ملاحظات عن قول في سقوط الخصومة

:

هذه ملاحظات من عشرين صحيفة كنت كتبتها بمناسبة تفنيد مذهب غريب في سقوط الخصومة وقفت عليه في موقع على الشبكة العنكبوتية.

وهذه مقدمتها:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

كنت أقلبُ اليومَ صفحاتِ مواقعَ على الشبكة العنكبوتية حتى استوقفني قولٌ في سقوطِ الخصومةِ القضائية "تعليقاً" على حكمٍ للمحكمة العليا الليبية مذيلٌ باسمِ مستشار بها. وأنا لا أجزم حقيقةً إن كان الكلامُ كلامَه أو أنه منسوبٌ إليه. فما يكشفُ عنه من براءةِ صاحبه من الإلمامِ بما يصحُّ لي أن أنعتَه بالمعلومِ في القانون بالضرورة يجعلني أتعفَّفُ عن إلحاقِه بـرجلِ قانونٍ فضلاً عن أن يكون بذلك المقام.

وليكنْ من كان صاحبُه. فما اسمُه ولا صفتُه بموضوعي، بل ألقيتُه التي اقترنت بها كثيرٌ من المصادماتِ لقطعياتٍ في القانون. وأحسنُ الظنِّ أنها لم تكن وليدةَ قراءةٍ متأنية، ما حجب عن كاتبها الفهمَ السَّويَّ للمقروء ودفعَ بإصبعِه ليسبقَ إلى لوحةِ المفاتيح تفكيرَه، فوقع منه ما وقع من الفسادِ الشديد في القول في موضوعةٍ بلغت بنصوصٍ القانونِ وأحكامِ القضاء في الوضوحِ أتمَّه.

قلتُ في نفسي: ظهورُ فسادِه يغني عن إفساده، وإذن فالإعراض عنه والإهمال والتجاهل. وغالباً ما هذا هو الموقفُ من مثله على الشبكة التي أتاحت للعامّة والخاصّة، على السواء، أن يتكلموا فيما يعلمون وفيما لا يعلمون. فمن يكتب أكثر هو "الأشهَر"! بيد أنِّي وجدتني مسوقاً إلى تسجيلِ ملاحظاتي على القول ومقارعتهِ بالحجة بغيةَ التصويب والتنبيه، وحتى لا يهونَ على القائل فيسترسلَ ويسهلَ عليه تكرارُه.

ولقد ارتأيت أن يقفَ القارئُ الكريمُ على التعليق قبلَ مطالعة المآخذ؛ لظني أن في عرضه بمجردِه ردَّه وتفنيدَه، فيدرأ القارئُ بذلك عناءَ المواصلة إلى ما كتبتُ إلى منتهاه. فأنا في بابِ توضيحِ واضحاتٍ واجترارِ معلوماتٍ مألوفات. وهذا سيضطرني إلى إطنابٍ وتكرارٍ قد يبعثان قدراً من السأم والملل. أدرك صعوبةَ المهمةِ، لا لدقة موضوعتها، بل لفرطِ بداهتِها وفيضِها عن الحاجةِ أصالةً.  ومع ذلك، سأبذل قصارى جهدي لئلا أُثقل. وأطمئن القارئَ أنِّي أضمن له إن هو واصل الملاحظةَ إلى مداها، أنْ سيجدُ فيها بسطةً من العلم والفوائد المتَّصلة. ولعلها تكون دليلاً لمن أراد الاستزادةَ والتوسع. فاللهَ أسألُ التوفيقَ والسداد. وما توفيقي إلا باللهِ العظيم.

:

المقدمة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

كنت أقلبُ اليومَ صفحاتِ مواقعَ على الشبكة العنكبوتية حتى استوقفني قولٌ في سقوطِ الخصومةِ القضائية "تعليقاً" على حكمٍ للمحكمة العليا الليبية مذيلٌ باسمِ مستشار بها. وأنا لا أجزم حقيقةً إن كان الكلامُ كلامَه أو أنه منسوبٌ إليه. فما يكشفُ عنه من براءةِ صاحبه من الإلمامِ بما يصحُّ لي أن أنعتَه بالمعلومِ في القانون بالضرورة يجعلني أتعفَّفُ عن إلحاقِه بـرجلِ قانونٍ فضلاً عن أن يكون بذلك المقام.

وليكنْ من كان صاحبُه. فما اسمُه ولا صفتُه بموضوعي، بل ألقيتُه التي اقترنت بها كثيرٌ من المصادماتِ لقطعياتٍ في القانون. وأحسنُ الظنِّ أنها لم تكن وليدةَ قراءةٍ متأنية، ما حجب عن كاتبها الفهمَ السَّويَّ للمقروء ودفعَ بإصبعِه ليسبقَ إلى لوحةِ المفاتيح تفكيرَه، فوقع منه ما وقع من الفسادِ الشديد في القول في موضوعةٍ بلغت بنصوصٍ القانونِ وأحكامِ القضاء في الوضوحِ أتمَّه.

قلتُ في نفسي: ظهورُ فسادِه يغني عن إفساده، وإذن فالإعراض عنه والإهمال والتجاهل. وغالباً ما هذا هو الموقفُ من مثله على الشبكة التي أتاحت للعامّة والخاصّة، على السواء، أن يتكلموا فيما يعلمون وفيما لا يعلمون. فمن يكتب أكثر هو "الأشهَر"! بيد أنِّي وجدتني مسوقاً إلى تسجيلِ ملاحظاتي على القول ومقارعتهِ بالحجة بغيةَ التصويب والتنبيه، وحتى لا يهونَ على القائل فيسترسلَ ويسهلَ عليه تكرارُه.

ولقد ارتأيت أن يقفَ القارئُ الكريمُ على التعليق قبلَ مطالعة المآخذ؛ لظني أن في عرضه بمجردِه ردَّه وتفنيدَه، فيدرأ القارئُ بذلك عناءَ المواصلة إلى ما كتبتُ إلى منتهاه. فأنا في بابِ توضيحِ واضحاتٍ واجترارِ معلوماتٍ مألوفات. وهذا سيضطرني إلى إطنابٍ وتكرارٍ قد يبعثان قدراً من السأم والملل. أدرك صعوبةَ المهمةِ، لا لدقة موضوعتها، بل لفرطِ بداهتِها وفيضِها عن الحاجةِ أصالةً.  ومع ذلك، سأبذل قصارى جهدي لئلا أُثقل. وأطمئن القارئَ أنِّي أضمن له إن هو واصل الملاحظةَ إلى مداها، أنْ سيجدُ فيها بسطةً من العلم والفوائد المتَّصلة. ولعلها تكون دليلاً لمن أراد الاستزادةَ والتوسع. فاللهَ أسألُ التوفيقَ والسداد. وما توفيقي إلا باللهِ العظيم.

 

المطلب الأول: نصُّ التعليق

للتيسير، سأصنف نصَّ التعليقِ موضوع الملاحظة إلى ثلاثة أجزاء: مقدمته؛ الإشكال الذي تبادر إلى ذهن صاحبه في المسألة؛ ثم أختمُ بتوضيحٍ لما يعنيه ولمؤدياته. وسألصقُ في كلِّ جزءٍ ما كتبه فيه حرفياً، بعيوبه الإملائيةِ والترقيميةِ الكثيرةِ. فليعذرني القارئُ الكريمُ عن تكاسلي عن تصحيحه لغوياً.

أولاً: مقدمته

عُنوِن التعليق بـ"قانون المرافعات والطلاسم الإجرائية"، وابتدأ بتساؤل:

"أما آن الأوان للتخفيف من حدة البطلان بإصلاح نظام التقاضي وتيسير إجراءاته وتبسيطها".

