69 م د: فسخ عقد مبرم بين الغير (عدم قبول لعدم المصلحة)

:

المصلحة الشخصية المشروعة المباشرة شرط لقبول الدعوى. مِلاكها أن يكون للمدعي من وراء التجائه إلى القضاء منفعةٌ حقيقة، منفعةٌ لا تقوم بالضرورة بل قضاء. فلا تكون المصلحة قائمة إذا كان ما يسعى إليه قضاءً لن يعود عليه بفائدة حقيقة، بحيث لا يكون في وسعه القانوني أن يضيف إليه حقاً يدعيه، ولا هو بالحتمي لدفع ضرر يتوقع أن يصيبه.

العقد شريعة المتعاقدِين، وقوته الملزمة تنبع من إرادتهم ترتيبَ أثار محددة عليه، وإذن فمن الطبيعي أن يكون نسبي الآثار، بحيث لا تتعدى الالتزامات والحقوق التي يولدها غيرَ أطرافه. فغيرُهم لم يُردها، ولهذا لم يكن طرفاً في العقد، فلا تطاله، وإذن فلا يصح الاحتجاج به عليه. فإذا لم يكن المدعي بطرف في العقد، ولا هو من الخلف العام أو الخاص للمتعاقدين، فإنه يظل أجنبياً عنه، فلا يكون نافذاً في حقه. وإذا كان قد انعقد على عقار يقول بملكيته فيه، فلا يسلبه هذا الملكَ ولا يتنقص من حقوقه فيه في شيء. وحسبه في هذه الحالة، إذا كان مالكاً حقاً وحاجّه أحدٌ بالعقد، التمسكُ بعدم سريانه في حقه عملاً بمبدأ الأثر النسبي للعقود، وذلك من دون الحاجة إلى حكم قضائي.

:

[شرط المصلحة لقبول الدعوى – نسبية آثار العقد – تمسك الغير بعدم سريانه]

 [القاعدة]

[المصلحة الشخصية المشروعة المباشرة شرط لقبول الدعوى. مِلاكها أن يكون للمدعي من وراء التجائه إلى القضاء منفعةٌ حقيقة، منفعةٌ لا تقوم بالضرورة بل قضاء. فلا تكون المصلحة قائمة إذا كان ما يسعى إليه قضاءً لن يعود عليه بفائدة حقيقة، بحيث لا يكون في وسعه القانوني أن يضيف إليه حقاً يدعيه، ولا هو بالحتمي لدفع ضرر يتوقع أن يصيبه.

العقد شريعة المتعاقدِين، وقوته الملزمة تنبع من إرادتهم ترتيبَ أثار محددة عليه، وإذن فمن الطبيعي أن يكون نسبي الآثار، بحيث لا تتعدى الالتزامات والحقوق التي يولدها غيرَ أطرافه. فغيرُهم لم يُردها، ولهذا لم يكن طرفاً في العقد، فلا تطاله، وإذن فلا يصح الاحتجاج به عليه. فإذا لم يكن المدعي بطرف في العقد، ولا هو من الخلف العام أو الخاص للمتعاقدين، فإنه يظل أجنبياً عنه، فلا يكون نافذاً في حقه. وإذا كان قد انعقد على عقار يقول بملكيته فيه، فلا يسلبه هذا الملكَ ولا يتنقص من حقوقه فيه في شيء. وحسبه في هذه الحالة، إذا كان مالكاً حقاً وحاجّه أحدٌ بالعقد، التمسكُ بعدم سريانه في حقه عملاً بمبدأ الأثر النسبي للعقود، وذلك من دون الحاجة إلى حكم قضائي.]

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه،

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 1 شعبان 1441هـ. الموافق: 25-3-2020،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــم

الدعوى:

...-2019 مدني كلي الزاوية.

المدعي:

....

المدعى عليه:

  1. ... ~ ....

