8 م ق: حقوق الإنسان: المحاضرة الثامنة: آثار المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان على الإقليم الوطني
Home Icon 2026-03-10
Home Icon د. عياد دربال

عقبات قانون حقوق الإنسان، قيمة التحفظات، مدى الحاجة للمعاهدات الحقوقية


الخطة

المطلب الأول: عقبات تطبيق قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان داخلياً

الفرع الأول: العقبات السياسية.

الفرع الثاني: العقبات الثقافية.

 

المطلب الثاني: القيمة القانونية لتحفظات الدول الأطراف على معاهدات حقوق الإنسان

الفرع الأول: مذاهب الدول في التحفظ على معاهدات حقوق الإنسان.

الفرع الثاني: مذهب الدولة الليبية كإحدى الدول الإسلامية.

الفرع الثالث: مدى صلاحية التحفظات من الناحية القانونية كسند للتحلل من الالتزامات التي تفرضها معاهدات حقوق الإنسان.

 

المطلب الثالث: اختبار الحاجة إلى الانضمام إلى المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان

الفرع الأول: دوافع الدول إلى الانضمام إلى معاهدات حقوق الإنسان.

الفرع الثاني: مدى كفاية الاستعاضة بالتشريعات الوطنية لضمان حقوق الإنسان حفاظاً على السيادة الوطنية الليبية


مسائل للمناقشة

الفرع الثاني: مدى كفاية الاستعاضة بالتشريعات الوطنية لضمان حقوق الإنسان حفاظاً على السيادة الوطنية الليبية (أسئلة للمناقشة)

-      ما الغاية الموضوعية من الانضمام إلى معاهدات حقوق الإنسان؟

-      ما الغاية الواقعية من ذلك؟

-      إذا كانت الغاية الحقيقية هي حماية حقوق الفرد، ألا يمكن ضمان هذا بتشريعات داخلية فحسب؟

-      هل في الانضمام انتقاص حقيقي من سيادة الدولة؟

-      لماذا تعرِّض الدولة نفسها لمخاطر المسؤولية الدولية ولتدخل المنظمات الدولية في شؤونها الداخلية، بل ولمقاضاتها ومن مواطنيها أنفسهم أمام مؤسسات أجنبية؟

-      كيف نوفق بين سيادة الدولة وحق الفرد في التمتع بحقوق الإنسان؟

-      هل من فضل لمعاهدات حقوق الإنسان لا يمكن إدراكه بتشريعات داخلية؟

-      ماذا جنت ليبيا من فوائد جراء انضمامها إلى معاهدات حقوق الإنسان؟

-      ماذا لو انسحبت ليبيا من بعض معاهدات حقوق الإنسان بعد مراجعة دقيقة لتشريعاتها بما يضمن تلك الحقوق فيها وبما يلائم ثقافة المجتمع وهويته؟

 ما رأيك في الموقف الأمريكي من معاهدات حقوق الإنسان؟ هل تؤيدها في ذلك؟ لماذا لا نقتدي بها؟

المطلب الأول: عقبات تطبيق قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان داخلياً

انقضى الزمن الذي كانت فيه موضوعات المعاهدات الدولية تقتصر على اتفاقات إنهاء الحروب وحسم النزاعات وترسيم الحدود وإنشاء الدول. فما لبثت أن تخطتها لتمتد إلى شؤون داخلية كانت مجالاً خاصاً بالتشريعات الوطنية ورمزاً لسيادة الدولة على إقليمها. انتزع القانون الدولي هذا الشؤون فصارت اليوم جزءاً منه. بل صار بعضها أهم موضوعاته وتطبيقاته على السواء. المثال الأبرز على هذا موضوعة حقوق الإنسان التي ما أُبرمت معاهداتها إلا لتقييد سلطان الدولة على الأفراد الخاضعين لها. وهو انحسار في السلطان يكشف عن حجم التراجع في مفهوم سيادة الدولة "التقليدي".

ساهم هذا التحول في تنوع مواقف الدول من قواعد القانون الدولي إقبالاً وإحجاماً. أثّر أيضاً في فهمها لها وتفسيرها لمضامينها بسبب التمايز في أيديولوجياتها. هذه الأيديولوجيات ما فتئت تكون العقبة الأكبر التي تحول دون تمتع كل قواعد القانون الدولي اليوم بدرجة واحدة من القبول. فكثيراً ما تقبل الدولة بعض القواعد وتطرح أو تتجاهل أخرى أو تفسرها بطريقة تحرفها عن مضمونها الحقيقي.[1] وترجع هذه الاختلافات إلى عدة عوامل منها: السياسية، والاقتصادية، والثقافية. وسنكتفي ههنا بعرض العوامل السياسية والثقافية بحسبانهما الأوثق ارتباطاً بالغاية من تدريس المادة في هذه المرحلة.