يوردُ كاتبه بعد ذلك منعاه على القانون فيقول:

"ويلاحظ ان قانون المرافعات بصفة عامة يطلب الاخطار والابلاغ والاعلان حتى لايتم الاجراء دون علم الخصم او في غيابه ويتشدد في هذا الاجراء وهذا الأمر لا عيب فيه ولكن ما يثير الإستغراب هو انه في بعض المسائل لايتطلب الاخطار ويرتب جزاء مؤلما قد لايكون لصاحبه فيه دور ونورد الى ذلك أمثلة :"

المثالُ الثاني هو ما يعنينا. وهذا نصُّه:

"إثارة الدعوى من جديد خلال مدة سنة من تاريخ صدور الحكم من المحكمة العليا:

نصت المادة ( 255) من قانون المرافعات على (( لكل ذي مصلحة من الخصوم في حالة عدم السير في الدعوى بفعل المدعي أو امتناعه أن يطلب الحكم بسقوط الخصومة متى انقضت سنة من آخر إجراء صحيح من إجراءات التقاضي. )) وقد قالت المحكمة العليا في احد مبادئها :: (( اذا كان حكم النقض قد صدر لمصلحة المستأنف فى الحكم المنقوض فيجب عليه اذا ما اراد متابعة السير فى الخصومة أمام محكمة الاحالة ان يعجلها خلال سنة من صدور حكم النقض فاذا اهمل القيام بهذا الاجراء كان لكل صاحب مصلحة التمسك بسقوط الخصومة عملا بالمادة 255 مرافعات , وتبدأ مدة السنة فى هذه الحالة من تاريخ صدور حكم النقض باعتبار انه اخر اجراء صحيح فى الدعوى وكان الحكم المطعون فيه قد التزم هذا النظر وقضى بسقوط الخصومة استنادا الى ان حكم النقض قد صدر لمصلحة المستأنفين فى الحكم المنقوض بتاريخ 21-06-82م , ولم يقوموا بتعجيل الدعوى خلال سنة من صدور حكم النقض فان الحكم لا يكون قد اخطأ فى تطبيق القانون )) طعن رقم 22/34ق بتاريخ 25/11/1988م ".

لم يكمل المعلِّق المبدأَ إلى آخره. وها أنا أفعل من أجل الإحاطةِ بفحواه:

"... ولا يؤثر في ذلك خطأ الحكم في ذكر مَن حرك الدعوى، المستأنفون أو المستأنف عليه، ذلك أن كلاً منهما يملك تحريكها، والمطعونُ ضده باعتباره مستأنَفاً عليه له مصلحة في تحريك الدعوى والتمسكُ بسقوط الخصومة. وإذ قام بذلك، فلا تثريب على المحكمة إن استجابت له. وسقوط الخصومة يحول قانوناً بين المحكمة ونظر موضوع الدعوى بما فيه الدفع بزوال صفة المستأنف عليه باعتباره مالكاً للأرض. ومن ثم، فإن المحكمة إذ رفضت دفع الطاعنين وقضت بسقوط الخصومة، لا تكون قد أخطأت في تطبيق القانون أو شاب قضاءَها فسادٌ في الاستدلال."

ثانياً: الإشكال وفقاً له

يقول في هذا:

"إشكاليات هذا النص ترتب عليها ضياع الكثير من الاحكام والحقوق المرتبة عليها ، وصورتها ان يصدر حكم لصالح زيد ضد عمرو بالزامه بدفع مبلغ من المال، فيقوم عمرو بالطعن في الحكم بالنقض فيصدر حكم من محكمة النقض بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع بنقض الحكم واعادته الى المحكمة مصدرته لعيوب في الحكم قد يترتب عليها رفض الدعوى ، فاذا صدر الحكم يوم 1/1/2018 فإنه يجب على عمرو ان يقوم بتعجيل نظر الدعوى أي اثارتها بموجب صحيفة اثارة قبل يوم 1/1/2019 فإذا فات هذا الموعد دون ان يقوم بذلك سقطت الخصومة التي أقامها امام المحكمة العليا وانتهى مفعول الحكم الصادر منها وعادت القوة الى الحكم المنقوض فيقوم زيد بتنفيذ الحكم المنقوض  [التشديد مُضاف]."

يواصل متسائلاً:

"اليس في ذلك تناقض واهدار لحكم صادر من اعلى محكمة واحتمال ضياع حق قررته المحكمة العليا .. وتلاحظ من هذه التناقضات ان قانون ا لمرافعات في اغلب قواعده يوجب على صاحب المصلحة ان يعلم الطرف الاخر رغم انه في المراحل الأولى يكون الخصم قريبا من المحكمة ثم ان الاحكام تصدر في زمن قريب نسبيا .. .. مع ملاحظة ان المحكمة العليا تكاد ان تكون محكمة أوراق الحضور امامها ليس وجوبيا والاعلان في الغالب شكلي .. وان الفصل في القضايا امامها قد يأخذ وقتا طويلا تصعب على الخصم فيه المتابعة.

أليس من الاصلح والأفضل لتحقيق العدالة ان يعود الحكم المنقوض على المحكمة مصدرته ويتولى قلم الكتاب عرضها على رئيس المحكمة لإدراجها في الجدول وتحديد جلسة لها يتولى قلم الكتاب فيها اعلان الخصوم احتراما لحكم المحكمة العليا ؟؟"

يحيي صاحبُ التعليق القارئَ بعد ذلك: "الى اللقاء في نقاش إشكالية أخرى"، ثم يختم بإفشاء الهويَّة.

ثالثاً: مؤديات القول

من المفيد ههنا استعارةُ الدعوى الافتراضية التي رسم المعلِّقُ أركانَها توضيحاً للإشكال العالق في ذهنه. ومنعاً لنشوء أيِّ لبس، سأعيد التصويرَ بما يتلاءم وموضوعَ مبدأ المحكمة العليا وإجراءات التقاضي أمام القضاء المدني، وهو التصوير الذي سننسج خيوطَ الملاحظات عليه:

أقام زيدٌ دعوى أمام المحكمةِ الابتدائية بإلزام عمرٍو بدفع مبلغٍ من النقود، فأجابته المحكمةُ إلى طلبه. لم يرتض عمرٌو الحكمَ، فطعن عليه بالاستئناف. لكن محكمةَ الاستئناف أيّدت الحكمَ الابتدائي. طعن عمرٌو في حكم محكمة الاستئناف بالنقض أمام المحكمة العليا. صدر حكمُ المحكمة العليا لصالح عمرٍو بنقض الحكم الاستئنافي وبإعادةِ الدعوى إلى محكمة الاستئناف لنظر استئنافه من جديد من هيئةٍ غيرِ التي أصدرت الحكمَ المنقوض.

على المستأنف (عَمرٍو) إن أراد إعادة نظر استئنافه للحكم الابتدائي الصادر ضده أن يحرك الدعوى أمام محكمة الاستئناف لتعيد نظر استئنافه من جديد. إذا لم يفعل ذلك خلال سنةٍ من تاريخ حكم النقض، سقطت الخصومة.

والظاهرُ أن المعلِّقَ يتجهُ إلى الرأي بسقوط الخصومة في هذه الحالة تلقائياً دون الحاجة إلى أي إجراء. لكن مَهلاً! أيَّ خصومةٍ يعني؟ إنه يقول: إنها الخصومةُ التي كان عمرٌو قد أقامها أمام المحكمة العليا. ليس هذا فحسب. فبحسبه، بسقوط هذه الخصومة، يسقطُ بحكم اللزوم التبعي حكمُ المحكمة العليا فيها، وتزول حجيتُه، ويفقدُ قوتَه التنفيذية. لا بل إنه، وفوق هذا كلِّه، يضيفُ بأن حكمَ محكمة الاستئناف المنقوض يعودُ حياً واجبَ النفاذ.

نعم، هذا تماماً ما يقول به ويعبِّرُ عنه بكلِّ صراحةٍ: يزولُ وجودُ حكمِ المحكمةِ العليا، ويعودُ الحكمُ المنقوضُ حياً!

