5 ك ص د: العالمانية، طاعون العصر، د. سامي عامري (الفصل الأول: الحقيقة النظرية للعالمانية)

:

هذا أولُ أربعة أجزاء لمختصرٍ نصي وصوتي لكتاب: العالمانية، طاعون العصر، للدكتور سامي عامري. 

يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة المؤلف القيِّمة: الإلحادُ في الميزان. نفعنا الله تعالى بعلمه، وجزاه عنه وعنّا كلَّ الخير.

يتناول الكتابُ، في أربعة فصول، بالشرح والتحليل المبدأَ المعروف بـ(العلمانية) في طرح لم أقف على سابقة له في المكتبة العربية.

يعرض هذا الفصلُ الحقيقةَ النظرية له، مبيناً جوهرَه، ودلالةَ المصطلح وأصولَه وتطورَه، ليخلص إلى استبدال "العالمانية" به، مقدِّماً أسانيدَه اللغوية والتاريخية والموضوعية التي تقيم هذا الاستبدال على أساس علمي متين.

[embed]https://www.youtube.com/watch?v=aY91dDsp0Ok&ab_channel=ayadderbal[/embed]

:

العالمانية، طاعون العصر:

كشفُ المصطلحِ وفضحُ الدَّلالة

د. سامي عامري

1من4

الحقيقة النظرية للعالمانية

 

[الوصف]

 [هذا أولُ أربعة أجزاء لمختصرٍ نصي وصوتي لكتاب: العالمانية، طاعون العصر، للدكتور سامي عامري. 

يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة المؤلف القيِّمة: الإلحادُ في الميزان. نفعنا الله تعالى بعلمه، وجزاه عنه وعنّا كلَّ الخير.

يتناول الكتابُ، في أربعة فصول، بالشرح والتحليل المبدأَ المعروف بـ(العلمانية) في طرح لم أقف على سابقة له في المكتبة العربية.

يعرض الفصلُ الأول الحقيقةَ النظرية له، مبيناً جوهرَه، ودلالةَ المصطلح وأصولَه وتطورَه، ليخلص إلى استبدال "العالمانية" به، مقدِّماً أسانيدَه اللغوية والتاريخية والموضوعية التي تقيم هذا الاستبدال على أساس علمي متين.

في الفصل الثاني، يستعرض آثارَ تبني العالمانية في محضنها في الغرب، ثم في مهجرها في بلاد العرب. يكشف في ذلك عن آثار سلبية لها يستعصى على النظرة السطحية أن تستبينها. ويوضح كيف نجح نقلةُ المبدأ إلى العالم العربي في تهميش دور الدين في حياة المسلم، وفي ابتداع جوٍّ من الانبهار بالعالم الغربي، وفي الإيهام بأن العالمانية، كأصل لنظام الحكم، هي قارب النجاة للحوق بذلك العالم.

أما الفصل الثالث، فيبين فيه الحكمَ الشرعي لتبني العالمانية والاستسلام لها كمذهب حياة، مذهبٍ فيه هوى الإنسان وعقلُه هما الأصل في التحاكم. يعدِّد أوجه منافاتها لشهادتي التوحيد والنبوة، لينتهي إلى نعتها في ذاتها بالدين ومن أكثر من باب, ويخلص في الختام إلى أنها دين شركي يبلغ بمعتنقيه ما لم يبلغه شرك الجاهلية الأولى؛ فهو إهدار للألوهية، ولا يقبل عليه المسلمون إلا بعد أن يصيروا غير مسلمين.

في الفصل الرابع، ينبِّه إلى صور تدليس أنصار العالمانية في العالم الإسلامي في محاولتهم إظهارها في ثوب جذاب يخفي قبحها وتصادمها الشديد مع الإسلام. بعد ذلك، يميط اللثام عن زيف هذه الحملة التجميلية، ومكر أصحابها، وابتنائها على التضليل بدءاً بالمصطلح المستعمل، وما يوحي به من ارتباط المبدأ بالعلم، وصولاً إلى الدعوى بتاريخية النص القرآني لإسقاط حجيته وتجريده من كلِّ قيمة دلالية.

يختم المؤلف بإجمال لموضوع كتابه، واستعراض لجملةٍ من الوصايا التي يراها جوهرية في سبيل العمل لمواجهة وباء العالمانية.]

