31 م د: عدم نفاذ بيع ملك الغير، وطرد (عدم الصفة في الأولى، وعدم الاختصاص بالثانية)

:

لا صفة للمدعي في دعوى عدم نفاذ عقد إلا إذا كانت له مصلحة شخصية مباشرة فيها؛ لا تكون المصلحة قائمة إذا كان ما يسعى إليه قضاءً لن يعود عليه بفائدة حقيقة، أي أنه ليس في وسعه القانوني أن يضيف إليه حقاً يدعيه، ولا له أن يخلصه من التزام مفروض عليه، ولا هو بالحتمي لدفع ضرر يتربص به.

العقد شريعة المتعاقدين، وقوته الملزمة تنبع من إرادتهما، ولا تتعدى الالتزاماتُ والحقوق التي يولدها غيرَ طرفيه. فغيرُهما لم يُردها، ولهذا لم يكن طرفاً في العقد، فلا تطاله، فلا يحل الاحتجاج به عليه؛ إذا لم يكن المدعي طرفاً في العقد، ولا هو من الخلف العام أو الخاص للمتعاقدين، فإنه يظل أجنبياً عنه، فلا يكون نافذاً في حقه؛ إذا كان قد انعقد على عقار يقول بملكيته، فلا يسلبه هذا الملكَ ولا يتنقص من حقوقه فيه في شيء. وحسبه في هذه الحالة، إذا كان المالكَ حقاً وحاجّه أحدٌ بالعقد، التمسكُ بعدم سريانه في حقه عملاً بمبدأ الأثر النسبي للعقود، وذلك من دون الحاجة إلى حكم قضائي.

طلب المدعي تسليمه العقار موضوعَ العقد خالياً من الشواغل والأشخاص، هو في الحقيقة طلب بطرد غاصب، فتكون الدعوى به دعوى طرد.

الاختصاص بدعوى الطرد ينعقد للقاضي المستعجل بالمحكمة الابتدائية، ولا ينعقد للدائرة المدنية إلا إذا كانت الدعوى تابعة لمنازعة جدية في أصل الحق؛ مبنى التمايز في النوع بين القضاء المستعجل وهذه المحكمة هو نص المادة 25 مرافعات الذي يجعل الاختصاص بنظر المسائل المستعجلة الكلية لرئيس المحكمة الابتدائية أو من يقوم مقامه؛ وإذاً، فدائرة القضاء المستعجل بالمحكمة الابتدائية، والتي ينصِّب لها رئيس المحكمة قاضياً ينوب عنه، هي محكمة ذات طبيعة خاصة تختلف عن طبيعة غيرها من الدوائر المدنية التي يرأسها أحد قضاة المحكمة الابتدائية بالأصالة عن نفسه. ولذا، لا يحل قانوناً تشارك الدائرتين في الدعاوى الكلية عموماً، ليظل لكلٍّ في الاختصاص نصيبُه.

:

[القاعدة]

[لا صفة للمدعي في دعوى عدم نفاذ عقد إلا إذا كانت له مصلحة شخصية مباشرة فيها؛ لا تكون المصلحة قائمة إذا كان ما يسعى إليه قضاءً لن يعود عليه بفائدة حقيقة، أي أنه ليس في وسعه القانوني أن يضيف إليه حقاً يدعيه، ولا له أن يخلصه من التزام مفروض عليه، ولا هو بالحتمي لدفع ضرر يتربص به.

