7 ك ص د: العالمانية، طاعون العصر، د. سامي عامري (الفصل الثالث: الحقيقة الشرعية للعالمانية)

:

هذا ثالث أربعة أجزاء لمختصرٍ نصي وصوتي لكتاب: العالمانية، طاعون العصر، للدكتور سامي عامري. 

يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة المؤلف القيِّمة: الإلحادُ في الميزان. نفعنا الله تعالى بعلمه، وجزاه عنه وعنّا كلَّ الخير.

يتناول الكتابُ، في أربعة فصول، بالشرح والتحليل المبدأَ المعروف بـ(العلمانية) في طرح لم أقف على سابقة له في المكتبة العربية.

في هذا الفصل، يبين المؤلفُ الحكمَ الشرعي لتبني العالمانية والاستسلام لها كمذهب حياة، مذهبٍ فيه هوى الإنسان وعقلُه هما الأصل في التحاكم. يعدِّد أوجه منافاتها لشهادتي التوحيد والنبوة، لينتهي إلى نعتها في ذاتها بالدين ومن أكثر من باب. ويخلص في الختام إلى أنها دين شركي يبلغ بمعتنقيه ما لم يبلغه شرك الجاهلية الأولى؛ فهو إهدار للألوهية، ولا يقبل عليه المسلمون إلا بعد أن يصيروا غير مسلمين.

 

[embed]http://youtu.be/5mMNDZN3zpY[/embed]

:

العالمانية، طاعون العصر:

كشفُ المصطلحِ وفضحُ الدَّلالة

د. سامي عامري

3من4

الحقيقة الشرعية للعالمانية

[الوصف]

 [هذا ثالث أربعة أجزاء لمختصرٍ نصي وصوتي لكتاب: العالمانية، طاعون العصر، للدكتور سامي عامري. 

يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة المؤلف القيِّمة: الإلحادُ في الميزان. نفعنا الله تعالى بعلمه، وجزاه عنه وعنّا كلَّ الخير.

يتناول الكتابُ، في أربعة فصول، بالشرح والتحليل المبدأَ المعروف بـ(العلمانية) في طرح لم أقف على سابقة له في المكتبة العربية.

يعرض الفصلُ الأول الحقيقةَ النظرية له، مبيناً جوهرَه، ودلالةَ المصطلح وأصولَه وتطورَه، ليخلص إلى استبدال "العالمانية" به، مقدِّماً أسانيدَه اللغوية والتاريخية والموضوعية التي تقيم هذا الاستبدال على أساس علمي متين.

في الفصل الثاني، يستعرض آثارَ تبني العالمانية في محضنها في الغرب، ثم في مهجرها في بلاد العرب. يكشف في ذلك عن آثار سلبية لها يستعصى على النظرة السطحية أن تستبينها. ويوضح كيف نجح نقلةُ المبدأ إلى العالم العربي في تهميش دور الدين في حياة المسلم، وفي ابتداع جوٍّ من الانبهار بالعالم الغربي، وفي الإيهام بأن العالمانية، كأصل لنظام الحكم، هي قارب النجاة للحوق بذلك العالم.

أما الفصل الثالث، فيبين فيه الحكمَ الشرعي لتبني العالمانية والاستسلام لها كمذهب حياة، مذهبٍ فيه هوى الإنسان وعقلُه هما الأصل في التحاكم. يعدِّد أوجه منافاتها لشهادتي التوحيد والنبوة، لينتهي إلى نعتها في ذاتها بالدين ومن أكثر من باب, ويخلص في الختام إلى أنها دين شركي يبلغ بمعتنقيه ما لم يبلغه شرك الجاهلية الأولى؛ فهو إهدار للألوهية، ولا يقبل عليه المسلمون إلا بعد أن يصيروا غير مسلمين.

في الفصل الرابع، ينبِّه إلى صور تدليس أنصار العالمانية في العالم الإسلامي في محاولتهم إظهارها في ثوب جذاب يخفي قبحها وتصادمها الشديد مع الإسلام. بعد ذلك، يميط اللثام عن زيف هذه الحملة التجميلية، ومكر أصحابها، وابتنائها على التضليل بدءاً بالمصطلح المستعمل، وما يوحي به من ارتباط المبدأ بالعلم، وصولاً إلى الدعوى بتاريخية النص القرآني لإسقاط حجيته وتجريده من كلِّ قيمة دلالية.

يختم المؤلف بإجمال لموضوع كتابه، واستعراض لجملةٍ من الوصايا التي يراها جوهرية في سبيل العمل لمواجهة وباء العالمانية.]

 

[إذا استحسنت العمل، فلا نطمع في غير دعاء بالأجر والثواب للراوي وللمؤلف كليهما.]

 

مختصر الفصل الثالث:

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم

الحقيقة الشرعية للعالمانية

تناولنا فيما سبق المذهب العالماني في شكليه النظري والعملي، فحققنا بذلك شطرَ الحكم على المذهب، أي "فقه الواقع"، وعلينا الآن أن نبحث في أمر آخر لنحقق الشطر الثاني، وهو معرفة حقيقة الإسلام التي تقابل في مجالاتها ومادتها مجال العالمانية ومادتها، لنخلص في الختام إلى معرفة حكم العالمانية في ميزان الإسلام.

موقعُ العالمانية من شهادةِ التوحيد

السؤال الذي يجب ألّا يغادر ذهنَ المسلم، وهو يجسُس حقيقة المذاهب البشرية التي تحمل في لبّها نظرةً إلى الكون والإنسان والحياة، هو: ما حقيقة هذه المذاهب في ضوء شهادة التوحيد؟

ودون معرفة إجابة واضحة على هذا السؤال، فإن المسلم لن يحقق لنفسه معنى الانتماء الواعي لـ"لا إله إلا الله".

فما حقيقة شهادة التوحيد إذن؟ وأين العالمانية منها؟

تواتر خبر الوحي في بيان عِظَم كلمة الشهادة وعميم فضلها، وجاء التنصيص على ما ينال القائمَ بحقها مفضلاً بما يكشف أنها "رأس الإسلام" و"شرط الفلاح" و"سبيل النجاة".

فهي العروة الوثقى التي لا نجاة لمن لم يتعلق بها. وهي الحسنى. وهي كلمة الحق. وهي كلمة التقوى. وهي أعلى شعب الإيمان. وهي خير ما قال النبيّون. من أتى بها نجا. وصاحبها أسعد الناس بالشفاعة. هي الكلمة التي لا تنقضها الذنوب وإن كبرت، ما لم تكن كفراً. وهي عاصمة الدم، ماحقة الخطايا.

إنها رأس الإسلام، والكلمة التي يدور حولها الوجود، وفي ميزانها يُعرف الحقُّ من الباطل، والهدى من الضلال. وهي ما يفرّق بين الإيمان والكفران.

إن التعريف المألوف لشهادة التوحيد بأنها تقرّر توحيد الربوبية، فلا ربَّ خالق إلا الله، هو تعريف فاسد نفذ منه شرٌّ عظيم، لأنه أفسد وعيَ الأمة بغاية وجودها وحقيقة المطلوب منها. بل قد وجد بعض الشرك مدخلاً إلى أفهام فئام من الناس بعد أن اختل فهمهم لحقيقة التوحيد التي جاء بها النبيون.

إن الفهم السني الموروث من جيل الصحابة، الذين تربوا على يدي المعصوم صلى الله عليه وسلم، قاطع أن شهادة التوحيد، "لا إله إلا الله"، لا تعني "لا رب خالق إلا الله". فإن الوحي الخاتم قد نزل في جزيرة العرب ليخرجَ أهلها وغيرهم من شركهم إلى التوحيد. ولم يكن في شركهم الذي أدانه الوحي نسبة الربوبية لغير الله. فالله -سبحانه- ‏في اعتقادهم، المتفرد بالخلق والرزق.

لقد فهم كفار مكة أن محمداً، صلى الله عليه وسلم، يدعوهم إلى عدم الإشراك بالله في العبودية. ولذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]. أي كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء والأنداد، ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده. إن هذا يقضي منه العجب لبطلانه وفساده! ولم يعجبوا من أن يكون الخالق واحداً؛ إذ ذاك هو اعتقادهم في منشئ الكون.

إن هذا القرآن لم ينزل ليقرِّع عباد الأصنام ِشركَهم في الربوبية. وهو وإن أشار إلى توحيد الربوبية، فإنما ليلزمهم الإقرار بتوحيد الألوهية. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾" [الزمر: 38].

ثم إن علمنا بأنه لم تخلُ أمة من الإيمان بخالق، ووعينا أن الأنبياء ما أرسلوا إلا ليعلموا قومهم أنه لا إله إلا الله الواحد، يجعلنا ندرك أن الأنبياء لم يُبعثوا لتثبيت الحقيقة المقرِّ بها من وجود صانع واحد للكون، وإنما كانت دعوتهم متجاوزة هذه الحقيقة إلى غيرها.

 لقد قرر الوحي حقيقة توحيد الألوهية وجلّاها أفضل جلاء، فاستبانت أصول الدين وانتقضت بآياته جذور الوهم ومباني الشرك. وقد لخص الإمام ابن رجب هذه الحقيقة بقوله: "قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله. والإله هو الذي يُطاع فلا يعصى، هيبةً له وإجلالاً، ومحبةً وخوفاً ورجاءً، وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاء له. ولا يصلح ذلك كلُّه إلا لله جلَّ وعلا. فمن أشرك مخلوفاً في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحاً في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله."

تقوم شهادة التوحيد على ركنين: ركن نفي، وركن إثبات. ولذلك فإن حقيقتها الشرعية لا تثبت إلا باستكمالهما معاً. فمن أتى بالنفي دون الإثبات فهو ملحد (في الألوهية). ومن أتى بالإثبات دون النفي فهو مشرك كأهل الجاهلية الأولى. وكلاهما خارجٌ عن دائرة الإيمان المقبول، وداخلٌ في الوعيد لمن لم يسلك صراط الأنبياء.

إن الخطوة الأولى لتحقيق هذا التوحيد في القلب وعلى الجوارح هي البراءة من كلِّ معبود غير الله سبحانه. ولذلك، أمعن القرآن في التحذير من ترك البراءة من "الطاغوت".

والطاغوت اصطلاحاً: ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع. وهو ثلاثة أنواع: طاغوت حكم؛ وطاغوت عبادة؛ وطاغوت طاعة ومتابعة. وقد قرن كتاب الله عبادةَ الرب ‏سبحانه ‏بالكفر بالطاغوت. فهما وحدة واحدة لا تنفصم شرعاً.

إن شهادة التوحيد لا تستقيم دون أصل البراءة من الشرك. فليست هي مجرد إثبات لألوهية الخالق‏ سبحانه؛ إذ ليس ذلك وحده مبلغ الدعوة ومقصود الرسالة، إنما لابدَّ أن يقترن هذا الإثباتُ بنفي ما يضاده. فلا قرين لله ولا شريك له. ولذلك، جاءت صيغة الشهادة معبرة عن هذا المعنى بحصرها الألوهية في الله وحده.

إن التوحيد ‏ إذن‏ ليس مجرد إثبات لخالقية الرب سبحانه. ولا يقبله الله - جلَّ وعلا - إذا كان مجرد إثبات لألوهيته - سبحانه - دون نفي ذلك عن كلِّ مَن عَداه. ومَن سلم اليوم من هذين الزللين في فهم كلمة التوحيد، فقد نجا من عين الشر، واستنار قلبُه بمعاني ما جاء الأنبياء به من حقائق الإيمان.

والتوحيد ثلاثة أقسام: توحيد ربوبية؛ وتوحيد ألوهية؛ وتوحيد أسماء وصفات. والناظر في حكم العالمانية، في ضوء هذه الأنواع، مدرك، لا محالة، أن العالمانية مصادمة بجلاء لحقيقة التوحيد بأنواعه. فهما لا يلتقيان ما تنافر الضدّان.