 

[إذا استحسنت العمل، فلا نطمع في غير دعاء بالأجر والثواب للراوي وللمؤلف كليهما.]

 

مختصر الفصل الأول:

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم

الحقيقة النظرية للعالمانية

إن سلسلتنا "الإلحاد في الميزان" تسعى إلى إقناع القارئ الجاحد لعقيدة التوحيد أن للكون خالقاً. فإذا وقف القارئ عند ذلك، ولم يتّفق مع ما تقرّره هذه السلسلة في هذا الكتاب مِنْ أنه كما أن لله "الخلق"، فلَهُ تعالى "الأَمْر"، فسيكون أقُصى ما بلغه عقله هو الإيمان بنفس ما آمن به أبو جهل، وهو أن للكون خالقاً، غير أن امتيازه بالخلق لا يلزم منه اختصاصه بالتشريع. فالخلق له، والتحريم والتحليل لميراث الأجداد وتراتيب الأعراف.

رسالة الكتاب هي ألا تغترّ بالمُشاع من الكلام القائل إِنَّ الإلحاد هو إنكار الخالق والقول بِأَزَلِيّة المادة وعَبَثية الوجود، فذاك وجه واحد من أوجه الإلحاد. بل هو من الناحية الواقعية، أقلّها حضوراً وأضعفها تأثيرًا. أمّا الإلحاد الأكبر الذي سرى على الوجود في ليل بهيم، فاستولى على عقول الغافلين وعَقدَ على نواصيهم ثلاثاً فهو إلحاد العالمانية.

تمثّل المنظومة العقيديّة المسمّاة "علمانية" طرحاً شمولياً يستحوذ على الفضاء السياسي في جل البلاد. وتعبّر عن الانتماء العقيديّ للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نعيشها. إنها مبدأ التّوجيه الأخلاقي والتّنظيم المجتمعيّ والتأسيس الاقتصاديّ. إليها يعود الأمر كلّه، دِقّه وجُلّه. منها تبدأ الحقيقة، وإليها تعود. وهي التي تحدّد جوهر المعنى وأَبْعادَ ظِلالِهِ. ولذلك تُفْرَض قَسْراً على الرّعايا دون فسْحة للاختيار أو التّعقيب.

إِنْها مقدَّس جديد، مُتعال على النقد! وقد كان هذا المبدأ العقيديّ، في ما ولى من الزمان، صريحاً في تعبيره عن نفسه. وكان بذلك سَهل الرَّصد والمواجهة. غير أنه اتَخَذ في العقود الأخيرة سبيلاً جديداً ليتخفى عن رصد من يتتبّع أثره، وليتسلل إلى وعي الأمّة بخفاء ومكر دون أن يثير جَلَبَةَ أو يستحث مُمَانَعَةً في نفس المُصدّق بالبعثة الخاتمة والشريعة الناسخة لما عداها.

لقد تمكنت العالمانية من دقائق حياتّنا دون أن تُعلِن ‏ في الأغلب ‏ عن نفسها تحت لافتة واحدة كُلَيّة، وإنّما سيطرت على عقول كثير من الناس ومشاعرهم وولائهم وبرائهم، من خلال مجموع مقولات متفرقة لا تنتظم في ظاهرها في نسق أيديولوجي جريء في التعبير عن نفسه. حتّى جرى كثير من مقولاتها على ألسنة الدَّهماء والخاصة، ومَنْ ظَاهرهم الفسوق والطاعة، وبين رَوّاد الحانات والمساجد، دون أَنْ تستشعر النفس أنها تجمع بين أضغاث من الأخلاط.

لقد ظلّ الغرب على مدى قَرْنِين من الزمان يُقدّمُ منظومَتَهُ العالمانيةَ على أنها نهاية تاريخ الفكر السّياسي، زاعماً أن التشكيك فيها أو "العدوان" عليها هو عدوانٌ على قيم إنسانيّة مُطلقَة الثبُوت؛ فمنظومة القِيم الغربيّة الكبرى ليست أَفْضَلَ الموجود، فحسب، وإنما هي "نهاية المنشود" . فالليبراليَّة والديمقراطيّة وغيرهما من الأنْساق والمفاهيم الكبرى هي حقائقُ كونيّة على الغرب المتحضّر أنْ يحمي العالم الشرقيَ، خاصّة الإسلامي، من نفسه إن أراد أن يتجاوزها.