 

المطلب الثاني: تفنيد القول وردُّه إلى الصواب

لهذا الكلامِ حمولةٌ ثقيلةٌ جداً، ولكنها باطلةٌ حتى إنه لا يحتاج تفكيكاً لكشف تهافته. ومع هذا، سنتجاوز حالته هذه، ونختبره بالمعلوم من الأحكام العامة لنرى ما إذا كان يملك أدنى شروطِ الصحةِ ليصمدَ أمامَها.

لقد أرسل كاتبُ التعليق الأحكامَ العظامَ ولم يتعدَّها إلى شرحٍ وافٍ أو إجمالٍ مفيد، وألقاها أمام القارئِ وتركَه دون أن ينافحَ عنها أو يستعرضَ مبناها.

إن الإشكالَ الأكبرَ والأهمَّ والذي جلب عليه حيرتَه الشديدةَ وزاغَ به عن الصواب يكمن في فهمه عبارةَ "سقوط الخصومة" الواردةَ في نص المبدأ. فقد شَكَلَ عليه أمرُها فظنَّ أنها تعني سقوطَ الخصومة أمامَ المحكمةِ العليا. وإني لأتساءلُ حقاً، من أين أتى بهذه الإضافةِ إلى المحكمة العليا، أعني إضافةَ السقوط إلى خصومةٍ أمامها؟ وكيف استقام له هذا في الذهن؟! فلا المفرداتُ التي استعملتها المحكمةُ، ولا العباراتُ التي صاغت فيها مبدأَها تحتمل هذا الاستنتاج. ثم إن العجبَ فيه أن القواعدَ العامة في سقوط الخصومة، وكذلك أبتثيات الاختصاص وحجية الأحكام، ترفضه بكليته.

والذي يبدو هو أن الفسادَ الذي شان الفهمَ للنص وليدُ ثلاثِ مناقصَ مجتمعة: قصور لغوي شديد في قراءة مفردات نص الحكم وجمله؛ قصور في فهم فحواها في سياقها؛ وضعف درايةٍ بالأحكام العامة في سقوط الخصومة المقررة في قانون المرافعات. وفي حديثنا التالي بيانُ الاثنتين الأوليين تباعاً، فيما سنؤجل عرضَ الثالثة إلى قسمٍ منفصل من هذه الملاحظة.

أولاً: القصور في فهم ألفاظ نصِّ الحكم وجملِه

ليس في نص الحكم أيُّ كلمة أو عبارة تفصح بلفظها عن أن الخصومةَ المقصودةَ بالسقوط هي خصومةٌ أمام المحكمة العليا فضلاً عن أن تشير إلى زوال حكم هذه المحكمة بهذا السقوط. لقد جاء الحكم مُبيْناً، عارياً من التعقيد في تراكيبه، مصوغاً في جمل قصيرة بسيطة المبنى معلومة المعنى، قلَّ فيها أو انعدم ضمير الغائب والضمير المستتر أو المجاز، خالصاً مما يثير اللبس أو الغموض أو يفوت على القارئ دقة الفهم أو يسمح بتعدد الأفهام. فكان بما حَسُنَ به من هذه البلاغة واضح الدلالة على المراد.

ورد في النص أنه: "إذا كان حكمُ النقض قد صدر لمصلحة المستأنف في الحكم المنقوض، فيجب عليه، إذا ما أراد متابعة السير في الخصومة أمام محكمة الإحالة [التشديد مُضاف]، أن يعجلَها خلال سنة من صدور حكم النقض". وهذا صريحٌ في بيان أن الخصومةَ المعنيةَ هي الخصومةُ أمام محكمة الموضوع لا العليا. فمن المعلوم أن اسم "محكمة الإحالة" اصطلاح شائع الاستعمال في قضاء المحكمة العليا ومحكمة النقض المصرية لنعت المحكمة المطعون في حكمها بالنقض، أي محكمة الاستئناف في قضيتنا.

تضع المحكمةُ العليا مبدأً في صدر كلامها مِلاكُه تعليقُ السير في الخصومة أمام محكمة الاستئناف على إرادةِ صاحبِ المصلحة، والذي هو، في الدعوى موضوعِ الطعنِ، المستأنفُ. فإذا لم يفعل خلال ميعاد السنة، حُقَّ لخصمه التحدي بسقوط الخصومة القائمة بينهما أمام محكمة الاستئناف نفسها. وعلى هذا، فالمحكمةُ لا تشير على الإطلاق إلى خصومة أمام المحكمة العليا، وليس في الحكم ما يمكن حملُه على أنها تعنيها. ثم إنها تصرّح بأن الحكمَ المنقوضَ هو حكم محكمة الاستئناف القاضي بسقوط الخصومة والذي أسست فيه قضاءَها على عدم تحريك صاحبِ المصلحة للدعوى أمامها بعد نقضِ الحكم في موضوع الاستئناف الأصلي. وإذن، فمحورُ حكمِ المحكمة العليا هو الخصومةُ المنظورةُ إمامَ محكمة الاستئناف لا أمامَها.

وأما القولُ بزوالِ حكم المحكمة العليا وببعثِ الحكمِ المنقوض من جديد، فليس في نص المبدأ مفردةٌ أو عبارةٌ تصلح أساساً له. كلُّ ما في الأمر، أن مقدمة التعليق بسقوط الخصومة أمام المحكمة العليا هي ما ساقت كاتبَه لزوماً إلى هذه النتيجة سوقاً.

وجملةُ القول هي أن المذهب بأن عدم تحريك "عمرٍو" الخصومةَ أمام محكمة الاستئناف، يُسقِط الخصومةَ أمام المحكمة العليا، هو بلا ريب مذهبٌ منقطعُ الصلة اللغوية تماماً بألفاِظ المبدأ وعباراته، فتنقطع بالتالي صلةُ ما رتبه عنه أيضاً.

ثانياً: القصور في فهم فحوى الحكم

وإذا كانت ألفاظُ النصِّ وعباراتُه لا تسعف في حمل نتيجة التعليق، فلنركن إلى فحوى الحكم ودلالات عباراته في سياقها، أيستقيمُ معها معنى ما يقول؟

الحقُّ أن التعليق يقصرُ أيضاً عن أن يجد له أساساً يقيمه في مداليلِ مفرداتِ الحكمِ وتراكيبِه.  فليس فيه لفظٌ أو عبارةٌ تشيرُ في فحواها إلى خصومةٍ أمام المحكمة العليا. ولا غرابة في هذا، فالمبدأُ لا يتعلق بخصومةٍ قائمة أمامها أصلاً، فما هذا بموضوعه، ولا ينبغي أن يكون، بل بخصومةٍ قائمةٍ أمام محكمة الموضوع. وهكذا، فعندما يتحدث عن سقوط الخصومة، يعني بكلِّ وضوحٍ الخصومةَ أمام محكمة الاستئناف، خاصةً أن كلَّ ما رتبه على قضاء محكمة الاستئناف بسقوط الخصومة هو امتناعُ إعادةِ نظرِ موضوع الدعوى أمامها. ويبيِّنُ الحكمُ مؤدى هذا بالقول: "وسقوطُ الخصومةِ يحول قانوناً بين المحكمةِ ونظرِ موضوع الدعوى بما فيه الدفعُ بزوال صفة المستأنَف عليه باعتباره مالكاً للأرض." ويعني به أن حكمَ محكمة الاستئناف بسقوط الخصومة يستتبع أن الخصومةَ التي يسعى صاحبُ المصلحة إلى الفصل في موضوعها لم تعدْ موجودةً قانوناً أمام هذه المحكمة، فلا يحلُّ لها من بعدُ نظرُ موضوعها.

