22 م د: مسؤولية عقدية عن قتل خطأ - تأمين إجباري (رفض بحالتها)

:

إذا كان الخطأ التقصيري المنسوب للمؤمَّن له يشكل جريمة جنائية، وكانت قد رفعت دعوى جنائية بشأنها، فإن الفصل في الدعوى المدنية يتوقف، وفقاً للمادة 394 من القانون المدني، والمادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية، على الفصل في تلك الدعوى بحكم نهائي يستنفد طرق الطعن عليه.

الحكم الصادر في الدعوى الجنائية بانقضائها بموجب قانون العفو غير فاصل في وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها. وإذاً، فليس بحكم بحاسم في شأن قيام ركن الخطأ في حق المؤمن له. بهذا الحكم، تستعيد هذه المحكمة اختصاصها بوزن الأدلة المطروحة أمامها للفصل في الخطأ التقصيري المنسوب إلى المؤمن له.

:

[القاعدة]

[إذا كان الخطأ التقصيري المنسوب للمؤمَّن له يشكل جريمة جنائية، وكانت قد رفعت دعوى جنائية بشأنها، فإن الفصل في الدعوى المدنية يتوقف، وفقاً للمادة 394 من القانون المدني، والمادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية، على الفصل في تلك الدعوى بحكم نهائي يستنفد طرق الطعن عليه.

الحكم الصادر في الدعوى الجنائية بانقضائها بموجب قانون العفو غير فاصل في وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها. وإذاً، فليس بحكم بحاسم في شأن قيام ركن الخطأ في حق المؤمن له. بهذا الحكم، تستعيد هذه المحكمة اختصاصها بوزن الأدلة المطروحة أمامها للفصل في الخطأ التقصيري المنسوب إلى المؤمن له.]

 

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 6 ربيع الأول 144 هـ. الموافق: 14-11-2018م، 
برئاسة د. عيـاد علي دربال القاضي، وحضور ... كاتب الجلسة، 
أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــمَ 
في الدعوى المقيّدة بالسجلّ العام تحت رقم: ...-2 18 مدني كلي الزاوية، المرفوعة من: 1- ~ 6-، 
جميعهم مقيمون بمدينة ...، موطنهم المختار مكتب المحامي ... الكائن بمدينة ...، 
ضـــد 
الممثل القانوني للشركة ... للتأمين بصفته، الكائن مقره بمدينة الزاوية. 

