17 م د: استرداد ملكية مع التعويض (عدم قبول لعدم الشهادة السلبية)

:

سواء كان نزع السلطة التنفيذية للملكية تنفيذاً لأحكام قانون التطوير العمراني أو بموجب القانون 4 لسنة 1978 بتقرير بعض الأحكام الخاصة بالملكية العقارية، ليس من شأن إنشاء لجان للتعويض عن ذلك أن يسلب القضاءَ اختصاصَه الأصيل بالتعويض إلا بوجود نص صريح يقطع في الدلالة على تقصّد المشرع جعل اختصاص تلك اللجان مانعاً، وهذا معدوم في القانونين وفي ما لحق آخرهما من أحكام. إذاً، فلا محل للتحدي بلزوم استنفاد سبيل تلك اللجان قبل اللجوء إلى القضاء.

وفقاً لنصي المادتين 79 من قانون المرافعات والتاسعة من قانون التسجيل العقاري وأملاك الدولة، لا تقبل دعوى تثبيت ملكية عقار ما لم تقدم معها شهادة من الإدارة أو مكتب التسجيل المختص دالة على حالة العقار موضوع الدعوى في السجلات العقارية؛ تسجيل العقار باسم الدولة الليبية لا هو بالمانع من إصدار الشهادة، ولا هو بالمسقط لاشتراطها؛ لا يقدح في ذلك العلة الطافح من اشتراط الشهادة كونها تحول دون تزامن رفع الدعوى مع ما قد يكون من إجراءات تحقيق ملكية أثناءها. فلا اجتهاد مع صراحة القانون الذي يقضي باستلزامها في حالة العقارات المسجلة وغير المسجلة على السواء.

:

[سواء كان نزع السلطة التنفيذية للملكية تنفيذاً لأحكام قانون التطوير العمراني أو بموجب القانون 4 لسنة 1978 بتقرير بعض الأحكام الخاصة بالملكية العقارية، ليس من شأن إنشاء لجان للتعويض عن ذلك أن يسلب القضاءَ اختصاصَه الأصيل بالتعويض إلا بوجود نص صريح يقطع في الدلالة على تقصّد المشرع جعل اختصاص تلك اللجان مانعاً، وهذا معدوم في القانونين وفي ما لحق آخرهما من أحكام. إذاً، فلا محل للتحدي بلزوم استنفاد سبيل تلك اللجان قبل اللجوء إلى القضاء.

وفقاً لنصي المادتين 79 من قانون المرافعات والتاسعة من قانون التسجيل العقاري وأملاك الدولة، لا تقبل دعوى تثبيت ملكية عقار ما لم تقدم معها شهادة من الإدارة أو مكتب التسجيل المختص دالة على حالة العقار موضوع الدعوى في السجلات العقارية؛ تسجيل العقار باسم الدولة الليبية لا هو بالمانع من إصدار الشهادة، ولا هو بالمسقط لاشتراطها؛ لا يقدح في ذلك العلة الطافح من اشتراط الشهادة كونها تحول دون تزامن رفع الدعوى مع ما قد يكون من إجراءات تحقيق ملكية أثناءها. فلا اجتهاد مع صراحة القانون الذي يقضي باستلزامها في حالة العقارات المسجلة وغير المسجلة على السواء.]

 

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 1 صفر 1440هـ. الموافق: 10-10-2018م،

برئاسة د. عيـاد علي دربال القاضي، وحضور ... كاتب الجلسة،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــمَ

في الدعوى المقيّدة بالسجلّ العام تحت رقم: ...-2018 مدني كلي الزاوية، المرفوعة من:

  1. ~  6.

موطنهم المختار، مكتب الأستاذة المحامية ... بالزاوية،

ضـــد

  1. رئيس الوزراء بصفته؛
  2. رئيس مصلحة الأملاك العامة بصفته؛
  3. مدير مصلحة الأملاك العامة فرع الزاوية،

وتنوب عنهم إدارة القضايا فرع الزاوية الكائن مقره بالزاوية طريق الزهراء.

ملخص الدعوى

تخلص الدعـوى في اختصام المدعين للمدعى عليهم بصحيفة أُعلنت إلى فرع إدارة القضايا بالزاوية لكونه النائب عنهم قانوناً. شرح المدعون دعواهم بما فحواه أنهم يملكون بسبب الإرث عن والدهم المتوفى عام ... منزلين بمدينة الزاوية بمنطقة .... حدود الأول: من الشمال، ...؛ من الجنوب، ...؛ من الشرق، ...؛ من الغرب، .... أما حدود الثاني: فمن الشمال، ...؛ من الجنوب، ...؛ من الشرق، ...؛ من الغرب، ....