الفرع الأول: العقبات السياسية

يمكن تقسيم هذ النوع من العقبات إلى عقبات متعلقة بسيادة الدولة، وأخرى بالسياق السياسي لها. أما عقبة السيادة، فمناطها التوفيق بين السيادة الوطنية من جهة والقانون الدولي من الجهة الأخرى. ومازالت هذه المسألة واحدةً من أكثر التحديات التي تواجه إنفاذ قواعد القانون الدولي ذات الشأن الداخلي؛ فلا يقتصر دور الدول على تشريع قواعد القانون الدولي المعنية بمجالات داخلية، بل هي، فضلاً عن ذلك، التي تختار بقوانينها الداخلية تطبيق تلك القواعد أو عدم تطبيقها وفقاً لإرادتها السيادية، إذ يعوز القواعدَ الدولية القوةُ التنفيذية الكافية لإعمالها المباشر على أقاليم الدول. يشجع هذا البعضَ على الاستمساك أمام الهيئات الدولية بالقوانين المحلية بدل القوانين الدولية، وذلك لما تتمتع به من قيمة قانونية فعلية قد لا تتوفر للثانية التي يرتبط إعمالها الواقعي في نهاية المطاف بالنظام القانوني الداخلي.[2]

وأما عقبة السياق السياسي للدول، فتعود إلى مبدأ أن الإرادة السياسية للدولة هو العامل الرئيس الذي يحكم سلوكها تجاه الالتزام بالقانون الدولي. فعلى هذه الإرادة يتوقف إبرامها للمعاهدة والانضمام إليها والتحفظ على بعض نصوصها. هذه الإرادة محكومة في العادة بطبيعة النظام السياسي السائد، وبتوجهاته العالمية ونظرته إلى الأسس الفلسفية للقاعدة الدولية، وبطبيعة العلاقة بالدول الأطراف. فمازال البعض يشكِّك في مصداقية ما يبدو للرائي من نزعة دولية إلى الاهتمام بشؤون كانت على الدوام داخلية سيما أن القانون الدولي لم يكن قد نشأ أصالةً لأجلها. ومعاهدات حقوق الإنسان خير مثال على ذلك كونها الأوثق صلة بالشأن الداخلي للدول. فالنظرة المشكِّكة في حقيقة غايتها المعلنة من أنها ضمان للكرامة الإنسانية ولإعلاء مبدأ تساوي بني البشر فيها، تصوِّرها على أنها ليست أكثر من سيف بيد القوى المتسلطة توظفه لتحقيق مآربها الخاصة في أقاليم الدول الصغرى. يُستشهد على هذا بالممارسات العملية لشعار حقوق الإنسان الذي صار اليوم أداة في يد القوى ذات النزعة الاستعلائية والتراث الاستعماري، تستغله كلما وجدت إليه حاجة لابتزاز خصومها السياسيين فحسب. ولعل اختزالها لحقوق الإنسان في الحقوق السياسية والمدنية ذات الطبيعة الفردية أهم شاهد على تأثرها بأيديولوجيتها مهملةً على الدوام مسألة العدالة الاجتماعية رغم أنها شرط جوهري للتمتع بكل حقوق الإنسان الأساسية.[3]

وللسياسة أثرها في الإحجام عن معاهدات حقوق الإنسان في بعض الدول الكبرى أيضاً. ففي حين تُحمِّل الولايات المتحدة الأمريكية الدولَ الأخرى المسؤوليةَ عن انتهاك القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومع أنها الأكثر تدخلاً في شؤون الدول الصغرى تحت مظلة حماية حقوق الإنسان، نجدها أقَّلها انضماماً إلى معاهدات حقوق الإنسان، إذ ترى في ذلك سماحاً للمنظمات الدولية بالتدخل في شؤونها الداخلية وفي مسائل يضمنها القانون والدستور الأمريكيان على أكمل وجه، متباهية بأنها وحدها كانت الرائدة في النهوض بهذه الحقوق لمواطنيها. ولهذا فمن أصل ثماني عشرة وثيقة دولية رئيسة لحقوق الإنسان، لم تصدق الولايات المتحدة إلا على ثلاث منها،[4] وقد كانت كلها بقيود وتحفظات، ثم إنها تصديقات حديثة العهد نسبياً (أولها عام 1992). ولم تصدق إلى اليوم على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وهي الوحيدة في العالم التي لم تصدق على اتفاقية الطفل.

