50 م د: إثبات حق ملكية (عدم قبول لعدم الصفة، وعدم قبول لعدم الشهادة السلبية)

:

استقر القضاء الليبي، تترأسه المحكمة العليا، على أن سلب القضاء العادي اختصاصاً أصيلاً له بدعوى ما، لا يكون إلا بنص صريح يقطع في الدلالة على إرادة المشرع جعْلَ اختصاص غيره بموضوعها مانعاً. التحدي بقانون التصرف في الأراضي الزراعية والمستصلحة المملوكة للدولة في الدفع بعدم اختصاص المحكمة ولائياً غير مجد؛ إذ لا تجد المحكمة في نصوصه ما يعبر عن تلكم الإرادة، ولذا اختصاص هذه المحكمة الأصيل يظل قائماً.

لا يجوز رفع أي دعوى أمام القضاء بشأن استحقاق أو تثبيت ملكية عقار أو أي حقوق عينية أخرى ما لم تقدم معها شهادة دالة على حالة العقار موضوع النزاع في السجلات العقارية. لا تصلح الشهادة القديمة في هذا المقام، ذلك أنها لا تحقق الحكمة التي تغياها المشرع من اشتراط الشهادة. فمن المعلوم أن مصلحة التسجيل العقاري تشارك القضاءَ اختصاصه باستحقاق الملكية العقارية وتثبيت حقها تحت مسمى تحقيق الملكية. وهو اشتراك قد يتزامن بسببه نظر الدعوى القضائية باستحقاق حق ملكية أو تثبيته مع إجراءات مصلحة التسجيل العقاري بتحقيق الحق نفسه، وقد يكون لكلٍّ وجهتُه، ما يفضي إلى تضارب بين الحكم القضائي وقرار المصلحة. لهذا، قرر المشرع تلك الشهادة ضمانة إجرائية تحول دون حصول ذلك الازدواج. وعلى ذلك، إذا كانت الشهادة الدالة على حالة العقار قديمة، كما هي الشهادة في الدعوى الماثلة، فإن قصورها على ضمان تحقق هذه العلة ظاهر. فهي وإن نفت كون العقار موضوع الدعوى محلاً لإجراءات تحقيق الملكية أثناء صدورها، إلا أنها لا تكفي للقطع بأن هذه الحالة مازالت مستمرة إلى حين رفع هذه الدعوى الذي تأخر عن الصدور سنوات.

:

[لجان الفصل في المنازعات الزراعية – الاختصاص الولائي – الشهادة الدالة على حالة العقار – علتها - الشهادة القديمة – قيمتها القانونية]

 [القاعدة]

[استقر القضاء الليبي، تترأسه المحكمة العليا، على أن سلب القضاء العادي اختصاصاً أصيلاً له بدعوى ما، لا يكون إلا بنص صريح يقطع في الدلالة على إرادة المشرع جعْلَ اختصاص غيره بموضوعها مانعاً. التحدي بقانون التصرف في الأراضي الزراعية والمستصلحة المملوكة للدولة في الدفع بعدم اختصاص المحكمة ولائياً غير مجد؛ إذ لا تجد المحكمة في نصوصه ما يعبر عن تلكم الإرادة، ولذا اختصاص هذه المحكمة الأصيل يظل قائماً.