وفقاً للصحيفة، بموجب القانون 4 لسنة 1978، آلت ملكية المنزلين إلى المدعى عليه الثالث. ألحق هذا بالمدعين ضرراً مادياً تمثل في حرمانهم من ملكهم الخاص ومن استغلاله ومن انقطاع الانتفاع بأجرته التي كانت مصدر دخلهم الوحيد لاسيما أنهم كانوا وقت حصول الاستيلاء قاصرين. عرَّض ذلك المدعين إلى "الضيق والعوز"، وتواصل هذا الحرمان إلى حوالي الأربعين عاماً. وبسبب هذا الاستيلاء أيضاً، أصابهم ضرر معنوي تمظهر في انقلاب حياة الأسرة إلى التعاسة وفي الصدمة الناتجة عن مشاهدتهم المنزلين يسلمان إلى أناس آخرين في حين أنهم الأحوج إليهما في تغطية نفقاتهم. أشعرهم هذا بالظلم والحسرة والحزن الشديد والتعاسة وخيبة الأمل والإحباط، وهو ما أثر على تحصيلهم العلمي، وقد كانوا حينئذ تلاميذ في المدرسة، حتى إن بعضهم اضطر إلى الانصراف عن الدراسة المنتظمة إلى العمل توفيراً لنفقات المعيشة.

وحيث إن سلوك المدعى عليه الثالث يخالف الشريعة والقانون؛ فوفقاً لقانون تنظيم أحوال القاصرين 17 لسنة 1992، لا يجوز التصرف في أملاك القاصرين إلا بإذن من المحكمة. ومع أن أغلب المدعين كانوا وقت الاستيلاء كذلك، لم تُستأذن المحكمة. لهذا، فمن حق المدعين استرداد ملكية المنزلين والتعويض عن الضررين.

أضاف المدعون أنهم إذ يرفعون هذه الدعوى، إنما بعد أن ألغى المشرع بالقانون 20 لسنة 2015 القانونَ 4 لسنة 1978بتقرير بعض الأحكام الخاصة بالملكية العقارية، طالبين الحكم لها في مواجهة المدعى عليه الثالث ومتبوعيه، المدعى عليهما الأول والثاني، بالآتي:

  1. الحكم ببطلان قرار نزع ملكية المنزلين؛
  2. إلزام المدعى عليهم بإعادة المنزلين إلى المدعين مع شمول ذلك بالنفاذ المعجل وبلا كفالة؛
  3. إلزام المدعى عليهم بدفع أربعمئة ألف دينار تعويضاً عن الضرر المادي؛
  4.  إلزام المدعى عليهم بدفع ستمئة ألف دينار تعويضاً عن الضرر المعنوي؛
  5. إلزام المدعى عليهم بالمصاريف والأتعاب.

أمام المحكمة، حضرت المدعية الأولى عن نفسها، كما حضرت عن باقي المدعين بصفتها محاميهم الوكيل، وعن المدعى عليهم حضرت الأستاذة المحامية ... عضو إدارة القضايا. قدمت المدعية الأولى عن نفسها وبصفتها صورتين ضوئيتين لعلمين وخبرين بسبق ملكية ورثة ... للمنزلين موضوع الدعوى، وصورة ضوئية للفريضة الشرعية لمورث المدعين، وخريطة هندسية لمنزل، وصورة رسمية لرسالة رئيس مصلحة الأملاك العام بالزاوية إلى مدير إدارة التسجيل العقاري بنقل ملكية عقار من المرحوم ... إلى "عقارات المجتمع" بسبب خضوعه للقانون 4 لسنة 1978، وصورة رسمية من رد مدير إدارة التسجيل العقاري بتمام النقل.

ضمَّن الحاضر عن المدعي عليهم دفاعَه مذكرتين دفع فيهما بما تجمله المحكمة في التالي:

قدم الدفاع صورة رسمية لخطاب لمدير مكتب أملاك الدولة بالزاوية بسبق تعويض ... عن نزع ملكية المنزلين، وصورة ضوئية لمحضر اجتماع لجنة التعويض عن العقارات بالزاوية متضمنة النص على سبق تعويض ... بمبلغ قدره ... د.ل.