الفرع الثاني: العقبات الثقافية

من الناحية الواقعية، لا يجري الإعداد للمعاهدات الدولية لا سيما المتعلقة بشؤون داخلية، ولا تتم صياغاتها في ظل مداولات ديمقراطية حقيقية. غالباً ما يكتب نصوصها بيروقراطيون مستقلون لا ينحدرون بالضرورة من دول مشهود لها باحترام فعلي لموضوعات المعاهدة، وكثيراً ما تتنازعهم هويات ثقافية متمايزة لغة وديناً وقيماً أخلاقية وسلوكية. وعلى الرغم من محاولات الصياغة التوفيقية لنصوص المعاهدات استهدافاً لتصديق أقصى عدد ممكن من الدول المختلفة أيديولوجياً، تظل بصمات الثقافة الغالبة بين هؤلاء المستقلين والدول المؤسسة طاغية عليها. ومن ثم، فليس كل ما تتضمنه من أحكام وقواعد هو بالضرورة عادل أو مثالي.[5] لهذا، وكما سبق أن رأينا، لم تثمر مشاركة كلٍّ من المصري "محمود عزمي"، والسعودي "جميل البارودي" في أعمال لجنة صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن أيِّ تأثير للهوية العربية والإسلامية على الإعلان.[6] وقد كان لهذا الواقع من غياب الصوت الإسلامي أثره الواضح في كل الوثائق الدولية اللاحقة، والتي، كما أسلفنا، كانت قد تأثرت بشكل قوي بمحتوى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ولا يقف الأمر عند هامشية حضور من لا ينحدرون من الثقافة الغالبة أو تأثيرهم، إذ تمتد سلطة هذه الثقافة إلى مرحلة ما بعد نفاذ المعاهدة. فغلبة تفسير نصوصها من مؤسسات تغلب الهوية الغربية على أعضائها، والآلة الإعلامية العملاقة التي تمتلكها تجعلان القيم الغربية في أغلب الأحيان هي وحدها المنبثقة عن نصوص المعاهدة، وهي المرجع المعياري في فهمها.

لذلك يلاحظ أن الدول التي تنضم إلى معاهدات حقوق الإنسان، وتلك التي لم يكن لها دور فعال في تأسيسها، تميل عادة إلى وضع تحفظات على نصوصها التي تراها متعارضة مع قيمها الوطنية رفضاً لهيمنة ثقافية للدول الغالبة عليها. ولا ينفك السجال قائماً بين لجان حقوق الإنسان والدول الأطراف بشأن مدى احترامها لحقوق معاهدة حقوق الإنسان المعنية، إذ تميل كثير من الدول، ومنها ليبيا، إلى التحجج بالشريعة الإسلامية مبرراً لمواجهة اتهاماتها بانتهاك بعض حقوق الإنسان.

وفي المقابل، وبسبب الحقيقة التاريخية لنشأة القانون الدولي لحقوق الإنسان، تلفت انتباهنا ظاهرة الفرق الواضح بين سلوك العالم الغربي وسلوك العالم غير الغربي تجاه بعض حقوق الإنسان التي تحظى بتركيز خاص من المنظمات الحقوقية كحقوق المرأة. فبوصفها حقوقاً ذات جذور فكرية غربية، بل يمكن القول بأنها من صناعته وبيد نخبة من مواطنيه، لا يجد هذا العالم مشقة في اتباعها وإنفاذها داخلياً، فيما الحال خلاف هذا بالنسبة إلى العالم غير الغربي الذي كثيراً ما يستغرب بعض تلك الحقوق، أو يتوجس الخيفة منها   لما قد تحمله من مصادمات لمقومات هويته.



[1] C. Wilfred Jenks, The Equality of Man in International Law, 13 Howard Law Journal 321 (1967), p. 341.

[2] Cf. Delbrueck, International Protection of Human Rights and State Sovereignty, 57

Ind. L. J. 567 (1982), Cited in, Fernando R. Tesón, op. cit., p. 885.

[3] محمد فال ولد المجتبي، ضرورة تجديد حقوق الإنسان، 2008، متاح على الموقع الإلكتروني:

www.aljazeera.net/opinions/2008/11/7/ضرورة-تجديد-حقوق-الإنسان#2. آخر زيارة: 26-10-2024.

[4]  صدقت على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام 1992، وفي عام 1994 على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. انظر،

United Nations, Human Rights, Treaty Bodies, Ratification Status for United States of America. Available at: https://tbinternet.ohchr.org/_layouts/15/TreatyBodyExternal/Treaty.aspx. Last visited: 26-10-2024

[5] Jack Goldsmith, The Unexceptional U.S. Human Rights RUDs, 3 U. St. Thomas L.J. 311 (2005), p. 326.

[6] أ. محمد فائق، حقوق الإنسان بين الخصوصية والعالمية، في حقوق الإنسان العربي، سلسلة كتب المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت 1999، ص 196، مشار إليه في، علي معزوز، المرجع السابق، ص 133.

المطلب الثاني: القيمة القانونية للتحفظات على معاهدات حقوق الإنسان

تلجأ الدول في سبيل تقييدها لبعض حقوق الإنسان إلى عدة وسائل قانونية. فقد تمارس التضييق على الحق أو المصادرة الكلية له في الأحوال الاستثنائية، أو تعمل على تقييده لمقتضيات حماية النظام العام والآداب. علاوة على ذلك، تميل غالبية الدول بما فيها الدول الغربية إلى استثناء بعض أحكام معاهدة حقوق الإنسان من نفاذها في حقها، وذلك أثناء إبرامها أو لدى الانضمام إليها. وهي في ذلك بين متوسع في الاستثناء ومضيق له.[1] ويطلق على هذا الموقف الأخير من الدولة باسم التحفظ، حيث غالباً ما يجوز للدولة الحد من أثر المعاهدة عليها. وعادة ما يتزايد عدد التحفظات بتعدد الدول الأطراف.[2]