العقد شريعة المتعاقدين، وقوته الملزمة تنبع من إرادتهما، ولا تتعدى الالتزاماتُ والحقوق التي يولدها غيرَ طرفيه. فغيرُهما لم يُردها، ولهذا لم يكن طرفاً في العقد، فلا تطاله، فلا يحل الاحتجاج به عليه؛ إذا لم يكن المدعي طرفاً في العقد، ولا هو من الخلف العام أو الخاص للمتعاقدين، فإنه يظل أجنبياً عنه، فلا يكون نافذاً في حقه؛ إذا كان قد انعقد على عقار يقول بملكيته، فلا يسلبه هذا الملكَ ولا يتنقص من حقوقه فيه في شيء. وحسبه في هذه الحالة، إذا كان المالكَ حقاً وحاجّه أحدٌ بالعقد، التمسكُ بعدم سريانه في حقه عملاً بمبدأ الأثر النسبي للعقود، وذلك من دون الحاجة إلى حكم قضائي.

طلب المدعي تسليمه العقار موضوعَ العقد خالياً من الشواغل والأشخاص، هو في الحقيقة طلب بطرد غاصب، فتكون الدعوى به دعوى طرد.

الاختصاص بدعوى الطرد ينعقد للقاضي المستعجل بالمحكمة الابتدائية، ولا ينعقد للدائرة المدنية إلا إذا كانت الدعوى تابعة لمنازعة جدية في أصل الحق؛ مبنى التمايز في النوع بين القضاء المستعجل وهذه المحكمة هو نص المادة 25 مرافعات الذي يجعل الاختصاص بنظر المسائل المستعجلة الكلية لرئيس المحكمة الابتدائية أو من يقوم مقامه؛ وإذاً، فدائرة القضاء المستعجل بالمحكمة الابتدائية، والتي ينصِّب لها رئيس المحكمة قاضياً ينوب عنه، هي محكمة ذات طبيعة خاصة تختلف عن طبيعة غيرها من الدوائر المدنية التي يرأسها أحد قضاة المحكمة الابتدائية بالأصالة عن نفسه. ولذا، لا يحل قانوناً تشارك الدائرتين في الدعاوى الكلية عموماً، ليظل لكلٍّ في الاختصاص نصيبُه.]

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه،

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 1 جمادى الثانية 1440هـ. الموافق: 6- 2- 2019م،

برئاسة القاضي د. عيــاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــمَ

في الدعوى المقيّدة بالسجلّ العام تحت رقم: ...-2018 مدني كلي الزاوية، المرفوعة من: ...، موطنه المختار مكتب المحامي ...،

ضـــد

1. ... ~ 4. ...

ملخص الدعوى

تخلص الدعـوى في اختصام المدعي للمدعى عليهم بصحيفة أعلنت إليهم وفقاً للقانون. شرح دعواه بما فحواه أنه مالك في الشيوع للأرض الكائنة بالزاوية، موقع كوارغلية الوسط، والبالغة مساحتها واحداً وثمانين ومئتي هكتار، وذلك بموجب الشهادة العقارية موضوع كراسة التصديق رقم (... /...). حدود الأرض: من الشمال، ...؛ من الجنوب، ...؛ من الشرق، ...؛ من الغرب، [زيد].

وفقاً للصحيفة، قسم طريقٌ معبد أرضَ المدعي إلى جزئين. تبلغ مساحة الجزء الواقع غربه 1160م2، وهذا هو الجزء الذي ينازعه فيه المدعى عليه الأولُ مستنداً إلى عقد بيع اشترى بموجبه من مورث المدعى عليهم الباقين عقاراً ورد فيه أن حده الشرقي طريق معبد، ما ترتب عليه ضمه ذلك الجزءَ على الرغم من علم المدعى عليه الأول اليقيني "بأن حده لا ينتهي عند الطريق المعبد". أُبرم عقد البيع في ...-7-1996، ونص في مادته السابعة على أن سند ملكية البائع هو علم وخبر. وقد استدرك مُصدرُه فحواه لاحقاً بعد استماعه إلى الملاصقين للأرض. ولهذا، فإن ما تم من بيع يعد واقعاً على ملك الغير، فلا يسري في حق المالك لكونه أجنبياً عن العقد، ويظل مالكاً للعقار ولو تم تسجيل العقد، وذلك استناداً إلى المادة 455(2) من القانون المدني، وإلى أحكام المحكمة العليا مثل تلك الصادرة في الطعنين 219-51ق و57-34ق. لذلك، وتأسيساً على نص المادة 455، يطلب المدعي الحكم له بالتالي:

أولاً: بعدم سريان عقد البيع في مواجهته فيما يتعلق بالجزء المشار إليه؛

ثانياً: باسترداده للعقار وبإلزام المدعى عليه الأول بتسليمه خالياً من الشواغل والأشخاص؛

ثالثاً: بإلزام المدعى عليهم بالمصاريف والأتعاب.

بدأت المحكمة نظر الدعوى بجلسة 7-3-2018، وأمامها حضر عن المدعي الأستاذة المحامية ...، وحضر المدعى عليه الأول ومحاميه الأستاذ ...، ولم يحضر المدعى عليهم الباقون رغم إعلانهم. قدم دفاع المدعي حافظة مستندات ضمت صوراً ضوئية للوثائق التالية: ما عُنون بإدلاء بشهادة مؤرخة في ...-12-2017، يشهد فيها نفرٌ أمام محرر عقود بأن الحد الغربي لأرض المدعي هو المدعى عليه الأول لا الطريق، لأن هذه الطريق شطرت أرض المدعي إلى جزئين؛ شهادة صادرة عن المكلف بالشؤون المحلية بمؤتمر بئر معمر بتاريخ ...-2-1998، معتمدة من أمين اللجنة الشعبية للمؤتمر، بملكية المدعي للجزء الواقع غرب الطريق بعمق سبعة أمتار مع طول أرضه؛ إفادة من المجلس المحلي بالزاوية، "اللجنة التسييرية"، بملكية المدعي ألف متر2 تقريباً من الأرض غرب الطريق، يحدها غرباً المدعى عليه الأول؛ شهادة مبتورة من إدارة التسجيل العقاري مكونة من صفحتين: تصف الأولى أرض كراسة التصديق (... /...) بأن مساحتها 381.26 هكتاراً، وحدودها: من الشمال، ...؛ من الجنوب، ...؛ من الشرق، ...؛ من الغرب، .... أما الصفحة الثانية، فلا تتضمن غير قائمة أسماء يتصدرها اسم المدعي  كصاحب 559103 حصة؛ شهادة من مختار المحلة ... مؤرخة في ...-7-1996 بملكية [زيد] أرضاً زراعية ببئر معمر، مساحتها ثلاث هكتارات تقريباً، حدودها: من الشمال، طريق ترابي؛ من الجنوب، ...؛ من الشرق، طريق معبد؛ من الغرب، المدعى عليه الأول؛ عقد البيع المبرم في التاريخ نفسه بين المدعى عليه الأول و[زيد]، يورد أن الحد الشرقي للأرض المبيعة هو طريق معبد، ويذكر في مادته السابعة أن البائع "عزز" ملكيته بعلم وخبر صادر في ...-7-1996؛ ما عنون باستدراك علم وخبر صادر عن ... يقر فيه بسبق عمله كمختار محلة، ويضمّنه عبارة: "أستدرك العلم والخبر الذي صدر باسمي بتاريخ ...-7-1996 وهذا استدراك مصروف مني بذلك."

طلب دفاع المدعي في جلسة لاحقة انتداب خبير للانتقال إلى الأرض، وبعبارات الطلب، من أجل "مطابقة مستندات الخصوم على أرض الواقع وبيان المساحة الفعلية للعقار موضوع عقد البيع وبيان المساحة التي بيد المدعى عليه الأول وليست على ملك مورث المدعى عليهم الثاني والثالث والرابع" وهي الواقعة غرب الطريق المعبد بعمق سبعة أمتار.

