية أن تنسخ نصاً تشريعياً سابقاً عليها إلا إذا تحولت هذه المعاهدة إلى قانون. وفي هذه الحالة فقط يمكن أن تطبق بشأنها قاعدة الإلغاء المقررة بالنص، ويمكن للمحاكم العمل بها متى ما توافرت شروط أخرى نبينها في ما بعد.
وهكذا، فإن ما نخلص إليه هو أنه ليس للمعاهدات الدولية مكان في النظام القانوني الليبي إلا في حدود ما تقرره السلطة التشريعية بحسبانها صاحبة الاختصاص المانع بالتشريع الملزم للمحاكم. فإذا ما نص على تغليب المعاهدة في مسألة قانونية معينة، كان السمو لها. وإذا ما حول نصوصها إلى تشريع داخلي، كان السمو لها من خلال هذا التشريع على ما سبقه من قوانين مخالفة له. على أن القاضي في هذه الحالة وهو يوافق في التطبيق أحكامها إنما يطبق تشريعاً داخلياً.
الفرع الثالث: المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان في مشروع الدستور الليبي
تنص المادة 13 من مشروع الدستور الليبي الصادر في 29-7-2017 على أن "تكون المعاهدات والاتفاقيات الدولية المصادق عليها في مرتبة أعلى من القانون وأدنى من الدستور. وتتخذ الدولة التدابير اللازمة لإنفاذها بما لا يتعارض مع أحكام هذا الدستور.
والظاهر من النص أن المشرع الدستوري لم يعط المعاهدات الدولية مرتبة أعلى من الدستور لما ينطوي عليه ذلك من اختصاص ضمني للسلطة التشريعية بسلطة تعديل الدستور بقانون. وفي الوقت نفسه، فإنه وإن أعطى المعاهدات الدولة التي تصدق عليها السلطة التشريعية أعلوية على التشريعات، إلا أن القراءة المتقاطعة لنصوص الدستور، وأخذاً في الحسبان الطبيعة البنيوية لمعظم نصوص المعاهدات الدولية، تفيد بأنه لا يكفي لسمو المعاهدة الدولية على التشريعات مجرد تصديق السلطة التشريعية عليها بموجب قانون تصديق، بل يجب بعد ذلك اتخاذ الإجراءات التشريعية اللازمة لإنفاذها. تتمثل هذه الإجراءات في استقبال المعاهدة وتحويلها إلى قانون، وذلك بسن تشرع أو تشريعات تحاكي القواعد التي جاءت بها. وما لم تصر كذلك، لن يكون في وسع المحاكم، في الغالب، تطبيقها على ما يعرض عليها من نزاعات. أضف إلى ذلك أن المحاكم ملزمة بتطبيق القانون وهذا هو ذاك الصادر من السلطة التشريعية القابل بمجرده للتطبيق المباشر على النزاع. ومما يساند هذا الرأي أيضاً ويدل على أن الخطاب موجه في المقام الأول إلى السلطة التشريعية، ما ورد في ذيل النص من تعليق إنفاذ المعاهدة على توافقها مع أحكام الدستور، إذ إن المشرع العادي هو الملزم الأول باحترام الدستور وبوضع نصوصه موضع التنفيذ من خلال ما يصدره من تشريعات. فإذا ما قلنا بسمو المعاهدة مطلقاً دون حاجة لتحويل موضوعها إلى قانون، عطلنا القيمة القانونية للقيد الوارد في ذيل النص. إذ لن يكون حينئذ في وسع المحاكم من حيث الأصل الامتناع عن تطبيق هذه المعاهدة رغم تعارضها مع الدستور لأنها ملزمة بموجب الدستور والقانون بتطبيق نصوص القانون لا نصوص الدستور هذه التي يوجهها المشرع الدستوري إلى نظيره العادي لوضعها في تشريعات موضع التنفيذ. وعلى ذلك، فلن يكون في وسع المحاكم من الناحية القانونية والدستورية إلا تطبيق التشريعات الوطنية.
نخلص من ذلك إلى أن الخطاب الدستوري باحترام المعاهدة الدولية إنما هو موجه إلى السلطة التشريعية التي سيكون من واجبها، بمجرد التصديق، أن تبدأ في التدابير اللازمة لتصيغ نصوص المعاهدة في تشريعات وطنية. وسلطتها في ذلك مقيدة بعدم تعارض النصوص المستمدة من المعاهدة مع أحكام الدستور. هي التشريعات هي وحدها ما يمكن للمحاكم الوطنية تطبيقها.
