39 م د: مسؤولية تقصيرية عن غصب ملكية محجر (إجابة)

:

وإن أملى الصالح العام على المشرع توزيع الاختصاصات بين سلطات الدولة، وجعل وزير المالية المسؤولَ عن صرف المبالغ المستحقة لتنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد الجهات العامة الممولة من الخزانة العامة، إلا أن هذا بمجرده لا يبرر اختصامه في دعوى سندها سلوكٌ تقصيري منسوب إلى غيره مادامت العلاقة التبعية أو الإشرافية مع هذا الغير غير قائمة. فهذه العلاقة هي أساس سلطة الأمر والمراقبة والإدارة التي يمارسها المتبوع على تابعه، وهي مناط تحمله تبعة أخطاء التابع، والتي يفترض قانوناً أنها نشأت بسبب سوء اختيار التابع أو التقصير في الرقابة عليه. ولا شبه في أن كل هذا غير متحقق في حالة وزير المالية بالنسبة إلى المنسوب إليه الخطأ.

لا وجه للاحتكام إلى قواعد التعويض عن نزع الدولة لملكية عقار والمقررة في قانون التطوير العمراني إلا إذا كان النزع موافقاً لهذا القانون. استيلاء جهة الإدارة على عقار موكل المدعي وضمه إلى المرفأ البحري المنشأ، وحصول ذلك من دون صدور قرار به من مجلس الوزراء، صاحب الاختصاص المانع بتقرير المنفعة العامة لمشروعات المرافق والمنافع العامة، لهو من الناحية القانونية غصب لا نزع ملكية للمنفعة العامة. ولهذا، فلا تنطبق عليه أحكام قانون التطوير العمراني.

تقيم المحكمة تقديرها للتعويض عن الضرر المعنوي الناشئ عن نزع جهة الإدارة للملكية على دعامتين متقابلتين: على ما تتصوره من ألم نفسي امتلك شعور المالك وقد سُلب أرضه قهراً، وحُرم من حالة الطمأنينة التي كانت توفرها له كرصيد عقاري في هذه الدنيا، فصار من بعد منكسر القلب متوجعه؛ وعلى أنه لا مشاحة في أن المشروع المقام على الأرض، هو في الحقيقة مشروع ذو نفع عام يعود على البلاد والعباد فيها بالخير. ولهذا، تراعي المحكمة في التقدير ما يمكن أن يعود على مالك الأرض نفسه، كأحد المواطنين، من نفع من هذا المشروع.

:

[القاعدة]

[وإن أملى الصالح العام على المشرع توزيع الاختصاصات بين سلطات الدولة، وجعل وزير المالية المسؤولَ عن صرف المبالغ المستحقة لتنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد الجهات العامة الممولة من الخزانة العامة، إلا أن هذا بمجرده لا يبرر اختصامه في دعوى سندها سلوكٌ تقصيري منسوب إلى غيره مادامت العلاقة التبعية أو الإشرافية مع هذا الغير غير قائمة. فهذه العلاقة هي أساس سلطة الأمر والمراقبة والإدارة التي يمارسها المتبوع على تابعه، وهي مناط تحمله تبعة أخطاء التابع، والتي يفترض قانوناً أنها نشأت بسبب سوء اختيار التابع أو التقصير في الرقابة عليه. ولا شبه في أن كل هذا غير متحقق في حالة وزير المالية بالنسبة إلى المنسوب إليه الخطأ.

لا وجه للاحتكام إلى قواعد التعويض عن نزع الدولة لملكية عقار والمقررة في قانون التطوير العمراني إلا إذا كان النزع موافقاً لهذا القانون. استيلاء جهة الإدارة على عقار موكل المدعي وضمه إلى المرفأ البحري المنشأ، وحصول ذلك من دون صدور قرار به من مجلس الوزراء، صاحب الاختصاص المانع بتقرير المنفعة العامة لمشروعات المرافق والمنافع العامة، لهو من الناحية القانونية غصب لا نزع ملكية للمنفعة العامة. ولهذا، فلا تنطبق عليه أحكام قانون التطوير العمراني.