لا يجوز رفع أي دعوى أمام القضاء بشأن استحقاق أو تثبيت ملكية عقار أو أي حقوق عينية أخرى ما لم تقدم معها شهادة دالة على حالة العقار موضوع النزاع في السجلات العقارية. لا تصلح الشهادة القديمة في هذا المقام، ذلك أنها لا تحقق الحكمة التي تغياها المشرع من اشتراط الشهادة. فمن المعلوم أن مصلحة التسجيل العقاري تشارك القضاءَ اختصاصه باستحقاق الملكية العقارية وتثبيت حقها تحت مسمى تحقيق الملكية. وهو اشتراك قد يتزامن بسببه نظر الدعوى القضائية باستحقاق حق ملكية أو تثبيته مع إجراءات مصلحة التسجيل العقاري بتحقيق الحق نفسه، وقد يكون لكلٍّ وجهتُه، ما يفضي إلى تضارب بين الحكم القضائي وقرار المصلحة. لهذا، قرر المشرع تلك الشهادة ضمانة إجرائية تحول دون حصول ذلك الازدواج. وعلى ذلك، إذا كانت الشهادة الدالة على حالة العقار قديمة، كما هي الشهادة في الدعوى الماثلة، فإن قصورها على ضمان تحقق هذه العلة ظاهر. فهي وإن نفت كون العقار موضوع الدعوى محلاً لإجراءات تحقيق الملكية أثناء صدورها، إلا أنها لا تكفي للقطع بأن هذه الحالة مازالت مستمرة إلى حين رفع هذه الدعوى الذي تأخر عن الصدور سنوات.]

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه،

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 14 ربيع الآخر 1441هـ. الموافق: 11-12-2019م،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــم

الدعوى:

...-2014 مدني كلي الزاوية.

المدعي:

...، عن نفسه وبصفته وكيلاً عن ورثة ...: ...، ...، مقيمون بالزاوية، موطنهم المختار مكتب المحاميين ....

المدعى عليه:

  1. ...؛ ~ ....

ملخص الدعوى

تجمل الدعـوى في اختصام المدعي عن نفسه، وبالصفة التي يقول بها، للمدعى عليهم بصحيفة أعلنت إليهم في 11-3-2014. شرح الدعوى بما جماعه أنه ومن يمثل يملكون بسبب الإرث الأرضَ الزراعية الكائنة بمنطقة بئر ترفاس، والتي مساحتها هكتاران ونصف الهكتار. حدودها: من الشمال، ...؛ من الجنوب، ...؛ من الشرق، ...؛ من الغرب، .... وضع المدعى عليه الأول اليد على الأرض بحجة أنه تحصل على رسالة تخصيص من إدارة "المشروع" بالإقامة بالمنزل المقام عليها "والانتفاع مؤقتاً"، وهو ما "لا يخوله وضع اليد بحجة الملكية." على حد تعبير الصحيفة.

لذلك، فإن المدعي يطلب الحكم له بإثبات حقه وحق من يمثل في الانتفاع بالأرض الموصوفة وتسليمها لهم خالية من الشواغل والأشخاص، وبإلزام المدعى عليهم بالمصاريف والأتعاب، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل، وبلا كفالة.

بدأت المحكمة بهيئة سابقة نظر الدعوى في 6-4-2014. أمامها، حضر المدعي ومعه محاميه الأستاذ ...، وعن المدعى عليهم حضر محاميهم الأستاذ .... قدم محامي المدعي مستنداته في الدعوى فكانت: صورة ضوئية للفريضة الشرعية الخاصة بـ... تثبت وفاته عام 1820 وانحصار إرثه في سلسلة من الورثة، المدعي أحدهم؛ صورة لفريضة والد المدعي تثبت وفاته وانحصار إرثه في المدعي ومن يقول بتمثليهم في الدعوى؛ صور ضوئية لجملة من الوثائق يستشهد بها المدعي في القول بملكية الأرض موضوع الدعوى؛ شهادة سلبية صادرة في 12-5-2011 من مصلحة التسجيل العقاري بأن العقار موضوع الدعوى ليس محلاً لإجراءات تحقيق الملكية.

طلب الدفاع إحالة الدعوى إلى التحقيق لسماع شهادة شهود سماهم لإثبات الملكية. وفي جلسة أخرى عدّل طلبه من الحكم بإثبات حق الانتفاع إلى إثبات حق الملكية، وأضاف بأن صفة المدعي نفسه ثابتة بالفريضة الشرعية من أنه وارث للمالك، وأما صفته كوكيل للورثة المذكورين، فثابتةٌ في الفريضة وفي طلبه إلى اللجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام بنعته فيهما بذلك.