يعرَّف التحفظ بأنه: "إعلان انفرادي، أيَّاً كانت تسميته، تلحقه دولة ما وقت توقيعها على المعاهدة أو وقت إعلانها قبول الالتزام بها ... والذي بمقتضاه تقصد الدولة أن تستبعد، أو أن تعدل الأثر القانوني لبعض نصوص المعاهدة في تطبيقها عليها."[3] ويعرَّف أيضاً بأنه استثناء جزء من المعاهدة عن مجملها بقصد تعديل الأثر القانوني لذلك الجزء.[4]

الفرع الأول: مذاهب الدول في التحفظ على معاهدات حقوق الإنسان

تثير مسألة التحفظ على معاهدات حقوق الإنسان جدلاً بشأن ما تعبر عنه من ناحية، وبشأن قيمتها القانونية من ناحية ثانية. فيذهب جانب من الفقه الغربي إلى أن التحفظات التي ترد على معاهدات حقوق الإنسان عموماً هي في الحقيقة مؤشر قوي على احترام القانون الدولي، لاسيما عندما تَرد هذه التحفظات على قليل من أحكام كثيرة في المعاهدة.[5] وكثيراً ما يستعمل هذا الموقف لتبرير التحفظات الثقيلة للولايات المتحدة الأمريكية على وثائق حقوق الإنسان تحت اسم: التحفظ، والفهم، والإعلان (Reservations, Understandings, and Declarations).[6] ففي تبرير تحفظاتها على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، يبرز القول بأن الولايات المتحدة كانت تعهدت بإجراء فحص دقيق لممارساتها لضمان امتثالها الفعلي للالتزامات التي ستقبل بالخضوع لها، وبأن هذا في الحقيقة مؤشر قوي على نظرتها إلى الالتزامات بالجدية التي تستحقها، لا على أنه تعبير عن ازدرائها لها.[7] وفقاً لهذا الرأي، تعطي الولايات المتحدة استناداً إلى المبدأ المذكور عناية كبيرة لدراسة ما إذا كان بإمكانها مطابقة سلوكها الداخلي لقواعد المعاهدة ذات العلاقة. وعلى أمل أنها ستعمل على الامتثال لحكم يستعصي اليوم عليها الالتزام به، فإنها ترفض القبول بعدد من الأحكام في الوقت الحالي عن طريق التحفظ على المواد التي تتضمنها. ويدللون على سلامة هذا المنهج بحقيقة أن الدول الأقل احتراماً لوثائق حقوق الإنسان هي تلك التي لا تميل إلى وضع تحفظات عليها، فيما العكس بالعكس.[8]

سلكت الكثير من الدول الغربية منحى مشابهاً لهذا مع اختلاف في حجم التحفظات، وقد صُوّر هذا الموقف على أنه تعبير أكثر جدية على الرغبة في الالتزام بأحكام معاهدات حقوق الإنسان. لكن الأمر ليس كذلك فيما يخص أغلب الأنظمة المصنفة دكتاتورية؛ فلم يتردد الكثير منها في التوقيع والتصديق على معاهدات حقوق الإنسان دون وضع تحفظات ذات أهمية، وذلك، على ما يبدو، رغبة منها في الظهور أمام العالم بمظهر المتحضر المقدس لحقوق الإنسان. بيد أنها غالباً ما تخفق في احترام تلك الحقوق. ولهذا يشيع اتهامها بأنها ومنذ تصديقها على تلك المعاهدات، لم تكن أصلاً تنوي احترامها.[9]

على أن الملاحظ رغم ذلك أن كثيراً من دول العالم الثالث ومنها الإسلامية هي الأخرى تميل إلى التحفظ على معاهدات حقوق الإنسان تفادياً لالتزامها بما يخالف هوياتها الثقافية أو الدين. من ذلك أن كثيراً من الدول الإسلامية لم تصدق على اتفاقية المرأة لما رأته فيها من مصادمات شديدة للشريعة الإسلامية. وأما التي صدقت، فقد تحفظ معظمها على نصوصها التي رأتها مخالفة للشريعة الإسلامية.[10]

 

الفرع الثاني: مذهب الدولة الليبية كإحدى الدول الإسلامية

بدءاً من العهد الإسلامي، خضعت ليبيا للتنظيم الدستوري المقرر في القرآن الكريم والذي تم تطبيقه في كل ولاية من الولايات الإسلامية التي تأسست فيها. فقد نظمت الشريعة الإسلامية كلَّ جوانب حياة الليبيين. واستمر الحال كذلك بعد ما ورث الأتراك البلاد، ثم في ظل الاحتلال الإيطالي.[11] ومنذ ذلك الوقت، والدين الإسلامي يؤثر بشكل كبير في الهوية الليبية حتى طغى على كل العناصر الثقافية الأخرى كالقبلية واللغوية والعرقية. واليوم تعد ليبيا دولة متجانسة دينياً، يشكل فيها الدين الإسلامي دين الغالبية العظمى من السكان.[12]

كان لذلك أثره على النظام القانوني في البلاد. فمع كل التغيرات السياسية التي شهدتها، ظلت الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع. يلاحظ هذا أيضاً في التعديلات المطردة للتشريعات لتوافق الشريعة الإسلامية.