ولما كان ذلك، فإن نص المادة 13 لا يبدو ذا أهمية، ولا تبدو أي حاجة حقيقة لتبنيه، على الأقل فيما يخص المعاهدات التي تتعلق بشؤون داخلية. أضف إليه أن أثره في خصوص نفاذ المعاهدة على الإقليم الوطني محدود للغاية.
فأما عدم الحاجة إليه ابتداءً، فإذا ما استثنينا الموضوعات التقليدية للمعاهدات الدولية، واستحضرنا أن الدافع على إعطاء المعاهدة الدولية ذات الشأن الداخلي تلك القيمة القانونية هو مناسبة قواعدها لحاجة داخلية والرغبة من ثم في تبنيها على الصعيد الوطني، فإن السؤال الذي يثور هو: ألم يكن في الإمكان الانصراف عن المعاهدة أصلاً، فلا توقيع ولا تصديق، واللجوء إلى خيار أسلم وأكثر أماناً: سن تشريعات مبتدأة مستقلة بتلك الموضوعات. تضمن هذه التشريعات سيادة الدولة وعدم تعرضها للمساءلة الدولية، وتكون أكثر تلبية وملاءمة للحاجة الاجتماعية التي فرضت موضوعاتها. هذا ديدن الولايات المتحدة الأمريكية في موقفها من المعاهدات الدولية ذات الشأن الداخلي خصوصاً كما سبق أن رأينا. ولا يبدو أن سلوك غير هذا السبيل له يقدم فائدة حقيقية أو أن له ما يبرره بشكل سائغ.
وأما محدودية أثر النص، فعلامتها الحاجة لتدخل المشرع لوضع المعاهدة موضع التطبيق بعد التصديق عليها. فالمشرع يملك أصالة عدم التصديق دون أن يحمل الدولة أي مسؤولية دولية. فإذا ما صدق على المعاهدة كان ملزماً بموجب الدستور بسن تشريع بأحكامها. فإن لم يفعل، لن تكون للمعاهدة قيمة قانونية في النظام القانوني الوطني وإن أمكن أن يكون هذا سبباً لمسؤولية الدولة دولياً.
[1] د. محمد المجدوب، الوسيط في القانون الدولي العام، الدار الجامعية، بيروت، 1999 ص508
[2] Henry J. Steiner and Detlev F. Vagts, Transnational Legal Problems: materials and text, (Foundation Press, New York, US., 2nd. ed. (1986)), p. 453.
[3] Peter Malanczuk, Akehurst’s Modern Introduction to International Law, (Routledge, New York, US., 7th. ed. (1997)), pp. 68–70.
[4] Tim Hillier, op. cit., p. 33.
[5] نبيل عبدالرحمن ناصر الدين، المرجع السابق، ص 11، 12.
[6] أ.د. إبراهيم ﷴ العناني، أ.د. حازم ﷴ عتلم، المرجع السابق، ص 181.
[7] الدقاق ص 96
[8] صالح السنوسي، الوجيز في القانون الدولي، كلية القانون، جامعة قاريونس، دار الكتاب الوطنية، بنغازي، ليبيا، الطبعة الأولى 2000، ص 90
[9] أ.د. إبراهيم ﷴ العناني، أ.د. حازم ﷴ عتلم، المرجع السابق، ص 181.
[10] د. محمد المجدذوب، الوسيط في القانون الدولي العام، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، 1999، ص 34
[11] Fisnik Korenica and Dren Doli, op. cit., p. 94.
[12] د. ﷴ حافظ غانم، مبادئ القانون الدولي العام، دار النهضة، القاهرة، 1968، ص 113، مشار إليه في، نبيل عبدالرحمن ناصر الدين، المرجع السابق، ص 39.
[13] د. إبراهيم ﷴ العناني، القانون الدولي العام، ط 5، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، ص 233.
[14] عبد الكريم بوزيد المسماري، دور القضاء الوطني في تطبيق وتفسير المعاهدات الدولية، الطبعة 1، 2010، دار الفكر الجامعة، الإسكندرية، مصر، ص 54، مشار إليه في، د. عبد الصمد رجب ميلاد اشميلة، و د. حامد علي امحمد شهوب، حجية الاتفاقيات الدولية أمام القضاء الجنائي الوطني: اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد أنموذجاً، المؤتمر العلمي الأول: مكافحة الفساد في ليبيا من المنظور التشريعي، الجامعة الأسمرية الإسلامية، كلية القانون والشريعة، 2010، ص7.