دافع المدعى عليه الأول بالقول بأنه كان قد اشترى الأرض، والتي تبلغ مساحتها ثلاثة هكتارات، من [زيد]، وأنْ لا علاقة للمدعي بها. وقدم حافظة مستندات أعيدت إليه من بعد بناء على طلبه الذي برره بعدم تعلقها بالدعوى الماثلة. أتاحت المحكمة أمام محاميه آجالاً لتقديم دفاعه، لكنه لم يفعل. ولذا، التفتت عن طلبه إعادة الدعوى للمرافعة بعد أن أقفلت بابها.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وفيها قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءُه ليبتلي في الحالتين شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة وقد اجتهدت في فحص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في ما قضت به بشأنها. وهو قضاء أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن المدعي دفاعه، وحضر المدعى عليه الأول ودفاعه، فيما لم يحضر باقي المدعى عليهم رغم إعلانهم. وإذاً، فالحكم الصادر في الدعوى يكون حضورياً بالنسبة للحاضرين وغيابياً للغائبين عملاً بالمواد 92 و102 و103 من قانون المرافعات.

وحيث إنه يبين من طلبات المدعي في صحيفته ومن سنداته التي بناها عليها أنها تتضمن موضوعين: الواحد يتعلق بعدم سريان عقد البيع في مواجهته؛ والثاني باسترداده للعقار وإلزام المدعى عليه الأول بتسليمه إليه خالياً من الشواغل والأشخاص. وهكذا، فإن المحكمة تستهل بإسباغ التكييف القانوني الصحيح على كل منهما، غير متقيدة إلا بنطاق الطلبات وأسبابها التي ارتكزت عليها، وذلك لتتبين الأحكام القانونية المنطبقة فتعملها.

وحيث إنه عن الموضوع الأول، طلب عدم سريان عقد البيع المبرم بين المدعى عليه الأول ومورث المدعى عليهم الباقين في مواجهة المدعي، فإنه ينطوي في حقيقته على دعوى عدم نفاذ عقد. وحيث إنه يلزم لقبول هذه الدعوى، كغيرها من الدعاوى، توفر الصفة في رافعها. وحيث إنه بعد تفحص المحكمة لها في هذه الناحية، بان لها عدم تحقق صفة المدعي في إقامتها، وذلك لانعدام المصلحة منها. فكما تقرر المحكمة العليا في الطعنين المدنيين: 13-19ق و7-22ق، لا تتوفر الصفة في المدعي ما لم تكن له مصلحة شخصية مباشرة فيها، أي مصلحة قائمة يقرها القانون، وفقاً لما تنص عليه المادة الرابعة من قانون المرافعات.

والمحكمة إذ تجرد هذا الشق من المصلحة المشروعة للمدعي، تبني حكمها على أن مفاد نص المادة الرابعة يستوجب أن يكون للمدعي من وراء التجائه إلى القضاء منفعة تتحقق له وفائدة تعود إليه. وعلى هذا، لا تكون المصلحة قائمة إذا كان ما يسعى إليه قضاءً لن يعود عليه بفائدة حقيقة، بحيث لا يكون في وسعه القانوني أن يضيف إليه حقاً يدعيه، ولا له أن يخلصه من التزام مفروض عليه، ولا هو بالحتمي لدفع ضرر متوقع أن يصيبه.

وحيث إنه لما كان العقد شريعة المتعاقدين، وكانت قوته الملزمة تنبع من إرادة المتعاقدين اللذين أرادا ترتيب أثار محددة عليه، فإنه من الطبيعي، وكقاعدة عامة، أن يكون نسبي الآثار، بحيث لا تتعدى الالتزامات والحقوق التي يولدها غيرَ طرفيه. فغيرُهما لم يُردها، ولهذا لم يكن طرفاً في العقد، فلا تطاله، وإذاً فلا يحل الاحتجاج به عليه، وذلك وفق ما تقضي به المواد 145 و147 و455(2) من القانون المدني. وحيث إن المدعي ليس بطرف في العقد موضوع الطلب المنظور ولا من الخلف العام أو الخاص للمتعاقدين، فإنه يظل أجنبياً عنه، فلا يكون نافذاً في حقه، ولا يحل الاحتجاج به عليه. وإذا كان العقد قد انعقد في جزئه على عقار يقول بملكيته، فلا يسلبه هذا الملكَ ولا يتنقص من حقوقه فيه في شيء. وحسبه في هذه الحالة، إذا كان مالكاً حقاً وحاجّه أحد بالعقد، التمسكُ بعدم سريانه في حقه عملاً بمبدأ الأثر النسبي للعقود، وذلك من دون الحاجة إلى حكم قضائي.