أمَا في العالم العربيّ، فتتنازع العالمانيةَ ثلاثة تيارات كُبْرى: تيّار اغترابي مُنْبَتُّ الصّلَة عن تراث الأَمّة يرى أنَّ كل سبيل للتّنائي عن الإسلام ومنظومته الحياتيّة بأَبْعادِهَا المتّسِعَة هو مطلب أساسِي وخطٌّ لا يمكن التَقهْقر عنه. ويُقدم التيّار الثاني فكرة العالمانية على أنّها آلية استنبات منافعَ مدركة في واقع مقحط لا أَنّها نظرة ميتافيزيقيّة مُحادّة للإيمان. أمّا الفريق الثالث، فيرى في العالمانية "ديناً" يخالف الإسلام في صميميته .

في ظل هذا الواقع في العالمين الغربي والعربي، تعلن العالمانيّة عن نفسها قضيّة أساسيّة في الجَدّل الفكريّ والعقائدي.

إن العالمانية التي ترسم معالم واقعنا في عظيم أموره ودقيقها تَقِفُ اليومَ كأعظم تَحَدٍ للإسلام بمنظومته الفكريّة المجرَّدَة والعمليّة الحيّة وهي تَتَجَدَّدُ دائماً في شكلها وتُهَذبُ دوماً خطابها الدّعَائيَ؛ لِعِلْم أنصارها أَنَّ حال الاصطراع مع الإسلام لا يمكن أن تنتهي إلى مصالحة تامَّة مع من يحملون فهماً سنْياً للرسالة النبويّة.

في ظل أزمة الخطاب الإسلامي وفَوْرَة النُشاط العالماني، نحتاج أن نعيد قراءة العالمانية لِنَعْرفَ حقيقتها كتصور مبدَئي، ولنكون على وَعي بلازم هذا التصوّر عَمَلِيّاً وحقيقة هذه الفكرة في ميزان الوحي. وهي خطوات نشقُّ بها طريقاً إلى الوعي بحقيقة إيماننا بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً في زمن تُعَطَّلُ فيه، لأوّل مَرّةِ، منذ البعثة النبويّة، شريعة الإسلام عن الحكم في أمّة التوحيد.

وللخروج بموقف مُنْصِف، يجب أن تقوم دراستنا على أَصْلَيْنِ: معرفة العالمانية كما هي لا كما نريد، والخضوع للشرع كما يريد الشرع دون انهزام أمام ضغط الواقع، أو التشنيع بما لا يوافق المعلوم من الحقائق.

ولن نحققَ هذه الغاية حتى نعرف حقيقة العالمانية من ثلاث زوايا، وهي: الحقيقة النظرية للعالمانية كما هي في خطاب أهلها؛ ثم حقيقتها العمليّة؛  وأخيراً، حقيقتها في مِنْظار الشَّرْع.

ولن ننْصِفَ خصومنا ونقطع شُبْهَةَ الانحياز في بحثنا حتى نتناول دفاعيّات العالمانيين ونُسْفِرَ

عن قَصُورِها عن ردِّ ما أسلفنا بيانه.

الحقيقة النظرية للعالمانية

العالمانيهُ في شكلها النَظرِيّ اصطلاح لَفْظِيّ ومَبْدَأ نظري. وهي تكتسبُ بهما مَعَاً لَوْنَهَا المعرِفِي وانحيازها القِيَمِي. ويُعَد النّظَرُ في جانبها النَّظَرِي الخطوة الأولى لِفهْم أشكالها العَمَلِيّة وحركتها المفْعَمَة بالرّغبة في الفِعْل في وجود الناس.

يُثير مصطلح "علمانية"، ‏دون ألف بعد العين،‏ الحِس النْقدِيّ عند السامع للبحث في تاريخ المصطلح ودلالته في مَحْضنِه الأوَّل والآن، وهو ما يلزمنا أنْ نقَلب الصفحات، ونختبر المسلّمات لِنصِل بعد ذلك إلى حقيقة حروف العبارة.

 إن آفة تحريف المصطلحات ظاهرة معرفية قديمة ومتجددة. لا يخلو منها واقع ثقافي، ولا تغيب عن سجال فكري بين متنازعَين. والتّحريف الاصطلاحِي لَهُ وَجهان:

وَجْه يقبح الحَقّ، وآخر يُحَسّنُ الباطلَ.

فمن تقبيح الحَق ما تَواطَأ عليه النّصارى في القرون الوسطى من استعمال عبارات مثل "المحَمَدِيين" و"الهاجريين" و"الإسماعِيْليَين" اسمًا للمسلمين حتّى لا يرتبط ذِكْرُهم برسالة سماوية. فهم إمّا أتباع رَجْل مُدعٍ للنبُوة، أو مُجَرّدُ طائفة عِرْقِيّة تنحَدِر من هاجر أو إسماعِيل. ولذلك لم يستعملوا كلمة "مُسْلِم" إِلّا ابتداءً من سنة 1551. وكانت أُوَّلَ مَرَّة تُستعملُ فيها كلمة "إسلام" سنة 1697 .

ومن تحسين القبيح ما نحن بِصَددِه من أَمْر العالمانيّة وإِلباسِها غَيْرَ ثوبها، وتجميل باطلها وإِحْفاء مُصادَمَاتها لِمُحْكَمَات الشَّرْع، سَعْيا مَنْ أَنْصارها إلى دَسّ باطلها في وَعْي الأَمّة دسّاً.

يَتفِقُ النقادُ اليوم على أن اصطلاح "علمانيّة" هو تَرْجَمَة لِكَلِمَة غَرَبية الْمَوُلِد والمحضن، "سكيولريزم"، (Secularism). وإذن، فليس بالإمكان أَنْ نَجد لها جَذْراً في المعجم اللّساني الإسلامي القديم.

وأول مَنْ استعمل الكلمة بأحد معانيها المعاصرة هو "جورج هوليوك" سنة 1851، للتّعبير عن مَذْهَبِه السّياسِي الدّاعي إلى فَصل النظام الاجتماعي عن السّلطان الدّيني. وقد أثبت بذلك لهذا اللَّفظ مَسَاراً اصطلاحياً مختلفاً عن استعماله الاصطلاحيّ القديم.

تَعْودُ الكلمة إلى كلمة لاتينية تعني: العالم، بمعنى "الكون" أو "الزّمَن" أو "العصر". وقد استعمل آباء الكنيسة اللّاتين في القرون الثاني والثالث والرابع الكلمةَ للإشارة إلى العامل الزمني، أي الحياة الدنيا البائسة، في مقابل ملكوت الله المشرق.

كان هذا اللفظ يُطلق في بداية تطورِه على رَجل الدين "غَيْر المقيّد بنذُور الرَهْبَنَة وقواعدها"، أو "غير الْمْتَرَهبن". وتَطوَّرَ شيئاً فشيئاً لِيُقْصَدَ به بعد ذلك غير الكهنوتي. وقد بدأت كلمة "عَلْمَنَة" بمعنى إخراج رَجُل الدّين من عالم الرَهْبَنة إلى وظيفة خِدْمَة رعيّة الكنيسة، ثُمّ تَحَوَّلَتْ إلى الدّلالة على الانتقال من العالم الدَينِي أو المقدّس إلى العالم غير الديني أو غير المقدّس. ثم انتقلت الكلمة في مرحلة تالية إلى اكتساب معنى مالي، تنظيمي، عندما أصبحت تَدُل على نقل المسؤولية من السلطات الكنسيّة إلى السّلطات السياسيّة المدنِيّة.

وقد توسّع اليوم المجال الدّلالي للكلمة توسعاً كبيراً، فَأَصْبّحنا نقرأ عن "عَمَل عالماني"؛ أي غير ديني، و "جامعة عالمانية"، أي جامعة غير دينيّة. وبذلك بَلَغت العالمانية أَوْسَع معانيها في تاريخها الاصطلاحيّ.

وإذا كان مصطلح "سكيولريزم" يعود في أصله اللغَوِي واستعماله الاصطلاحي إلى كلمة "عالم"، فكيف إذنْ حُذفَت ألِفهُ في المعجم الثقافي العربيّ، ليفتح الباب إلى فتح عَيْنِه، وحتّى كسْرها؟

إن تَعَقْبَ كلمة "علْمانيّة" في اللّسان العرب يُظهر أنّها كانت معلومَة ومتداولة بكثافة قبل ظهور المعنى الاصطلاحي الجديد لها في الغربِ. وإذا أَرَدْنَا الدقةَ، فإننا نقول إن كلِمَتي "عَلْمانِي" و"عَلْمانية" هما من الألفاظ الراسِخة في المعجم الديني للنّصارى العَرب. وقد تَسَلل هذا المصطلح إلى المعجم العربي الدّيني بمعنى نصرانِيّ دِيْنِي صِرْف قبل أن يتَلْقّحَ رَحِمُه بمعنى حضارِي أَضْخم مع بداية الثُورة على السّلطان الكَنسِي والمرجعيّة الدَينيّة. وقد استعمل النصارى العَرَبُ منذ زمن بعيد كلمة "عَلْماني" للدّلالة على مَنْ لَيْسُوا من رجال الدّين.

استَقر التَعريف المعجمي بعد ذلك على وَصْف مَنْ لَمْ يَنْتَظِمْ في سِلْكِ رجال الدّين بأنّه عَلْمانِي.

وقد انْتَبَهَ إلى مرجعيّة النصارى العرب في إدخال كلمة "علمانيّة" في المعجم العربي، أحد المستشرقين الذي كتب قائلًا:

"إن انتشار التأثير الغربي اعتباراً من القرن التاسع عشر جعل المسيحيين الناطقين بالعربية ‏يضطلعون بدَوْر رئيس في نقل الأفكار الغربية. فكان أَنْ قَدّمَ المعجم العربي المسيحي جانباً مهماً من المفردات الجديدة التي أَسْهَمَتْ في تشكيل العربيّة المعاصرة. وكان من المصطلحات المسيحية التي شاع استعمالها مصطلح "عالماني" التي تحوّلت فيما بعد إلى "عَلماني"، وتعني حرفياً: ما له علاقة بالعالم؛ أي: دُنيوي. وأصبحت الكلمة مرادفة لمصطلح: الزّمنِي وغير الدّينيّ وغير الكَنسِي جميعًا. ومن عَهْد قريب جداً، نَسِيَ النّاس أَصل كلمة "عالماني" واشتقاقها المسيحيين، وحَرّفوها في النطق إلى "عِلماني" المشتقة من "العلم". وأسيئ فَهمها؛ إِذْ أَصْبَحَت تُشِيْر إلى مذهب مَنْ يزعمون وجود تَعَارُض بين العِلْم البَشَرِيُ وَالتنزيل الإلهي."

وقد يستغرب الباحث أن تكون "العالمانية" التي تمثل أحد أشهر الاصطلاحات السياسيّة المعاصرة سلبيّةَ في قَبُول الدّين ‏ذاتَ أصل دين. وقد تتعاظمُ الدَّهْشة إذا عَلِمنا أنَّ كُلَّ المفاهيم التي تحمل النّظريّة الحديثة للدّولة هي مفاهيم دينية مُعَلْمَنة! إِلَا أن التاريخ وإِنْ تَبَاعَدَتْ أجزاؤه وتنافَرت أوضاعُه وَحْدَة واحدة!

والذي يبدو أن كلمة "علماني" دون ألف قد وَجَدَتْ طريقها للرّواج بسبب معجم أعدَّ لتلاميذ المدارس المصرية إبان الاحتلال الإنجليزي سنة 1937.

 

الاصطلاح المختار

إن مصطلح "العالمانية" مرتبط بالعالم، ككيان منَغلِق على نفسه، حيث يختزل الوجود بآليته الفاعلة والامتداد المجالي للبصر الإنساني. ولذلك، فإن أَدَق اصطلاح عربي للتّعبير عن هذا المفهوم الأعجمي مَنْبناً ودلالة هو: العالمانية؛ إذ تتضمَّن هذه الكلمة المعنى في أبعاده الثلاثة: الكون والزّمَن والعَصر. وهو لفظ أَدَق من المصطلحات الأخرى؛ مثل:

 مصطلح "دنيوية"؛ إذ المصطلح الأعجمي أقرب إلى "العالم" منه إلى الدنيا من وَجْه رئيس هو أن مقابل الدنيا، الآخرة. والعالمانية لم تطرح نفسها بديلاً للآخرة، ولم تكن يوماً في حال شِقاق معها.

أما لفظ "لادينيّة"، فتعبير لا يستقيم؛ لأنْ أصل الاشتقاق الأعجمي لا يُشير مُباشرة إلى الدّين.

وأما مصطلح "عَلماني" بفتح العين، فلا يَصِحّ أصالةَ من النّاحية اللّغويّة؛ لأنْ المعجمَ العربيّ ليس فيه الجَذْر "عَلْم".

شاعَ القول في كتابات المفكّرين المسلمين بأنَّ العالمانيّة قد ظَهَرَتْ في الغرب كرد فِعل على استئثار الكنيسة بِالتصَوّر الكوسمولوجي للكوْن بما فيه من مخالفات نَقَضَتها الأبحاثُ العِلْميّة. وينتقل هؤلاء الكُتابُ بعد ذلك إلى الانتصار للإسلام عن طريق بيان موافقَته لِلْعِلم وحِرْصِه على السَّيْر في الأرض والنظر فيها.

وبعد سَبْر هذا الموضوع تاريخياً، بَدَا أَنَّ الناظرين في هذه المسألة لم يوفقوا إلى الصّواب، فإنّ الانتصار العالماني لِلعِلم لم يكن رداً على أخطاء مُحدَّدة في فهم الأسرار الماديّة للكون، كما أن العالمانيّة لم تعرّف نفسها يوماً بالرّاجح من النظريّات العلميّة في مسائل عالم الطبيعة. إن العالمانية قد انطلقت من مبدأ بعيد جداً عن النزاع حول صدق النظريات العلمية التي تبنتها الكنيسة. وقد يُقال إِنَّ صراعَ الكنيسة مع العلم وإِنْ لم يكن هو السَّبب الرئيس لنشوء العالمانية في أوروبا، إلا أنه ساهم في تقوية شوْكَة العالمانية والتّمكين لها في زمن التّأصيل، فهو بذلك أحد أسبابها وإن لم يكن أهمّها. وهذه الدّعوى هي أيضاً بعيدة؛ لأنّ صراع الكنيسة مع العلم لم يكن بالحِدَّة المدّعاة. ثم إنَّ أَشْهَرَ الأسماء العِلْميّة في أوروبا، زمن نشأة العالمانية أو ظهور إرهاصاتها، كانت نصرانيّة، وعلى رأسها ديكارت، وجاليليو، وكذلك نيوتن الذي مثل ذروة العبقرية العلميّة في تلك المدّة. كما أن دعوى تصادم الكنيسة والعلم لم تكن رائجةً خارج طائفة ضيِّقَة جداً من الكُتَّابِ، ولا يُعْرَفُ لها حضور عند أهم فلاسفة عصر الأنوار حتى القرن التاسع عشر.

ومما يَقْطعُ بما نحن بِصَدد إثباتِه أنّ الإلحاد قد ظلّ هامشياً في الغرب حتى نهاية القرن التاسع عشر. فكيف يكون صراع العلم مع الدّين سبباً لانتصار الناس للعالمانية دون أنْ يَنصرَ ذلك الإلحاد؟!

فقد بقي الدين على الرغم من صعود العالمانية وتمكنها من الواقع. وإذن، فصعود العالمانية لم يقترن بنهاية النصرانية أو الإيمان بالله في تاريخ الغرب.

إن قولنا إن العالمانية كاصطلاح مُشْتَقة من العالم لا من العلم لا يُؤدّي لُزُوماً إلى القول إِنَّ العلاقة بين العالمانية والعلم مُنْفصِمة؛ إذ إِنَّ جوهر العالمانية هو الانصراف إلى العالم كُليّاً أو جزئيّاً، وهذه النّزْعَة الماديّة لا بُد أن تُؤديَ إلى الانغماس في هذا العالم، مادَّة وقوانينَ حاكمة لها.

 

وَصَلْنا الآن إلى غاية ما نريد من سَّبْر حال العالمانية لغة ودلالة. وهي أنْ ندرك لبّ هذا المصطلح والذي يكون به، وبدونه لا يكون. والمرجوّ أن نَصِلَ إلى ضبط تعريف مُحْكم نَخرج به من اضطراب المكتبة العربيّة التي قدَّمَتْ تعريفاتٍ اصطلاحيّةً لا يَفِي جُلّها ببيان النَّوَاة الصّلْبة لَهُ.

اهتم الكتّابُ العربُ على تعدد مشاربهم وتوجهاتهم بالبحث عن تعريفٍ علمي مُنْضَبِط للعالمانيّة. وقد جاءت تعريفاتهم بألوان مختلفة وحدود متفاوتة. وقد ظلّلَ الكثير منها مساحات واسعةً من ماهيَّة المصطلح. غير أن في مُجَمَل هذه التّعريفات قصوراً عن الطّابع الجامع المانع المراد.

وجوهر الإشكال في تعريف العالمانيّة في العالم العربي يعود إلى عددٍ من الأمور منها:

 المنحى التَّبْسِيطي الذي يتجاهل تَعدَّدَ أنماط العالمانيّة ومجالاتها، ليصيغها في قالّب تعريفي واحِدٍ وجامد وكلي وأحادي؛

التّعرِيف السَّلْبِيُ للعالمانيّة بِسَلْبها الخاصيّة الموضوعيّة الذاتيّةَ واعتبارها مُجرد غياب للدَّين عن مجالات الحياة أو بعضها. ولذلك شاع القول بتعريب العالمانية على أنّها "اللادينية"؛

 عَدَمُ التَّمييز بين معاني كلمة "دين" مُقابلاً للعالمانية،‏ بما يُفسِدُ النَظرَ عند الحديث عن العالمانيّة ضمن الفضاء الروحيّ النصراني في مقابل العالمانية ضمن الفضاء الإسلاميّ؛

تعريفُ العالمانيّة في كُليّتها بتعريف العالمانيّة الشَّاملة، على الرغم من أن العالمانيّة الشَّاملة أقل حُضوراً في جميع أنماط العالمانيّات في وَجَهَيْها النّظريّ والتّطبيقيّ.

 

بَدَا مِنْ كتابات هوليوك، أن مصطلح العالمانية متصِل اتَصالاً وطيداً برفض الوصاية المتجاوزة [للعالم] على المفاهيم المؤسسة لمعرفة الإنسان وحركته ضمن سعيه إلى "الحقيقة" و"المنفعة".

إِنْ أفكار الإنسان وعَمَلهُ في الدائرة الصغرى (السياسة)، أو الكبرى (الحياة بمعناها الأوسع)، يجب أن تنطَلِق من حقيقة حق وصاية الإنسان على نفسه. وهي تَزعمُ أنّ جَوهَرَها دعوة للإنسان أن يعود إلى نفسه وأَلّا يَغْتَربَ عنها بالخُضُوع لما وراء الكونِ.

لهوليوك عبارات صريحة ومُحْكمة في بيان هذا التصوُّر المبدئي الذي يُشْكلُ الماهيّة الثابتَةَ للعالمانيّة. فقد قَرَّرَ أن العالمانيّة هي دراسة سبل تحقيق الرّفاهة البشريّة فحسب باستعمال الوسائل الماديّة، وأنّها مرتبطة بحاضر الإنسان، وتَعْمَلُ ضِمْنَ أدَوات من الممكن اختبارها مادياً في هذه الحياة. وتُشجع العالمانيّة، ‏ كما يقول، الإنسانَ على ألا يثق إِلّا في العقل وألا يَثِقَ في ما لا يَدْعَمهُ العَقْل.

إن جَوْهَرَ العالمانيّة يتمثّل في النقاط الآتية:

 

التعريف المختار للعالمانية

بعد معرفتنا بجوهر العالمانية وتعدد أشكالها، نعرفها بأنها:

مَبْدَأ يقومُ على إِنْكار مَرْجِعِيّة الدَيْن أو سُلْطانِه في تنظيم شُؤُون الناس، بعضها أو كُلّها، انطِلاقاً مِنْ مَرْجعِيَّة الإنسان لإدراك الحقيقة والمنفعَة الكامنتين في هذا العالم.

فهي مبدأ؛ لأنها أَصْل تَنْبثقُ منه الأفكار، وليسَتْ من فروع الاجتهادات. أما إنكارها لسُلطان الدَين فليس راجعاً إلى الرغبَة المصلحيّة المجرّدة ولا إلى اعتبارات ظرفيّة، وإنّما إلى عدم الإقرار بِحَق الديْن في التَّدَخل في شُؤُون الخلق.

فقد يُقرُّ للإله بالسّلطان في السَّماء، لكنّ الأمْرَ على الأرض يعود إلى الإنسان وَحْدَهُ لإدراك الحقيقة والمنفعة الكامنتين في هذا العالم.

 

انتهى مختصر الفصل الأول بحمد الله

الرجاء مشاركة العمل مساهمةً في انتشارِه كعلمٍ يُنتَفَعُ به

السلام عليكم

شعبان 1442 هـ.