[15] محمد سامي عبد الحميد، أصول القانون الدولي العام، الجزء 1، الطبعة 3، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، مصر، ص 121، مشار إليه في، د. عبد الصمد رجب ميلاد اشميلة، و د. حامد علي امحمد شهوب، المرجع السابق، ص 8.
[16] د. علي إبراهيم، النظام القانوني الدولي والنظام القانوني الداخلي: صراع أم تكامل، دار النهضة العربية، القاهرة، 1995، ص 57 – 59. د. محمد المجذوب، الوسيط في القانون الدولي العام، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، 1999، ص 35
المطلب الثاني: مدى قابلية نصوص معاهدات حقوق الإنسان للتطبيق المباشر
الفرع الأول: تأثير الطبيعة البنيوية لنصوص معاهدات حقوق الإنسان على تطبيقها مباشرة
تكون المعاهدة ذات أثر مباشر إذا كان بإمكان المتقاضين الاحتجاج بأحكامها أمام المحاكم الوطنية في طلبهم حقاً أو حماية قانونية. ويكون لهم ذلك إذا كانت المعاهدة تقرر لهم حقوقاً شخصية أو تعترف لهم بمراكز قانونية، وكانت نصوصها في الوقت نفسه تتسم بقدر من الوضوح والتخصيص كاف للقطع بتقريرها حقوقاً معينة للأفراد يمكن للقاضي أن يستمد حكمه منها مباشرة. لكن كثيراً ما تصاغ المعاهدات الدولية في نصوص عامة تتضمن مبادئ أساسية أو أهدافاً ترمي الدول الأطراف إلى تحقيقها مستقبلاً. في هذه الحالة، لا يكون في وسع القضاء تطبيق نصوصها إلا بتحويلها إلى تشريعات داخلية. ينطبق هذا أيضاً على المعاهدات الخاصة بالتجريم التي لا تتضمن في العادة نصوصاً عقابية، إذ استناداً إلى مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، لن يكون بوسع القضاء الوطني تطبيقها إلا بتحويلها في تشريعات داخلية تحدد أركان الجريمة والعقوبة المقررة لها.
وبالبناء على ذلك، فإذا كانت بعض نصوص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية قابلة للتطبيق بالنظر إلى تحقق السمات المذكورة فيها، إلا أن الأمر مختلف في خصوص العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية الذي يغلب الرأي بأنه لا يتضمن إلا أهدافاً مستقبلية تلتزم الدول الأطراف بالسعي إلى تحقيقها بسبب توقفها على الموارد المتاحة.
الفرع الثاني: موقف المشرع الدستوري والمشرع العادي تجاه مسؤولية الدولة عن التزاماتها الدولية باحترام حقوق الإنسان وضمانها
بالنظر إلى نصوص الدستور والتشريعات العادية المتعلقة بحقوق الإنسان، يمكن القول إجمالاً بأن مشرِّعيهما ملتزمان إلى حد بعيد بما يفرضه القانون الدولي لحقوق الإنسان. ولنا في الحقوق المنصوص عليها في الدستور والضمانات القضائية الواردة في التشريعات المثال على ذلك. وأما النصوص التي يتهمها البعض، لاسيما اللجان الدولية لحقوق الإنسان، بانتهاك حقوق الإنسان، فإن الكثير منها على العكس تماماً. فمعظمها يندرج ضمن آثار الحق في الخصوصية الثقافية الذي يفرض القانون الدولي لحقوق الإنسان على الدولة ضمانه واحترامه.
فهو حق يقتضي من الدولة أن تضمن بموجب القانون والواقع صيانة الخصوصية الثقافية للمجتمع، والحفاظ عليها وتوفير اللازم لتنميتها الذاتية عند الاقتضاء.[1] وهذا الالتزام على الدولة باتخاذ تدابير إيجابية يتماشى مع ما يفرضه المبدأ العام في المادة 2(2) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والذي يتطلب تبني كل الإجراءات اللازمة لضمان التمتع الكامل بالحق. يدخل في ذلك رفعُ أيِّ عقبات تحول دون هذا التمتع، وتوفير الحماية الكافية له من أي اعتداء، علاوة على سن ما يلزم من قوانين واتخاذ الإجراءات الإدارية والقضائية اللازمة لإنفاذه. وما لم تمتثل الدولة لكل ذلك، فإنها تكون مخلة بالتزامها الدولي باحترام وضمان هذا الحق.[2]
ولما كان الإسلام جزءاً لا يتجزأ من الخصوصية الثقافية للمجتمع الليبي، حُق لهذا المجتمع تجاه الدولة نوعان من الالتزام الدولي: الامتناع عن كل ما ينتقص من التمتع الكلي بهذا الحق، وعدم تقييده إلا في الحدود التي يجيزها القانون الدولي؛ وتشريع القوانين اللازمة لضمان الخصوصية الثقافية الإسلامية والمحافظة عليها وحمايتها من كل ما يؤدي إلى المساس بها أو انتهاكها.