لما كان ذلك، ولم يكن المدعي طرفاً في العقد، وكان ما يطلبه من الحكم له بعدم سريانه في حقه هو طلب إن هو لُبيه لن يضيف إليه حقاً، وإن مُنعه لن يحرمه من حق، ولن يعطل مكنته القانونية القائمة أصلاً في التمسك بعدم نفاذ العقد في حقه وفق ما مر. لذلك، فإن المصلحة من إجابة هذا الطلب تكون غير قائمة، ما يتعين معه القضاء بعدم قبوله وفق ما سيرد بالمنطوق.

يتوافق هذا المنتهى مع قضاء المحكمة العليا المتعلق بالأثر النسبي للعقود. من ذلك ما قررته من مبادئ عامة في هذا الشأن في أحكامها الصادرة في الطعون المدنية: 84-19ق الذي تفصح فيه عن عدم سريان التصرف في حق الغير "دون الحاجة إلى صدور حكم ببطلانه"؛ 45-29ق الذي يورد أن طلب إبطال التصرف في ملك الغير مقرر لمصلحة المتصرف له وحده؛ 56-18ق؛ 99-43ق؛ 245-41ق الذي يقرر أنْ ليس للمالك، في حالة بيع ملك الغير، "إلا أن يتمسكَ بعدم سريان العقد في حقه، أو يقرَّ البيع فيسري في حقه وينقلب صحيحاً في حق المشتري."

وحيث إنه عن الموضوع الثاني، تسليمِ المدعى عليه الأول العقار الموصوف خالياً من الشواغل والأشخاص، فإن المحكمة تكيفه، واستناداً إلى ما تفصح عنه ألفاظ طلبه، على أنه دعوى طرد. فمناط دعوى المدعي، حسب المستفاد من دلالة الحال ومن فحواها الذي أجمله في صحيفتها، أنه مما ترتب على العقد المبرم بين المدعى عليه الأول وسلف المدعى عليهم الباقين أنْ صار جزءٌ من أرضه، وبغير وجه حق، تحت يد المشتري، المدعى عليه الأول، وهذا الجزء هو ما يطلب الحكمَ بتسليمه له. وحيث إن هذا التسليم لا يتأتى إلا بإبعاد الحائز (المشتري) عنه ليتمكن المدعي من حيازته له كأثر من آثار الملكية التي يدعيها عليه. لهذا، فإن طلبه إلى المحكمة الحكم بتسليم ذلك الجزء خالياً من الشواغل، يكون في الحقيقة طلباً بطرد غاصب، فتكون الدعوى به دعوى طرد. فما هي بدعوى استرداد حيازة بحسبانه لا يؤسسها على حقه في رد حيازة فقدها فحسب، بل يبنيها، فضلاً عن ذلك، على حقه في شغل العقار واستعماله واستغلاله استناداً إلى كونه مملوكاً له. وما هي بدعوى عينية عقارية بإثبات حق عيني على العقار، والحال أنه لا يفصح عن ذلك، وأنه يطلب إجراءً لا فصلاً في الحق، إجراءً مبناه انعدام السند الصحيح لحيازة المشتري لعقاره، وأن لسان حاله يقول بعدم حاجته إلى هذا بسبب ظهور حالة الغصب التي تتجسد في بيعِ الغيرِ ملكَه.