تقيم المحكمة تقديرها للتعويض عن الضرر المعنوي الناشئ عن نزع جهة الإدارة للملكية على دعامتين متقابلتين: على ما تتصوره من ألم نفسي امتلك شعور المالك وقد سُلب أرضه قهراً، وحُرم من حالة الطمأنينة التي كانت توفرها له كرصيد عقاري في هذه الدنيا، فصار من بعد منكسر القلب متوجعه؛ وعلى أنه لا مشاحة في أن المشروع المقام على الأرض، هو في الحقيقة مشروع ذو نفع عام يعود على البلاد والعباد فيها بالخير. ولهذا، تراعي المحكمة في التقدير ما يمكن أن يعود على مالك الأرض نفسه، كأحد المواطنين، من نفع من هذا المشروع.]

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه،

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 23 شوال 1440هـ. الموافق: 26-6-2019م،

برئاسة د. عيـاد علي دربال القاضي، وحضور الأخ ... كاتب الجلسة،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــم

الدعوى:

...-2017 مدني كلي الزاوية.

المدعي:

...، موطنه المختار مكتب المحامية ...، وذلك بصفته وكيلاً عن والده ....

المدعى عليه:

  1. رئيس مجلس الوزراء بصفته؛
  2. وزير المالية بصفته؛
  3. وزير الإسكان والمرافق بصفته؛
  4. مراقب مراقبة الإسكان والمرافق بالزاوية بصفته.

وتنوب عنهم إدارة القضايا فرع الزاوية الكائن مقره بطريق الزهراء.

ملخص الدعوى

تلخّص الدعـوى في اختصام المدعي بصفته للمدعى عليهم بصحيفة أعلنت إلى فرع إدارة القضايا بالزاوية لكونه النائب عنهم قانوناً. شرح المدعي الدعوى بما فحواه أن موكله يملك أرضاً بالزاوية، محلة ضي الهلال، منطقة مرسى ديلة، تستغل كمحجر، تبلغ مساحتها ثلاثة آلاف متر مربع، ويفصلها عن شاطئ البحر 145 متراً. حدودها: من الشمال، ...؛ من الجنوب، ...؛ من الشرق، ...؛ من الغرب، كذلك. في 23-8-2008، أصدرت مراقبة الإسكان والمرافق بشعبية الزاوية قرارها 81 لسنة 2008 بإخلاء المباني الواقعة داخل مشروع المرفأ البحري (مرسى ديلة) البالغ عددها 63 مبنى، وهي مبينة بكشف الحصر المرفق بالقرار. وفي اليوم التالي، أصدرت قرارها رقم 82 بإزالة المباني، وبتعويض المالكين وفق التشريعات النافذة، لكن موكل المدعي لم يتلق أي تعويض عن عقاره بعد.

وفقاً للصحيفة، لم يتبع المدعى عليهم إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة المقررة بموجب قانون التطوير العمراني 116 لسنة 1972، ما يعد معه استيلاؤهم على الأرض غصباً موجباً للتعويض تعويضاً عن ضرر ناشئ عن عمل غير مشروع وفقاً لما قررته المحكمة العليا في العديد من أحكامها. دفع ذلك المدعي بصفته إلى استصدار الأمر الولائي ... لسنة 2009 عن رئيس المحكمة الابتدائية بانتداب خبير لتقدير قيمة الأضرار المادية. في 8-11-2009، أودع الخبير تقريره مقدراً قيمة الأرض بمئة وخمسة وتسعين ألف دينار، وقيمة ما كان يمكن إنتاجه منها من طوب حجري، بمليون وتسعمئة وخمسة عشر ألف وتسعمئة وثلاثة وأربعين ديناراً.

انتهى المدعي بصفته إلى طلب التعويض عن الضرر المادي المتمثل في ما لحقه من خسارة وما فاته من كسب والناشئ عن حرمانه من الأرض ومن الانتفاع بها، وعن الضرر المعنوي المتمثل في ما أصابه من حزن وألم وحسرة بسبب سلوك المدعى عليهم غير المشروع، وهو ما مس سمعته وحطم نفسيته وأصاب قلبه وحياته باليأس. ولهذا كله، يطلب الحكم له بالتالي:

أولاً: إلزام المدعى عليهم متضامنين بأن يدفعوا له مليونين ومئة وعشرة آلاف وتسعمئة وثلاثة وأربعين ديناراً تمثل الآتي:

