3 ك ص د: كتاب (مشكلة الثقافة) للمفكر مالك بن نبي

:

هذا مختصر نصي وصوتي لكتاب المفكر مالك بن نبي بعنوان مشكلة الثقافة. إنه جزء من سلسلة المؤلف القيِّمة عن مشكلات الحضارة.

يعرض الكتاب مفهوم الثقافة ودورها في بناء الحضارات. يبين خطأ المفهوم السائد الذي يربط تخلف المسلمين بنطاق الأشياء، والذي أدى إلى تهميش دور الأفكار، وإحداث ظاهرة من التكديس المادي لأشياء الحضارات الأخرى في البلاد الإسلامية، فبقيت على تخلفها.

يفصل المؤلف بين المستوى العلمي للمسلم وحالة اللافاعلية التي يعيشها، مرجعاً هذه إلى مشكلة الثقافة لا التعليم، مشكلة نظم الأفكار وأسلوب الحياة في المجتمع والسلوك الذي ينتهجه أفراده للانسجام مع هذا الأسلوب. ويورد أن الدخول إلى وضع النهضة يستلزم القضاء على الجراثيم الاجتماعية وتصفية المجتمع من العادات القتالة. ويضرب لذلك مثلاً بمرض التعالم أو الحرفية في التعليم الذي نعانيه من أولئك الحاملين للافتات العلمية الذين لم يقتنوا العلم إلا للعيش والتكسب وصعود منصات البرلمان. يشترط إزالتهم ليصفو الجو للعاقلين الجادين. كما يركز على جوهرية الدين في عملية النهضة من حيث إنه الإطار الأخلاقي لها، ويشدد على أن الخصوصيات الثقافية للمجتمعات تعيق جدوى استنساخ الدولة لتجارب دول أخرى تختلف عنها في العناصر المكونة لثقافتها.

https://youtu.be/SbvWCS1XchQ

:

[هذا مختصر نصي وصوتي لكتاب المفكر مالك بن نبي بعنوان مشكلة الثقافة. إنه جزء من سلسلة المؤلف القيِّمة عن مشكلات الحضارة.

يعرض الكتاب مفهوم الثقافة ودورها في بناء الحضارات. يبين خطأ المفهوم السائد الذي يربط تخلف المسلمين بنطاق الأشياء، والذي أدى إلى تهميش دور الأفكار، وإحداث ظاهرة من التكديس المادي لأشياء الحضارات الأخرى في البلاد الإسلامية، فبقيت على تخلفها.

يفصل المؤلف بين المستوى العلمي للمسلم وحالة اللافاعلية التي يعيشها، مرجعاً هذه إلى مشكلة الثقافة لا التعليم، مشكلة نظم الأفكار وأسلوب الحياة في المجتمع والسلوك الذي ينتهجه أفراده للانسجام مع هذا الأسلوب. ويورد أن الدخول إلى وضع النهضة يستلزم القضاء على الجراثيم الاجتماعية وتصفية المجتمع من العادات القتالة. ويضرب لذلك مثلاً بمرض التعالم أو الحرفية في التعليم الذي نعانيه من أولئك الحاملين للافتات العلمية الذين لم يقتنوا العلم إلا للعيش والتكسب وصعود منصات البرلمان. يشترط إزالتهم ليصفو الجو للعاقلين الجادين. كما يركز على جوهرية الدين في عملية النهضة من حيث إنه الإطار الأخلاقي لها، ويشدد على أن الخصوصيات الثقافية للمجتمعات تعيق جدوى استنساخ الدولة لتجارب دول أخرى تختلف عنها في العناصر المكونة لثقافتها.]

[إذا أعجبك العمل، فلا نطمع في غير دعاء بالأجر والثواب لنا وللمؤلف رحمه الله تعالى.]

 

مختصر الكتاب:

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم

لا تضمُّ الثقافةُ في مفهومهِا الأفكارَ فحسب، وإنما تضمُ أشياءَ أعمَّ من ذلك كثيراً، تخصُّ أسلوبَ الحياةِ في مجتمعٍ معينٍ من ناحية، كما تخصُّ السلوكَ الاجتماعيَّ الذي يطبعُ تصرفاتِ الفردِ في ذلك المجتمعِ، من ناحيةٍ أخرى.

إن تنظيمَ المجتمعِ وحياتَهُ وحركتَه، بل فوضَاهُ وخمودَهُ وركودَهُ، كُلُّ هذه الأمورِ ذاتُ علاقةٍ وظيفيةٍ بنظامِ الأفكارِ المنتشرةِ في ذلك المجتمع. فإذا ما تغيّرَ هذا النظامُ بطريقةٍ أو بأخرى، فإن جميعَ الخصائصِ الاجتماعيةِ الأخرى تتعدلُ في الاتجاهِ نفسه.

إنَّ الجراثيمَ هي العواملُ التي تنقلُ الأمراضَ، لكنَّ هناكَ شكلاً آخرَ من أشكالِ العدوى، هو ذلك الذي ينقُلُ الأمراضَ الاجتماعيةَ من جيلٍ إلى جيل، الأمرُ الذي يضطرنا، تبعاً لطبيعةِ المشكلةِ ذاتِها، أن نقررَ أن هناكَ أيضاً أنواعاً من الجراثيمِ الناقلةِ للأمراضِ الاجتماعية. هذهِ الجراثيمُ الخاصةُ، أفكارٌ معدية، أفكارٌ تهدمُ كيانَ المجتمعاتِ أو تُعُوقُ نموّها.

وعلى هذا نجدُ أنَّ أهميةَ الأفكارِ في حياةِ مجتمعٍ معينٍ، تتجلى في صورتين: فهي إمّا أن تؤثرَ بوصفها عواملَ نهوضٍ بالحياةِ الاجتماعيةِ، وإمّا أن تؤثرَ على عكسِ ذلك، بوصفها عواملَ مُمرضة، تجعلُ النمو الاجتماعيَّ صعباً أو مستحيلاً. وهنالك، فضلاً عن ذلك، جانبٌ آخرُ لأهميِة الأفكارِ في العلم الحديث، ففي القرنِ التاسعِ عشر، كانت العلاقاتُ بين الأممِ والشعوبِ علاقاتِ قوة، وكانَ مركزُ الأمة يُقدّرُ بعددِ مصانِعها ومدافِعها وأساطِيلها البحريةِ ورصيدِها من الذهب. ولكنَّ القرنَ العشرينَ سجّلَ في هذا الصددِ تطوراً معلوماً، هو أنه قد أعلى من الفكرةِ باعتبارها قيمةً قوميةً ودولية. هذا التطور لم تشعر بهِ كثيراً البلدانُ المتخلفة؛ لأن عقدةَ تخلفها ذاتَها قد نصبت في طريقها ضرباً من الغرام السقيم بمقاييس القوة، أي بالمقاييسِ القائمةِ على الأشياء. فالرجلُ الذي يعيشُ في بلدٍ متخلفٍ يلاحظ، دونَ ريبٍ، تخلفَهُ بالنسبةِ للرجلِ الذي يعيشُ في بلدٍ متقدم. وهو يلاحظُ شيئاً فشيئاً أن الذي يفصلُ ما بينَ الشعوب ليس هو المسافات الجغرافية، وإنما هي مسافاتٌ ذاتُ طبيعةٍ أخرى.

والمسلمُ بسبب عقدةِ تخلفِه، يَردُّ هذهِ المسافةَ إلى نطاقِ الأشياء، أو هو بتعبير آخر، يرى أن تخلفه متمثل في نقص ما لديه من مدافعَ وطائراتٍ ومصارف. وبذلك يفقد مركبُ النقصِ لديه فاعليتَهُ الاجتماعية؛ إذ ينتهي من الوجهةِ النفسيةِ إلى التشاؤم، كما ينتهي من الوجهةِ الاجتماعية إلى ما أطلقنا عليهِ في كتابنا، شروطُ النهضة، "التكديس". فلكي يصبحَ مركبُ النقص لديه فعّالاً مؤثراً، ينبغي أن يَردَّ المسلمُ تخلفه إلى مستوى الأفكار لا إلى مستوى الأشياء، فإن تطورَ العالم الحديث دائماً، يتركز اعتماده على المقاييس الفكرية. فقد دخل العالمُ في مرحلةٍ لا يمكنُ أن تُحلَّ فيها أغلبية مشكلاتِه إلا على أساسِ نُظُم الأفكار. وفي مرحلةٍ كهذه، يتحتمُ على البلاد العربيةِ والإسلامية أن تُوليَ أكبرَ قدرٍ من اهتمامها لمشكلة أفكارها، وخاصةً تلكَ البلاد التي لا تملكُ كثيراً من أدواتِ القوةِ المادية.

أولويات:

ما هي الثقافة؟

القواميسُ الموجودةُ بين أيدينا لا تذكرُ هذه الكلمةَ إلا لماما، سواءٌ في ذلك القديمة والحديثة. فهي في جملتها تقول: ثِقفَ ثقافةً: صار حاذقاً خفيفا، وثِقفَ الكلامَ: فهمه بسرعة.

إن هناك ظاهرةَ تثقيف تلقائي هي ثمرةٌ طبيعيةٌ لأي مجتمعٍ في أيّ وضعٍ كان. فروما كانت لها ثقافةُ إمبراطورية، كما كان لأثينا ثقافةُ حضارة. ولكن لا العبقرية الرومانية، ولا العبقرية الإغريقية ابتكرت لفظاً أطلقته عنواناً على ثقافتها. وهكذا أيضاً كان الأمر في دمشقَ وفي بغداد. فليس لنا أن نعجبَ إذا لم نجد كلمةَ ثقافة في وثائقِ العصر، أو في مؤلفاتِ ابن خلدون؛ لأن فكرةَ الثقافة حديثة، جاءتنا من أوروبا. فالكلمةُ إذاً جديدة، أي أنها وُجدت بطريقةِ التوليد.

يُفرّقُ "ويليام أُقبرن" في الثقافة بين مجالين، يطلقُ على أحدهما: الثقافةَ المادية؛ وعلى الآخر: الثقافةَ المتكيفة. فالمجال الأولُ يضمّ في رأيه الجانبَ الماديَّ من الثقافة؛ أي مجموعَ الأشياء وأدواتِ العمل والثمراتِ التي تخلقها. ويضمّ المجال الثاني الجانبَ الاجتماعي؛ كالعقائدِ والتقاليد والعادات والأفكار واللغةِ والتعليم. وهذا الجانبُ الاجتماعيُّ هو الذي ينعكس في سلوكِ الأفراد. ويرى أن تغيّرَ الثقافةِ ضروريٌّ، يبدأُ في مجال الأشياء والأدواتِ، ثم يمتد تأثيرُه كيما يُعدّلَ الجانبَ الاجتماعي. فالقوةُ المغيّرَةُ عنده كامنةٌ في الأشياء؛ لأنها تقبلُ التغير بأسرعَ مما تقبلهُ الأفكار. وليس ممكناً أن تتخلصَ الأفكار من تأثير هذهِ التغيرات، وإلا حدثَ اختلالٌ ثقافيّ واضطرابٌ اجتماعيّ، قد ينشأُ عنه كثيرٌ من المنازعات الاجتماعية. وعلى هذا، فإن الشيءَ لديه هو الذي يخلق الفكرة. وبناءً عليه، يكفي أن نتصورَ زوالَ الأشياء حتى تنهار الثقافةُ، كأنها بنيانٌ قُوّضَ أساسه. لكن هذا لا يقوم عليه دليل، ولقد أرانا تاريخ ألمانيا الحديث كيف أن بلداً شهد الانهيارَ الكامل لعالمِ أشيائه، قد استطاع باحتفاظه بعالم أفكاره، أن يبنيَ بنيانَه من جديد.

إن من الواجبِ أن نضعَ نصب أعيننا ماضيا تتكون فيه أحياناً الأشياء والأفكار الميتةُ الخامدة، ومستقبلاً ينبغي أن يشيَّدَ على الأفكار والأشياء الحيةِ الناشطة. والحقُّ أننا قد قلنا جوهرَ رأينا في مقدمةِ هذه الدراسةِ في ما يخصُّ هذا الجانبَ السلبيّ الضروريّ في تحديدِ معنى الثقافة، وذلك عندما تحدَّثْنَا عن الأفكارِ الممرضةِ، التي تنقلُ الأمراضَ الاجتماعيةَ من جيل إلى آخر. ومن الواضحِ أنه لا يمكن تعرُّف ثقافة حيةٍ وباعثة دون أن ندرك خطر هذه الجراثيم الثقافية، التي يتحتم القضاء عليها.

إنه في ما عُرِض من آراء مختلفةٍ إشارات ثمينة لحل مشكلةِ الثقافة. لكنَّ هذه الإشارات على الرغم أنها لا تقدر بثمن، ليست في الحقيقةِ حلاً لمشكلتنا؛ فإن للمشكلات الاجتماعية نوعيتها التاريخية. وهذا يعني أن ما يصلح لمجتمع معين في مرحلةٍ معينةٍ من تاريخه، قد تنعدمُ فائدتهُ تماماً بالنسبة له في مرحلةٍ أخرى. ولهذا نستطيع أن نقررَ بصفةٍ عامةٍ، أن من المخاطرة أن نقتبس حلاً غربياً أو حلاً شرقياً كيما نطبقَه على أي مشكلةِ تواجهنا في العالم العربي والإسلاميّ؛ لأننا هنا أمام مجتمعاتٍ تختلف أعمارها أو تختلف اتجاهاتها وأهدافها.

وغني عن البيان أن حلاً يجعل من عالم الأشياء هيكلَ البناء الثقافيّ، لا يمكن تطبيقه في البلاد العربية والإسلامية، حيث لم تملك بعدُ هذا العالم. ومن الواضح أيضاً أن مجتمعاً، عندما يولد أو عندما ينهض، لا يكون لديه عالم الأشياء، وبالتالي لا يكون لديه سِوى عالم الأفكار، يلتمس فيه إخصاب فكره وبواعثَ ثقافته، أعني مبادئ التجديد والخلق والإبداع.

من أجل هذه النوعياتِ التاريخية في المشكلة، لا يمكن أن تستورد الحلول كما تستورد من الخارج قضبان الحديدِ أو الموادُ الخام. فالصورةُ لا تكونُ قابلةً للتنفيد، إلا ما يوجد في عقل صائغها من عناصر ضمنية تكملها.

من الملاحظ أن طالب الطب المسلم، الذي يذهب لتلقي علومه في إحدى العواصم الأوروبية، يحصل على الدبلوم نفسه الذي يحصل عليه زميله الإنجليزي مثلاً، بل إنه كثيراً ما يتفوق عليه إذا ما كان أكثر استعداداً وذكاءً. لكنه لا يحصل غالباً على فعاليته، أعني طريقةَ سلوكِه وتصرفه أمام مشكلات الحياة الاجتماعية. وليس لدينا سوى وجهٍ واحد لتفسير هذا الاختلال: هو أن الفعالية الاجتماعية لا علاقة لها بمنهج الكلية، وإنما تعتمد بصفةٍ عامةٍ على أسلوب الحياة في مجتمع معين، وعلى السلوك الذي ينتهجه الفرد كي ينسجمَ مع هذا الأسلوب. وعليه، إذا ما مضينا لمواجهةِ مشكلةِ الثقافة، وجدنا أنفسَنا نواجه ضمناً مشكلة أسلوب الحياة، ومشكلة السلوك الذي ينسجمُ معها.

ولا مجال لأن ننكرَ دور الشيء في خلق الثقافة، ولكن لا يمكن بحال أن نُخضِعَ له الفكرة، بل ينبغي أن نعترف لها بأسبقيةٍ معينة في هذا المجال. على أن الفكرةَ والشيءَ لا يكسبان قيمةً ثقافية إلا في ظل بعض الشروط. وهما لا يخلقان الثقافة إلا من خلال اهتمام أسمى. بدونه يتجمد عالم الأفكار وعالم الأشياء، حتى كأنه قِطَعٌ من الآثار في متحف، فيفقدَ كلّ فاعليتةً اجتماعيةً حقة.

ويمكننا أن نفسر هذا الاهتمام الأسمى بالنسبة للفرد على أنه عَلاقة عضوية تربُطهُ بعالم الأفكارِ وعالم الأشياء. فإذا ما انعدمت هذه العلاقة، لم تعد للفرد سيطرة لا على الأفكار ولا على الأشياء. فهو يمرُّ بها دون أن يتصلَ بكيانها، ويتعلقُ بظواهر الأشياء دون أن يتعمقها، ويلمُّ بالأفكار بعض إلمام دون أن يتعرف عليها. وهذا الاتصال السطحي لا يؤدي مطلقاً إلى إثارة سؤال، ولا يخلق أبداً مشكلة. لقد استنطق "نيوتن" التفاحة لأن اهتمامه الأسمى قد تعلق بها، بينما لو حدث ذلك قبل "نيوتن" بألف عام، مثلاً، فمن أبسط الأشياء أن تُلتهم التفاحة لأن الاهتمام الأسمى، آنئذٍ، غير موجودٍ في المجتمع الإنجليزي الذي لم يكن قد وُلِدَ بعد.

وعكسُ ذلك تماماً ما حدث في المجتمع الإسلامي حتى القرنِ التاسع عشر، فإن أحداً في ذلك المجتمع لم تكن لديه قدرةٌ ما على استنطاق فكرة "ابن خُلدون"؛ لأن ذلك المجتمع لم يكن بعد قد أسسَّ نشاطَه العقلي والاجتماعي على اهتمامٍ أسمى. ومنذ ذلك العصر، كان المسلمُ ينزلقُ على سطحِ الأشياء دون أن يغور خِلالها، ويمرُّ بجانبِ الأفكار دون أن يتعمقها؛ لأنه لم تعد له عَلاقة بهذه أو تلك. فلم يعدْ ينتجُ عن لقائه بالحياة الاجتماعية تلك الصدمةُ القويةُ التي تغير أسلوبها كما تغير سلوكه. ولقد حدد النبي، صلى الله عليه وسلم، هذه العلاقة في صورة أخَّاذة تخلعُ على الأفكار وعلى الأشياء قيمتَها العقلية، وفعاليتها الاجتماعية حين قال: "مَثلُ ما بعَثَني اللهُ، عزَّ وجلَّ، به من الهدى والعلم كمثلِ الغيثِ الكثير أصاب أرضاً، فكانت منها بُقْعَةٌ قبِلت الماء فأنبتت الكلَأَ والعشبَ الكثير، وكانت منها بُقْعَةٌ أمسكتِ الماء فنفعَ الله، عزَّ وجلَّ، بها الناس، فشرِبوا منها وسَقَوا وزرعوا، وكانت منها طائفةُ قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبُتُ كلأً." ففي هذا النص تدرُّجٌ من الأعلى للأدنى في تصوير علاقة الفرد والمجتمع بالعلم، أي بالأفكار والأشياء. وكأن النبي، صلى الله عليه وسلم، أرادَ من هذا التدرُّج ذي الدرجات الثلاث أن يرمُزَ إلى عصور ثلاثة يمر بها المجتمع، يبدأ تاريخُه بمرحلةٍ يحدث فيها تقبُّل الأفكارِ وإبداعُها وتَمَثُّلُها، تليها مرحلةٌ تُبَلَّغُ فيها الأفكارُ إلى مجتمعات أخرى، ثم تعقب مرحلةٌ يتجمد فيها عالم الأفكار، فيصبح ليست لديه أدنى فاعليةٍ اجتماعية. فيمكننا أن نقول: إن المجتمعَ الإسلامي في عصر "الفارابي"  كان يخلق أفكاراً، وأنه كان على عهد "ابن رُشد" يُبَلّغها إلى أوروبا، وأنه بعد "ابن خُلدون" لم يعد قادراً لا على الخَلْق، ولا على التبليغ.

طبيعة العلاقة الثقافية:

إن القيمةَ الثقافيةَ للأفكار وللأشياء تقوم على طبيعةِ علاقتها بالفرد. وإن "نيوتن"، بدلاً من أن يأكل التفاحة، قد استخرج معناها؛ إذ كانت صِلَتُه بعالمِ الأشياءِ جدَّ مختلفةٍ عمّا كان لجده في القرن الحادي عشر.

إذا ما فقدَ الفردُ صلته بالمجال الحيوي قررنا أنه مات موتاً مادياً. وكذلك الأمرُ إذا فقدَ صلته بالمجال الثقافي، فإنه يموت موتاً ثقافياً. فالثقافة إذاً، إذا ما رددنا الأمور إلى مستوىً اجتماعيّ، هي حياةُ المجتمعِ التي بدونها يصبح مجتمعاً مَيْتاً. ولقد لاحظنا حين عقدنا موازنةً بين الطبيب الإنجليزي وبين زميله المسلم، فيما يتعلق بجانب الفاعلية الاجتماعية، أن الفرقَ بينهما لا يمكن أن يُعزَى إلى منهج الدراسة، أو إلى المؤسسة التعليمية؛ إذ هي واحدة بالنسبة لكليهما، فبقي إذاً أن يُعزَى هذا الفرقُ في السلوك إلى أسبابٍ أعمّ، تتضحُ أماراتُها عندما نعقدُ موازنةً أخرى، هذه المرة بين الطبيبِ الإنجليزي والراعي الإنجليزي. وستكون هذه الموازنة مفيدةً لنا فائدة كاملة؛ لأنها تُتِيحُ لنا أن ندرك فكرةَ الثقافة في أعم مظاهرها. فطبيبٌ وراعٍ لا يمكن أن يلتقيا في المكونات الخاصة التي تُملِيها المهنة، ومع ذلك فإن هنالك تشابهاً عجيباً في سلوكهما الخاص، هذا التشابهُ من أخصّ الأمور وأهمها في تحديد ثقافةِ مجتمعٍ معين. فهو يحدّدُ في الواقع أسلوبَ حياة ذلك المجتمع، كما يحدد سلوك أفرادِه ومدى ما بينهم من تبادلٍ في هذين الجانبين.

الثقافة والمقاييس الذاتية:

إن مقاييسَنا الذاتيةَ التي تتمثل في قولنا: "هذا جميلٌ، وذاك قبيح"، أو "هذا خيرٌ، وذلك شر"، هذه المقاييسُ هي التي تحددُ سلوكَنا الاجتماعي في عمومه، كما تحددُ موقفَنا أمام المشكلات قبل أن تدخلَ عقولَنا. إنها تحددُ دورَ العقلِ ذاتِه إلى درجة معينة، وهي مع ذلك درجةٌ كافية تسمحُ لنا بتمييز فاعليتهِ الاجتماعية في مجتمعٍ معين بالنسبةِ إلى مجتمعٍ آخر. وهذا يفسرُ لنا الفروقَ العامةَ في سلوكِ طبيبين ينتميانِ إلى ثقافتين مختلفتين، كما يفسرُ لنا الفروقَ المنطبعةَ في أسلوبِ الحياةِ في مجتمعين تفصلُ بينهما حدودٌ ثقافية، حتى لو كانا يتعايشان في مكان واحد. فتكوينُ هذه المقاييس يُعدّ إذاً أهمَّ أساسٍ في ثقافةِ المجتمع، والطريقةُ التي ينقُلُ بها هذا المجتمعُ إلى كل فردٍ، راعياً أو طبيباً، تُراثَ هذه المقاييسِ في صورةِ عقائدَ وتقاليدَ وأعرافٍ وعادات، هذه الطريقةُ تمثّلُ جانباً جوهرياً في ظاهرة التثقيف.

والفردُ منذ ولادته غارقٌ في عالمٍ من الأفكار والأشياء التي يعيش معها في حِوارٍ دائم. فالمحيطُ الداخلي الذي ينامُ الإنسانُ في ثناياه ويصحو، والصورةُ التي تجري عليها حياتُنا اليومية، تُكَوّنُ في الحقيقةِ إطارَنا الثقافيَ الذي يخاطبُ كلُّ تفصيلٍ فيه روحَنا بلغة مُلْغِزة. ولكن سُرعان ما تصبحُ بعضُ عباراتِنا مفهومةً لنا ولمعاصرينا عندما تُفَسرُ لنا ظروفٌ استثنائية تتصلُ مرةً واحدةً بعالمِ الأفكارِ وعالمِ الأشياءِ وعالمِ العناصر، فإذا بها تكشفُ عن مضمونها، تماماً كما كشفت التفاحة لـ "نيوتن" عن سرّ الجاذبية.

لقد بيّنا في ثنايا تحليلينا السابقِ عدداً من العواملِ الثقافية، فتحدثنا عن عالمِ الأشخاصِ، وعن عالمِ الأفكارِ، وعن عالمِ الأشياءِ، وعن عالمِ العناصرِ والظواهرِ الطبيعية. بَيْدَ أننا قد بينا أنَّ القيمةَ الثقافيةَ لهذه العواملِ المختلفة تخضعُ دائماً لصلتنا الشخصية بها. فتفاحةُ "نيوتن" لم تتحول اعتباطاً إلى نظريةٍ في الجاذبيةِ الأرضية لو لم تكن له بهذه العناصر صلةٌ شخصيةٌ استثنائية. وإذاً، فلكي نستحدثَ تركيبَ العناصرِ الثقافية، ينبغي، أولاً، أن يتحققَ شرطٌ جوهري، هو أن نخلقَ أو أن نوثقَ الصلةَ الضروريةَ بين الفرد وبين العوالمِ الأربعة التي أحصيناها. ولِعالَمِ الأشخاصِ في هذا الميدان حقُّ التقدمِ والسَبْق، لا من أجل امتيازِ شخصِ الإنسان فحسب، بل لأنه يمثلُ الرصيدَ الثقافيَ الذي يزوّدُ الفردَ منذ ولادته بالمقاييس الذاتية التي تحدد سلوكَه، وتؤكد انتسابَه إلى ثقافةٍ معينة.

فالشرطُ الأولُ العامُ لتحقيقِ مشروعِ ثقافةٍ هو، إذاً، الصلةُ بين الأشخاص أولاً. وها هو ذا القرآن يعطينا فكرةً عن قيمةِ هذه الصلة، حين وجَّه خطابَه إلى النبيّ قائلاً: ﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾. [الأنفال: 63] فأساسُ كلّ ثقافةٍ هو بالضرورة تركيبٌ وتأليفٌ لعالَمِ الأشخاص. وهو تأليفٌ يحدث طِبقاً لمنهجٍ تربويّ يأخذ صورةً فلسفيةً أخلاقية. وإذاً، فالأخلاقُ أو الفلسفةُ الأخلاقية هي أولى المقوماتِ في الخطة التربوية لأية ثقافة.

إن عالَم الأشخاصِ لا يمكن أن يكونَ ذا نشاطٍ اجتماعيّ فعّال إلا إذا نُظّم وتحول إلى تركيب. والفردُ المنعزل، إذا ما أعطينا هذه الكلمةَ معناها النّسبي، لا يمكن أن يستقبل الثقافة، ولا أن يرسل إشعاعها. فإذا ما اتجهنا إلى المجال الاجتماعي، وجدنا أن الأفكار والأشياء لا يمكن أن تتحول إلى عناصرَ ثقافية، إلا إذا تآلفت أجزاؤها فأصبحت تركيباً. فليس للشيءِ المنعزلِ أو الفكرةِ المنعزلةِ معنىً أبداً. ومن مجموعِ التراكيبِ الجزئية يتألف تركيبٌ عامٌّ هو الثقافة. ولكن كيف يتسنَّى لنا بطريقةٍ منهجية أن نُنَظّمَ كلَّ هذه التراكيبِ الجزئية، المتفاوتة في تعقيدها، في تركيبٍ عام؟

بوسعنا القولُ إن الثقافةَ هي التركيبُ العام لتراكيبَ جزئيةٍ أربعةٍ هي: الأخلاقُ، والجمالُ، والمنطقُ العملي، والصناعة. ومشكلةُ الثقافةِ من الوجهة التربوية هي في جوهرها مشكلةُ توجيه أفكار. ولذلك، كان علينا أن نحدد المعنى العام لفكرة التوجيه. فهو، بصفة عامة، قوةٌ في الأساس، وتوافقٌ في السير، ووحدةٌ في الهدف. فكم من طاقاتٍ وقوىً لم تُسْتخدَم لأننا لا نعرِفُ كيف نُكَتّلها؟ وكم من طاقاتٍ وقوىً ضاعت، فلم تُحقّق هدفَها حين زحمتها قوى أخرى صادرةٌ عن المصدر نفسه متجهةٌ إلى الهدف نفسه؟ فالتوجيهُ هو تجنبُ الإسراف في الجهد وفي الوقت. فهناك ملايينُ السواعدِ العاملة والعقول المفكرة في البلاد الإسلامية، صالحةٌ لأن تُسْتخدَم في كل وقت. والمهم هو أن نديرَ هذا الجهاز الهائلَ، المكونَ من ملايين السواعد والعقول، في أحسنِ ظروفهِ الزمنيةِ والإنتاجية. وهذا الجهازُ حين يتحركُ يحددُ مجرى التاريخ نحو الهدفِ المنشود. وفي هذا تَكمُنُ أساساً فكرةُ توجيهِ الإنسان الذي تُحرّكه دوافعُ دينية، وبلغة الاجتماع، الإنسانُ الذي يكتسبُ من فكرتهِ الدينية معنى الجماعةِ ومعنى الكفاح.

وليس يكفي مطلقاً أن ننتجَ أفكاراً، بل يجب أن نوَجّهها طِبقاً لمهمتها الاجتماعية المتحدة التي نريدُ تحقيقَها. وهنا يُطالعنا موقفان متعارضان في الظاهر، ولكنهما، مع ذلك، نتيجةٌ لوجهة النظر الاجتماعية. ففي البلادِ العربيةِ، غالباً ما نصادفُ هذين الموقفين متجسّدَين في شخصيتين مختلفتين. فهناك من يدَّعي أداءَ العملِ السياسي، مثلاً، دون أن يرجع في عمله إلى قاعدة أو فكرة معينة، كأن من الممكن أن يكون النشاطُ فعَّالاً وفاعلُه أعمى! هذا الرجل الأعمى غالباً ما يكون سليمَ القصد، وحينئذٍ لا يُفسَّرُ موقفُه إلا بجهله في المشكلات الإنسانية. لكن قد يحدثُ أن يعتليَ المسرحَ مُقاوِلٌ ماهرٌ في الدَجَلِ السياسي، يكتشفُ طيبةَ البُسطاءِ وسرعة انقيادِهم. فهو يريد أن يحتفظَ بهذا المَنجمِ الثمين بأي ثمن، بينما يعلمُ أنه لن يحتفظ به إلا بنشرِ الظلام، يؤيده في ذلك خِفيةً الاستعمارُ الذي يُقدّرُ بداهةً ثمن ذلك الظلام.

وطبيعيٌ أن يفقد النشاطُ فاعليتَه إذا ما أدار ظهرَه عمدًا للمقاييسِ والقواعد، وفي كلمة واحدة. إذا ما أدار ظهرَه للأفكار، فإذا به يضل في متاهةٍ من الإبهام والغموض والشك، دون أن يدرك أنه قد زاغ عن سواء السبيل. لكن هناك شخصيةً أخرى تُمثّل نموذجاً آخرَ من انعدام الفاعلية، فهي بصفةٍ عامةٍ رجلٌ مخلص وهبه الله فِكراً خصيباً، لكن لديه ذوقاً خالطه الترفُ العقلي. فهو طروبٌ لا يتَخَيَّلُ الفكرةَ مِنوالاً تُنسَجُ عليه ضروب النشاطِ الاجتماعي، بل هي لديه لونٌ من الترفِ يخلقُ المسَرَّة، وغرامٌ بالأفكار أشبه بالغرام بجمع التُحَفِ والأشياء الثمينة. فلو أنني وصفت هذا الفِكْرَ بصورةٍ أستعيرُها قلتُ: إنه ليس مصنعاً تتحول فيه الأفكار إلى أشياء، بل هو مخزن تتكدَّسُ فيه الأفكار بعضها فوق بعض.

يُصاب النشاطُ بالشلل عندما يدير ظهره للفكرة، كما تصاب الفكرةُ بالشلل إذا ما انحرفت عن النشاط لكي تمضيَ في طريق اللهو والعبث. ونحن لا نستطيع، بصفة عامة، أن نتخذ عددَ الكتب التي تُخرجها المطبعةُ في عام دليلًا على الصحَّةِ العقلية في بلد معين، أو أن نَعُد الوَرَمَ إمارةً على الصحة البدنية. فهناك أورامٌ عقلية وأجسامٌ اجتماعية مريضة مثقلة بالأفكار. ومهما يكن من شيءٍ، فإن توجيهَ الأفكار يقوم على إقرارِ التوازنِ الضروري في هذا المجال، حتى لا يبقى هناك فراغ أو تورُّم. فمِفتاحِ المشكلة يكمن في وضع برنامجٍ لتوجيه الثقافة توجيهاً يتفق وسُمُوَّ الغايةِ التي ننشُدها.

توجيه الثقافة:

إن من أوَّلِ واجباتنا تصفيةَ عاداتِنا وتقاليدِنا وإطارِنا الخُلُقي والاجتماعي مما فيه من عواملَ قتّالة ورِمَمٍ لا فائدةَ منها؛ حتى يصفوَ الجو للعوامل الحية والداعية إلى الحياة. ولن تتأتَّى هذه التصفيةُ إلا بفكر جديد يُحطم ذلك الوضعَ الموروثَ عن فترة تدهور مجتمع، ويبحث عن وضعٍ جديد هو وضعُ النهضة. ونخلُصُ من ذلك إلى ضرورة تجديد الأوضاع بطريقتين: الأولى، سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي؛ والثانية، إيجابية تصلنا بالحياة الكريمة.

ولعل أثرَ هذه النظريةِ قد لوحظ في الثقافة الغربية في عهدِ نهضتِنا حين كان "توماس الإكويني" يُنقيها، ولو من غير قصدٍ منه، لتكون الأساسَ الفكري للحضارة الغربية. ولم تكن ثورتُه ضد "ابن رشد" وضد القديس "أوجستين" إلا مظهراً للتجديدِ السلبي؛ حتى يستطيعَ تصفيةَ ثقافته مما كان يراه فكرة إسلامية، أو ميراثاً ميتافيزيقياً للكنيسةِ البيزنطية. وأتى بعده "ديكارت" بالتجديدِ الإيجابي، الذي رسمَ للثقافة طريقَها الموضوعي، الطريق الذي بُني على المنهج التجريبي، والذي هو، في الواقع، السببَ المباشرَ لتقدُّمِ الحضارة الحديثة تقدمَها المادي.

والحضارةُ الإسلاميةُ نفسُها قامت بعمليةِ التجديد هذه من ناحيتِها السلبية والإيجابية. إلا أن الحضارة الإسلامية قد جاءت بهذين التجديدين مرةً واحدة، وصدَر فيهما عن القرآن الكريم الذي نفى الأفكارَ الجاهليةَ البالية، ثم رسمَ طريقَ الفكرة الإسلامية الصافية التي تخطط للمستقبل بطريقة إيجابية. وهذا العملُ نفسه ضروريٌّ اليومَ للنهضة الإسلامية.

 فالثقافةُ إذاً تتعرَّف، بصورة عملية، على أنها مجموعةٌ من الصفات الخُلُقية والقِيَم الاجتماعية التي تؤثر في الفردِ منذ ولادته، وتصبح، لا شعورياً، العَلاقة التي تربطُ سلوكَه بأسلوبِ الحياة في الوسَطِ الذي وُلد فيه. فهي على هذا التعريفِ، المحيطُ الذي يُشَكّلُ فيه الفرد طباعه وشخصيته. وهذا التعريفُ الشاملُ للثقافة هو الذي يحددُ مفهومَها. فهو المحيطُ الذي يعكسُ حضارةً معينة، والذي يتحرك في نطاقِه الإنسانُ المتحَضّر. وهكذا نرى أن هذا التعريف يضم بين دُفَّتيه فلسفةَ الإنسان وفلسفةَ الجماعة، أي مقومات الإنسان ومقومات الجماعة، مع أخذنا في الاعتبار ضرورةَ انسجامِ هذه المقومات جميعِها في كيانٍ واحد، تُحدِثه عمليةُ التركيب التي تُجْريها الشرارة الروحية عندما يؤذّن فجرُ إحدى الحضارات.

الحِرَفية في الثقافة:

لقد نتجَ عن عدمِ محاولتنا تصفيةَ عاداتِنا وحياتِنا مما يشوبُها من عواملِ الانحطاط أن ثقافةَ نهضتنا لم تُنتِج سوى حِرفيين مُنبثّين في أنحاء شعبٍ أُمّيّ. والحقيقةُ أننا منذ خمسين عاماً نعرف مرضاً واحداً يمكنُ عِلاجُه وهو الجهلُ والأمية. ولكننا اليومَ أصبحنا نرى مرضاً جديداً مستعصياً هو (التعالُم)، وإن شئتَ، فقل (الحِرفِيةُ في التعلم). والصعوبةُ كلُّ الصعوبةِ في مداواتِه. وهكذا أُتِيحَ لجيلنا أن يشهدَ، خِلال النصف الأخير من القرن العشرين، ظهورَ نموذجين من الأفراد في مجتمعنا: حاملِ المرقَّعات ذي الأطمارِ البالية؛ وحاملِ اللافتاتِ العلمية. فإذا كنا ندرك بسهولة كيف نداوي المريض الأول، فإن مداواتِنا للمريض الثاني لا سبيلَ إليها؛ لأن عقلَ هذا المريضِ لم يَقتَنِ العلمَ ليُصَيّرَهُ ضميراً فعَّالاً، بل ليجعله آلةً للعيش، وسُلُّماً يصعد به منصةَ البرلمان.

وهكذا يصبح العِلمُ مسْخاً وعُملةً زائفةً غير قابلة للصرف. وهذا النوعُ من الجهل أدهى وأمرُّ من الجهلِ المطلق؛ لأنه جهل حَجَرَتْه الحروفُ الأبجدية. وجاهلُ هذا النوعِ لا يُقَوّمُ الأشياءَ بمعانيها، ولا يفهمُ الكلمات بمراميها، وإنما بحسب حروفِها. فهي تتساوى إذا ما تساوت حروفُها. وكلمةُ "لا" تُساوي، عنده، "نعم" لو احتُمِلَ أن حروفَ الكلمتين متساوية. وكلامُ هذا المتعالِم ليس كتهتهةِ الصبي فيه صبيانيةٌ وبراءة. فهو ليس مُتَدِرَّجاً في طريق التعلم كالصبي. وإنما تتمثَّلُ في تهتهته تلك شيخوخةٌ وداء. فهو الصبي المزمن! فلابد من إزالةِ هذا المريض ليصفوَ الجوُّ للطالب العاقل الجاد.

وعليه، فإن مشكلةَ الثقافةِ لا تخصُّ طبقةً دون أخرى، بل تخص مجتمعنا كله بِمَنْ فيه المتعلم والصبي، الذي لم يبلُغ مرحلةَ التعلم. إنها تشمل المجتمعَ كله من أعلاه إلى أسفله، إن بقي علوٌ في مجتمع فَقَدَ حاسةَ العلو، فأصبحت هذه الحاسةُ عنده أفقية زاحفة راقدة.

التوجيه الأخلاقي:

ليس من شكٍّ في أن نَظَرَاتِ المثقفين إلى المدنية الغربية مؤسَّسةٌ على غَلَطٍ منطقي؛ إذ يحسبون أن التاريخَ لا يتطور، ولا تتطور معه مظاهرُ الشيءِ الواحد الذي يدخلُ في نطاقه، حتى إنك لتنظرُ إلى الشيء بعد حين فتحسبه قد تبدَّلَ شيئاً آخر، وما هو، في الحق، إلا الشيءُ نفسُه، تنكَّرَ لك في مظهرهِ الجديد. وإن شبابَنا لينظرون إلى المدنية الغربية في يومِها الراهن، ويضربون صَفحاً عن أمسِها الغابر حين نبتت أولى بُذورها وتلوّنت في تطوُّرِها ونُمُوّها ألواناً مختلفة، وما فتئت تتلون عبر السنين حتى استوت على لونِها الحاضر، فحسبناها نباتاً جديداً. ولو أنا تناولنا بالدراسةِ مشروعاً اجتماعياً كجمعيةِ حضانةِ الأطفال في فرنسا، لبدى لنا من أوَّلِ وهلة أنها جمعيةٌ تقومُ على شؤونها دولةٌ مدنية، ونحكم بأنها مؤسسةٌ نشأت في بادِئِ الأمر على أسُسٍ مدنية لا دينية، بينما لو درسنا تاريخها ورجَعنا إلى أصولِ فكرتِها الأولى، لوجدناها ذات أصلً مسيحي. فهي تدينُ بالفضل للقديس "فانسان ديبول" الذي أنشأ مشروعَ الأطفال المشرَّدين خلال النصف الأول من القرن السابع عشر. غير أنَّ نظرتَنا العابرةَ هذه جعلتنا ننظرُ إليه وكأنه تاريخٌ قد ابتَدَأَ من يوم أن التقت أنظارُنا إليه، فأعرناه بعض اهتمامنا.

وذلك شأنُ شبابِنا في نظرتِهم إلى الأشياء. فإن أكبرَ مصادرِ خطئِنا في تقدير المدنية الغربية أننا ننظرُ إلى منتجاتها وكأنها نتيجةُ علوم وفنون وصناعات، وننسى أن هذه العلومَ والفنونَ والصناعاتِ ما كان لها أن توجد لولا صلاتٌ اجتماعيةٌ خاصة، لا تُتَصَوَّرُ هذه الصناعات والفنون بدونها. فهي الأساسُ الخُلُقي الذي قام عليه صرحُ المدنية الغربية في علومه وفنونه، بحيث لو ألغينا ذلك الأساس، لسرى الإلغاءُ على جميعِ ما نشاهدُه اليومَ من علومٍ وفنون. ولسوف نصلُ في النهاية إذا ما تَتَبَّعْنا كلّ مدنيٍ من مظاهرِ الحضارة الغربية إلى الروابط الدينية الأولى التي بعثت الحضارة. وهذه حقيقةُ كلّ عصرٍ وكلّ حضارة.

إن روحَ الإسلامِ هو الذي خَلقَ من عناصرَ متفرّقة كالأنصارِ والمهاجرين أولَ مجتمعٍ إنسانيّ، حتى كان الرجلُ في المجتمعِ الجديدِ يعرضُ على أخيه أن يُنْكِحَه من يختار من أزواجه، بعد أن يُطَلّقَها له، كي يبنيَ بذلك أسرة. فقوةُ التماسكِ الضرورية للمجتمع الإسلامي موجودةٌ بكل وضوحٍ في الإسلام. ولكن أي إسلام؟ الإسلامُ المتحركُ في عقولِنا وسلوكِنا، والمنبعثُ في صورة إسلامٍ اجتماعي. وقوةُ التماسك هذه جديرةٌ بأن تؤلف لنا حضارتَنا المنشودة وفي يدها، ضماناً لذلك، تجربةٌ عمرها ألف عام، وحضارة ٌوُلِدَت على أرضٍ قاحلةٍ وسط البدو، رجالُ الفِطرةِ والصحراء.

التوجيه الجمالي:

لا يُمكنُ لصورةٍ قبيحةٍ أن توحيَ بالخيال الجميل أو بالأفكار الكبيرة. فإن لمنظرِها القبيحِ في النفسِ خيالاً أقبح! والمجتمعُ الذي ينطوي على صورةٍ قبيحةٍ لابد أن يظهرَ أثرُ هذه الصورةِ في أفكارِه وأعمالِه ومساعيه. فبالذوقِ الجميلِ الذي ينطبعُ فيه فِكرُ الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعاً إلى الإحسان في العمل، وتوخياً للكريم من العادات. ولعل من الواضح لكل إنسانٍ أننا أصبحنا اليومَ نفقدُ ذوقَ الجمال. ولو أنه كان موجوداً في ثقافتنا، إذاً لسخّرناه لحل مشكلاتٍ جزئية تُكَوّن في مجموعِها جانباً في حياة الإنسان.

لقد صدرت بعضُ الأوامرِ في مدينة موسكو تُلزِمُ سُكَّانَها بأن يُراعوا في يقظةٍ نظافةَ مدينتِهم، وإلا فهم مهدَّدون بفرضِ غرامةٍ ماليةٍ على كلّ من يبصُق في الشارع، أو يُلقي بأعقاب السجائرِ على الرصيف، أو يُعَلّق ملابسَه في الشُباكِ المطِلّ على الشارع، أو يُلْصِقُ إعلانات على الحوائط، أو من يركبُ السيارات العامةَ بملابسِ العملِ المتسخة. فلو أننا سألنا عُمدةَ موسكو، مثلاً، عن السببِ الذي دعا إلى مثل هذه الأوامر، لأجابنا بأنه النظام. ويجيبُ طبيبٌ من وجهة نظره بأنه الصحة. وثالث فنَّانٌ يذهب إلى أنه جمال المدينة. وكلّ إجابةٍ من هذه الإجابات صادقةٌ بوصفِها سلوكاً يُملِيهِ وضعٌ خاص. والإطارُ الحضاري بكل محتوياتِه متصلٌ بذوقِ الجمال، بل إن الجمالَ هو الإطارُ الذي تتكَوَّنُ فيه أيةُ حضارة، فينبغي أن نُلاحِظَه في أنفُسِنا ،كما ينبغي أن نتمثَّلَ في شوارعِنا، وبيوتِنا، ومقاهينا مسحةَ الجمالِ التي يرسُمُها مُخْرِج روايةٍ في منظرٍ سينمائيٍّ أو مسرحيّ. يجب أن يثيرَنا أقلُّ نشازٍ في الأصواتِ وفي الروائحِ وفي الألوان، كما يثيرُنا منظرٌ مسرحيٌّ سيّئُ الأداء.

المنطق العملي:

ونعني به كيفيةَ ارتباطِ العملِ بوسائلِه ومقاصدِه، وذلك حتى لا نستسهلَ أو نستصعبَ شيئاً دون مقياس. وليس من الصعب على الفردِ المسلم أن يصوغَ مقياساً نظرياً يستخرجُ به نتائجَ من مقدماتٍ محددة. غير أنه من النادِرِ جداً أن يعرفَ المنطق العملي، أي استخراجُ أقصى ما يمكنُ من الفائدةِ من وسائلَ معينة. ونظرةٌ إلى ما حولنا تكفينا لكي نلاحظَ أن ضُروبَ نشاطِنا غالباً ما تتَّسمُ بالشللِ وانعدامِ الفاعليةِ في الجانبِ الخاص أو العام. فالمسلم يتصرف في أربعٍ وعشرين ساعةً كلّ يوم، فكيف يتصرف فيها؟ وقد يكون له نصيبٌ من العلم أو حظٌّ من المال، فكيف يُنْفِقُ ماله ويستغل علمه؟ وإذا أراد أن يتعلم علماً أو حرفة، فكيف يستخدمُ إمكانياته في سبيلِ الوصولِ إلى ذلك العلمِ، أو تلك الحرفة؟

إننا نرى في حياتِنا اليوميةِ جانباً كبيراً من اللافاعلية في أعمالِنا، إذ يذهبُ جزءٌ كبيرٌ منها في العبثِ وفي المحاولاتِ الهازلة. وإذا ما أردنا حصراً لهذه القضية، فإننا نرى سببها الأصيلَ في افتقادِنا الضابطَ الذي يربطُ بين الأشياءِ ووسائلِها، وبين الأشياء وأهدافِها. فسياساتُنا تجهل وسائلَها، وثقافتُنا لا تعرفُ مُثُلَهَا العُليا، وفكرتُنا لا تعرف التحقيق. وإن ذلك كلّه ليتكرر في كلّ عملٍ نعملُه، وفي كلّ خُطوةٍ نخطوها.

ولقد يقال إن المجتمعَ الإسلامي يعيشُ طِبقاً لمبادئِ القرآن، ومع ذلك فمن الأصوبِ أن نقول: إنه يتكلمُ تبعًا لمبادئ القرآن؛ لعدم وجود المنطقِ العملي في سلوكِهِ الإسلامي. ونظرةٌ إلى واقعِنا لنرى الرجلَ الأوروبي والرجلَ المسلم أيهما ذو نشاطٍ وعزمٍ وحركةٍ دائبة، ليس هو الرجل المسلم، بكل أسف! وهو الذي يأمره القرآن، كما يعرفُ ذلك تماماً، بقوله تعالى: "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ"، وقوله: "وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا". ألم نقل إن الذي ينقصُ المسلمَ ليس منطقَ الفكرة، ولكن منطقَ العمل والحركة؟ وهو لا يفكر ليعمل، بل يقول كلاماً مجرداً، بل إنه أكثرُ من ذلك يبغضُ أولئك الذين يفكرون تفكيراً مؤثراً ويقولون كلاماً منطقياً من شأنه أن يتحوَّلُ في الحال إلى عملٍ ونشاط.

ومن هنا يأتي عُمقُنا الاجتماعي، فنحن حالِمون ينقُصُنا المنطق العملي. ولننظر إلى الأمّ التي تريد أن تربيَ وَلَدَها، فهي إما أن تُبَلّده بمعاملةِ أمّ متوحشة، وإما أن تُرخيَ له العنان وتتمايع معه. فإذا أبْدَت إشارةً أو أصدرت أمراً، شَعَرَ الطفلُ بتفاهةِ إرادتِها، فلم يعبَأ بها؛ إذ أن الوَهَنَ والسُخْف يطبعان منطِقَها حتى في عينِ الصبي المسكين.

التوجيه الفني أو الصناعة:

إنَّ كلَّ الفنونِ والمِهَنِ والقدراتِ وتطبيقاتِ العلومِ تدخلُ في مفهومِ الصناعة. والراعي نفسُهُ له صِناعَتُه. ومما يَدُلُّنا على القيمة الاجتماعية لهذه الحِرفةِ المتواضِعةِ الزهيدة أن لها مدرسةً أهليةً في فرنسا. فلو رأينا الراعي الخرّيجَ في هذه المدرسة، والراعي العربيَّ يقودُ كلٌّ منهما قطيعَه، لعلمنا أي فَرْقٍ بينهما.

من المسَلَّمِ به أن الصناعةَ للفردِ وسيلة لكسبِ عَيشِه، وربما لبناءِ مجدِه. ولكنها للمجتمعِ وسيلةٌ للمحافظةِ على كيانه واستمرارِ نموه. وعليه، فيجب أن نلاحظ في كلّ فنٍّ هذين الاعتبارين. ولسوف تخيب آمالُنا التي عقدناها إذا ما عوَّلْنا في قضيتِنا على العلمِ الذي نتعلَّمُهُ في المدارس الرسمية أو غير الرسمية، أو على ما تعِدُنا به السياساتُ الانتخابية، وما تعِدُنا إلا غرورا.

إن خططَ المشروعاتِ القومية التي رأت النورَ في بلادِنا تُشعرنا عملياً بالحاجات التي تُطابقُ، في صورةٍ طبيعيةٍ، الفصولَ التي تتركب منها الثقافة. فالصناعةُ والمنطقُ العمليُّ فصلان من هذه الفصول الهامة، حيث يتجاوبُ المنطق العملي مع القدرةِ الانتاجيةِ في الناحية الاقتصادية، وحيث يرسمان خطةً للعملِ والنشاطِ في السلوك الفردي.

ويأتي دورُ العاملِ الصناعي عندما يضعُ بلدٌ ما تخطيطاً لمشروعٍ قومي. وبذا يتمُّ إدخالُه في برنامجٍ تربوي بصورةٍ آلية نوعاً ما؛ إذ هي ضرورةٌ تفرضُ نفسَها على المشروعات الحكومية من جهة، وعلى المحاولات الخاصة من جهة أخرى. وهكذا، يتلاقى احتياجُ الدولة إلى الفنيين، ورغبةُ الأفراد في أن يؤدوا وظائفَ معنية في مجالِ الفن الصناعي، يتلاقيان كاملاً في الضرورةِ العُضويةِ نفسِها. ويتقررُ المنطقُ العمليُّ بالصورةِ نفسِها، بصفته حاجةً عاجلةً لثقافةِ نهضة تريد أن تُحدِثَ تغييراً في المحيط، حيث تتشكَّلُ عبقريةُ الحضارة وحيث يتطورُ الإنسان. فالمنطقُ العمليُّ يُكَيّفُ صورةَ النشاطِ وأسلوبَه ونسقَه وجميعَ أشكالِه الديناميكية. لكنَّ الواجبَ يفرِضُ علينا أن نرعى واقعاً جلياً وجوهرياً، هو أن ميزانيةَ التاريخِ ليست رصيدًا من الكلام، بل كُتُلاً من النشاطِ المادي، ومن الأفكارِ التي لها كثافةُ الواقعِ ووزنُه. وهذه الميزانيةُ المكونةُ من صنوفِ النشاط الإيجابي هي في الحقيقةِ ميزانياتٌ من القِيَمِ الثقافيةِ تقومُ على فصولِ الثقافة الأربعة. منهجُها الأخلاقي، وفلسفتُها الجمالية، وفنُّها الصناعي، ومنطِقُها العملي.

إننا حين عالَجنا مشكلةَ الثقافةِ كنا نهدف إلى تِبيان ضرورةِ التوجيهِ في الحياةِ الفكرية، تاركينَ جانبًا المناقشةَ التي ستقررُ إذا ما كان هذا الاتجاهُ يجبُ أن ينبعَ من ظروفِ الدولةِ طِبقاً لاحتياجاتِ البلاد، أي طبقاً لمنهجٍ يفرضُ سيطرةَ التوجيه الجامعي، أو أن يصدر عن المنافعِ الشخصيةِ والأذواقِ الفردية، أعني عن التعليمِ الحرّ المنطلق. فمهما تكن الصورةُ التي نضعُ فيها المشكلة، فمن الأهميةِ بمكانٍ أن تُحدّدَ البُلدانُ المتخلفةُ ثقافتَها لتَتَدَارَكَ تأخُّرَها وتؤديَ دورَها في العالم بصورة فعَّالة.

ولكل بلدٍ أن يحُلَّ هذه المشكلةَ بطُرُقِهِ الخاصة. فكلّ الطرقِ تؤدي إلى هدفٍ واحد، ولكن بتوقيت مختلف. فالواجبُ أن نتجنبَ الطرق الطويلة، طرق الاعتباط والاستهواء، الطرقَ التي سلكتْها الحضاراتُ التي كان أمامَها ما يكفيها من القرون ومن آلاف السنين. وبلغة التربية، يجب أن نطبق الطرق التي توجّه الذكاءَ في اتجاه الحضارة، والتي تجعل تكوينَها طبقاً للتطورات الضرورية في نطاق هذه الحضارة. فإذا ما صيغت المشكلةُ في تعبيرات هذه اللغة، وجدناها تتجاوزُ بذلك النطاقَ القومي لتقومَ على أساسِ وضعِ سياسةٍ للثقافة.

انتهى بحمد الله

رمضان 1441 هـ.