الوصف

«وللطب حماته، والذائدون عنه. فإن انتحل صفة الطبيب من ليس من أهله، ففتح عيادة، أو كتب وصفة، لاحقوه قضائياً فعاقبوه. وكذلك من ادعى أنه مهندس وما هو بمهندس، فرسم خريطة، حاكموه وجازوه. فما لنا نرى بابين مفتوحين لا حارس عليهما ولا بواب، يدخلهما من شاء، وهما أخطر من الطب ومن الهندسة، هما: الدين والسياسة. فمن أراد، تكلم في الدين، ولو خالف الأئمة من الأولين والآخرين، أو أفتى ولو جاء بما لم يقل به أحد من المفتين، حتى وصل الأمر إلى [أحدهم أنْ ألّف كتاباً]، فصار يفسر القرآن الذي لا يؤمن هو بأنه من عند الله، وليس عنده من العلم بالعربية وعلومها ولا من معرفة دقائقها وأسلوب أهلها ما يجعله أهلاً للتصدي لتفسير القرآن.

فما للدين لا يجد من يحميه؟ لقد كانوا يقولون قديماً:

لقد هزلت حتى بدا من هزالها                            سلاها وحتى سامها كل مفلس

فماذا نقول وقد زاد بها الهزال حتى لم يبق منها إلا العظام، وحتى أقدمت عليها السباع والضباع والهوام .»

 

من كتاب: ذكريات علي الطنطاوي، الجزء الثامن، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة الأولى 1989م، ص8.

اقرأ أيضــــــــــاً
ــــــــــــــــــــــ
الوصف

«كنت أبقى في المحكمة وحدي بعدما ينصرف الموظفون والمراجعون فاتغدى فيها يأتيني الطعام كل يوم من مطعم قريب …. وأنا أعرف صاحبه وأباه من قبله وأعرف جده من قبلهما، وكانوا كلهم من السمان، من الوزن الثقيل أو الذي هو فوق الثقيل.

والسمان عادة يكونون خفاف الروح ويكونون من أظرف الناس. كأن الذي زاد في شحمهم ولحمهم خفّف من دمهم. هذا هو الغالب عليهم. فإن وجدتم فيهم مَن ثقُل دمه وثقل جسمه، فتلك هي المصيبة الكبرى. ولَحمل صخرة تصعد بها الجبل أهون من مجالسة سمين ثقيل الدم.

ولعل سبب سمن أصحاب المطعم أنهم يرون أمامهم طعاماً طيباً هو لهم، يدعون بما شاؤوا منه فيكون أمامهم، وأن عملهم يقتضيهم الجلوس النهار كله لا يقومون ولا يتحركون. وإذا كثر الطعام وقلت الحركة، عوقب المرء بحمل عشرة أكيال (كيلوجرامات) أو خمسة عشر من الدهن والشحم، يقوم بها وينام معها.

وهذا ما يقع لأكثرنا. ولقد عمدت من بضع سنين إلى حمية قاسية بلا مرض، وجوع طويل بلا موجب، وإلى الاختصار من الطعام على ما حدده الطبيب بعدما حسبه بالحرات (أي الكالوري). وحدد لي حداً لا أتعداه. فكنت أشرع بالأكل وأنا جائع، وأقوم عن الأكل وأنا جائع. وصبرت على ذلك شهورا، فقلَّ وزني أربعة وسبعين …

لا، ليست أربعة وسبعين كيلا (كيلو جراماً) بل أربعة وسبعين غراماً.

لقد شغلني ذكر الطعام عن إتمام الكلام!

كنت أبقى في المحكمة ….»

 

من كتاب: ذكريات علي الطنطاوي، الجزء الثامن، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة الأولى 1989م، ص 50- 51.

الوصف

«لم يتهمني وكيل النيابة الذي هو (أصغر أعضائها)، بل اتهمني أكبر رئيس فيها. ولم تعلن التهمة بين جدران المحكمة الأربعة، بل أعلنت في [كتابه] هذا. فقد قال (وأنا أنقل نص ما قاله عني لأدافع عن نفسي). ولاحظوا أنني أنقل كلامه بألفاظه وحروفه. قال:

صرح مرة شخص سوري مسلم. كان يحتل مركزاً رفيعاً بقوله: إنه كمسلم يفضل أحقر شخصية إسلامية باكستانية أو أندونيسية على أعلم وأرفع رجل عربي غير مسلم كرجل الدولة العلامة فارس بك الخوري، وكان رحمه الله وقتئذٍ رئيساً لمجلس النواب السوري.