  1. قيمة الأرض، وهي مئة وخمسة وتسعون ديناراً؛
  2. مليون وتسعمئة وخمسة عشر ألف وتسعمئة وثلاثة وأربعون ديناراً، وهو ما كان يمكن كسبه من استخراج الطوب؛

ثانياً: إلزامهم بأن يدفعوا له خمسة ملايين دينار عن الضرر المادي بسبب عدم اتباع الإجراءات القانونية في الاستيلاء على الأرض؛

ثالثاً: إلزامهم بأن يدفعوا له خمسة ملايين دينار عن الضرر المعنوي بسبب عدم اتباع الإجراءات القانونية في الاستيلاء على الأرض؛

رابعاً: إلزامهم بالمصاريف والأتعاب وشمول الحكم بالنفاذ المعجل وبلا كفالة.

بدأت المحكمة نظر الدعوى في 17-1-2018. أمامها، حضر عن المدعي بصفته محامون مفوضون من محاميه الأستاذة ...، وعن المدعى عليهم، حضرت الأستاذة المحامية ... عضو إدارة القضايا. طلب الحاضر عن المدعي ضم ملف الأمر الولائي المشار إليه لتضمنه مستنداته في الدعوى. ضُم الملف حاوياً صوراً ضوئية للوثائق التالية: علم وخبر بملكية موكل المدعي الأرض موضوع الدعوى؛ قرار لجنة تخصيص العقارات 170 لسنة 2008 صادر عن رئيس لجنة تخصيص العقارات بمراقبة الإسكان والمرافق بشعبية الزاوية بتخصيص واحد وعشرين هكتاراً من الأرض الواقعة على شاطئ البحر بمدينة الزاوية لإنشاء مرفأ ديلة للصيد البحري؛ قرار مراقبة الإسكان والمرافق بشعبية الزاوية 81 لسنة 2008 بإخلاء المباني الواقعة داخل مشروع المرفأ والمبينة بالكشف المرفق بالقرار؛ قرارها 82 لسنة 2008 بإزالة تلك المباني وبتعويض الماكلين حسب الكشف المرفق بالقرار. واشتمل الملف على صور طبق الأصل لـ: تقرير لجنة متابعة العقارات المملوكة للدولة بشأن حصر ملاك العقارات الواقعة بنطاق مشروع المرفأ، يورد اسم موكل المدعي ضمن الملاك؛ كشف مذيل بتوقيع مكتب الزاوية للهيئة العامة للثروة البحرية بحصر المباني والأراضي الواقعة بمشروع المرفأ يتضمن اسم موكل المدعي منتفعاً بالأرض رقم ... البالغة مساحتها ثلاثة آلاف متر مربع والمقدرة بمبلغ ثلاثمئة ألف دينار؛ شهادة من المكتب نفسه بأن المذكور هو شاغل الأرض رقم ...، وأنها أرض حجرية مساحتها ثلاثة آلف متر مربع. وضم الملف أيضاً: طلب موكل المدعي إلى رئيس محكمة الزاوية الابتدائية بانتداب خبير لتقدير قيمة الأرض وما تنتجه مؤشراً عليه بالموافقة؛ تقرير الخبير.

أبدى محامي المدعى عليهم دفاعه في مذكرة دفع فيها بما تجمله المحكمة في التالي:

خلص الدفاع إلى طلب الحكم له بمقتضى دفوعه، وعلى سبيل الاحتياط، طلبَ خفض قيمة التعويض إن وجدت له المحكمة موجباً.

رد دفاع المدعي بمذكرة التالي مختصرها:

 وقدم دفاع المدعي توكيلاً خاصاً رسمياً صادراً عن ... للمدعي بتمثيله أمام القضاء.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وهنا قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءُه ليبتلي في الحالتين شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة وقد تفحصت الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في ما قضت به بشأنها. وإنه لقضاء أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن كل طرف دفاعه، وإذاً فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً بالنسبة لكليهما عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات.

وحيث إن من الدفوع المبداة ضد الدعوى ما هو حقيق بالفحص قبل وغول الموضوع. لذا، فالمحكمة تستهل بوزنها بميزان القانون.