ولا يمكن بأيِّ حالٍ صرفُ السقوط إلى خصومةٍ أمام المحكمة العليا. ففضلاً عن هذا الوضوح لدلالات العبارات، فإن هذا ممتع أصالةً لأسبابٍ أخرى سيأتي بيانُها في الجزء التالي من الملاحظة. على أنني أعجل هنا بإجمالٍ لها:

"إن المستفاد من نصي المادتين 255 و257 من قانون المرافعات أن طلب السقوط يتعين أن ينصب على إجراءات الخصومة المراد إسقاطُها، كما أنه حقٌّ مكتسَبٌ لكلِّ ذي مصلحة من الخصوم في حالة عدم السير في الدعوى بفعل المدعي أو امتناعه إذا انقضت سنةٌ على آخر إجراء صحيح اتُّخذ فيها، فيقدِّم صاحبُ المصلحة الطلبَ بالأوضاع المعتادة لرفع الدعوى إلى المحكمة المقامة أمامها الخصومةُ المراد إسقاطها، ولو كانت محكمة الاستئناف. ولا يجوز تقديمه إلى محكمة أخرى وإلا قضت بعدم اختصاصها [التشديد مُضاف]. ويترتب على ذلك أن طلب الحكم بسقوط الخصومة هو دعوى فرعية باعتبار أنه متفرع عن تلك الدعوى، فيكون غيرَ منفصلٍ عنها، ولا يعتبر دعوى أصلية مستقلة بذاتها." (الطعن المدني: 88/35ق)؛

 

المطلب الثالث: مبادئ في سقوط الخصومة أمام محكمة الاستئناف

نظَّم قانونُ المرافعات الليبي القواعدَ العامة التي تحكمُ سقوطَ الخصومة في المواد من 255 إلى 261. والقراءةُ المتأنيَّةُ لنصوصها تكشف عن وضوحِها وتحديدِها، على الأقل بالنسبة لما يتعلق منها بمحور موضوعتنا، وهو مفهومُ سقوط الخصومة وتبعاتُ القضاء به. أضف إلى هذا أن للمحكمة العليا الليبية ولمحكمة النقض المصرية رصيداً مجزئاً من المبادئ القانونية المرساة في هذا الشأن بما يعين على تَوضُّح الصورة أكثر.

لا يسفر التعليق عن ضعفِ إلمامٍ بالأحكام الأساسية في سقوط الخصومة فحسب، بل وعلى قصورٍ في فهمِ القيمةِ القانونيةِ لقضاء المحكمة العليا أيضاً. يدفعني هذا إلى الاستهلالِ بعرضٍ قصيرٍ لآثارِ القضاءِ بالنقض، لأنتقلَ بعد ذلك إلى عرضِ أحكامٍ عامةٍ في سقوط الخصومة أمام محكمة الاستئناف. وهذان موضوعان، على اتساعهما، يتقبلان التلخيصَ في هذه الملاحظة إلى الحِّد الكافي لكشفِ بطلان فحوى التعليق. والله الموفق.

أولاً: آثار قضاء المحكمة العليا بالنقض

بيّن هذه الآثارَ نصُّ المادة 360(1) من قانون المرافعات الليبي بالنص على أنه: "يترتب على نقضِ الحكمِ إلغاءُ جميعِ الأحكامِ والأعمالِ اللاحقةِ للحكم المنقوض متى كان ذلك الحكمُ أساساً لها." وهو نصٌ شبهُ مطابقٍ لنصِّ المادة 271(1) من قانون المرافعات المصري، الذي جاء فيه: "يترتب على نقض الحكم إلغاء جميع الأحكام، أياً كانت الجهة التي أصدرتها، والأعمال اللاحقة للحكم المنقوض متى كان ذلك الحكم أساساً لها." ولهذا، فلنا أن نستعين بقضاء محكمة النقض المصرية في فهم المدلول وبيان الآثار.

إن آثارَ قضاء المحكمة العليا بنقض الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف مؤسسةٌ على مبدأ أنها قمةُ السلطةِ القضائية في سُلّمِ ترتيبِ المحاكم، وعلى أن مرحلةَ النقض هي خاتمةُ المطافِ في مراحل التقاضي، وأن أحكامَها ممتنعةُ التعييبِ من أيِّ وجهٍ، ومن ثم فهي باتةٌ لا سبيلَ إلى الطعن فيها، واجبةُ الاحترامِ فيما خَلُصَت إليه، أخطأتْ أَمْ أصابت.

يعرض الأستاذُ المستشارُ بمحكمة النقض، محمد وليد الجارحي، في كتابه: (النقض المدني: تأصيلُ وتطبيقُ نظامِ الطعنِ بالنقضِ في الأحكام المدنية والتجارية ومسائل الأحوال الشخصية)، آثارَ القضاء بالنقض بشكلٍ مجمل. نلخِّصُها هنا ونزيدُها تفصيلاً وإسناداً بأحكامٍ للمحكمتين، العليا والنقض.

1.       زوالُ الحكم المطعون فيه، واعتبارُه كأنْ لم يكن

بنقض الحكمِ نقضاً كلياً يصير كأنه لم يكن، فيزول وجودُه القانوني، وتزول جميعُ الآثار المترتبة عليه، ويسقط ما أمرَ به أو رتبه من حقوق. فقد أهدر الحكمُ الناقضُ حجيتَه، فلا يعود قابلاً للتنفيذ ولا صالحاً لتأسيس حكمٍ آخرَ عليه، وتعود الخصومةُ، ويعود الخصومُ إلى ما كانت وكانوا عليه قبل صدور الحكم المنقوض. على أن هذا الأثرَ يقتصر على الحكم المنقوض، ولا يمتد إلى الحكم الابتدائي أو الجزئي ولو كان قد تأييد بالاستئنافي المنقوض. فما أيٌّ من ذينك الحكمين (الجزئي والابتدائي) بموضوعٍ للطعن أمام المحكمة العليا، وإنما هو حكم محكمة الاستئناف.

ولما كان تعبيرُ نقضِ الحكم، بهذا اللفظ المطلق، قاطعاً في الدلالة على زوال الحكم المنقوض بجملته وعلى انتهاء نفاذه، لم يجد المشرعُ في المادة 360(1) من قانون المرافعات حاجة للإفصاح عن ذلك بلفظ مستقل، فاكتفى بالنص على أن "يترتب على نقض الحكم إلغاءُ جميع الأحكام والأعمال اللاحقة للحكم المنقوض متى كان ذلك الحكمُ أساساً لها." ولا شك في أن إلغاءَ الأحكام والأعمال اللاحقة في هذه الحالة ما كان ليكونَ إلا لزوال أساسِها الذي هو الحكمُ المنقوض. يؤيد هذا ما نصت عليه الفقرةُ الثانية من أن النقضَ الجزئي للحكم المطعون فيه لا يؤثر في نفاذ أجزائه الأخرى، ما يعني، بمفهوم المخالفة، زوال هذه الخاصية (النفاذ) عن الأجزاء المنقوضة. وقد قضت المحكمة العليا في الطعن المدني: 48/45ق بأن نقض الحكم المطعون فيه يترتب عليه إلغاؤه. وتقضي محكمة النقض المصرية في الكثير من أحكامها بأن: "نقض الحكم الصادر من محكمة الاستئناف يزيل هذا الحكم،" وأن "نقضَ الحكم لا ينشئُ خصومةً جديدةً بل هو يزيل الحكمَ المنقوض"، وأن "نقضَ الحكم المطعون فيه نقضاً كلياً وإعادةَ القضية إلى المحكمة التي أصدرته يقتضي زوالَه ومحوَ حجيته" (نقض مصري: 18405/81ق؛ 6708/81ق؛ 14369/77ق؛ 12971/87ق؛ 4241/64ق).

