3 ق ك د: مقاييس القرابة (الدين أم الدم؟): ذكريات على الطنطاوي (الجزء الثامن)

:

«لم يتهمني وكيل النيابة الذي هو (أصغر أعضائها)، بل اتهمني أكبر رئيس فيها. ولم تعلن التهمة بين جدران المحكمة الأربعة، بل أعلنت في [كتابه] هذا. فقد قال (وأنا أنقل نص ما قاله عني لأدافع عن نفسي). ولاحظوا أنني أنقل كلامه بألفاظه وحروفه. قال:

صرح مرة شخص سوري مسلم. كان يحتل مركزاً رفيعاً بقوله: إنه كمسلم يفضل أحقر شخصية إسلامية باكستانية أو أندونيسية على أعلم وأرفع رجل عربي غير مسلم كرجل الدولة العلامة فارس بك الخوري، وكان رحمه الله وقتئذٍ رئيساً لمجلس النواب السوري.

ملاحظة :

أنا لم أقل هذا الكلام كما رواه، ولكن قلت: إن آخر مسلم في الهند أو الباكستان أقرب إليَّ من فارس الخوري. ولم أقل أحقر شخصية إسلامية. فلا تجتمع الحقارة والإسلام قِ نفس واحدة لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين . ... ويقول: فهل مثل هذا الاعتقاد يتفق وفكرة المساواة بين المواطنين في الوطن الواحد وفي ظل دستور واحد؟ بل هل يتفق مع جوهر الدين وفلسفته، ومع مفهوم القومية العربية؟ ثم قال: تصريح آخر للمواطن السوري المنعوت عنه أعلاه (يقصدني أنا).

وبعد مضي ثلاثين سنة ونيف على تصريح هذا المواطن العربي الكريم، يعود وينشر في صحيفة «الشرق الأوسط» في عددها الصادر في 28-12-1982 مقالاً مطولاً بعنوان (من ذكريات الشيخ علي الطنطاوي) [يقول فيه]: وأحد عباقرة العرب في هذا العصر، ويقصد به دولة المرحوم فارس بك الخوري، ويعدد الكثير الكثير من صفاته المتميزة وشخصيته المثالية، وعلمه الواسع الجامع، وعقله الكبير الراجح. ومع هذه العبقرية الفذّة والصفات المتميزة المتوفرة، في شخص المرحوم دولة فارس بك الخوري، فإن صاحب المقال يستهله بالقول: (ولكن آخر مسلم في آخر الأرض أقرب إليّ منه). ويقول لمن لامه لقسوة فيما مضى: يريدون أن نجعل الكافرين كالمسلمين، وأن ندعو بدعوة الجاهلين، وندع كلام رب العالمين، إنما المؤمنون أخوة، فننكر أخوَّة الإيمان، ونتمسك برابطة اللسان، فيكون أبو لهب وأبو جهل أقرب إلينا من بلال وسلمان. كلا، ولا غرابة، قلتها في أول حياتي وأقوها الآن.

انتهى ما نقلتُه من كلامه. وأنا لم أقل «ولا غرابة» بل قلت «ولا كرامة»، ولكن الأستاذ حنا مالك لا يستطيع أن يميز بين اللفظين.

إنني أقول الآن، وأنا في الثمانين من عمري، ما قلته في مطلع شبابي: إن آخر مسلم في الدنيا أقرب إليَّ من فارس الخوري ومن غير فارس الخوري. ومن لا يقول هذا القول، لا يكون مسلماً لأن رابطة الإيمان أقوى من رابطة النسب ومن رابطة اللسان. والله يقول لنوح عن ولده لما وعده الله بأن ينجي أهله، فقال: «رب إن ابني من أهلي»، فصحح له رب العالمين مقاييس القرابة، وبيّن له أن رابطة الإيمان أقوى من رابطة الأبوة فقال: «إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح». فأنا إذن لا أهاجم أحداً، ولكن أدافع عن نفسي. فإذا كنتم لا تريدون ما يدعو إلى التفرقة بين أبناء هذا الشعب، وتخشون ما يصدع وحدة الأمة التي تزعمونها، فامنعوا أمثال هذا الكتاب.

... هذا والموضوع، كما قلت، خطر يتحاشاه الناس ويبتعدون عن الكلام فيه مع أن خوفنا منه كخوف بنتى الصغيرة من ظلام الحديقة في الليل يزيله أن توقد عود كبريت أو تشعل شمعة أو تضيء كشافاً منوراً فترى، وأن الخوف من هذا الموضوع وهم في وهم. والله تعالى قد أدبنا فبيّن لنا أن لا نواد من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءنا أو أبناءنا أو إخوتنا أوعشيرتنا، وسمح لنا بأن نعاشر بالحسنى من لم يعادنا في ديننا ولم يخرجنا من ديارنا « لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم».

 

من كتاب: ذكريات علي الطنطاوي، الجزء الثامن، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة الأولى 1989م، ص 12 - 14.