على أن المسألة تدق عندما تتعلق بموقف ليبيا من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان. فمن جهة، نجدها تتحفظ على نصوصها المخالفة للشريعة الإسلامية. نلمس ذلك في تحفظها على نص المادة 2 من اتفاقية المرأة الذي يتعلق بحظر التمييز ضد المرأة في دساتير الدول وتشريعاتها، وعلى المادة 16 المتعلقة بقوانين الزواج والأسرة، ووضعها مع هذا تحفظاً عاماً تعلن فيه استثناء الالتزام بأي حكم في الاتفاقية يخالف أحكام الشريعة الإسلامية في المسائل التي تحكم شؤون المرأة.[13] ومنه أيضاً ردودها على التقارير الدولية بانتهاكها حقوق الإنسان، كالردِّ على مطالبة اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة بالعمل على "تطوير وتغيير الشريعة"، إذ تشدد على أن "الشريعة الإسلامية الغراء صالحة لكل زمان ومكان، وقابلة لمواكبة التطور في كل المجالات، [وعلى] الثبات على [موقف الدولة] المتحفظ على كل ما يناقض النصوص القرآنية الصريحة والقطعية."[14]

ومن جهة أخرى يبدو موقف ليبيا من معاهدات أخرى غير متسق مع ما تقدم. من ذلك أنها لم تضع أي تحفظ على عهدي الشرعة الدولية لحقوق الإنسان رغم ما فيهما من مخالفات شرعية. اكتفت في هذين العهدين بتحفظ سياسي لافت مفاده أن تصديقها على العهدين لا يعني بحال من الأحوال الاعتراف بالكيان الإسرائيلي كدولة. ولم تتحفظ أيضاً على اتفاقية الطفل 1989 رغم تضمنها بعض الأحكام المخالفة للشريعة. وقد جاء موقفها هذا على خلاف دول إسلامية أخرى قيدت التزامها بنصوص الاتفاقية بعدم تعارضها مع الشريعة الإسلامية وهي: الجزائر، أفغانستان، إيران، العراق، الأردن، الكويت، جزر المالديف، موريتانيا، المغرب، قطر، السعودية، سوريا، الإمارات العربية، بروناي دار السلام.[15]

الفرع الثالث: مدى صلاحية التحفظات من الناحية القانونية كسند للتحلل من الالتزامات التي تفرضها معاهدات حقوق الإنسان

يذهب جانب من الفقه إلى التشكيك في صلاحية التحفظات من الناحية القانونية سنداً للتحلل من التزامات معاهدات حقوق الإنسان. وهو في هذا منقسم إلى قسمين: أولهما يقول بانعدام القيمة القانونية لتلك التحفظات لتعارضها مع موضوع هذا النوع من المعاهدات. فهي منصبة على حقوق للإنسان يكمل بعضها بعضاً، فلا يستوي انتقاء جزء منها واستبعاد الآخر. أما ثانيهما، فلا يعد الدولة المتحفظة على مثل هذه المعاهدات طرفاً فيها أصلاً.[16]

يشار في هذا السياق إلى القاعدة التقليدية هي أن التحفظات لا تكون صالحة إلا بشرطين: أن تسمح بها الاتفاقية؛ وأن تقبلها كل الأطراف الأخرى في المعاهدة.[17] لكن الخلاف العميق بين الدول بشأن هذين الشرطين اضطر الجمعية العامة بالأمم المتحدة إلى طلب الرأي الاستشاري من محكمة العدل الدولية بمناسبة جدل بشأن المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، 1948.[18] طالبت الجمعيةُ المحكمةَ بالبتَّ في مسألة عدّ الدولة المتحفظة طرفاً في الاتفاقية إذا كان تحفظها مرفوضاً من دولة أو عدة دول أطراف في الاتفاقية ومقبولاً من البقية.[19] جاء رأي المحكمة في قضية "التحفظات على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، 1951" بأن الدولة التي تضع تحفظاً يرفضه طرف أو عدة أطراف فيما يقبله الباقون، تعد دولة طرفاً في الاتفاقية إذا كان التحفظ متوافقاً مع فحوى الاتفاقية وغرضها، وإلا فلا تعد طرفاً فيها.[20]

ما لبث هذا الرأي أن لاقى قبولاً تدريجياً[21] عبرت عنه اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات في نظام التحفظات المنصوص عليه في موادها من 19 إلى 23. تقضي هذه المواد بجواز التحفظ على المعاهدة ما لم يكن محظوراً بنص المعاهدة نفسها، أو كان "منافياً لموضوعها وغرضها." تقضي أيضاً بأنه يكفي من حيث الأصل موافقة دولة متعاقدة واحدة على التحفظ لحسبان الدولة المتحفظة طرفاً في المعاهدة، ولبدء نفاذ المعاهدة بين الدولة المتحفظة وبقية الأطراف.[22]