ملخص الدعوى

اختصم المدعي المدعى عليهم بصحيفة أعلنها إليهم وفق القانون. شرح الدعوى بما فحواه أنه والمدعى عليهم وآخرين يملكون في الشيوع، بسبب الإرث عن ...، أرضاً تقع في مدينة صبراتة، محلة سيدي معروف، منطقة ...، مساحتها 16597م2. حدودها: شمالاً، ...؛ "جنوباً"، ...؛ "جنوباً"، ...؛ غرباً، ...، و...، و...، وذلك على حدِّ وصف الصحيفة. ومع هذا، اتفق المدعى عليهم وحدهم في 21-1-2019 على قسمة هذه الأرض دون مراعاة نصيبه ونصيب ورثة آخرين، ودون بيان سند ملكية بعض الورثة. وقد جاء هذا العقد مشوباً بالعيوب التالية:

وحيث إن المدعي أحد الورثة لكنه لم يكن طرفاً في العقد، فإن له حق طلب فسخه استناداً إلى المادتين 147 و148 من القانون المدني وإلى المادة 162 التي تقضي بأن فسخ العقد يعيد المتعاقدين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل العقد.

لذلك، ينتهي إلى طلب الحكم له بـ "فسخ وإبطال محضر اتفاق المقاسمة"، وبإلزام المدعى عليهم بالمصاريف والأتعاب، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل، وبلا كفالة.

بدأت المحكمة نظر الدعوى بجلسة 8-5-2019. أمامها، حضر المدعي ودفاعه من مكتب المحاماة العامة الأستاذة .... وحضر المدعى عليهم الثاني والثالث والسادس والسابع والثامن، وعن الأول وكيله ...، ولم يحضر الباقون رغم إعلانهم. قدم المحامي صورة ضوئية للعقد موضوع الدعوى. وهو عقد عرفي من ثلاث صفحات بقسمة الأرض الموصوفة بالصحيفة بالتاريخ المذكور. ذُيل العقد في صفحته الأخيرة بقائمة بأسماء المتعاقدين وهم المدعي نفسه، والمدعى عليهم عن أنفسهم وبالصفات المشار إليها، وتضمن توقيعات هؤلاء دون المدعي.

قدم المدعى عليهم الحاضرون توكيلاتهم عمن يمثلونهم، ودافعوا كتابة بدفوع تختار المحكمة منها التالي وتعزف عن عرض الباقي لعدم جوهريته في الحكم المقضي به:

طلبوا القضاء بعدم قبول الدعوى لعدم تقديم الفريضة الشرعية، وبرفضها لانعدام الأساس القانوني لها.

وكّل المدعيُ المحاميَ ... في تمثيله في الدعوى، وانسحب دفاعه السابق. وبجلسة 12-2-2020، قدم صحيفة تدخل ضد المدعى عليه، هذا مجملها:

المتدخل:

  1. ...، عن نفسه وبصفته وكيلاً عن والدته، ...، وعن إخوته: ...، ...، ...، ...، ...، ...؛
  2. ...، عن نفسه وبصفته وكيلاً عن إخوته: ...، ...، ...، ...، ....

المتدخل ضده:

هم نفسهم المدعى عليهم عن أنفسهم وبالصفات المشار إليها في صحيفة الدعوى.

أعلن المتدخلان الصحيفة وفقاً للقانون. يقول فيها، عن نفسيهما وبصفتيهما، بملكيتهم في الشيوع للأرض الموصوفة في صحيفة الدعوى، وذلك إرثاً عن جدتهم .... وحيث إن المدعى عليهم اقتسموا هذه الأرض دون علمهما وعلم من يمثلون، فإنهما ينضمان إلى المدعي ويطلبان الحكم "بفسخ وإبطال محضر اتفاق المقاسمة" على حد تعبير الصحيفة، وبإلزام المدعى عليهم بالمصاريف والأتعاب، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل، وبلا كفالة.

أمام المحكمة، حضر المتدخل الأول، وحضر معه وعن الثاني الدفاع المذكور. قدم الدفاع ما يفيد صفة المتدخلين في تمثيل المذكورين في صحيفة التدخل، وطلب حجز الدعوى للحكم. تمسك المدعى عليهم الحاضرون بدفاعهم السابق، وطلبوا حجز الدعوى لحكم.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بآخر جلسة اليوم، وهنا قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءُه ليبتليَ شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة وقد اجتهدت في تفحص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في ما قضت به بشأنها. وإنه لقضاء أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث جرى نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر المدعي ودفاعه. وحضر المتدخل الأول، ومعه وعن الثاني، حضر دفاعهما. وحضر المدعى عليهم الثاني والثالث والسادس والسابع والثامن، وعن الأول وكيله، فيما لم يحضر المدعى عليهم الباقون. وإذن، فالحكم الصادر في الدعوى يكون حضورياً للحاضرين، وغيابياً للآخرين عملاً بالمادتين 92 و103 من قانون المرافعات.