ملاحظة :

أنا لم أقل هذا الكلام كما رواه، ولكن قلت: إن آخر مسلم في الهند أو الباكستان أقرب إليَّ من فارس الخوري. ولم أقل أحقر شخصية إسلامية. فلا تجتمع الحقارة والإسلام قِ نفس واحدة لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين . … ويقول: فهل مثل هذا الاعتقاد يتفق وفكرة المساواة بين المواطنين في الوطن الواحد وفي ظل دستور واحد؟ بل هل يتفق مع جوهر الدين وفلسفته، ومع مفهوم القومية العربية؟ ثم قال: تصريح آخر للمواطن السوري المنعوت عنه أعلاه (يقصدني أنا).

وبعد مضي ثلاثين سنة ونيف على تصريح هذا المواطن العربي الكريم، يعود وينشر في صحيفة «الشرق الأوسط» في عددها الصادر في 28-12-1982 مقالاً مطولاً بعنوان (من ذكريات الشيخ علي الطنطاوي) [يقول فيه]: وأحد عباقرة العرب في هذا العصر، ويقصد به دولة المرحوم فارس بك الخوري، ويعدد الكثير الكثير من صفاته المتميزة وشخصيته المثالية، وعلمه الواسع الجامع، وعقله الكبير الراجح. ومع هذه العبقرية الفذّة والصفات المتميزة المتوفرة، في شخص المرحوم دولة فارس بك الخوري، فإن صاحب المقال يستهله بالقول: (ولكن آخر مسلم في آخر الأرض أقرب إليّ منه). ويقول لمن لامه لقسوة فيما مضى: يريدون أن نجعل الكافرين كالمسلمين، وأن ندعو بدعوة الجاهلين، وندع كلام رب العالمين، إنما المؤمنون أخوة، فننكر أخوَّة الإيمان، ونتمسك برابطة اللسان، فيكون أبو لهب وأبو جهل أقرب إلينا من بلال وسلمان. كلا، ولا غرابة، قلتها في أول حياتي وأقوها الآن.

انتهى ما نقلتُه من كلامه. وأنا لم أقل «ولا غرابة» بل قلت «ولا كرامة»، ولكن الأستاذ حنا مالك لا يستطيع أن يميز بين اللفظين.

إنني أقول الآن، وأنا في الثمانين من عمري، ما قلته في مطلع شبابي: إن آخر مسلم في الدنيا أقرب إليَّ من فارس الخوري ومن غير فارس الخوري. ومن لا يقول هذا القول، لا يكون مسلماً لأن رابطة الإيمان أقوى من رابطة النسب ومن رابطة اللسان. والله يقول لنوح عن ولده لما وعده الله بأن ينجي أهله، فقال: «رب إن ابني من أهلي»، فصحح له رب العالمين مقاييس القرابة، وبيّن له أن رابطة الإيمان أقوى من رابطة الأبوة فقال: «إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح». فأنا إذن لا أهاجم أحداً، ولكن أدافع عن نفسي. فإذا كنتم لا تريدون ما يدعو إلى التفرقة بين أبناء هذا الشعب، وتخشون ما يصدع وحدة الأمة التي تزعمونها، فامنعوا أمثال هذا الكتاب.

… هذا والموضوع، كما قلت، خطر يتحاشاه الناس ويبتعدون عن الكلام فيه مع أن خوفنا منه كخوف بنتى الصغيرة من ظلام الحديقة في الليل يزيله أن توقد عود كبريت أو تشعل شمعة أو تضيء كشافاً منوراً فترى، وأن الخوف من هذا الموضوع وهم في وهم. والله تعالى قد أدبنا فبيّن لنا أن لا نواد من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءنا أو أبناءنا أو إخوتنا أوعشيرتنا، وسمح لنا بأن نعاشر بالحسنى من لم يعادنا في ديننا ولم يخرجنا من ديارنا « لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم».