وحيث إن توزيع الاختصاص على المحاكم، وكما تقرر المحكمة العليا في الطعن المدني 1-27ق، "موكول للمشرع وحده، فهو الذي يعطي لكل محكمة أو جهة سلطةَ الفصل في نوع من المنازعات. ولا تختص أي محكمة أو جهة بنظر نوع من القضايا إلا إذا أعطاها المشرع هذه السلطة. ومن ثم، يجب على المحكمة قبل كلِّ شيء أن تتحقق من اختصاصها بنظر ما هو معروض عليها. فإذا لم تكن مختصة به، وجب عليها أن تحكم بعدم اختصاصها ولا تتعرض للنزاع المعروض عليها أصلاً، لا من حيث الشكل، ولا من حيث الموضوع."

وحيث إن المحكمة وهي تستقري قواعد الاختصاص النوعي بما فيها ما تنص عليه المادة 25 من قانون المرافعات، وما تقرره المحكمة العليا في الطعن المدني 29-96ق، يضح لها أن الاختصاص بدعوى الطرد ينعقد، من حيث الأصل، للقاضي المستعجل بالمحكمة الابتدائية، وأنه لا ينعقد لهذه المحكمة إلا إذ كانت تابعة لمنازعة جدية في أصل الحق تتطلب بحثاً في مستندات الخصوم المتعلقة بالملكية. وحيث إن المحكمة لم تستظهر من لسان حال ومقال طرفي الدعوى هذه المنازعة، فإنها تظل قانوناً مغلولة اليد عن وغول أصل الحق، وبالتبعية عن دعوى الطرد الماثلة.

والمحكمة إذ انتهت إلى التمايز بين القضاء المستعجل وهذه المحكمة في النوع، فإنها بنته على نص المادة 25 التي تحدد الاختصاص بنظر المسائل المستعجلة الكلية في رئيس المحكمة الابتدائية أو من يقوم مقامه. وهو ما يعني أن دائرة القضاء المستعجل بالمحكمة الابتدائية، والتي ينصِّب لها رئيس المحكمة قاضياً ينوب عنه، هي محكمة ذات طبيعة خاصة تختلف عن طبيعة غيرها من الدوائر المدنية التي يرأسها أحد قضاة المحكمة الابتدائية بالأصالة عن نفسه. ولذا، فلا يحل قانوناً تشارك الدائرتين في الدعاوى الكلية عموماً، ليظل لكلٍّ في الاختصاص نصيبُه.

لما كان ذلك، وكانت المادة 76 من قانون المرافعات تقضي بوجوب أن تحكم المحكمة بعدم الاختصاص النوعي في أي حالة كانت عليها الدعوى، وذلك إذا ما رفع إليها ما ليس من اختصاصها النوعي من حيث الموضوع، لذلك تقضي هذه المحكمة بعدم الاختصاص وفق الوارد بالمنطوق.

وحيث إن الحكم بعدم الاختصاص حكمٌ منهٍ للخصومة، فإن المحكمة تقف عند هذا الحد من نظر هذا الشق من الدعوى، فلا تواصل إلى فحص موضوعها للامتناع بطبيعة الحكم.

وحيث إنه عن المصاريف، فالمحكمة تلزم المدعي بها لخسرانه الدعوى استناداً إلى المادتين 281 و282 من قانون المرافعات.

لهذه الأسباب

حكمت المحكمة حضورياً للمدعي والمدعى عليه الأول، وغيابياً للمدعى عليهم الباقين،

أولاً: بعدم قبول دعوى المدعي بعدم نفاذ عقد البيع في حقه لعدم الصفة؛

ثانياً: بعدم الاختصاص النوعي بدعوى الطرد؛

ثالثاً: بإلزام المدعي بالمصاريف. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                  القاضي

أُودعت الأسباب في: 6-2-2019م بعد النطق بالحكم.