لما تقدم، فإن القول بعدم جواز التحفظات، أو عدم إحداثها أثرها في نطاق التزام الدول الأطراف بأحكام المعاهدة الدولية لحقوق الإنسان، لا يبدو دقيقاً من الناحية القانونية. مما يؤيد هذا أيضاً، ما يجري عليه العمل في أغلب هذه المعاهدات، إذ كثيراً ما تتضمن أحكاماً خاصة بالتحفظات، فتكون هي المرجع المعياري لنطاقها ومدى سلامتها. أما ما لا يتضمن منها مثل هذه الأحكام، فتسري بشأنها القاعدة العامة المذكورة.

((((يضاف إلى هذا أن التحفظ المعارض لفحوى الاتفاقية يفقد الدولةَ وفقاً لفيينا والرأي الاستشاري طرفيتها فيها. وهذا منطقي إذ هب أن دولة تحفظت على معظم نصوص المعاهدة !!! لهذا يمكننا أن نقول إن ليبيا ليست طرفاً في اتفاقية المرأة )))))



[1] أ.د. أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة، المرجع السابق، ص 113، 114، بتصرف.

[2] تختلف المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي تتضمن أحكاماً خاصة بالتحفظات في النطاق المسموح به منها من مانع لها مطلقاً؛ كالاتفاقية التكميلية الخاصة بإلغاء الرق وتجارة الرقيق والأنظمة والممارسات المشابهة للرق 1956م، إلى مجيز لها بشرط عدم التعارض مع موضوع وغرض الاتفاقية؛ مثل اتفاقية حقوق الطفل 1989م، واتفاقية المرأة 1979م، إلى طائفة ثالثة منها تجيز التحفظات من دون قيد؛ مثل اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة 1952م. ومن الاتفاقيات ما تجيز التحفظات عموماً لكنها تمنعها على نصوص محددة منها، وذلك مثل اتفاقية جنسية المرأة المتزوجة 1957م.

[3] أ.د. أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة، المرجع السابق، ص 114؛ أ.د. أحمد أبو الوفا، القانون الدولي والعلاقات الدولية، المرجع السابق، ص 68.

[4] أ.د. أحمد أبو الوفا، القانون الدولي والعلاقات الدولية، المرجع السابق، ص 68­­­­.

[5] Jack Goldsmith, The Unexceptional U.S. Human Rights RUDs, op. cit., p. 321.

[6] يعني التحفظ إعلان الدولة عدم التزامها بنص معين في المعاهدة، وأما الفهم، فيعني إعلان الدولة فهمها لنص ما على وجه محدد لا تقبل غيره، ويعني الإعلان بياناً يحدد فيه مجلس الشيوخ مكانة المعاهدة في النظام القانوني الداخلي بالإشارة إلى ما إذا كانت ذاتية التنفيذ.

[7] 138 Cong. Rec. S4783 (daily ed. Apr. 2, 1992). Cited in, Jack Goldsmith, The Unexceptional U.S. Human Rights RUDs, op. cit., p. 321, 322.

[8] Cf. Arthur Rovine, Defense of Declarations, Reservations, and Understandings, in U.S. Ratification of the Human Rights Treaties: With or Without Reservations? 54, 57 (Richard B. Lillich ed., U. Press of Va. (1981)) (“It is very easy to sign a human rights treaty without any reservations.... Many authoritarian regimes have done so.” ["من السهل جداً التوقيع على معاهدة حقوق الإنسان من دون وضع تحفظات. ... فالكثير من الأنظمة الاستبدادية فعلت ذلك."] ). Cited in, Jack Goldsmith, The Unexceptional U.S. Human Rights RUDs, op. cit., p. 322.

[9] David Sloss, The Domestication Of International Human Rights: Non-Self-Executing Declarations and Human Rights Treaties, 24 Yale J. Int'l L. 129 (1999), p. 179.

[10]  هذه المواد هي: المادة 2 التي تتعلق بحظر التمييز ضد المرأة في دساتير الدول وتشريعاتها، والمادة 7 المتعلقة بالحياة السياسية، والمادة 9 المتعلقة بقوانين منح الجنسية للمرأة، والمادة 15 التي ترتبط بالمساواة بين الرجل والمرأة في الأهلية القانونية وقوانين السفر والإقامة، والمادة 16 المتعلقة بقوانين الزواج والأسرة، والمادة 29 الخاصة برفع الخلاف في تفسير الاتفاقية أو تطبيقها بين الدول الأطراف إلى محكمة العدل الدولية. ومن الدول من وضعت قيداً عاماً بعدم التزامها بما يخالف الشريعة.

[11] د. عبد الرضا حسين الطعان، التنظيم الدستوري في ليبيا بعد الثورة، جـ 1: الإعلان الدستوري الليبي، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي، ط 1، 1995، ص 13-15.