وحيث إن تكييف الدعوى من تصريف المحكمة تصريفاً تتقصي فيه حقيقة طلبات المدعين وتستظهر مراميها، انتهاءً إلى إعطاء الدعوى وصفها وتكييفها الصحيحين دون تقيد بتكييف أحد. وحيث إن الأوراق تضم دعوى أصلية وتدخلاً، لذا فإن المحكمة تكيفهما وتَفصل فيهما تباعاً:

أما الدعوى الأصلية، فهي في حقيقتها دعوى إبطال عقد قسمة. أما تكييف المدعي لها بدعوى فسخ عقد فتكييف فاسد قانوناً. ذلك أن طلب فسخ العقد، وفقاً للمادة 160 من القانون المدني، حق مقرر للطرف فيه رداً على عدم وفاء المتعاقد الآخر بالتزامه. وحيث إن الثابت من أقوال المدعي والمدعى عليهم الحاضرين ومن وثيقة العقد أن المدعي ليس طرفاً في العقد، وإن تضمن في قائمته اسمه. فمما لا خلاف فيه بين الخصوم الحاضرين أن إرادته لم تتوافق مع إرادات المتعاقدين لعدم رضاه بما قسم له، فلم يرتض التوقيع. ولهذا، فلا يكتسب حقوق المتعاقد التي من بينها فسخ العقد عند تحقق شروطه.

وحيث إنه يلزم لقبول هذه الدعوى (إبطال العقد)، ككل الدعاوى، قيام المصلحة من رفعها. فكما تنص عليه المادة الرابعة من قانون المرافعات، فإن المصلحة الشخصية المشروعة المباشرة للمدعي شرط لقبول دعواه. وحيث إنه بعد تفحص المحكمة لهذا الشق من الدعوى، استبانت انعدام أي مصلحة للمدعي من رفعها. وهي إذ تنفي هذه المصلحة، تقيم قضاءها على أن مفاد نص المادة يستوجب أن يكون للمدعي من وراء التجائه إلى القضاء منفعة حقيقة، منفعة لا تقوم بالضرورة بل قضاء. وعلى هذا، لا تكون المصلحة قائمة إذا كان ما يسعى إليه المدعي قضاءً لن يعود عليه بفائدة حقيقة، بحيث لا يكون في وسعه القانوني أن يضيف إليه حقاً يدعيه، ولا هو بالحتمي لدفع ضرر متوقع أن يصيبه.

لما كان ذلك، وكان العقد شريعة المتعاقدِين، وكانت قوته الملزمة تنبع من إرادتهم ترتيب أثار محددة عليه، فإنه من الطبيعي أن يكون نسبي الآثار، بحيث لا تتعدى الالتزامات والحقوق التي يولدها غيرَ أطرافه. فغيرُهم لم يُردها، ولهذا لم يكن طرفاً في العقد، فلا تطاله، وإذاً فلا يصح الاحتجاج به عليه. كلُّ ذلك استناداً إلى ما تقضي به المواد: 145 و147 و455(2) من القانون المدني. وحيث إنه، ومن دون الحاجة إلى بحث مدى سلامة عقد القسمة والذي هو موضوع متوقف على قبول الدعوى، فإنه لما لم يكن المدعي بطرف في هذا العقد ولا هو من الخلف العام أو الخاص للمتعاقدين، فإنه يظل أجنبياً عنه، فلا يكون نافذاً في حقه، ولا يُحتج به عليه. وإذا كان هذا العقد قد انعقد على عقار يقول بملكيته فيه، فلا يسلبه هذا الملكَ ولا يتنقص من حقوقه فيه في شيء. وحسبه في هذه الحالة، إذا كان مالكاً حقاً وحاجّه أحدٌ بالعقد، التمسكُ بعدم سريانه في حقه عملاً بمبدأ الأثر النسبي للعقود، وذلك من دون الحاجة إلى حكم قضائي.