انتهى الدفاع إلى طلب الحكم له بمقتضى دفوعه، وعلي سبيل الاحتياط، طلبَ خفض قيمة التعويض المطالب به.

ردت المدعية الأولى عن نفسها وبصفتها بما يلي:

تنبع صفة المدعى عليه الأول من كونه مسؤولاً بالتضامن عما ترتكبه مؤسسات الدولة من أخطاء، وذلك استناداً إلى نص المادة 177 من القانون المدني. ولأن النزع كان قد جرى بموجب القانون 4 لسنة 1978 لا قانون التطوير العمراني، فلا وجه إذاً لانطباق أحكام القانون الأخير على موضوع الدعوى. أما الدفع بعدم تقديم الشهادة السلبية، فمردود بتعذر الحصول عليها بسبب تسجيل المنزلين، وبقوة القانون، باسم الدولة الليبية. وهذا أمر يقره دفاع المدعى عليهم. وعن الدفع بالتقادم، فردُّه أن المادة الثانية من القانون 10 لسنة 1427م تمنع قبول مثل الدعوى الماثلة. ولم يرتفع هذا المنع إلا بصدور القانون 20 لسنة 2015 بتقرير بعض الأحكام الخاصة بمعالجة الآثار المترتبة على القانون 4 لسنة 1978. ولأن هذا القانون نص على إعادة ملكية العقارات المنزوعة إلى أصحابها، ومع هذا لم تنفذ جهة الإدارة ذلك، لذا فإن خطأها يكون محققاً ومؤرخاً بهذا الامتناع. ولا يغير من هذا استلام ... للتعويض المذكور، لأنه لم يكن وليد إرادة حرة وإنما بسبب الفاقة.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بآخر الجلسة، وهنا قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

بعد سماع المرافعة الشفوية ومطالعة الأوراق، أصدرت المحكمة الحكمَ التالية أسبابه ومنطوقه:

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضرت المدعية الأولى عن نفسها وبصفتها محامية الباقين، وحضر عن المدعى عليهم دفاعهم، وإذاً فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً بالنسبة لطرفيها عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات.

وحيث إن المحكمة وهي تفحص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، سائلةً الله تعالى التوفيقَ والسداد، يبين لها أن من الدفوع المبداة ضدها ما هو حقيق بالفحص قبل ولوج الموضوع والتحقق من مدى جدارة الدعوى للحكم بالمطلوب. ولذا فإنها تستهل بوزنها بميزان القانون.

فأما عن الدفع بعدم الاختصاص الولائي بنظر الدعوى، فمردود. فسواء سلمت المحكمة بأن استيلاء السلطة التنفيذية على العقارين موضوع الدعوى كان تنفيذاً لأحكام قانون التطوير العمراني أو بموجب القانون 4 لسنة 1978، فإن إنشاء لجان محددة للتعويض عن استيلاء جهة الإدارة على ملكية الغير لا يسلب بمجرده القضاءَ اختصاصَه الأصيل بالتعويض عن ذلك إلا بوجود نص صريح يقطع في الدلالة على إرادة المشرع قصر الاختصاص عليها دون غيرها، وهذا معدوم في القانونين وفي ما لحق آخرهما من تشريعات وقرارات. ولهذا السبب ذاته ترفض المحكمة، بحكم اللزوم الحتمي، الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان، والمقول فيه بوجوب استنفاد وسيلة مطالبة لجان التعويض عن نزع الملكية للمنفعة العامة بالتعويض قبل اللجوء إلى القضاء.

وحيث إنه عن الدفع بعدم صفة المدعى عليه الأول، فهو الآخر مردود. فمن المقرر بقضاء المحكمة العليا أن مسؤولية رئاسة الوزراء تجد مصدرها في اختصاصها الإشرافي على جميع مؤسسات الدولة وفي مسئوليتها التضامنية أمام السلطة التشريعية. وبالتالي فإنها تكون ذات علاقةٍ بالنزاع وصفةٍ في الدعوى مادامت قد اختصمت مع مؤسسة تتبعها (طعن مدني 240/44ق).