فأما عن الدفع بعدم الاختصاص الولائي بنظر الدعوى، فمردود. ذلك أنه مبنيٌّ في أساسه على المحاجة بالقانون 116 لسنة 1972 بشأن التطوير العمراني بدعوى أنه الواجب التطبيق على واقعة استيلاء جهة الإدارة على أرض موكل المدعي، وما هذا بصحيح. فمحل تطبيق هذا القانون في هذا السياق هو قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة الصادرة وفق المقرر فيه. وليس عمل جهة الإدارة موضوع الدعوى الماثلة بما يستوي إدراجه ضمن هذه القرارات. فقد راعى المشرع قدسية حق الملكية الخاصة، فأحاطها بجملة من الضمانات الإجرائية والموضوعية. من ذلك أنه قرر في المادة 17 الاختصاص المانع لمجلس الوزراء بإصدار قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة. وعلى هذا، فإن استيلاء جهة الإدارة على عقار الغير من دون صدور قرار بذلك من هذه الجهة لا يعد من أعمال المنفعة العامة المقررة في قانون التطوير العمراني، ومن ثم، فلا تجري عليه أحكامه، بل يعد في عين القانون اعتداءً غير مشروع. وكما تقرر المحكمة العليا في الكثر من أحكامها، فإن استيلاء جهة الإدارة على عقار لإضافته للمنفعة العامة دون أن تتخذ الاجراءات التي يوجبها قانون نزع الملكية يعد غصباً، فلا يسلب الملكية ولا ينقلها، ويظل معه حق المالك في الاختيار بين الرد العيني، إن كان ممكناً، أو الرد بطريق التعويض قائماً. ويجري تقدير التعويض على مقتضى عناصره الواقعية دون تقيد بالأسس الواردة في قوانين نزع الملكية (الطعون المدنية: 12/22ق؛ 118/22ق؛ 46/26ق؛ 69/44ق؛ 101/46ق)

لما كان ذلك، فإن ما نسب إلى جهة الإدارة في الدعوى الماثلة من استيلائها على عقار موكل المدعي وضمه إلى المرفأ البحري المنشأ، وحصول ذلك من دون صدور قرار به من الجهة التي أناط بها المشرع تقرير المنفعة العامة لمشروعات المرافق والمنافع العامة، لهو من الناحية القانونية غصب لا نزع ملكية للمنفعة العامة. ولهذا، فلا تنطبق عليه الأحكام المقررة في قانون التطوير العمراني، وهو ما يلزم عنه رد دفع دفاع المدعى عليهم بعدم الاختصاص الولائي لهذه المحكمة بنظر الدعوى، كما يترتب عليه تساقط كل دفوعه الأخرى المستدعية أحكام هذا القانون.

وحيث إن استيلاء جهة الإدارة على عقار موكل المدعي قد جرى غصباً، فإن التكييف القانوني للدعوى هو أنها دعوى تعويض عن ضرر ناشئ عن عمل غير مشروع، يكون فيها شأن صاحب العقار، كما تقرر المحكمة العليا في الطعن المدني 46/26ق، "شأن المضرور وفقاً للأحكام العامة في المسؤولية التقصيرية عن التعويض."

وحيث إنه عن الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم تقديم الشهادة السلبية المشروطة لقبول الدعاوى العينية العقارية، فهو دفع ظاهر البطلان لنشوئه عن فهم قاصر لطبيعة الدعوى الماثلة. وحسبُ المحكمة لإطراحه أن تشير إلى أنها إزاء دعوى شخصية لا عينية والحال أن المدعي لا يطلب أكثر من التعويض عن الاستيلاء على الملكية.

وحيث إنه عن الدفع بعدم صفة المدعي، فمردود بما استدرك به من التوكيل الخاص المشار إليه. كذلك فإن الدفع بعدم صفة المدعى عليه الأول، خاطئ. فصفته في الدعوى متحققة استناداً إلى أنه من المقرر بقضاء المحكمة العليا أن مسؤولية رئاسة الوزراء كمتبوع تجد مصدرها في اختصاصها الإشرافي على جميع مؤسسات الدولة، وفي مسؤوليتها التضامنية أمام السلطة التشريعية، وبالتالي فإنها تكون ذات علاقةٍ بالنزاع وصفةٍ في الدعوى مادامت قد اختُصمت مع مؤسسة تتبعها (الطعنان المدنيان: 240/44ق؛ 260-52ق). وأما الدفع بعدم صفة المدعى عليه الثاني، فقد أصاب المحز. فلئن أملى الصالح العام، الذي يفرض تقسيم العمل حتى يتفرغ كلُّ موظف وكلُّ هيئة لما أنيط به، على المشرع توزيع الاختصاص بين سلطات الدولة، وجعل وزير المالية المسؤولَ عن صرف المبالغ المستحقة لتنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد الجهات العامة الممولة من الخزانة العامة، إلا أن هذا بمجرده لا يبرر اختصامه في دعوى سندها سلوكٌ تقصيري منسوب إلى غيره، مادامت العلاقة التبعية أو الإشرافية مع هذا الغير منعدمة. فهذه العلاقة هي أساس سلطة الأمر والمراقبة والإدارة التي يمارسها المتبوع على تابعه، وهي مناط تحمله تبعة أخطاء التابع، والتي يفترض قانوناً أنها نشأت بسبب سوء اختيار التابع أو التقصير في الرقابة عليه. ولا شبه في أن كل هذا غير متحقق في حالة وزير المالية بالنسبة إلى المنسوب إليه الخطأ.