يمنع الالتزام الأول الدولةَ من أن تفرض أي قواعد داخلية من شأنها أن تشكل مساساً بالقواعد الآمرة في الإسلام.[3] كما يمنعها من أن تُخضِع نفسها لالتزامات دولية تتعارض مع تلك القواعد، والتي، بسبب ما تمتاز به من سمو على القواعد الشرعية الأخرى، تأتي على رأس عناصر الخصوصية الثقافية للمجتمعات الإسلامية ككل. فعلى سبيل المثال، يُعد الانضمام إلى معاهدة دولية تتضمن قواعد تخالف تلك القواعد الآمرة دون وضع تحفظات انتهاكاً لهذه الأخيرة وللنظام العام الإسلامي،[4] وبالتبعية انتهاكاً للحق في الخصوصية الثقافية للمجتمع الإسلامي.
أما الالتزام الثاني، فيوجب على الدولة تشريع وتنفيذ القوانين اللازمة لإعمال الحق في الخصوصية الثقافية. يكون ذلك بإضفاء الصفة القانونية على الأحكام الواردة في الشريعة الإسلامية، مما يتصل بشؤون حياة المجتمع الإسلامي، وذلك إما في شكل نصوص عامة، كالنص على أن يكون المرجع في مسائل شرعية معينة هو الشريعة الإسلامية، سواء ورد هذا في الدستور أو في قانون مثلاً، أو من خلال تشريعات خاصة تتضمن بعض التفصيلات عند الاقتضاء.
يمكن القول بأن النظام القانوني في ليبيا يضمن الحق في الخصوصية الثقافية لأعضاء المجتمع الليبي المسلم، من خلال ما يوفره من حماية قانونية لأحكام الشريعة الإسلامية المتصلة بشؤون حياتهم، وما يتضمنه من تقنين لها في الدستور والقوانين معاً وفي كل الأنظمة السياسية المتعاقبة، وهو ما يعني أن هذا النظام يأتي، من حيث المبدأ، موافقاً لما يفرضه القانون الدولي لحقوق الإنسان على البلاد من وجوب احترام وضمان الحق المذكور.
ويظهر التزام ليبيا باحترام الحق في الخصوصية الثقافية أيضاً، في تحفّظها على بعض أحكام اتفاقية المرأة منعاً لخضوعها إلى أي التزام قد يحملها على مخالفة الشريعة الإسلامية، ويهدر التزامها الدولي بحماية الحق في الخصوصية الثقافية للمجتمع.
من المهم التذكير في هذا المقام، أن الحق في الخصوصية الثقافية لا يبرر للدولة تغليبه في كل الحالات على حقوق الإنسان الأخرى. فقد رأينا أن الأمر يتطلب موازنة موضوعية لكل حالة من حالات التعارض للانتهاء إلى أي الحقين أولى بالتغليب. على أننا إذ أشرنا ههنا إلى الحق في الخصوصية الثقافية إنما للتنبيه إلى أن كثيراً من الاتهامات الدولية لليبيا بانتهاك حقوق الإنسان هي في الحقيقة مبنية على مغالطة قانونية لا تجد لها أساساً في القانون الدولي لحقوق الإنسان وذلك لما تنطوي عليه من تفضيل مسبق لحق على حق آخر، وهو ما بيَّنا قبلاً بطلانه.
المطلب الثالث: منزلة القانون الدولي لحقوق الإنسان في قضاء المحكمة العليا
الفرع الأول: القيمة القانونية لقضاء المحكمة العليا
الفرع الثاني: مذهب المحكمة العليا بشأن حجية معاهدات حقوق الإنسان أمام القضاء الوطني
الفرع الثالث: القيمة القانونية لمذهب المحكمة العليا بشأن منزلة المعاهدات الدولية
(هذه الموضوعات محل مراجعة في بحثنا عن حجية المعاهدات في القانون الوطني وقضاء المحكمة العليا)
([2]) اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام رقم 21، المرجع السابق، فقرة، 48.