2.       إلغاء الأحكام والأعمال اللاحقة للحكم المنقوض

للتوِّ أشرنا إلى أن أثر الحكم بالنقض لا يقتصر على نقض الحكم المطعون فيه، بل ينسحب على كلِّ الأحكام والأعمال اللاحقة له متى كان أساساً لها. وهذا طبيعي. فقد أهدرت المحكمةُ العليا حجيةَ الحكم المنقوض لعيب اقتضى ذلك، فزال وانعدم وجودُه القانوني، فلا يكون من المقبول تأسيسُ أيِّ عملٍ عليه، وذلك تطبيقاً لقاعدةِ بطلان المبنيِّ على الباطل. فإذا ما احتُجَّ بتلك الأحكامِ أو الأعمالِ أمام أيِّ محكمة، وجب عليها أن تهدرَ ما كان لها من قوةٍ قانونية. وإذا أُقيم طعنٌ لاحقٌ للحكم الناقض بطلب نقضِ أيٍّ من ذلك أو إلغائه، عُدَّ وارداً على غيرِ محل. إذ أن محلَّه كان قد زال بقوة القانون بمجرد نقضِ الحكمِ الذي تأسس عليه. وعليه، يكفي محكمةَ الطعنِ أن تشيرَ إلى الحكم الناقض لتقضيَ بحسبان الخصومة منتهية.

3.       إلغاء إجراءات وأعمال التنفيذ التي تمت بناءً على الحكم المنقوض

نقضُ الحكمِ يجرِّدُه من صلاحيته كسندٍ تنفيذي، وتُلغى كلُّ الإجراءات وأعمال التنفيذ التي تمت بناء عليه.  وتظل هذه الإجراءاتُ والأعمالُ ملغاة ولو عادت محكمةُ الإحالةِ وقضت بنفس ما قضى به ذلك الحكم.

4.       إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل صدور الحكم المنقوض

وهذا امتدادٌ للأثر السابق. فإذا استحال الحكمُ المنقوضُ معدوماً قانوناً، فمن الطبيعي أن يستعيدَ الخصومُ مراكزَهم القانونيةَ السابقةَ على صدوره، بحيث يعود الحال إلى ما كان عليه قبل إقامة الدعوى أمام محكمة الاستئناف. يظلُّ الحالُ كذلك ما لم يطرأ عليه تغييرٌ بحكمٍ آخرَ يصدرُ في الدعوى من هذه المحكمة. فكما تقول المحكمة العليا: يترتب على النقض أن "تعودَ الخصومةُ ويعودَ الخصومُ إلى ما كانوا عليه قبل إصدارِ الحكمِ المنقوض، كما يترتب عليه إلغاءُ الحكم المطعون فيه." (الطعن المدني: 48/45ق). فإذا ما حرك صاحبُ المصلحة الخصومةَ أمام محكمة الاستئناف، وجب عليها أن تنظرَها "وكأنها لم يصدر بها حكمٌ سابق" (الطعن المدني: 32/37ق). أما إذا قُضي بسقوط الخصومة، عادَ الخصومُ إلى مراكزِهم القانونيةِ التي كانوا عليها قبل نظرِ محكمة الاستئناف دعواهم. وفي وذلك أيضاً قضت محكمةُ النقض المصرية بأن "نقض الحكم كلياً يترتب عليه اعتبارُه كأن لم يكن، فيزول وتزول معه جميع الآثار المترتبة عليه، ويعود الخصوم إلى مراكزهم السابقة على صدوره"، وأن "نقض الحك المطعون فيه وإعادة القضية إلى المحكمة التي أصدرته يقتضي زواله ومحو حجيته، فتعود الخصومة والخصوم إلى ما كانت وكانوا عليه قبل إصدار الحكم المنقوض" (نقض مصري: 11654/79ق؛ 4392/81ق؛ 4909/84ق؛ 4241/64ق).

وإعادةُ الحالِ إلى ما كان عليه قبل صدورِ الحكم المنقوض لا يعني انقضاءَ الخصومة أمام محكمة الاستئناف؛ إذ أن نقض الحكم لا ينشئُ خصومةً جديدة، وإنما يزيل الحكمَ ويفتحُ طريقاً للعودة إلى محكمة الإحالة لمتابعة السير في الخصومة الأصلية بتعجيلها ممن يهمه الأمرُ من الخصوم، فتستأنف الدعوى سيرَها بتكليفٍ بالحضور يُعلَن بناء على طلبه إلى الطرف الآخر. ويجري عليها من تاريخ صدور حكمِ النقض أحكامُ سقوط الخصومة وانقضائها (نقض مصري: 15545/87ق؛ 7733/82ق؛ 12290/83ق؛ 5696/87ق؛ 16028/80ق؛ 12290/83ق؛ 47/84ق). ولهذا، فطلبُ الحكم بسقوط الخصومة، كما تقول المحكمة العليا: "هو دعوى فرعية، باعتبار أنه متفرعٌ عن تلك الدعوى [الأصلية] فيكون غيرَ منفصلٍ عنها، ولا يعتبر دعوى أصليًة مستقلةً بذاتها." (الطعن المدني: 88/35ق).

5.       ترتب كلِّ الآثار المتقدمة بقوة القانون

إن زوالَ الحجيةِ عن الحكمِ المنقوضِ واعتبارَه كأن لم يكن، وزوالَ آثاره، وإلغاءَ الأحكامِ والأعمالِ والإجراءاتِ اللاحقةِ المؤسَّسةِ عليه، وعودةَ الخصومِ والخصومةِ والحالِ عموماً إلى ما كان عليه قبل الحكم، يتحققُ كلُّه بقوةِ القانون. فلا حاجة إلى النصِّ على ذلك في الحكمِ الناقض، ولا إلى استصدارِ حكمٍ جديدٍ بنقضِ تلك الأحكامِ أو الأعمالِ أو الآثارِ عموماً، أو بإلغائها. أضف إليه أن حكمَ النقضِ يصلح بذاته سنداً تنفيذياً لإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التنفيذ الجبري (نقض مصري: 4909/84ق؛ 18528/84ق؛ 8450/79ق؛ 13124/85ق؛ 18528/84ق).

ثانياً: أحكامٌ عامةٌ في سقوط الخصومة أمام محكمة الاستئناف

قرر المشرعُ سقوطَ الخصومة جزاءً لمن يهمّه أمرُ الاستمرارِ فيها على تقصيره في موالاةِ السير في الدعوى، ولحثِّه على متابعةِ إجراءاتها حتى لا تتراكمَ الدعاوى أمام المحاكم. فمناطُ إعمالِ هذا الجزاء هو الإهمالُ أو التراخي أو الامتناعُ عن السير في الخصومة حين لا يحولُ دون السيرِ فيها حائلٌ (نقض مصري: 10664/87ق؛ 1732/81ق). وهذا موضوعٌ واسعٌ يجزئنا منه، في هذه المناسبة، أن نعرض منه في إيجازٍ إجراءاتِ سقوط الخصومة، ثم آثارَ الحكم بها.

1.    إجراءات سقوط الخصومة

نحدِّدُ هنا صفةَ الخصومةِ الجائزِ الحكمُ بسقوطها والمحكمةَ المختصةَ بذلك، ثم نبين الملزمَ بتحريك الدعوى في ميعاد السنة والذي ينبني عليه تحديدُ ذي الصفةِ في طلب الحكم بالسقوط.