وحيث إنه بشأن الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم تقديم الشهادة السلبية، فقد أصاب المحز وأوجب، من ثم، الحكم بمقتضاه. فالمدعون يطلبون، وبشكل جلي، الحكم لهم بإلزام المدعى عليهم برد المنزلين موضوع الدعوى إليهم استناداً إلى أنهما مملوكان لهم. وحيث إن الدعوى على هذا النحو تعد دعوى عينية تتعلق بتثبيت ملكية عقار، تنطبق بشأنها الشروط المقررة لقبول هذا الصنف من الدعاوى أمام القضاء. وحيث إنه لما كان نصا المادتين التاسعة والسبعين من قانون المرافعات والتاسعة من القانون 17 لسنة 2010 بشأن التسجيل العقاري وأملاك الدولة يقضيان بعدم جواز رفع أي دعوى أمام القضاء بشأن استحقاق أو تثبيت ملكية عقار أو أي حقوق عينية أخرى ما لم تقدم معها شهادة من الإدارة أو مكتب التسجيل المختص دالة على حالة العقار موضوع النزاع في السجلات العقارية. وحيث إن المدعين لم يلتزموا بهذا الشرط فلم يقدموا تلك الشهادة، فإن دعواهم تكون خليقة بعدم القبول وفق الوارد بالمنطوق.

ولا يغير من هذا القضاء في شيء وجه اعتراض المدعية الأولى على الدفع بدعوى تعذر الحصول على تلك الشهادة لصيرورة المنزلين مسجلين، وبقوة القانون، باسم الدولة الليبية. فهذا التسجيل لا هو بالمانع من إصدار الشهادة السلبية، ولا هو بالمسقط لاشتراطها في قبول هذه الدعوى. فأما كونه ليس مانعاً، فمرده أنه ولئن كان مانعاً من منح المدعين شهادة عقارية بالملكية، إلا أنه لا ينبغي له قانوناً منع منحهم شهادة سلبية بشأن محل هذه الملكية. فإدارة التسجيل العقاري ملزمة قانوناً بموجب نص المادة 35 من اللائحة التنفيذية لقانون التسجيل العقاري المشار إليه، بأن تمنح تلك الشهادة حتى في حالة انتهاء إجراءات تحقيق الملكية من طرفها. وأما كون مثل هذا التسجيل غير مسقط للشرط، فلا يقدح فيه ما يظهر من علة اشتراط الشهادة. فالطافح من هذه العلة هو الحؤول دون تزامن رفع الدعوى مع ما قد يكون من إجراءات تحقيق ملكية أثناءها، وهو ما قد يفضي إلى تعارض بين الحكم القضائي وقرار إدارة التسجيل العقاري. وعلى هذا، فإن مثل هذا التزامن غير متصور إذا ما كانت إدارة التسجيل العقاري قد أكملت إجراءات تحقيقها وبلغت منح شهادة عقارية بالملكية لمن ارتأته المالك. غير أن المحكمة تقرر أن غياب هذه العلة لا يسعف في إسقاط الشرط والحال أن القانون يقضي بوضوح باستلزام الشهادة المذكورة في حالة العقارات المسجلة وغير المسجلة على السواء. فهذه المادة 35(ب) من اللائحة التنفيذية للقانون تنص على أن شهادة حالة العقار المشترطة في المادة التاسعة من القانون تشمل أيضاً العقار الذي حققت ملكيته وانتهت الإجراءات بشأنه، وتقرر أنه في هذه الحالة، تعطى "شهادة بأنه قد حققت ملكيته وهو الآن ليس محلاً لإجراءات تحقيق الملكية." وهكذا، فلا محل للاجتهاد مع صراحة هذا النص.

لما كان ما تقدم، فإن المحكمة تقف في فحصها للدعوى عند هذا الحد فلا تتطرق إلى ما فضل من دفوع ولا إلى مدى استحقاق المدعين ما يطلبون لامتناع ذلك بطبيعة الحكم.

وحيث إنه لما كان  رافعوا الدعوى هم من خسرها، فإنّه يتعيّن إلزامهم بمصاريفها عملاً بمقتضى المادتين 281، 282 مرافعات.

لهذه الأسباب

         حكمت المحكمة حضورياً، بعدم قبول الدعوى لعدم تقديم شهادة من إدارة التسجيل العقاري المختصة بأن العقارين موضوع الدعوى ليسا محلاً لإجراءات تحقيق الملكية، وبإلزام رافعيها بالمصاريف. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                        القاضي

 

أُودعت الأسباب في: 7-11-2018