وحيث إن حقيقة الدعوى أن المدعي لم يرض بالعقد فلم يكن طرفاً فيه. وحيث إن ما يطلبه من الحكم ببطلانه هو طلب إن هو لُبيه، لن يضيف إليه حقاً، ولا هو إن مُنعه سيحرمه من حق، ولا له أن يعطل مكنته القانونيةَ القائمةَ أصالةً في التمسك بعدم نفاذ العقد في حقه وفق ما مر. لذلك، فإن المصلحة من توسله بدعوى قضائية في سبيل ذلك تكون غير قائمة، ما يتعين معه القضاء بعدم قبول سؤله وفق ما سيرد بالمنطوق.

يتوافق هذا المنتهى مع قضاء المحكمة العليا المتعلق بالأثر النسبي للعقود. من ذلك ما قررته من مبادئ عامة في هذا الشأن في أحكامها الصادرة في الطعون المدنية: 84/19ق الذي تفصح فيه عن عدم سريان التصرف في حق الغير "دون الحاجة إلى صدور حكم ببطلانه"؛ 45/29ق الذي يورد أن طلب إبطال التصرف في ملك الغير مقرر لمصلحة المتصرف له وحده؛ 56/18ق؛ 99/43ق؛ 245/41ق الذي يقرر أنْ ليس للمالك، في حالة بيع ملك الغير، "إلا أن يتمسكَ بعدم سريان العقد في حقه، أو يقرَّ البيع فيسري في حقه وينقلب صحيحاً في حق المشتري."

وحيث إنه عن دعوى المتدخلَين، فإنه لما كانا يطلبان عن نفسيهما وبصفتيهما فسخ عقد القسمة وإبطاله بسبب ما يقولان به من عدم تعاقدهما، ومن يمثلان، مع المدعى عليهم على القسمة موضوع العقد، فإننا نكون في الحقيقة، أمام مخاصمة منفصلة عن دعوى المدعي وإن تحققت الصلة بين الموضوعين. فالمدعي يطلب إبطال العقد لعدم تعاقده مع المدعى عليهم على موضوعه، فيما يطلب المتدخلان ذلك استناداً إلى سبب مستقل هو غيابهما هما ومن يمثلان عن التعاقد من دون حسبان لما يقول به المدعي من غيابه هو. وعلى هذا، واستناداً إلى نص المادة 141 من قانون المرافعات، فإنهما وإن لم يختصما المدعي أيضاً إلا أن هذا لا يغير من طبيعة تدخلهما كونه اختصامياً لا انضمامياً بسبب اختلاف سند الحق في الدعويين. ولهذا، فإن المحكمة تنظر التدخل من دون أن يكون للحكم في الدعوى الأصلية بعدم القبول أثر في قبوله من هذه الناحية.

وحيث إنه يصدق على التكييف القانوني لدعوى التدخل ما صدق على الدعوى الأصلية. وحيث إنها هي الأخرى محكومة بنص المادة الرابعة من قانون المرافعات، ولذا فإن قبولها يتوقف على قيام مصلحة المتدخلين، ومن يمثلان، من إقامتها. وحيث إنه بعد تفحص المحكمة للتدخل من هذه الناحية، استبانت انعدام أي مصلحة منه لأي من هؤلاء. فليس أي منهم بطرف في العقد المطلوب الحكم بإبطاله، ولهذا يجري عليهم ما جرى على المدعي في الدعوى الأصلية، وهو ما يسوغ معه الإحالة في عدم قبول تدخلهم لعدم المصلحة على أسباب عدم قبول تلك الدعوى.

وحيث إنه عن مصاريف الدعوى الأصلية، فيتحملها المدعي، الخاسر فيها. ولهذا السبب أيضاً، يتحمل المتدخلان مصاريف التدخل، وذلك وفقاً للمادتين 281، 282 مرافعات.

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً للمدعي وللمدعى عليهم الأول والثاني والثالث والسادس والسابع والثامن، وللمتدخلَين، وغيابياً للمدعى عليهم الباقين:

أولاً: في الدعوى الأصلية، بعدم قبولها لعدم المصلحة، وبإلزام المدعي بمصاريفها؛

ثانياً: في التدخل، بعدم قبوله لعدم المصلحة، وبإلزام المتدخلَين بمصاريفه. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                                                      القاضي

 

أُودعت الأسباب في: 25-3-2020م