أ‌.             موضوعُ الحكم بالسقوط، والمحكمةُ المختصة

عيّنت المحكمةُ العليا في الطعن المدني: 30/47ق الخصومةَ موضوعَ الحكمِ بالسقوط والمحكمةَ المختصةَ بهذا الحكم بقولها: "إن المادة 255 من قانون المرافعات قررت جزاءً للمدعي الذي يهملُ دعواه ويتسببُ في وقف إجراءات سيرها لمدة سنةٍ بفعله أو امتناعه، وذلك بمنح الحقِّ لخصمه في أن يطلب الحكمَ بسقوط الخصومة. ورسمت المادةُ 257 من ذات القانون طريقتين لتقديم هذا الطلب: أولهما، تقديمُه إلى المحكمةِ المقامةِ أمامها الخصومةُ المطلوبُ إسقاطُها بالأوضاعِ المعتادة لرفع الدعوى؛ وثانيهما، تقديمُه على صورةِ الدفعِ إذا عجّلَ المدعيُ دعواه بعد انقضاء السنة. وما ينطبق من هذه القواعد على الخصومة في الدعوى المبتدأة ينطبق أيضاً على الخصومةِ في مرحلةِ الاستئناف، بحيث يجب على المستأنفِ أن يتابعَ استئنافَه، وأن يقومَ بما يلزمُ من إجراءاتٍ للحيلولة دونَ سقوط الخصومة فيه."

خلاصة هذا أن المحكمةَ المختصةَ بالحكم بالسقوط هي ذاتُها المطروحةُ أمامها الخصومةُ المطلوبُ إسقاطُها. أما موضوعُ الحكم، فهو، ببساطة، هذه الخصومةُ والتي أقيمت أمامها ابتداءً، لكنها توقفت ولم يتمَّ تحريكُها خلال مدة السنة. ولا فرق في هذا بين الخصومة في الدعوى المبتدأة وتلك التي في مرحلة الاستئناف. وعليه، فقد تكون الخصومةُ منظورةً أمام المحكمة الجزئية، أو أمام المحكمة الابتدائية سواء من دائرة كليَّة أو استئنافية.  وقد تكون منظورة أمام محكمة الاستئناف، يستوي في هذا أن تكون متعلقةً باستئناف لحكم ابتدائي أو بدعوى مبتدأة أمام دائرة القضاء الإداري.

وبتطبيق ذلك على دعوانا الافتراضية، فإن المحكمةَ المختصةَ بالقضاء بسقوط خصومةِ عمرٍو ضد زيد والمقامةِ أمام محكمة الاستئناف هي هذه المحكمةُ دون غيرها. فإن هي قضت بسقوط الخصومة، انصرف قضاؤها، بطبيعة الحال، إلى الخصومةِ المقامةِ أمامها لا إلى أي خصومةٍ أخرى أياً كان مكانُ انعقادها أو حالتُها. فتلك خصوماتٌ غيرُ مطروحةٍ أمامها، وهي خارجةٌ عن اختصاصها أصلاً. والقول بغير هذا يرفضُه هذا المبدأُ المتقدم والنصَّان المشارُ إليهما فيه تماماً، علاوة على صدامه مع مبادئَ أساسيةٍ في الخصومة والاختصاص.

ب‌.      الملزمُ بتحريكِ الدعوى في ميعاد السنة

عرفنا أن الحكمَ بسقوطِ الخصومة أثرٌ قرره المشرعُ على صاحب المصلحة جزاءً له عن تخلفه، دون مانع، عن تحريكِ خصومةٍ متوقفةٍ خلال الميعاد. ومؤدى هذا أن الملزمَ بتحريك الدعوى أمام المحكمة التي انتُقِضَ حكمُها الصادر فيها هو صاحبُ المصلحة من نظر هذه المحكمة للدعوى من جديد، أي مَن يسعى من وراء إعادة نظرها إلى منفعة أو فائدة لا تتحقق إلا قضاء. وغالباً ما تنعته المحكمة العليا بالمدعي جرياً مع ما تنص عليه المادة 255 مرافعات، وإذا كانت الخصومةُ في مرحلة الاستئناف، فقد تنعتُه بالمستأنف والذي هو من الناحيةِ الواقعيةِ مدعٍ أيضاً، لكنها، ولا عجب، تظل تخضعُه للأحكام ذاتها المقررةِ للمدعي قبل هذه المرحلة. ففي الطعن المدني: 30/47ق المشار إليه تقضي بأن "المادة 255 من قانون المرافعات قررت جزاء للمدعي الذي يهمل دعواه ويتسبب في وقف إجراءات سيرها لمدة سنة بفعله أو امتناعه، وذلك بمنح الحق لخصمه في أن يطلب الحكمَ بسقوط الخصومة." وتضيف بأن "ما ينطبق من هذه القواعد على الخصومة في الدعوى المبتدأة ينطبق أيضاً على الخصومة في مرحلة الاستئناف، بحيث يجب على المستأنف أن يتابعَ استئنافَه، وأن يقوم بما يلزم من إجراءات للحيلولة دون سقوط الخصومة فيه. فإذا ما نُقض الحكم الصادر لصالحه في الاستئناف، تعيّن عليه أن يحرك استئنافَه أمام محكمة الإحالة خلال سنة من تاريخ صدور حكم النقض باعتباره آخرَ إجراءٍ صحيح في الدعوى."

وعند محكمة النقض المصرية، فإن صاحب المصلحة من تحريك الخصومة في مرحلة الاستئناف هو من تعبر عنه بـ"من يهمه الأمر"، حيث قضت في كثيرٍ من أحكامها بأن: "يكون تحريك الدعوى أمام هذه المحكمة [محكمة الإحالة]، بعد نقض الحكم، بتعجيلها ممن يهمه الأمر من الخصومة، فتستأنف الدعوى سيرَها بتكليفٍ بالحضور يُعلن بناء على طلبه إلى الطرف الآخر، وإلا كان لكلِّ ذي مصلحةٍ من الخصوم أن يطلبَ الحكمَ بسقوطِ الخصومة" (الطعون: 1587/77ق؛ 15545/87؛ 7744/82؛ 5696/87؛ 16028/80ق).

والشاهدُ من ذلك هو أن من يقعُ عليه عبءُ تحريكِ الدعوى أمام محكمة الاستئناف بعد النقضِ هو من يهمُّه طرحُ موضوعها أمام هذه المحكمةِ ثانيةً حتى يستعيدَ فرصةَ الحكم له بما كان قد طلبه إليها بداءة. أي أنه من أقام الدعوى أمامها ابتداءً. وهذا قد يكونُ مستأنفاً، كما في حالة تعلُّقِ الخصومةِ باستئنافٍ لحكم ابتدائي، وقد يكون مدعياً في دعوى مبتدأة، كما في دعوى الإلغاء أو دعوى القضاء الكامل أمام دائرة القضاء الإداري، دون أن يتأثر ذلك بطبيعة مركزه القانوني أمام المحكمة العليا؛ إذ يستوي أن يكون طاعناً أمامها أو مطعوناً ضده.

ففي الحالة الأولى، حالة تعلق الخصومةِ باستئنافٍ لحكمٍ ابتدائي، كما هو الحالُ في قصيتِنا المفترضة، فإن الملزمَ بتحريك الخصومةِ أمام محكمة الاستئناف هو المستأنفُ عمرٌو. فهو من أقامها أمامها، استئنافاً للحكمِ الذي لم يرتضه الصادرِ ضده عن المحكمة الابتدائية. ولا عبرة في ذلك بفحوى الحكمِ المنقوض، سواء صدر لمصلحته أم ضدها؛ إذ لم يعدْ له وجودٌ قانونيٌّ بعد أن أهدرت المحكُمة العليا حجيتَه. وكلُّ ما يهمُّ المستأنفَ هنا هو أنه استعاد مكنةَ نظرِ استئنافِه من جديد تعقيباً على الحكم الابتدائي الصادر ضده، وأكتسب بهذا فرصةَ منع نفاذ هذا الحكم إلى حين حسمِ الخصومة أمام محكمة الاستئناف. ولهذا رأينا أن المحكمة العليا توجبُ على المستأنف، لا على خصمه، أن يتابع استئنافه، وأن يقوم بما يلزم من إجراءاتٍ للحؤولِ دون سقوطِ الخصومة فيه. فإذا لم يفعل، جاز لخصمه أن يطلبَ الحكمَ بسقوطِ الخصومة.