توحيد الربوبية

هو توحيد الله بأفعاله، وهو إفراد الله – سبحانه -‏ بحقيقة الخلق والرزق والتدبير. وتتعارض العالمانية معه بما تتضمنه من منازعة الرب ‏- جلَّ وعلا -في جانب الهداية والأمر الشرعي.

والأمر في لغة الشارع يأتي بمعنيين:

الأمر الكوني، وهو الذي به يدبِّر شؤون المخلوقات، وبه يقول للشيء "كن فيكون"؛

الأمر الشرعي، وهو الذي به يفصل الحلال والحرام، الأمر والنهي وسائر الشرائع.

ولا يتحقق توحيد الربوبية إلا بإفراد الله -جلَّ وعلا-‏ بالخلق والأمر بقسميه: الكوني والشرعي.

وإفراده بالأمر الشرعي يقتضي الإقرار له وحده بالسيادة العليا والتشريع المطلق.

فلا حلال إلا ما أحلّه، ولا حرام إلا ما حرّمه، ولا دين إلا ما شرعه، ومن سوّغ للناس اتّباع شريعة غير شريعته، فهو كافر مشرك.

توحيد الألوهية

وهو توحيد الله بأفعال العباد.

يقوم أصل الانتماء إلى الإسلام على إفراد الربِّ بالحكم بأنواعه، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، في حين تقوم العالمانية على إسناد الحكم إلى الإنسان، فرداً أو جماعةً، أو أمة. فتتعارض بذلك مع توحيد الألوهية برفضها الإقرار لله - سبحانه -‏ بحق الطاعة المطلقة والاستسلام الكامل للأمر والنهي. فهي تنكر كلَّ سلطان على الإنسان من خارج الإنسان؛ إذ الإنسان فيها هو مصدر الحكم، منعاً، وإباحة، وتخييراً، ووضعاً.

كما تتعارض العالمانية مع توحيد الألوهية في تعريف غاية الفعل. فإن الإسلام قائم على إخلاص الفعل في مبتدئه ومنتهاه لنيل رضوان الله. أما العالمانية فقائمة على خضوع الفرد أو المجتمع للأفكار والأهواء الخاصة؛ إذ العالم مغلقٌ على نفسه. منه تبدأ الرغائب وإليه تنتهي. وغاية الفعل فيه تحقيق الرضا الذاتي. فقطب رحى الوجود في التصور الإسلامي تحقيق حقيقة الاستسلام لخالق الكون. أما العالمانية فتجعل الإنسان المعيار والمركز.

توحيد الأسماء والصفات

تتعارض العالمانية مع توحيد الأسماء والصفات في كلِّ ما أثبته الوحي لله – سبحانه - من صفات كمال العلم والحكمة والقدرة. فإن العالمانية تزعم أن الإنسان يستمد علمه بعالمه من العالم لا من خارجه، وأنه الأولى بحق تحقيق ما يريد وسبيل تحقيق ذلك.

كما تتعارض مع الإسلام بإسنادها اسم "الحَكَم" لغير الله – سبحانه؛ إذ الإنسان هو الحاكم على هذه الأرض. له الحكم، لا معقب لحكمه إلا نفسه أو جماعته.

العالمانية ومراتب الإيمان

الإيمان عند أهل السنة حقيقة مركبة. وإذا أُطلق لفظ الإيمان، فالمقصود به الإيمان كله.

وهو مركبٌ من:

والناس فيه ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق.

أما أصل الايمان، فهو ما يصحُّ به عقد الإسلام، وبذهاب بعضه يذهب كله؛ لأن ما دونه لا يسمى إيماناً منجياً من النار. وهو قول وعمل: قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح. وهذه الأعمال التي تدخل في أصل الإيمان هي أفعال وتروك، ويثبت شرعاً دخولها في هذا الأصل بما دلت عليه النصوص من أنها أفعال كفر أو تروك كفر. ومن أتى بأصل الإيمان فمآله إلى الجنة ابتداء، أو مآلاً.

وأما الإيمان الواجب، فهو الذي أتى فيه صاحبه بالواجبات واجتنب المحرمات بعد تحقيق أصل الإيمان. ومن أتى به داخل الجنة ابتداء دون سابقة عذاب.

وتتعارض العالمانية مع هذه المرتبة الإيمانية بردها مرجعية ضبط الواجب والمحرَّم إلى الإنسان، وإنكارها أن يكون الترقي في هذه الدنيا مردُّه إلى متابعة هذه الأوامر والنواهي. فالإنسان يحقق صلاحه بمدى التزامه بما تواطأ الناس على تحسينه. أما العمل بالشرع، فهو، في أحسن أحواله، اختيارٌ شخصي ذوقي لا يرفع وضيعاً ولا يخفض رفيعاً.

وأما الإيمان المستحب، فهو الإيمان الذي أتى فيه صاحبه بالواجبات، واجتنب المحرمات، وأدى المستحبات، وترك المكروهات، وتجانف عن المشتبهات. وهو بذلك قد بلغ أعلى درجات العبادة وهي الإحسان.

موقع الإيمان المستحب من العالمانية مثل موقع الإيمان الواجب منها. فهما خارج غرض الفعل البشري الذي يقيس قيمة الفكرة والفعل بمدى موافقتها لرأي الإنسان في البيئة التي تحتضنه.

إن النظر في الإيمان من حيث هو جوهر مركب يهدينا إلى أن العالمانية تعد نقضاً لأصل الإيمان، ونفياً لحقيقته الكبرى، وهي أنه "تصديق إذعاني". كما أنها إهدار لغائيته؛ فإن العالمانية تتأبَّى على كلٍّ من التصديق والإذعان، مقررةً أن الإيمان بمعناه الإسلامي هو في أقصى صوره إشراقاً مجرد اختيارٍ ورأي، وليس إلزاماً قسرياً نابعاً من يقين قلبي.

إن التصور الإسلامي لنهج المسلم في فعله لا يقبل الفصام التّام بين التصور الإيماني في مستواه النظري ونهج الحياة والفعل على المستوى العملي، سواء كان ذلك على مستوى الفرد المسلم أم الدولة المسلمة. ولذلك، قال محمد الخضر حسين في شأن فصل جزء واحد من النشاط العملي للمسلم عن القناعة الإيمانية النظرية:

"إن فصل الدين عن السياسة هدمٌ لمعظم حقائق الدين، ولا يُقدِم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين."

فكيف بمن توسَّع في الفصل وزاد في الخرق؟!

 

العالمانية نفيٌ لشهادة أن محمداً رسول الله

إن حقيقة المعنى الشرعي للإيمان بمحمد، صلى الله عليه وسلم، هي طاعته في ما أمر به ونهى عنه، وتصديقه فيما أخبر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. فليس التصديق بنبوته، صلى الله عليه وسلم، هو مجرد المعرفة بأنه مرسلٌ حقاً من الله - سبحانه - ‏إلى البشر بخبر. فإن ذلك وحده‏ لا يدخل المرء في دائرة الإسلام، ولا يدفع عنه النسبة إلى الدهرية أو الشرك.

إن الشهادة لمحمد، صلى الله عليه وسلم، بالرسالة تتضمن خبراً وأمراً. أما الخبر فالواجب فيه التصديق. وأما الأمر فالواجب فيه الطاعة والانقياد. ولا يسلم أصل الشهادة من الانتقاض إذا كُذِّب الخبر، أو رُدَّ أصل الإذعان.

إن العالمانية ترفض "الإذعان" و"الاستسلام" لمرجعية النبوة، وترى ألّا شرعية لمرجع مفارق لهذا العالم، وأن النبوة لا سلطان لها على وعي الإنسان وحركته. وهي، في أدنى درجاتها، محادَّة للنبوة، تلغي سلطان الوحي في ما يمس الجانب السياسي في حياة الإنسان. ولا ترى له فيه حجية ولا إلزاماً.

إن الانقياد المنافي للترك شرط من شروط الإيمان.

 قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

يقول الشوكاني: "وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعرُّ له الجلود وترجف له الأفئدة، فإنه أولاً أقسم – سبحانه -‏ بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم "لَا يُؤْمِنُونَ"، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لم يكتف – سبحانه – بذلك ...، بل ضم إلى التحكيم أمراً آخر وهو عدم وجود حرج؛ أي حرج في صدورهم. فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس. ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم إليه قوله: "وَيُسَلِّمُوا"؛ أي يذعنوا وينقادوا ظاهراً وباطناً. ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد، فقال: "تَسْلِيمًا"، فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه تسليماً لا يخالطه ردٌّ، ولا تشوبه مخالفة."

 قال ابن القيم: "فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته، صلى الله عليه وسلم، سبباً لحبوط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به، ورفعها عليه. أليس هذا أولى أن يكون محبطاً لأعمالهم؟!"

العالمانية دين

إذا كانت العالمانية تمثل منهج نظر وعمل مختلف عن منهج التوحيد الإسلامي، فماذا تكون العالمانية بذاتها في ذاتها؟ هل هي مجرد نظرة عابرة ومشتتة للوجود، أم هي نسق من الرؤى الكلية المؤثرة على الوعي، أو بعبارة أخرى: أهي دين؟

كلمة "دان" العربية من ألفاظ المشترك السامي العريقة في اللغات السامية. فقد وردت في الكثير من هذه اللغات بمعنى الحكم والقضاء، والدَّين الذي لا بد أن يُسدَّد، أو التوجيه الملزم من المتبوع، أو الموجَّه إلى التابع ليخضع له بكل استسلام.

وجملة القول أن كلمة "الدين" عند العرب تشير إلى علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر ويخضع له. فإذا وُصف بها الطرف الأول، كانت خضوعاً وانقياداً. وإذا وُصف بها الطرف الثاني، كانت أمراً وسلطاناً، وحكما وإلزاماً. وإذا نُظر بها إلى الرباط الجامع بين الطرفين، كانت هي الدستور المنظِّم لتلك العلاقة، أو المظهر الذي يعبِّر عنها.

وتؤكد السياقات القرآنية أن "الدين" يُطلق على المذهب الحق والمذاهب الباطلة، فكلُّها دين متبع. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]

إن الدين إذن في مطلق معناه هو منهج الحياة. فكلُّ منهج تواضع عليه الناس هو دين، ولو خلا من الإيمان بالله أو اليوم الآخر أو النبوة.

إن من أهم مواطن الخلل في أنماط التفكير والنظر في العالم العربي، وفي عامّة بلاد المسلمين، أن تفقد الألفاظ معناها الشرعي، القرآني والأثري، وتتلبّس بمعانٍ وافدة. وقد أدّى هذا الأمر في كثير من الأحيان إلى إحداث حال من الالتباس الشديد والانحراف في وصف الواقع من منظار شرعي.

وأشد ما يكون هذا الوصب الفكري سلبياً في تأثيره إذا تعلّق بقضايا عقيدية متصلة بالتوحيد والتنديد.

تعتبر العالمانية في جوهرها العقيدي الحاضر في جميع أشكالها ديناً، بالمعنى الإسلامي الشرعي، وفي التعريف المعجمي، ومن زاوية نظر العديد من أنصارها وخصومها، وأخيراً، من الناحية القانونية.

فهي دين شرعا؛ لأن الدين في الاصطلاح القرآني يتسع ليكون معناه: منهج الحياة الذي يخضع له المرء أو الجماعة خضوعاً ناتجاً عن رؤية كونية شاملة. وعند النظر في العالمانية، نرى أنه من الممكن رؤيتها باعتبارها تصورات واسعة ذات سلطان شمولي على الفرد والجماعة. فهي من الممكن أن تعني "نظرة كونية" أو "أيديولوجيا"، أو "نظرية سياسية"، أو شكلاً سياسياً للحكم، أو نوعاً من الفلسفة الأخلاقية، أو اعتقاداً أن المنهج العلمي يكفي لفهم العالم.

وما "الدين" إن لم يكن كلَّ هذا، أو حتى بعضه؟!

وهي دين معجمياً والحال أن المعاجم بدأت تتجه للاعتراف بالعالمانية والرؤى الدهرية عامة كدين.