ملخص الدعوى 

تخلص الدعـوى في اختصام المدعين للمدعى عليه بصحيفة جرى تصحيح شكلها وإعلانها إليه طبقاً للقانون. شرحوا الدعوى بما مِلاكه أن ... كان بتاريخ ...-...-2 11 يقود سيارته على الطريق العام "بسرعة كبيرة وبطيش وتهور ودون أن يأخذ الحيطة والحذر ... ولم يقم بما من شأنه أن يمنع الإضرار بسلامة الغير ويدرأ الخطر عنهم"، فتسبب في قتل ابنة المدعيين الأول والثانية، ووالدة الباقين. قُيدت الواقعةُ جنحة تحت رقم ... لسنة 2 11 مرور ترهونة، وقُدم المذكور متهماً للمحاكمة، فأصدرت المحكمة بتاريخ ...-...-2 15 حكمها في الدعوى القاضي بانقضاء الدعوى الجنائية بالعفو، والذي صار نهائياً بفوات ميعاد الطعن فيه. 
 وفقاً للصحيفة، بنهائية الحكم، صار ركن الخطأ ثابتاً في حق مرتكبه استناداً إلى نص المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية. وأن المدعين إذ يقيمون الدعوى الماثلة ضد الشركة المدعى عليها، إنما بصفتها الملزم بدفع التعويض عن الضرر الناشئ عن حوادث سيارة المتسبب في القتل بوصفه مؤمناً له بموجب الوثيقة رقم ...، والسارية المفعول إلى يوم ...-...-2 11. حددوا الأضرار المادية في فقدان الأول والثانية لابنتهما البارة والباقين لوالدتهم "سندهم وكنفهم بالحياة" وهي في ربيع العمر. أما الأضرار المعنوية، فأجملوها فيما أصابهم من صدمة على أثر سماعهم خبر الوفاة، وما سببته لهم من ألم وحزن ولوعة وحسرة تستمر إلى الأبد. 
 انتهوا في صحيفتهم، استناداً إلى نصوص المواد 166 و24 و225 من القانون المدني، إلى طلب الحكم بإلزام المدعى عليه بأن يدفع لهم مئة وخمسين ألف دينار جبراً للضررين المادي والمعنوي، مع إلزامه بالمصاريف وبدفع ثلاثة آلاف دينار عن أتعاب المحاماة. 
أمام المحكمة، حضر عن المدعين وكيلهم الأستاذ المحامي .... وعن المدعى عليه، حضر تعاقباً الأستاذان المحاميان ... كلّ بتفويض من المحامي الوكيل الأستاذ .... قدم وكيل المدعين حافظة مستندات ضمت المستندات التالية: صورة ضوئية لفريضة المرحومة ... تثبت وفاتها بتاريخ ...-...-2 11 وحصر إرثها في أولادها المدعين؛ شهادة الوضع العائلي الخاصة بالمدعي الثالث كونه رب الأسرة المكونة منه ومن المدعيين الرابع والسادس؛ صورة ضوئية لوثيقة التأمين المشار إليها والصادرة عن المدعى عليه لمصلحة ... بشأن مركبة نوعها أودي، رقم صفيحتها ...، تحدد مدة التأمين من ...-...-2 1 إلى ...-...-2 11؛ صورة رسمية من حكم محكمة ترهونة الجزئية، دائرة الجنح والمخالفات، في الدعوى رقم ... لسنة 2 11 بانقضاء الدعوى الجنائية بشأن التهم المسندة إلى ... والمتعلقة بحادث المرور المشار إليه، والتي من بينها تهمة قتله خطأً المجني عليها ... مورثة المدعين، مؤشراً على الحكم بما يفيد فوات مواعيد الطعن عليه؛ صورة ضوئية لمحاضر تحقيقات النيابة العامة وجمع الاستدلالات والمتعلقة بحادث المرور الذي نجمت عنه الوفاة مثار الدعوى. 
خلص وكيل المدعين إلى التمسك بما قدمه وبطلباته في صحيفة الدعوى منتهياً إلى طلب حجز الدعوى للحكم. أما الحاضر عن المدعى عليه، فطلب بداءةً أجلاً لإعداد دفاعه لكنه لم يحضر بعدُ، فحجزت المحكمة الدعوى للحكم. قدم طلباً بإعادة الدعوى للمرافعة، فلبته المحكمة. في الجلسة الأخيرة، قال إنه يتمسك بدفوعه السابقة، ويطلب حجز الدعوى للحكم على الرغم من أنه لم يكن قد أبدى أي دفع أو دفاع قبلاً. 
حجزت المحكمة الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وفيها قضت بالوارد في المنطوق.

