35 م د: مسؤولية تقصيرية عن إصابة حرب (رفض لعدم الخطأ)

:

وإن أملى الصالح العام على المشرع توزيع الاختصاصات بين سلطات الدولة، وجعل وزير المالية المسؤولَ عن صرف المبالغ المستحقة لتنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد الجهات العامة الممولة من الخزانة العامة، إلا أن هذا بمجرده لا يبرر اختصامه في دعوى سندها سلوكٌ تقصيري منسوب إلى غيره مادامت العلاقة التبعية أو الإشرافية مع هذا الغير غير قائمة. فهذه العلاقة هي أساس سلطة الأمر والمراقبة والإدارة التي يمارسها المتبوع على تابعه، وهي مناط تحمله تبعة أخطاء التابع، والتي يفترض قانوناً أنها نشأت بسبب سوء اختيار التابع أو التقصير في الرقابة عليه. ولا شبه في أن كل هذا غير متحقق في حالة وزير المالية بالنسبة إلى المنسوب إليه الخطأ.

قول المدعية بأن ما لحق بها من أذى كان بسبب إهمال الشرطة في القيام بواجبها في حفظ الأمن والنظام والأرواح والأموال، هو قولٌ بخطأ مرفقي من جانب جهة الإدارة. وقوع هذا الواجب على عاتق الشرطة لا يعني بالضرورة مسؤوليتها المدنية ومسؤولية متبوعها عن كل الأضرار الناشئة عن الإخلال بالأمن والنظام أو المساس بالأرواح والأموال. مسؤوليتها في هذا الشأن عامة تتصل بحفظ أمن الجماعة في عمومها واتخاذ ما يلزم لذلك؛ القول بشمولها حماية كل فرد على حدة مستحيل التحقيق واقعاً، وإذاً فحدود مسؤوليتها تقف عند واجب التقليل من الجريمة ولا تصل إلى الالتزام بإعدامها.

:

[القاعدة]

[وإن أملى الصالح العام على المشرع توزيع الاختصاصات بين سلطات الدولة، وجعل وزير المالية المسؤولَ عن صرف المبالغ المستحقة لتنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد الجهات العامة الممولة من الخزانة العامة، إلا أن هذا بمجرده لا يبرر اختصامه في دعوى سندها سلوكٌ تقصيري منسوب إلى غيره مادامت العلاقة التبعية أو الإشرافية مع هذا الغير غير قائمة. فهذه العلاقة هي أساس سلطة الأمر والمراقبة والإدارة التي يمارسها المتبوع على تابعه، وهي مناط تحمله تبعة أخطاء التابع، والتي يفترض قانوناً أنها نشأت بسبب سوء اختيار التابع أو التقصير في الرقابة عليه. ولا شبه في أن كل هذا غير متحقق في حالة وزير المالية بالنسبة إلى المنسوب إليه الخطأ.

قول المدعية بأن ما لحق بها من أذى كان بسبب إهمال الشرطة في القيام بواجبها في حفظ الأمن والنظام والأرواح والأموال، هو قولٌ بخطأ مرفقي من جانب جهة الإدارة. وقوع هذا الواجب على عاتق الشرطة لا يعني بالضرورة مسؤوليتها المدنية ومسؤولية متبوعها عن كل الأضرار الناشئة عن الإخلال بالأمن والنظام أو المساس بالأرواح والأموال. مسؤوليتها في هذا الشأن عامة تتصل بحفظ أمن الجماعة في عمومها واتخاذ ما يلزم لذلك؛ القول بشمولها حماية كل فرد على حدة مستحيل التحقيق واقعاً، وإذاً فحدود مسؤوليتها تقف عند واجب التقليل من الجريمة ولا تصل إلى الالتزام بإعدامها.]

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 24 رمضان 1440هـ. الموافق: 29-5-2019م،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــم

الدعوى:

...-2019 مدني كلي الزاوية،

المدعي:

...، موطنها المختار مكتب المحامي ...، الكائن بالزاوية، شارع الولاني،

المدعى عليه:

  1. رئيس مجلس الوزراء بصفته؛
  2. وزير الداخلية بصفته؛
  3. وزير الدفاع بصفته؛
  4. وزير المالية بصفته،

تنوب عنهم إدارة القضايا، فرع الزاوية، الكائن مقرها بطريق الزهراء.

ملخص الدعوى

تخلص الدعـوى في اختصام المدعية للمدعى عليهم بصحيفة جرى إعلانها وفقاً للقانون. شرحت الدعوى بما جماعه أنها في 23-5-2016، كانت تزور جدتها بمستشفى الزاوية، فأصيبت بعيار ناري من مجهول أثناء اشتباك المسلح بين عائلتين. أحيلت أوراق الواقعة إلى النيابة العامة، فقيدتها جريمة حيازة سلاح دون ترخيص وإيذاء جسيم ضد مجهول. أحدثت الإصابة بالمدعية أثراً عميقاً من الأسى والألم الملازم للجرح، وما نجم عنه من كسر وإصابات أخرى في البطن أدت إلى استئصال القولون الأيمن. كما ترتب على ذلك أضرار معنوية وخسارة مالية لحقت بأفراد أسرتها.

وفقاً للصحيفة، المدعى عليه الثاني هو المكلف بالمحافظة على أمن البلاد ونظامها العام، ومكلف بحماية الأرواح والأعراض والأموال، وذلك استناداً إلى قرار القائد الأعلى للجيش الليبي 18 لسنة 2014 بشأن تشكيل قوة عسكرية لبسط الأمن في المنطقة الغربية. فالشرطة المختصة مكانياً تتبعه، وهي لم تقم بواجبها في حفظ الأمن والنظام والأرواح والأموال. لهذا، فإن الضرر الذي لحق المدعية وقع "تحت بصر وسيطرة المدعى عليهما الثاني والثالث"، إذ لم يحركا ساكنا، وبالتالي فما حصل ناتج عن إهمالهما وتقصيرهما، "وعلاقتهم جميعاً علاقة التابع والمتبوع وفق نص المادة 177 مدني وما بعدها. وهم مسؤولون عن الضرر الذي يحدثه تابعهم بعمله غير المشروع متى كان واقعاً منه في حالة تأدية وظيفته أو بسببها. أما رابطة السببية بين الخطأ والنتيجة، فهي قائمة "ولا تحتاج لإقامة دليل والمستندات المرفقة خير دليل" بما في ذلك تقرير الطبيب الشرعي.

أسست المدعية دعواها على المادة 166 من القانون المدني، مجملة الأضرار في ما عانته من آلام في الجسد وانقطاع عن الدراسة والفزع وتشتت العائلة. وانتهت إلى طلب الحكم لها بإلزام المدعى عليهم متضامنين بتعويضها بمئة ألف دينار عما أصابها من ضرر مادي، وبمثلها عما أصابها من ضرر معنوي، مع إلزامهما بالمصاريف والأتعاب.

بدأت المحكمة نظر الدعوى في 13-2-2018. أمامها، حضر عن المدعية محاميها الأستاذ ...، وعن المدعى عليهم، حضرت الأستاذة المحامية ... من إدارة القضايا. قدم دفاع المدعية مستنداتها فكانت: محاضر جمع الاستدلالات وتحقيق النيابة العامة بشأن الواقعة وتصرفها المقرر قيد الدعوى ضد مجهول وحفظ أوراقها؛ تقارير طبية بالإصابات اللاحقة بالمدعية. طلب الدفاع إحالتها إلى الطبيب الشرعي لإثبات الإصابات وتقدير نسبة العجز.

ضمَّن دفاع المدعى عليهم دفاعَه مذكرة دفع فيها بما تجمله المحكمة في التالي:

انتهي الدفاع إلى طلب الحكم له بمقتضى دفوعه، وعلى سبيل الاحتياط، طلب خفض قيمة التعويض إن وجدت المحكمة له موجباً.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وفيها قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءُه ليبتلي في الحالتين شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة وقد اجتهدت في تفحص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في ما قضت به بشأنها. وإنه لقضاءٌ أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن كل خصم دفاعُه، وهكذا فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً بالنسبة لكليهما عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات.

وحيث إن من دفوع المدعى عليه ما هو حقيق بالفحص قبل ولوج الموضوع، لذا فالمحكمة تستهل بوزنها.

 حيث إنه عن الدفع ببطلان صحيفة الدعوى للتجهيل بالمدعى عليه، فمردود. ذلك أن التجهيل المقصود في هذا المقام، ووفقاً لنص المادة 88 من قانون المرافعات، هو ذاك المانع من تحديد هوية المدعى عليه تحديداً دقيقاً. وعلى هذا، فإن إيراد المدعية لصفة كلِّ واحد من المدعى عليهم إيراداً نافياً للجهالة ومانعاً للخلط يعصم الصحيفة من هذا النعي. أما القول بتخبط المدعية في تحديد المسؤول عن الخطأ، فلا شأن له بعيب التجهيل المقصود، بل بإثبات الخطأ.

وحيث إنه عن الدفع بعدم صفة المدعى عليهم، فمصيب في جزء دون الآخر. فأما بشأن المدعى عليه الأول، فصفته في الدعوى متحققة استناداً إلى أنه من المقرر بقضاء المحكمة العليا أن مسؤولية رئاسة الوزراء تجد مصدرها في اختصاصها الإشرافي على جميع مؤسسات الدولة، وفي مسئوليتها التضامنية أمام السلطة التشريعية، وبالتالي فإنها تكون ذات علاقةٍ بالنزاع وصفةٍ في الدعوى مادامت قد اختُصمت مع مؤسسة تتبعها (طعن مدني 240/44ق). أما صفة المدعى عليه الثاني، فمردها تبعية الشرطة التي تنسب المدعية إليها التقصير له.

وأما الدفع بعدم صفة المدعى عليهما الثالث والرابع، فقد أصاب المحز. إذ لم تبين المدعية وجه اختصامها للثالث سوى بإشارة عارضة بأن الشرطة تتبعه، وهو قول غير صحيح، ثم إن المحكمة لا تجد وجهاً بديلاً لإقحامه في الدعوى. كما لا تجد المحكمة وجهاً لإقحام المدعى عليه الرابع. فلئن أملى الصالح العام، الذي يفرض تقسيم العمل حتى يتفرغ كلُّ موظف وكلُّ هيئة لما أنيط به، على المشرع توزيع الاختصاص بين سلطات الدولة، وجعل وزير المالية المسؤولَ عن صرف المبالغ المستحقة لتنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد الجهات العامة الممولة من الخزانة العامة، إلا أن هذا بمجرده لا يبرر اختصامه في دعوى سندها سلوكٌ تقصيري منسوب إلى غيره مادامت العلاقة التبعية أو الإشرافية مع هذا الغير غير قائمة. فهذه العلاقة هي أساس سلطة الأمر والمراقبة والإدارة التي يمارسها المتبوع على تابعه، وهي مناط تحمله تبعة أخطاء التابع، والتي يفترض قانوناً أنها نشأت بسبب سوء اختيار التابع أو التقصير في الرقابة عليه. ولا شبه في أن كل هذا غير متحقق في حالة وزير المالية بالنسبة إلى المنسوب إليه الخطأ. على أنه على الرغم من عدم صفة المذكورَين، إلا أن المحكمة سهت عن إيراد مقتضاه في منطوق حكمها. لكنها لا تملك لإصلاحه سبيلاً بسبب امتناعه قانوناً.

لما كان ذلك، وجبت الصيرورة إلى صلب موضوع الدعوى. وحيث إن المبدأ العام في الإثبات، والمقرر بالمادة 376 من القانون المدني، يقضي بأن عبء إثبات الدعوى يقع على عاتق المدعي. لهذا، فعلى المدعية، وقد أسست دعواها على المسؤولية التقصيرية، أن تدلل على قيام أركانها. وحيث إنه بعد الاطلاع على الأوراق والإحاطة بكل جوانب الدعوى، يضح للمحكمة أن المدعية فشلت في إثبات ركن الخطأ في جانب المدعى عليهم، بإخفاقها في البرهنة على سلوكهم ما يشكل انحرافاً عن السلوك المعتاد. فمِلاك ما تقول به هو أن ما لحق بها من أذى كان بسبب إهمال الشرطة في القيام بواجبها في حفظ الأمن والنظام والأرواح والأموال. وهذا قول بخطأ مرفقي من جانب جهة الإدارة يحتاج في المقام الأول إلى التدليل عليه، ثم إثبات تعلق السلوك المؤذي به. فوقوع ذلك الواجب على عاتق الشرطة، لا يعني بالضرورة مسؤوليتها المدنية ومسؤولية متبوعها عن كل الأضرار الناشئة عن الإخلال بالأمن والنظام أو المساس بالأرواح والأموال. ذلك أنه وإن صح أن مسؤوليتها في هذا الشأن عامة تتصل بحفظ أمن الجماعة في عمومها واتخاذ ما يلزم لذلك، إلا أن القول بشمولها حماية كل فرد على حدة مستحيل التحقيق واقعاً. ولهذا، فإن حدودها تقف عند واجب التقليل من الجريمة ولا تصل إلى الالتزام بإعدامها.

لما كان ذلك، وكان قول المدعية المتقدم قد جاء مرسلاً. فلا هي بينت عناصر الخطأ المرفقي ولا وجه ارتباطه بالسلوك المتسبب في إيذائها، ولا هي وضحت وجه خطأ الدولة في حصول اقتتال مسلح بين عائلتين وإصابتها أثناءه فضلاً عن تدليلها على هذا الخطأ. أكان الاقتتال، على سبيل المثال، متوقعاً ولم تتخذ الدولة إجراءات منعه؟ أم أنه استمر قبل الواقعة زمناً كافياً لحؤولها دون تفاقمه، ومع هذا أحجمت؟ لذلك، فإن قول المدعية على حاله لا يكفي لإثبات ركن الخطأ في جانب المدعى عليهم، ما يوجب رفض دعواها، ومن دون الحاجة إلى النظر في ركني الضرر والعلاقة السببية.

وحيث إنه عن المصاريف، فإن المحكمة تلزم المدعية بها لكونها المحكوم عليها في الدعوى، وذلك وفقاً للمادتين 281 و282 من قانون المرافعات.

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً، برفض الدعوى، وبإلزام رافعتها بالمصاريف. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                          القاضي

 

أودعت الأسباب في: 26-6-2019م