دفع دفاع المدعى عليهم بما تجمله المحكمة في التالي:

في 24-4-2016، أوقفت المحكمة بهيئتها السابقة السير في الدعوى إلى حين الفصل في "الطعن". في 20-2-2019، انعقدت الخصومة أمام المحكمة بهيئتها الحالية بعد تحريك المدعي لها. طلب الخصمان حجز الدعوى للحكم. نبهت المحكمة المدعي إلى حاجته لتقديم ما يدلل على صفته في تمثيل من يقول بالوكالة عنهم، لكنه لم يفعل.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بآخر جلسة اليوم، وهنا قضت بالوارد في المنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءه ليبتلي في الحالتين شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة وقد اجتهدت في تفحص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في ما قضت به بشأنها. وإنه لقضاءٌ أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر المدعي ودفاعه، وحضر عن المدعى عليهم دفاعهم، وإذاً فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات.

حيث إن المدعي يطلب بشكل صريح في الصحيفة الحكم له ولمن يمثل بإثبات حقهم في الانتفاع بالأرض موضوع الدعوى، مدعياً أنها كانت مملوكة لجدٍّ لهم، وأنها قد آلت إليهم بسبب الإرث. ثم يعدّل في ذلك أمام المحكمة بطلبه الحكم بإثبات حقهم في ملكية هذه الأرض. ولهذا فإن التكييف القانوني للدعوى هو أنها دعوى عينية عقارية بتثبيت حق ملكية.

وحيث إن الدفع بعدم الاختصاص النوعي، والذي هو في حقيقته دفع بعدم الاختصاص الولائي، حقيق بالنظر بداءة، فإن المحكمة تبادر بفحصه. وحيث إنه يستند إلى ما هو مقرر بالمادة 20 من القانون 123 لسنة 1970 المشار إليه، فإنه يكون مردوداً. ذلك أن القضاء الليبي، تترأسه المحكمة العليا، استقر على أن سلب القضاء العادي اختصاصاً أصيلاً له بدعوى ما، لا يكون إلا بنص صريح يقطع في الدلالة على إرادة المشرع جعْلَ اختصاص غيره بموضوعها مانعاً. وحيث إن المحكمة لا تجد في النص ولا في النصوص الأخرى ما يعبر عن هذه الإرادة، فإن اختصاص هذه المحكمة الأصيل بنظر الدعوى الماثلة يظل قائماً.

وحيث إنه المدعي يقول بوكالته في رفع الدعوى عن المذكورين في الصحيفة. وحيث إنه لا يقدم ما يبرهن على ذلك أبداً، فإن دعواه بالنيابة عنهم لا تكون مقبولة، ما يلزم عنه القضاء بهذا وفق الوارد بالمنطوق. أما ما استدل به على القول بثبوت هذه الصفة، مما ورد في الفريضة الشرعية وفي طلبه إلى اللجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام من أنه كذلك، فغير مجزئ في هذا المقام. فصفة الوكالة في أي من المستندين لا تستبع بالضرورة وكالته في رفع الدعوى الماثلة، ولا يخفى ما بين الأمرين من تمايز. ولهذا، كان عليه لإثبات هذه الصفة التدليلُ على وكالة تصلح قانوناً لإدخال هذا الرفع ضمن أعمالها.