[12] يُقدر بأن نسبة المسلمين في السكان تقارب 97%، مع ملاحظة أن الجزء الباقي يتشكل من العمال الأجانب المقيمين في البلاد. انظر، اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، النظر في التقارير المقدمة من الدول الأطراف بموجب المادة 40 من العهد، التقارير الدورية الثانية للدول الأطراف المقرر تقديمها في عام 1983، الجماهيرية العربية الليبية، CCPR/C/28/Add. 16، 4 مايو 1993م، فقرة 56.

[13] See, Zehra F Kabasakal, Promoting Women's Rights against Patriarchal Cultural Claims: The Women's Convention and Reservations by Muslim States, In, David P. Forsythe and Patrice C. McMahon (Eds.), op. cit., pp. 234, 235; United Nations, Treaty Collection, Chapter IV8. Human Rights, op. cit., p. 6.

[14] اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة، الفريق العامل لما قبل الدورة، الدورة الثالثة والأربعون، ، ردود على قائمة القضايا والأسئلة المطروحة فيما يتصل بالنظر في التقرير الدوري الثاني، الجماهيرية العربية الليبية، U.N. Doc. CEDAW/C/LBY/Q/2/Add.1، 19 يناير – 6 فبراير 2009، فقرة 6.

[15]See, U.N. Human Rights Office of the High Commissioner, Status of Ratification Interactive Dashboard: Ratification of 18 International Human Rights Treaties. available at: http://indicators.ohchr.org/, Last visited: 26-10-2024.

[16] Tim Hillier, op. cit., p. 134.

[17] Ibid.

[18] تتعلق المادة التاسعة باختصاص محكمة العدل الدولية بالفصل في النزاعات المتصلة بمسؤولية الدولة عن الجرائم المذكورة في الاتفاقية. وتنص على أنه: "تعرض على محكمة العدل الدولية، بناءً على طلب أي من الأطراف المتنازعة، النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ هذه الاتفاقية، بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسئولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة."

[19] Tim Hillier, op. cit., p. 135.

[20] ICJ., Advisory Opinion of 28 May 1951, Case of Reservations to the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide, the Summary of the Summary of the Advisory Opinion. Available at:

http://www.icj-cij.org/docket/index.php?sum=276&code=ppcg&p1=3&p2=4&case=12&k=90&p3=5. Last visited: 26-10-2024.

[21] Tim Hillier, op. cit., p. 136.

[22] المادتان 19 و20 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

المطلب الثالث: اختبار الحاجة إلى الانضمام إلى المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان

ليست الدولة بمجبَرة على التصديق على المعاهدة ولا على التوقيع عليها ابتداءً. رغم هذه الحرية، تُقبل معظم الدول على التصديق على معاهدات الشؤون الداخلية وأهمها معاهدات حقوق الإنسان. فكل دول العالم، عدا الولايات المتحدة الأمريكية، صدقت على اتفاقية الطفل، ومعظمها على اتفاقية المرأة وعلى الاتفاقيات الرئيسة الأخرى.[1] فما الذي يدفع الدول إلى التصديق على هذا النوع من الاتفاقيات مع ما فيه من تنازل عن جزء من سيادتها؟ ما الذي يدفعها إلى ذلك في وقت أنه بإمكانها أن تقرر حقوق المعاهدة بتشريع داخلي يضمن الحق ويصون سيادتها في آن واحد؟ لماذا تعرِّض نفسها لمخاطر المسؤولية الدولية ولتدخل المنظمات الدولية في شؤونها الداخلية، بل ولمقاضاتها ومن مواطنيها أنفسهم أمام مؤسسات أجنبية؟ لماذا لا تقتدي الدول بالولايات المتحدة الأمريكية في سلوكها تجاه هذا النوع من المعاهدات؟

الفرع الأول: دوافع الدول إلى الانضمام إلى معاهدات حقوق الإنسان

يتفق معظم فقهاء القانون الدولي في العالم الغربي تحديداً على أن الدول في الغالب لا تصدق على المعاهدة بنية تنفيذها أو تطبيقها. بل يرون أن بعضها يصدق بنيَّة مبيَّتة بعدم احترامها أصلاً لأن هذا ظاهر في سلوكها وفي تخالف قوانينها الداخلية مع أحكام المعاهدة. ولهذا فهم لا يرون في عضوية أكثر الدول في المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان غير عمل رمزي يفرضه الرأي العام العالمي.[2]

وإذا كان المفترض أن الدول في الإجمال تصدق على المعاهدة بعد التحقق من أن ذلك لن يؤدي إلى تغييرات كبرى في نظامها الداخلي،[3] إلا أن الذي يبدو هو أن تصديق الدولة على معاهدة الشأن الداخلي، ومنه حقوق الإنسان، لا يتوقف على ذلك بل يرتبط في المقام الأول بمكانتها العالمية. فبشكل عام، تُقدم الدول المهيمنة ذات المكانة العالمية العليا على المعاهدة مع علمها بأن تصديقها ليس بوسعه أن يرتب أثراً في ممارساتها، وذلك لقدرتها على توظيف قوتها في الحد من تبعات التصديق وعواقبه، وعلى التحرر من أي عقوبات يمكن أن يفرضها الآخرون عليها بسببها. فهي دوماً، بسبب قوتها، في مأمن من أي ضغط أو تدخل دولي حقيقي.[4]