 

من كتاب: ذكريات علي الطنطاوي، الجزء الثامن، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة الأولى 1989م، ص 12 – 14.

الوصف

«لقد جاء في الكتاب سؤال وضعه [المؤلف] عنواناً كبيراً لفصل طويل هو (هل النصارى كفار؟). إنه عنوان يخيف كلّ راغب في وحدة الصف، محب لدوام الألفة، خائف من التصدع والانقسام. لذلك نبتعد عنه. ولقد أُلقي عليَّ هذا السؤال من قبلُ في مجلس كان فيه جمع كبير من قضاة الشرع والمشايخ، ومن كبار رجال الدين من النصارى. وكان يحضره وزراء، وكان الداعي إليه والمشرف عليه رئيس الجمهورية، أُلقي عليَّ وأجبت عنه .

وكانت أحاديث مما يتحدث به في أمثال تلك المجالس. أحاديث تمس المشكلات ولا تخترقها، وتطيف بها ولا تداخلها، ففاجأنا مرةً واحدٌ من كبارهم يعتب علينا أننا ندعوهم كفاراً، فجزع الحاضرون ووجموا، وعرت المجلس سكتة مفاجئة. فقلت للرئيس: تسمح أن أتولى أنا الجواب؟ وسألته: هل أنت مؤمن بدينك؟ قال: نعم. قلت: ومن هم الذين تدعوهم مؤمنين به؟ أليسوا هم الذين يعتقدون بما تعتقد؟ قال: بلى. قلت: وماذا تسمي من لا يعتقد بذلك؟ ألا تدعوه كافراً؟ فسكت. قلت: إن الكافر عندك هو الذي يرفض أن يأخذ بما تراه أنت من أسس الدين وأصول العقائد، وكذلك نحن. فالناس عندنا بين مسلم يؤمن بما نؤمن به من رسالة محمد، وبأن القران أنزله الله عليه، وآخر لا يؤمن بذلك فنسميه كافراً. فهل أنت مسلم؟ فضحك وقال: لا طبعا. قلت: وهل أنا في نظرك، وبمقاييس دينك، مؤمن بما لدى النصارى أو كافر به؟ فسكت. وسكتوا. قلت: أنا أسألك، فإن لم تجب، أجبت عنك. أنا عندك كافر لأني لا أعتقد بأن المسيح ابن الله، ولا بأنهم ثلاثة: الآب والابن وروح القدس، والثلاثة واحد، ولا بمسالة الفداء، ولا بأمثال ذلك مما هو من أصول عقائد النصارى. وأنت عندي كافر لأنك تقول بها. فلماذا تنكر عليَّ ما تراه حقاً لك؟

إن ديننا ظاهر معلن، ليس فيه خبايا ولا خفايا ولا أسرار. … والقرآن يقول: «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح»، ويقول في الآية الثانية: « لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة». فالكفر والإيمان إذن مسألة نسبية. ما تسميه أنت كفراً أسميه أنا إيماناً، وما أسميه أنا كفراً تسميه أنت إيماناً. والله هو الذي يفصل بيننا يوم القيامة، فسكتوا.»

 

من كتاب: ذكريات علي الطنطاوي، الجزء الثامن، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة الأولى 1989م، ص 10 – 12.

فروع قسم الكتب

سلسلة (دربال) للكتب الصوتية

مختارات صاحب الموقع لكتب قرأها فوجد فيها من الفائدة ما حثه على اختصارها وإتاحتها نصاً وصوتاً لمن لا يملك نفساً أو متسعاً لقراءة كتاب بأكمله، وقد تكون للبعض حافزاً على اقتناء الكتاب ومطالعته. استمع إلى المختصر، واقرأ نصه، ولك تنزيله، والتعليق عليه، ومشاركته
دخول للقسم

قبس من كتاب

فقرات مقتبسة من كتب تحمل قدراً مهماً من الفائدة في علوم إنسانية متعددة. للزائر الكريم مطالعتها، وتنزيلها، والتعليق عليها، ومشاركتها
دخول للقسم