والعالمانية دين من وجهة نظر أنصارها أيضاً. ومن أنصارها من يرى أنها (دين الإنسانية)؛ لأنها تحيط بجميع اهتمامات الإنسان في هذا العالم. وهي أيضاً ترعى الإنسان، وتسعى إلى رفاهه، وتقاوم، في الآن نفسه، "الاضطهاد اللاهوتي". فهي مقاومة إهدار العمر من أجل ذاك الذي نعرفه. إنها تسعى إلى أن تترك الآلهة تهتم بأنفسها. إنها تسعى إلى السعادة في هذا الجانب من القبر. إن العالمانية دين، دين معقول. إنها دين ليس فيه أسرارٌ ولا تمتمة، ولا قساوسة، ولا مراسيم، ولا أباطيل، ولا معجزات، ولا اضطهاد.

العالمانية دين إلحادي

التعريف الشعبي للإلحاد هو إنكار الخالق. إن العالمانية الجزئية ذات جوهر إلحادي بالمعنى القرآني؛ لأنها تنكر جملة من أسماء الله وصفاته كـ"الحَكم". أما العالمانية الشاملة فهي إمعان في الإلحاد؛ لأنها ترفض الإقرار بوجود الله أصلاً. إن العالمانية الشاملة لا ترضى للنصرانية بالوجود الباهت بين جدران الكنائس. فكيف ترضى بالإسلام الذي يختزن أيديولوجيا فاعلة في حياة الفرد والجماعة؟!

إن الفارق الجوهري بين العالمانية الشاملة والعالمانية الجزئية هو أن الأولى منهما تمحو من الدين كلَّ شيء حتى أثره في أفراد الناس في ضمائرهم وخلواتهم.

أما الثانية، فتجود على الدين بفسحة من المكان الضيق، على ألا يغادره. فإن عصى، فقد استوجب المحاسبة والمحاربة.

بل إن العالمانية دين شركي. وليس في قولنا إنها العالمانية إلحاد مناقضة للقول إنها شرك. فهي مذهب شركي من غير وجه كونها إلحادية.

إن العالمانية الجزئية وإن قبلت أن يكون للدين سلطان جزئي على الناس، إلا أنها تقرر حاكمية أهواء الناس. فهي مصدر الأحكام القانونية والعرفية. وهو ما أدانه القرآن، وعدَّه من صريح الشرك.

قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ [الشورى: 21].

إن اتخاذ آراء البشر شرعة تبيح للناس أموراً وتمنع أخرى، دون مرجعية أعلى من الوحي، هو عين الشرك الذي حذر منه صاحب الرسالة، وجاء بالبيان العظيم لنقضه. قال ابن تيمية: "فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، وإن خالف أمر الله ورسوله، فقد جعله نداً ... وهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾ [البقرة: 165].

لقد بلغ شرك العالمانية ما لم يبلغه شرك الجاهلية الأولى بأهلها، فإن العالمانيين يفتخرون بأن التشريع حقٌّ إنساني صرفي، لا حقَّ لغير البشر فيه، في حين كان عرب الجاهلية يتحرَّجون من ذلك، وينسبون تشريعاتهم إلى الله لا إلى أنفسهم؛ لعلمهم ألَّا أمر فوق أمر الله.

إن العالمانيين ينفون علوية أمر الرب -‏ سبحانه، ويضعون هوى الإنسان أصلاً في التَّحاكم والنقد والأمر. فما وافق هوى الإنسان كان حقاً‏ ظرفياً‏، وما خالفه رُدَّ على أنه باطلٌ مرذول. وليس لحكم الله هنا مجالٌ أولاً وآخراً.

إنه إهدار صرف للألوهية، وهو ما لم يجرؤ عليه عُبَّاد الأوثان الذين كانوا يشركون مع الله غيره.

 

انتهى مختصر الفصل الثالث بحمد الله

الرجاء مشاركة العمل مساهمةً في انتشارِه كعلمٍ يُنتَفَعُ به

نطمع في دعاء بالأجر والثواب للراوي والمؤلف كليهما

السلام عليكم

رمضان، 1442 هـ.