وأما دول العالم الثالث عموماً، فإن حكوماتها الضعيفة أو الجديدة غالباً ما تتوسل بالتصديق على المعاهدات من أجل كسب الشرعية اللازمة للمساعدات الدولية والدعم السياسي وتعزيز السمعة العالمية،[5] بما يجعل منها، وقد بدت في حُلَّة المتمدن، "مواطناً عالمياً صالحاً". بالإضافة إلى ذلك، فإن من المعاهدات الدولية ما توفر للمصدقين فرصاً من الدعم المالي والفني اللازمين لإعمالها على المستوى الداخلي، بما في ذلك المساعدة على إنشاء مؤسسات محلية لرعاية الحقوق وتدريب عناصر وطنية، وهو ما يغري هذه الدول للاستفادة من هذا الدعم الذي يساعد في إنعاش الاقتصاد المحلي ويجذب المستثمر الأجنبي.[6]

وتصدق بعض الدول على المعاهدة تأثراً بمحيطها الإقليمي. فإن كانت محلاً لمصادقة دول الجوار، كانت الدولة أكثر إقداماً على التصديق.[7] وتبادر بعض الدول بالتصديق متى تضمنت المعاهدة من القيم والقواعد ما يتوافق مع ثقافتها المحلية.[8]

قصارى القول، فإن أسباب العضوية في المعاهدة الدولية لحقوق الإنسان متعددة، لكن الملاحظ أن معظم هذه الأسباب إن لم تكن كلها لا تتعلق برغبة الدولة في الالتزام ببنود المعاهدة ولا حماية حقوق الإنسان أو ضمانها، حتى إن كثيراً منها تصدق دون دراسة متأنية تسمح لها بإدراك حقيقة الالتزامات التي تفرضها المعاهدة عليها.[9] ويدلل بعض فقهاء القانون الدولي لحقوق الإنسان على هذا بأن عضوية الدول في معاهدات حقوق الإنسان، بما فيها تلك التي تكاد تضم كل دول العالم، لم تفض إلى تحسين يذكر للحقوق من الناحية الواقعية في معظم الدول، وبأن هذه حقيقة تؤيدها إحصائيات الانتهاكات اليومية في شتى بقاع العالم بما فيها دول الشمال والعالم الغربي إلى حد أن حالة الحقوق في بعض الدول استاءت أكثر بعد تصديقها على تلك المعاهدات.[10] لهذا يمكن القول إن السبب الأقوى في التصديق على هذه المعاهدات هو توجه الدولة إلى كسب سمعة عالمية بأنها من حماة حقوق الإنسان التي صارت اليوم رمزاً للتفاخر الحضاري بين الأمم، أو لأنها مضطرة إلى ذلك بسبب صيرورة العضوية فيها شرطاً للعون الدولي. ومن الدول أيضاً من تصادق لسبب بسيط هو أنها لا تجرؤ على الامتناع.[11]



[1]  175 countries have ratified the International Convention on the Elimination of All Forms of Racial Discrimination; 167 countries have ratified the International Covenant on Civil and Political Rights; 161 countries have ratified the International Covenant on Social, Economic, and Cultural Rights; and 153 countries have ratified the Convention against Torture and other Cruel, Inhuman, and Degrading Treatment or Punishment. See, U.N. Human Rights Office of the High Commissioner, Status of Ratification Interactive Dashboard: Ratification of 18 International Human Rights Treaties. available at: http://indicators.ohchr.org/, Last visited: 26-10-2024.

[2] See, Joshua Keating, Why Countries Make Human Rights Pledges They Have No Intention of Honoring, SLATE (Oct. 21, 2014),

http://www.slate.com/blogs/the_world_/2014/10/21/why_countries_make_human_rights_pledges_they_have_no_intention_of_h onoring.html [https://perma.cc/X43K-VX9T] (archived Feb. 15, 2019). In 666p586

[3] 666p586

[4]  Jay Goodliffe & Darren G. Hawkins, Explaining Commitment: States and the Convention Against Torture, 68 J. POL. 353, 363 (2006).  In 666p587

[5]  666p587

[6] 777p14

[7] See, Kathryn Sikkink, Evidence For Hope: Making Human Rights Work For The 21st Century At 20 (2017); Beth Simmons, Mobilizing For Human Rights: International Law In Domestic Politics 317–35 (2009). In 666p589

[8] See, Oona A. Hathaway, Between Power and Principle: An Integrated Theory of International Law, 72 U. CHI. L. REV. 477, 481–83 (2005).In 666p589

[9] Kanter, The Development Of Disability Rights Under International Law: From Charity To Human Rights 295–98 (2015).  In 666p593.

[10] 666p581-582.

[11] 666p589-590