وحيث إنه لما كانت الدعوى الماثلة دعوى عينية عقارية، فإنه يسري عليها من الشروط للقبول أمام القضاء ما يسري على هذا الصنف من الدعاوى. وحيث إنه لما كان نصا المادتين التاسعة والسبعين من قانون المرافعات، والتاسعة من القانون 17 لسنة 2010 بشأن التسجيل العقاري وأملاك الدولة يقضيان بعدم جواز رفع أي دعوى أمام القضاء بشأن استحقاق أو تثبيت ملكية عقار أو أي حقوق عينية أخرى ما لم تقدم معها شهادة من الإدارة أو مكتب التسجيل المختص دالة على حالة العقار موضوع النزاع في السجلات العقارية. وحيث إن المدعي لم يلتزم بهذا الشرط، فلم يقدم تلك الشهادة، وإذاً فدعواه خليقة بعدم القبول وفق الوارد بالمنطوق.

لا يغير من سلامة هذا القضاء في شيء ما قدمه المدعي من الشهادة السلبية المشار إليها والصادرة في 12-5-2011. ذلك أن هذه الشهادة لا تحقق الحكمة التي تغياها المشرع من وراء اشتراط تقديم الشهادة الدالة على حالة العقار. فمن المعلوم أن مصلحة التسجيل العقاري تشارك القضاءَ اختصاصه باستحقاق الملكية العقارية وتثبيت حقها تحت مسمى تحقيق الملكية. وهو اشتراك قد يتزامن بسببه نظر الدعوى القضائية باستحقاق حق ملكية أو تثبيته مع إجراءات مصلحة التسجيل العقاري بتحقيق الحق نفسه، وقد يكون لكلٍّ وجهتُه، ما يفضي إلى تضارب بين الحكم القضائي وقرار المصلحة. لهذا، قرر المشرع تلك الشهادة ضمانة إجرائية تحول دون حصول ذلك الازدواج. وقد استظهرت المحكمة العليا هذه العلة في جملة من أحكامها. ففي الطعن المدني 15/14ق، تقول: "إن الحكمة التي توخاها المشرع من وجوب تقديم شهادة عقارية في دعاوى المطالبة باستحقاق أو تثبيت ملكية عقارية ... هو تلافي التضارب المحتمل وقوعه بشأن عقار معين بين ما تتخذه مصلحة التسجيل العقاري من إجراءات تحقيق الملكية المتعلقة بالعقار موضوع الدعوى وبين ما يصدر بشأنه من أحكام قضائية." وفي الطعن المدني 25/18ق تقول: إن "قصد المشرع من وجوب تقديم شهادة عقارية في دعاوى استحقاق أو تثبيت ملكية عقار ...، هو منع ازدواج الدعاوى وطلبات تحقيق الملكية أمام السلطة القضائية من ناحية، وإدارة التسجيل العقاري من ناحية أخرى."

وعلى ذلك، إذا كانت الشهادة الدالة على حالة العقار قديمة، كما هي الشهادة في الدعوى الماثلة، فإن قصورها على ضمان تحقق هذه العلة ظاهر. فهي وإن نفت كون العقار موضوع الدعوى محلاً لإجراءات تحقيق الملكية أثناء صدورها عام 2011، إلا أنها لا تكفي للقطع بأن هذه الحالة مازالت مستمرة إلى حين رفع هذه الدعوى الذي تأخر عن الصدور سنوات. وهكذا، كان على المدعي لقبول دعواه تقديم شهادة حديثة بحالة العقار وقت رفعها.

وحيث إنه عن المصاريف، فإن المحكمة تلزم المدعي بها لكونه المحكوم عليه، وذلك وفقاً للمادتين 281 و282 من قانون المرافعات.

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً:

أولاً: بعدم قبول دعوى المدعي بصفته وكيلاً، لعدم ثبوت هذه الصفة؛

ثانياً: بعدم قبول دعوى المدعي عن نفسه لعدم تقديم شهادة من مصلحة التسجيل العقاري المختصة بأن العقار موضوع الدعوى ليس محلاً لإجراءات تحقيق الملكية وقت رفع الدعوى؛

ثالثاً: بإلزام المدعي بالمصاريف. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                              القاضي

 

أُودعت الأسباب في: 11-12-2019 بعد النطق بالحكم