مسؤولية القضاء عن ضمان حماية حقوق الإنسان
(مناقشة في ضوء المحاضرات السابقة)
المطلب الأول: سلطة الأجهزة القضائية في ضمان وحماية حقوق الإنسان
الفرع الأول: واجبها تطبيقاً للقانون الوطني
(ضمان الحقوق – حماية الحقوق) (بيان أن المحاكم ملزمة دستورياً بتطبيق القانون الوطني لا القانون الدولي – بيان مفهوم الضمان ومفهوم الحماية والتمثيل لهما في التشريعات الوطنية)
الفرع الثاني: واجبها وفاءً بالالتزامات الدولية للبلاد
(ضمان الحقوق – حماية الحقوق) (بيان أن المحاكم الوطنية لا تطبق المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان إلا إذا صارت قانوناً داخليا – التذكير بكيفية صيرورتها كذلك)
الفرع الثالث: التزام الأجهزة القضائية بتطبيق القانون الوطني وأثره على المسؤولية الدولية للدولة الليبية
(بيان مسلك القضاء عندما يكون القانون الوطني الواجب التطبيق مخالفاً للالتزامات الدولية. فالالتزامات الدولية شأن السلطتين الأخريين لا السلطة القضائية. وظيفة القضاء تنحصر في تطبيق القانون الوطني الساري، وهو وإن طبق القانون الدولي في بعض المسائل والنزاعات، إنما يطبقه إعمالاً للقانون الوطني الذي يعطيه هذه الحجية. وأما تطبيقه للمعاهدات الدولية المصادق عليها، وذلك في الحالات التي تكون قابلة للتطبيق المباشر، فإنه إنما يطبق قاعدة قانونية أرستها المحكمة العليا مع مراعاة ما تقدم بشأن مسألة انعدام التدرج بين التشريع والمعاهدة إلا في إطار القواعد العامة)
المطلب الثاني: مسؤولية سلطة التحقيق عن ضمان وحماية حقوق الإنسان
الفرع الأول: واجبها كأمين على الدعوى العمومية
(الاعتقالات - الاختفاء القسري – التعذيب – ممارسة وسائل الإكراه - يشار في هذا إلى واجب النيابة العامة في ملاحقة المسؤولين عن ذلك وعدم فرارهم من العدالة)
الفرع الثاني: واجباتها في مرحلة الاستدلال والتحقيق
(واجبها في الرقابة على أعمال مأموري الضبط القضائي – في التحقيق مع المسؤولين انتهاك حقوق المتهم (إكراه – تعذيب – معاملة قاسية – حجز غير قانوني) – احترامها لحقوق المتهم في مرحلة الاستجواب (عدم الإكراه – عدم الإيحاء – عدم الخداع – الاستعانة بمحام – حقه في التزام الصمت - حسن المعاملة – الحبس الاحتياطي كاستثناء تفرضه ضرورة التحقيقات وأنه ليس عقوبة في ذاته - استحضار أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته – الاقتصاد في الإجراءات بالتصرف في الدعوى دون تأخير – حفظ الأوراق لعدم كفاية الأدلة دون إحالة إلى المحاكمة)
الفرع الثالث: واجباتها في مرحلة المحاكمة
(واجب احترام حقوق المتهم في إحضاره أمام المحكمة في المواعيد المناسبة – الحياد في مرحلة المحاكمة يفرض عليها العدول عن رأيها إن رأت موجباً – استقلال عضو النيابة عن النائب العام في هذه المرحلة)
المطلب الثالث: مسؤولية القاضي عن ضمان وحماية حقوق الإنسان
الفرع الأول: واجباته في مرحلة التحقيق الابتدائي
(مد الحبس الاحتياطي للضرورة – المتهم بريء حتى تثبت إدانته – حظر استجواب المتهم دون موافقته – الحق في الاستعانة بمحام)
الفرع الثاني: واجباته في مرحلة المحاكمة
(مد الحبس الاحتياطي للضرورة – المتهم بريء حتى تثبت إدانته – الترفق بالخصوم - حظر استجواب المتهم دون موافقته – الحق في الاستعانة بمحام – الحق في طلب آجال لتقديم دفاع – الحق في العدالة الناجزة - الحق في حكم عادل – الحق في الحصول على حكم مسبب قائم على أسس تقيمه )
المطلب الرابع: تحري مدى توافق بعض الإجراءات والعقوبات الجنائية للمعايير الدولية لحقوق الإنسان
(أمثلة: الحبس الاحتياطي الممتد – عقوبة الإعدام – العقوبات الحدية)


أضف تعليقاً