الأسباب 

بعد سماع المرافعة الشفوية ومطالعة الأوراق، أصدرت المحكمة الحكمَ التالية أسبابه ومنطوقه: 
حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن كل طرف دفاعه، وإذاً فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً بالنسبة للطرفين عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات. 
وحيث إن حاصل دعوى المدعين يتلخص في طلبهم بإلزام المدعى عليه، الشركة ... للتأمين، بوصفها مؤمِّناً، بدفع تعويض بسبب وفاة المذكورة، ابنة الأول والثانية ووالدة الباقين، والتي تسبب فيها المؤمَّن له بخطئه التقصيري. وحيث إنه وفقاً لأحكام القانون رقم 28 لسنة 1971 بشأن التأمين الإجباري من المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات الآلية، يجب لثبوت المسؤولية العقدية في حق المدعى عليه عما لحق المدعين من أضرار نتيجة وفاة مورثتهم إثباتُ العلاقة التعاقدية مع المدعى عليه، ثم إثبات ركن الخطأ في حق قائد السيارة المقول بتسببها في القتل. 
وحيث إنه عن العلاقة التعاقدية، فإنه لما كان الثابت الذي لا خلاف له في الأوراق أن المنسوب إليه الخطأ، ...، موظف بالمصرف ...، وأن السيارة التي شكل بها الحادث تابعة لهذا المصرف، وكانت قد سلمت إليه بحكم وظيفته، وكان هذا المصرف هو المؤمن له بشأنها، فإن العلاقة التعاقدية تكون قائمة مع المدعى عليه فيكون، من ثم، مسؤولاً عما يرتكبه قائد هذه السيارة من أخطاء باستعمالها. ولهذا فسيشار إليه فيما يلي بالمؤمن له. 
ولا يؤثر في قيام العلاقة التعاقدية بشأن السيارة المذكورة ما أثبته مأمور الضبط القضائي في معاينته للسيارة مشكلة الحادث من أن نوعها "أوبل" على الرغم من أنها "آودي". فما هذا لدى المحكمة إلا خطأ مادي، وذلك تأسيساً على إفادة قائد السيارة نفسه، وعلى ما أثبته وكيل النيابة العامة من بيانات عنها استقاها من كتيبها والتي من بينها نوعها. علاوة على ذلك، فإن رقم صفيحتها المعدنية مطابق لذاك الذي أثبته مأمور الضبط القضائي في معاينته. 
وحيث إنه بشأن ركن الخطأ، فإنه لا يكفي للاتكاء على عقد التأمين في استحقاق التعويض ثبوتُ العلاقة التعاقدية وتحقق الضرر، بل يجب أيضاً ثبوت الخطأ في جانب المؤمَّن له. وعلى هذا، فلن يكون من حق المضرور الرجوع على المؤِّمن ما لم يثبت ارتكاب المؤمَّن له خطأ تقصيرياً أدي به إلى الحادث. 
وحيث إنه لما كان الخطأ التقصيري المنسوب للمؤمَّن له يشكل جريمة جنائية، وكانت قد رفعت دعوى جنائية بشأنه تمثلت في تلك المشار إليها، فإن الفصل في الدعوى المطروحة يتوقف، وفقاً للمادة 394 من القانون المدني، والمادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية، على الفصل في تلك الدعوى بحكم نهائي يستنفد طرق الطعن عليه. وحيث إن المحكمة وهي تتحقق من ماهية وطبيعة الحكم الصادر في تلك الدعوى، بان لها أنه حكم بانقضاء الدعوى الجنائية بموجب قانون العفو، ما مفهومه أنه لم يتم الفصل في وقوع الجريمة ونسبتها إلى الفاعل. وإذاً فليس هذا الحكم بحاسم في بشأن قيام ركن الخطأ في حق المؤمن له وما نجم عنه من ضرر. 
لما كان ذلك، فإن هذه المحكمة تصير صاحبة الاختصاص بالنظر في مدي ثبوت أركان المسؤولية التقصيرية جمعاء في حق المذكور. والمحكمة في سبيل ذلك، تقدم بأن ثبوت هذه المسؤولية يستلزم، وفقاً للمادة 166 من القانون المدني، ثبوت خطأ المؤمن له، وتحقق الضرر، وارتباط الخطأ بالضرر ارتباط العلة بالمعلول. 
وحيث إنه بشأن ركن الخطأ، فلقيامه، يقع على المدعين عبء إثبات مقارفة المؤمن له سلوكاً يشكل انحرافاً عن السلوك المعتاد أو المسموح به قانوناً. وحيث إنه بتمحيص المحكمة للدعوى وما قدم فيه من مستندات، يضح لها أن حالة الأوراق الراهنة لا تجزم بثبوت أي خطأ من جانب المؤمن له يجعله مسؤولاً كلياً أو جزئياً عما نجم عن الحادث من وفاة مورثة المدعين. فقد أنكر في الدعوى الجنائية ما نسب إليه من عدم تفادي الحادث ومن تهمة القتل خطأً والسير بسرعة تزيد عن الحد المقرر، شارحاً الواقعة على نحو أنه كان يقود سيارته على الطريق العام بسرعة لا تجاوز التسعين كم/س، ملتزماً الجانب الأيمن منه. وكما يقول في محضري جمع الاستدلالات وتحقيق النيابة العامة، فوجئ بالسيارة المقابلة تسير في الاتجاه المعاكس الذي هو اتجاهه وقد فقد قائدها السيطرة عليها. حاول تفاديها بالضغط على الفرامل والتزام اليمين، لكنه لم يفلح. وحيث إنه ليس في الأوراق ما يقدح في ذلك، بل كشف الشرطة على السيارتين المتصادمتين يؤيده. إذ ما جاء فيه من موقع السيارتين بعد الحادث بالنسبة إلى الطريق ومن مكان الصدمة في كل سيارة ما يرجح التزام المؤمن له يمين الطريق كما ذكر. 
لما كان ذلك، فلا دليل على ارتكاب المؤمن له من السلوك ما يصلح لقيام ركن الخطأ في حقه. ولا ينال من هذا إقراره بالسير بسرعة تسعين كم/س على الطريق العام، والحال أنه لا يكفي بمجرده للقول بتجاوزه الحد المقرر قانوناً. إذ أن السير بهذه السرعة ليس محظوراً في كل الطرق. ومن ثم، لا يمكن تقرير مدى قانونية السير بها إلا بتحديد نوع هذا الطريق. وحيث إن الأوراق جاء خلواً من هذا التحديد، وكل ما حوته إشارة إلى أنها الطريق الرابطة بين مدينتي ...، وأن عرضها ثمانية أمتار، فإن هذا، لا يكفي لمعرفة السرعة المشروعة على هذا الطريق وفقاً لقانون المرور على الطرق العامة والقرار رقم 247 لسنة 1423م بشأن في شأن تحديد أحكام وقواعد المرور وإشاراته وآدابه. زد عليه أنه ليس في الأوراق ما يدل على ظروف محيطة خاصة تتطلب السير بسرعة تتفق مع مقتضاها. لكل ذلك، لا يتأتى للمحكمة، بحالة الأوراق هذه، تخطئة سلوك المؤمن له أو تجويزه، فتحكم برفض الدعوى بحالتها وفق الوراد بالمنطوق. 
لما كان ذلك، وكانت المحكمة قد انتهت إلى ما تقدم من عدم ثبوت ركن الخطأ في حق المؤمن له، فإنها تقف عند هذا الحد فلا تتطرق إلى الركنين الآخرين لعدم الجدوى. 
 على أن المحكمة وإن نحت هذا النحو، وبنت عليه حكمها، فإنها تعي أن تقصير المدعين في إثبات ركن الخطأ، لا يعني لزوماً عدم تحققه. ولذا فليس ما انتهت إليه، بسبب خلو أوراق الدعوى مما يقطع بشأنه، بحكم حاسم لا وجه للرجوع فيه، وليس من شأنه أن يمنع المدعين من معاودة إقامة الدعوى أمام هذه المحكمة إذا ما تفادوا أسباب عدم الإجابة، وتغيرت حالة الأوراق التي انتهت بهذا الحكم. فهذا الحكم لا يعدو في جوهره قضاءً في الدعوى بحالتها الراهنة التي لا تكفي لوضع حد لها. فلا تكون له إلا حجية موقوتة تقتصر على هذه الحالة مادامت لم تتغير. 
وحيث إنه عن المصاريف، فإن المحكمة تلزم المدعين بها لخسرانهم الدعوى، وذلك وفقاً للمادتين 281 و282 من قانون المرافعات. 

لهذه الأسباب 

حكمت المحكمة حضورياً برفض الدعوى بحالتها، وبإلزام رافعيها بالمصاريف. [انتهى منطوق الحكم]


الكاتب                                                                        القاضي


أُودعت الأسباب في: 14-11-2018 بعد النطق بالحكم.