أما المستأنَفُ ضدَّه، زيد، فمركزُه ضدٌّ تماماً. فليس من مصلحته إعادةُ تحريكِ الخصومةِ أمام محكمة الاستئناف؛ لأن مصلحته متحققة ابتداءً بالحكم الابتدائي الذي ألزم عَمراً بأن يدفع له مبلغاً من النقود، والذي مازال محتفظاً بحجيته. فالنقض لم يشملْه، وإنما اقتصر على الحكم الاستئنافي فحسب. ثم إن إعادةَ نظرِ الخصومة أمام محكمة الاستئناف لن يبقيه بمأمنٍ من إلغاء الحكم الابتدائي. وهكذا، فمن مصلحته سقوطُ الخصومة لا استئنافُ نظرِها من جديد.

وإذا كان الأمرُ كذلك في حالِ نقضِ الحكم الاستئنافي الصادر لمصلحته، فإنه ينطبق أيضاً، ومن باب أولى، في حالة ما إذا كان الحكم الاستئنافي قد صدر ضدَّه وأنه من طعنَ فيه بالنقض ثم قضت المحكمة العليا بنقضه. إذ لا يطال هذا النقضُ الحكمَ الابتدائيَ الصادرَ لمصلحتِه والذي استعاد حجيتَه بنقضِ الحكمِ الاستئنافي الذي كان قد ألغاه. ولذلك، فليس من مصلحة المستأنَف ضده، زيد، أبداً إعادةُ نظرِ الاستئناف والحال أنه لن يكون في وسعه القانوني أن يحقق له أيَّ نفع، وناهيك أن فيه مخاطرةً بمركزه القانوني المكتسب بالحكم الابتدائي. وبالتالي، فإن القضاءَ بسقوط الخصومة في الاستئناف هو وحدَه ما يضمنُ له صيرورةَ الحكم الابتدائي الصادرِ لمصلحته نافذاً وفق نص المادة 259(1) الذي سيأتي نبؤه بعد حين. ومن ثم، فمصلحتُه لا تكمنُ في تحريك الدعوى بل في طلبِ إسقاط الخصومة.

ولا يختلف الحكم في الحالة الثانية، حالة تعلق الخصومة أمام محكمة الاستئناف بدعوى مبتدأة (دعوى الإلغاء أو دعوى القضاء الكامل). فالمادة 255 تضع حكماً عاماً فحواه أن السقوط جزاء لعدم تحريكِ المدعي للدعوى، وإذن فهو، دون غيره، الملزمُ بتحريكها. ويجري على المدعي والمدعى عليه في هاتين الدعويين ما سقناه في شأن المستأنف والمستأنف ضده، وذلك لاتحاد العلل وتشابه المراكز القانونية. ولا شكَّ في سلامة تسميةِ الطاعنِ أمامَ القضاء الإداري بالمدعي بالنظر إلى صفتِه في الدعوى، كما لا حرجَ في تسميتِه بالمستأنف بالنظر إلى كونِ المحكمةِ التي تنظر طعنَه أحدَ الدوائر بمحكمة الاستئناف. ولذلك، فإن الملزمَ بتحريك الخصومة في تينك الدعويين، بعد نقض الحكم الصادر فيهما، هو من أقامها ابتداءً، أي الطاعن بالإلغاء أو المدعي في دعوى القضاء الكامل. فهو وحدَه من يهمه إعادةُ طرحِ دعواه أو طعنِه على القضاء، لأنه مَن فعلَ ذلك في المقامِ الأول، ولأن ما يسعى إليه من الفصلِ في موضوعِه لم يتحقق بعدُ. يستوي في هذا ما إذا كان الحكمُ المنقوضُ قد صدر لمصلحته أم ضدها. فالمحصلةُ أن هذا الحكمَ قد انتُقضَ فزالَ ولم يعدْ له وجود، وعاد بذلك الحالُ إلى ما كان عليه قبلَه. وهو حال لو كان الطاعنُ أو المدعيُ يرتضيه، لما أقام الدعوى أصلاً طلباً لتغييره.

فلو أن المحكمةَ رفضت طعنَ بكرٍ في قرارٍ إداريٍّ بالإلغاء، فطعن في حكمها بالنقض، فنقضته المحكمة العليا، زال هذا الحكم، وظل القرارُ الإداريُّ على حاله محتفظاً بقرينة المشروعية، وتهيأت الخصومةُ للتحريكِ من جديد. فإن هو حرّكها في ميعاد السنة من تاريخ حكمِ النقض، أعادت دائرةُ القضاءِ الإداري نظرَ طعنِه وكأنه لم يصدر فيه حكمٌ عنها قطُّ. وإن لم يفعل، فلا يلومن إلا نفسَه بعد أن فوَّت فرصةَ نظرِ طعنه من جيد واحتمالِ إجابةِ طلبه بإلغاء القرار.

ولا يختلف الأمرُ في الفرضيةِ المقابلة. فإذا ما قضتِ المحكمةُ بالإلغاء، ثم طعنت جهةُ الإدارة في الحكمِ بطريق النقض، ونقضت المحكمة العليا الحكمَ، ترتبتِ النتيجةُ نفسُها، فتعود للقرار الإداري قرينةُ المشروعية بعدما انتُقض الحكمُ الذي ألغاها وزالَ وجودُه. ولما كانت هذه النتيجةُ هي ما تسعي إليه جهةُ الإدارة، فإنها تكون قد نالت ما أرادت، فلا تكون لها من مصلحةٍ في تحريك الخصومة، بل إن مصلحتَها في إسقاطِها. ولهذا، فعلى بكرٍ، إن هو أراد متابعةَ طعنِه في القرار، أن يبادرَ بتحريكِ الدعوى خلال سنةٍ حتى تستعيدَ محكمةُ القضاء الإداري سلطتَها في نظرِ الموضوع والفصلِ فيه. فإن لم يفعل، كان لجهةِ الإدارة رفعُ دعوى أمام هذه المحكمة بالطرق المعتادة بطلب الحكم بإسقاط الخصومة. وإن فعلَ بعد فواتِ الميعاد، كان لها طلبُ ذلك في صورةِ دفعٍ بالسقوط وفق ما أوضحته المحكمة العليا في حكمها في الطعن المدني: 30/47ق سالف البيان.

ت‌.       صفةُ طالبِ الحكمِ بسقوط الخصومة

وصفت المادة 255 صاحبَ الحقِّ في طلب الحكم بسقوط الخصومة بـ"كلِّ ذي مصلحةٍ من الخصوم" في ذلك. فإذا علمنا أن الخصمَ الملزمَ بتحريكِ الخصومةِ هو من تهمه متابعةُ السير فيها إلى حين صدورِ حكمٍ فاصل، فإن صاحبَ المصلحةِ فالصفةِ في طلب الحكم بالسقوط هو، بمفهوم المخالفة، من لا تهمه متابعةُ السير في الخصومة إلى حين إصدارِ حكمٍ فيها، أي مَن ليس في مصلحته نظرُ الدعوى من جديد. وهذا الخصمُ هو من بلغ بحكم محكمة النقض غايةَ ما يريد، ألا وهو زوالُ الحكم المطعون فيه. فببلوغه هذه الغايةَ، يكون قد ظفر بأعظم مصلحة ممكنة له في الدعوى، وبالتالي، فإن مبادرتَه بتحريكِ الدعوى ممتنعةٌ من وجهين: الأول، أنه لن يكون لإعادةِ نظرِها أن تفيده من أي وجه. فهو مدعَى عليه أو مستأنَف ضده، وقد زال الحكم الصادر في الدعوى، وبالقضاء بسقوط الخصومة سيستعيد مركز القانوني القائم قبلها. وحتى إذا ما كُتب له أن يكسبَ الدعوى بعد إعادة نظرها، فلن يتحققَ له مركزٌ أفضلُ مما هو تَرتُّبُه بطريق أقصرَ وأيسرَ (سقوط الخصومة) يقينيٌّ؛ أما الوجه الثاني، فمردُّه أن في إعادةِ نظرِ الدعوى تعريضاً لمركزه القانونيِّ للضرر؛ إذ هو لا يضمن رفضَ دعوى خصمِه ضده.