لما كان ذلك، وجبت الصيرورة إلى صلب موضوع الدعوى. وحيث أساس الدعوى هو المسؤولية التقصيرية، فإن المحكمة تبحث أركانها تباعاً. وحيث إنه عن ركن الخطأ، فمتحقق بواقعة استيلاء المدعى عليه الرابع على أرض موكل المدعي من دون قرار بنزع ملكيتها للمنفعة العامة صادر عن السلطة المختصة، وهو ما يشكل انحرافاً عن السلوك المعيار الواجب في حق الموظف العام. وحيث إنه عن ركني الضرر والعلاقة السببية، فمتحققان أيضاً بمجرد واقعة سلب موكل المدعي ملكه وحرمانه منه دون رضاه، وبغير أساس قانوني، وهو ما أفقده هذا الملك ومنافعه وألحق به من الضرر المادي والمعنوي ما سيأتي نبؤه بعد حين. وهذا الاستيلاء ثابت بإقرار دفاع المدعى عليهم وبما قدمه المدعي بصفته من القرارين 81 و82، ومن تقرير لجنة تخصيص العقارات والكشف الخاص بالمباني والأراضي الواقعة بمشروع المرفأ واللذين يوردان اسم موكل المدعي قرين أرضه الموصوفة كإحدى الأراضي المخصصة للمرفأ.

لما كان ذلك، فإن المحكمة تقرر ثبوت مسؤولية المدعى عليهم التقصيرية بما يوجب القضاء عليهم بتعويض المدعي بصفته عما لحق موكله من أضرار مادية ومعنوية ناشئة عن عملهم غير المشروع. وحيث إنه عن تقدير التعويض فإن المحكمة، واستناداً إلى المادتين 224 و225 من القانون المدني، تقدره بالوارد بالمنطوق اهتداءً بالآتي:

أما التعويض عن الضرر المادي، فإنه لما كان هذا النوع من الضرر يتمثل في ما لحق المدعي من خسارة وما فاته من كسب مما هو نتيجة طبيعية لسلوك المتسبب فيه. لذا، فالحكم بثبوته يستلزم من المدعي تحديدَ كلِّ عنصر من عناصره والتدليلَ عليه حتى يتأتى للمحكمة التحقق من مدى حقه في التعويض عن كل منها، ومن ثم حساب المستحق جبراً للضرر. وحيث إن المدعي يجزئ التعويض المطلوب إلى واحد يستند فيه إلى تقرير الخبير القضائي، وثان يقول فيه بضرر مادي "بسبب عدم اتباع الإجراءات القانونية في الاستيلاء على الأرض".

وحيث إنه عن الجزء الأول، فمبناه تقرير الخبرة الذي يثبت فيه معده أن الأرض حجرية، وأنه تمكن فنياً من تحديد حجم المحجر فيها بـ 65700 متر3، وأنه بإجرائه حساباً لكمّ الطوب الممكن إنتاجه أخذاً في الحسبان المفقود بسبب أعمال القطع وثمن الطوبة في السوق المحلي، قدر قيمته بمبلغ 1915943.400 د.ل. وقدر ثمن الأرض في ذاتها في ضوء سعر السوق المحلية بمبلغ 195000 د.ل. وبذلك يكون التقرير قد تضمن عنصر الضرر الأول المتمثل في قيمة العقار، والثاني المتمثل في ما فات المالك من كسب من جراء حرمانه من استعماله واستغلاله والانتفاع به. وحيث إن المحكمة تطمئن إلى التقديرين لكن بتعقيب أنه غاب عن الخبير القضائي، في حسابه لقيمة ما كان يمكن إنتاجه من طوب، أن يخصم قيمة الأعمال التنفيذية لاستخراج هذا الطوب وتسويقه. ولهذا، فالمحكمة تحكم بالوارد بالمنطوق بعد استقطاع جزء من المبلغ الإجمالى كمصاريف قدَّرتها للإنتاج والتسويق.

أما الجزء الثاني، فلا وجه لقبوله. فالمدعي لا يبين عناصر ضرر موجبة له ومتمايزة عن تلك التي تضمنها تقرير الخبرة. فكلا الخسارة اللاحقة والكسب الفائت، المشروطين لقيام هذا الضرر، والناتجين عن فعل الاستيلاء مستغرقان بعناصر الضرر الواردة في تقرير الخبرة، ومن ثم، لا يستوي التعويض عنها أكثر من مرة. أما مقولة "عدم اتباع الإجراءات القانونية في الاستيلاء على الأرض" الواردة تبريراً للتعويض، فلا تكفي بمجردها أساساً للمطلوب، وإذاً فلا تجزئه في إجابة سؤله بشأنه.

وحيث إنه عن تقدير التعويض عن الضرر المعنوي، فالمحكمة تقضي بالوارد بالمنطوق جابراً بخاطر المضرور من الألم الأدبي، مستندة على دعامتين: الواحدة، أن محل هذا الضرر مصلحة غير مالية، مصابٌ في الشعور أو العاطفة أو الكرامة أو الشرف أو ما شابه ذلك مما يطال الواحد في قيم معنوية مهمة في حياته، فهو، وفق مدلول ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا، من الخفايا غير المدركة بالظاهر، فلا يمكن، بالتالي، لمسه والوقوف عليه وتحديد عناصره. وحسب مدعيه لقبول طلبه التعويضَ عنه معقوليةُ تصور ترتبه عن الخطأ، ومعقولية تقدير المبلغ المراد جبراً له أو تخفيفاً منه. والمحكمة تجزم بأنه، بهذا المدلول، متحقق في الحالة الماثلة بما تتصوره من ألم نفسي امتلك شعور المالك وقد سُلب أرضه قهراً وحُرم من حالة الطمأنينة التي كانت توفرها له كرصيد عقاري في هذه الدنيا، فصار من بعد ولا ريب منكسر القلب متوجعه؛ الأخرى، أنه وإن كانت جهة الإدارة قد استولت على الأرض من دون اتباع الإجراءات القانونية، ما يعد معه سلوكها من الناحية القانونية غصباً، إلا أنه من الناحية الواقعية، لا مشاحة في أن المشروع المقام على الأرض، هو في الحقيقة مشروع ذو نفع عام يعود على البلاد والعباد فيها بالخير. ولهذا، لزم المحكمةَ أن تأخذ في الحسبان عند تقديرها قيمة التعويض عن الضرر الأدبي ما يمكن أن يعود على مالك الأرض نفسه، كأحد المواطنين، من نفع من هذا المشروع.

وحيث إنه عن المصاريف، فإن المحكمة تلزم المحكوم عليهم، وذلك وفقاً للمادتين 281 و282 من قانون المرافعات.

حيث إنه عن طلب النفاذ المعجل وبلا كفالة، فالمحكمة ترفضه لعدم تحقق أي من حالته المقررة بموجب المادة 378 وما بعدها من قانون المرافعات.

الحكم

    حكمت المحكمة حضورياً:

أولاً: بعدم قبول الدعوى ضد المدعى عليه الثاني لعدم الصفة؛

ثانياً: بإلزام المدعى عليهم الأول والثالث والرابع بأن يدفعوا للمدعي بصفته وكيلاً عن ... (مليوناً وتسعمئة ألف دينار) تعويضاً له عما أصابه من ضرر مادي، وبأن يدفعوا له بالصفة نفسها عشرين ألف دينار عما أصابه من ضرر معنوي؛

ثالثاً: بإلزام المحكوم عليهم بالمصاريف، وبرفض ما عدا ذلك من طلبات. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                          القاضي

أُودعت الأسباب في: 25-7-2019