وعلى ذلك، فإن صاحبَ الصفةِ في طلب الحكم بالسقوط ليس المدعيُ ولا المستأنفُ ولا الطاعن، بل خصمهم، أي هو المدعى عليه، والمستأنَفُ ضده، والمطعونُ ضده أو المدعى عليه أمام دائرة القضاء الإداري. فما هؤلاء بمن أقام الخصومة، بل هي ضدهم، وهي ما يجعل مراكزَهم القانونيةَ السابقةَ لها عرضةً للانتقاص إن حُرِّكت الخصومةُ وفُصل فيها بحكم. إنه زيدٌ في قضيتنا الافتراضية، لأن الحكمَ الابتدائيَ في مصلحته، فليس من العقل أن يبادر بنفسه إلى تعريضه للإلغاء. وهو في مثاِلنا الثاني جهةُ الإدارة؛ إذ ليس في مصلحتها أن تعرِّضَ قرارَها للإلغاءِ من جيدٍ بعد أن استعادت مشروعيتَه بانتقاض الحكم القاضي بإلغائه.

2.    آثار الحكم بسقوط الخصومة أمام محكمة الاستئناف

صريحةٌ هي المادةُ 258 في بيان آثارِ القضاءِ بسقوط الخصومة. وتتضمنُ المادةُ التي تليها حكماً كان الاقتصار عليه ليغنينا، عن كلِّ ما أسلفنا بيانه، في كشفِ حيدةِ فهمِ صاحب التعليق للموضوع عن الصواب لولا رغبتُنا في التفصيل. ويمكنُ إجمالُ تلك الآثارِ في النقاطِ التالية:

والحقيقةُ أن هذا حكمٌ يتماشى تماماً مع السيرِ السليمِ والعادلِ للخصوماتِ القضائية. ففي البدء، صدر الحكمُ الابتدائي ضد عمرٍو، لكن عدالةَ نظامِ التقاضي على درجتين تمنع أن يكون نافذاً في حقِّه إلا بعد صيرورته انتهائياً. فإن لم يره مُنصِفاً، كان له التوسلُ باستئنافِه في الميعاد لإعادةِ نظر موضوعِ الدعوى أمام محكمة الاستئناف. وإن رضي به أو كان الطعن قد استغلق، نفذ الحكمُ الابتدائيُّ في حقِّه. وهو في هذه الحالة لا يستطيع أن يلومَ سواه. ولا يختلف الأمرُ عن ذلك في حالة استئنافِه للحكم ونقضِ المحكمة العليا الحكمَ الاستئنافي. فبنقضِه، عاد للحكم الابتدائيُّ وزنُه القانوني. ويبقى نفاذُه معلَّقاً على كلمةِ الفصل من محكمة الاستئناف التي أُعيدت إليها الدعوى لنظرها مجدداً. على عمرٍو في هذه الحالة، إن ظلت رغبتُه في إلغاء الحكمِ الابتدائي قائمةً، أن يبادرَ بتحريكِ الدعوى خلال مدةٍ هي في الواقعِ طويلةٌ نسبياً بالمقارنة بميعاد الاستئناف. فإن هو تكاسلَ أو عدلَ عن موقفِه، قضت محكمة الاستئناف بسقوط الخصومة المقامة أمامها، أي المتعلقة بالطعن على الحكم الابتدائي.

وإذا كان النص بهذه الصراحة على سقوطِ الخصومة أمام محكمة الاستئناف وعودةِ الحجية إلى الحكم الابتدائي، فلا يمكنُ أن يعنيَ هذا إحياءَ الحكم المنقوض حتى على افتراضِ تأييده للحكم الابتدائي. وإذا كان هذا حالُ الحكمِ الابتدائي، فإن حكمَ المحكمة العليا، بطبيعة الحال، أولى بالحصانة من البطلان، وذلك بصرف النظرِ عن الأسباب الأخرى لامتناعِ المساس به؛

ومن الأحكامِ القطعيةِ الحكمُ بقبول الاستئناف شكلاً. فهو قضاءٌ في مسألةِ ما إذا كان الاستئنافُ قد رُفع في الميعاد ممن يملكه عن حكمٍ جائزِ الطعن فيه وفقاً لأحكام القانون. وبه تستنفدُ المحكمةُ ولايتَها على شكلِ الاستئناف، فلا تملك العودةَ إليه وإعادةَ بحثِه من جديد. وتورد محكمةُ النقضِ المصرية في الطعن: 5011/85ق الحكمَ باختصاص المحكمة الابتدائية أو بعدم اختصاصها كمثالين على الحكمِ القطعي الذي لا يطاله الحكمُ بالسقوط. ولا مانع من سحب هذا على الحكم الصادر من محكمة الاستئناف. فلو أن محكمة الاستئناف حكمت بعدم اختصاصها محلياً بنظر الدعوى وبإحالتها إلى المحكمة المختصة، فإن زوال الخصومة أمام هذه الأخيرة لا يُسقط الحكمَ القطعيَّ الصادرّ فيها (الحكم بعدم الاختصاص المحلي) ولا الإجراءاتِ السابقةَ عليه.

خاتمة

غمَّ الأمرُ على صاحب التعليق فبلغت به الحماسةُ إلى حدِّ أن ختمَ بتساؤلٍ مشدِّدٍ على اتجاهه، قال فيه: "اليس في ذلك تناقض واهدار لحكم صادر من اعلى محكمة واحتمال ضياع حق قررته المحكمة العليا .. وتلاحظ من هذه التناقضات ...." أمَّا صاحبُ هذه الملاحظات فيختم بالإجابة على ذلك بالقول: أجَل، ليس فيه أيُّ تناقضٍ، ولا إهدارٌ لحكمٍ صادرٍ من أعلى محكمة، ولا احتمالٌ لضياعِ حقٍّ قررته المحكمةُ العليا، اللهم إلا إذا رضي صاحبُه بذلك. وأما التناقضاتُ، فقد احتكمنا إلى القانون ومبادئ القضاء واستخرجنا الشاهدَ والدليلَ على أنْ لا أثرَ لها فيهما ولا في تطبيقاتهما. وهكذا، فلم يبقَ لها في غيرِ ذهنِ المعلِّق من مكان.

لقد استقام لنا الآنَ معرفةُ مدلول مبدأ المحكمة العليا الذي تراءى فيه صاحب التعليق المبررَ للاندفاع والتعامي عن أبجديات قانونية. وقد رأينا كيف أن الموضوع يسلسُ لمن يتأنَّى ويستقصى القدرَ اليسيرَ من البحث. فما هو بالدقيق ولا بالمشكل الموجبِ التباسَ الفهم. وأما إرسالُ الكلام، وتقريرُ أحكامٍ وآثارٍ مبناها الظنُّ المطلق فإهدارٌ للوقت والجهد. ولو تزوَّدَ الواحدُ بالعلم الضروري للخوض في ما يخوض، لانعصم من الحيدةِ عن الجادَّة، ولأثمر مفيداً كان لينفعَ ويوفرَ.

على أنني أقرُّ في الختام بأنني مدينٌ للصنيع بحسنة يتيمة، وهي أنه ما استثار قلمي، ودفعني إلى تدوين ملاحظاتي علَّها تكون علماً نافعاً لمن يهمه ما تطرقتْ إليه من مسائل. فإن كان صواباً، فمن الله، سبحانه، وبفضله. وإن كان خطأً، فبسهوٍ أو تقصيرٍ مني لم أتقصَّدْه. فاللهَ أسأل العفوَ والمغفرة. والحمد لله ربِّ العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته