47 م د: صحة ونفاذ عقد تخارج، ودعوى مقابلة (إجابة الأولى، وعدم قبول الثانية)

:

عقد التخارج عقد معاوضة يبيع فيه وارث لآخر حصته الشائعة في التركة. هو في حقيقته عقد بيع، وسمي تخارجاً لصفات أطرافه وخصوصية موضوعه. ولهذا، فإن الأحكام المقررة في القانون المدني للعقود عموماً، وتلك المنظمة لعقد البيع، وما يرتبط بالتخارج بشكل خاص من قواعد، تكون المرجع الأساسي للحكم بمدى سلامته.

الميراث سبب من أسباب كسب الملكية يترتب من وقت وفاة المورث، وينقل إلى الورثة ملكية مورثهم جبراً من دون الحاجة إلى تسجيل حق الإرث. وعلى هذا، يكون لكل وارث التصرف في نصيبه الشائع في التركة تصرف المالك وفي الحدود المسموح بها قانوناً والتي توجب عدم الإضرار بحقوق باقي الورثة. لا يغير من هذا الحكم ما تنص عليه المادة 462 من القانون المدني من عدم جواز بيع التركة إلا بعد تفصيل مشتملاتها، إذ يستثنى من هذا، وللحكمة شديدة الظهور، البيعُ بالتخارج بين الورثة.

يكون الحق متنازعاً فيه إذا كان قد رفع بموضوعه دعوى، أو قام في شأنه نزاع جدي. منع بيع الحقوق المتنازع فيها متعلق بالتصرفات اللاحقة لحصول النزاع الجدي أو لرفع دعوى به. وعليه، فإن النزاع ورفع الدعوى اللاحقين للبيع لا ينبغي لهما أن ينالا من سلامة البيع السابق إذا ما كان قد تم صحيحاً.

يشترط لقبول الدعوى المقابلة أمام المحكمة المختصة بالدعوى الأصلية أن يكون أساسها السند الذي قدمه المدعي في الدعوى، أو كانت تستند إلى سند آخر قام عليه موضوع النزاع. إذا كان السند في الدعوى الأصلية العقد، فيما في الدعوى المقابلة حق الإرث، وكان موضوع النزاع في الأصلية، وهو تخاصم بشأن صحة عقد تخارج، غير قائم على حق الإرث بل على سلامة التعاقد أو عدمه، فإن الدعوى المقابلة على هذا النحو تكون منقطعة الصلة بالدعوى الأصلية انقطاعاً يمنع على هذه المحكمة النظر في موضوعها.

:

[عقد التخارج – دعوى صحته ونفاذه – طبيعتها - الإرث سبباً لكسب الملكية – بيع الحقوق المتنازع فيها - دعوى مقابلة – شرط قبولها]

[القاعدة]

[عقد التخارج عقد معاوضة يبيع فيه وارث لآخر حصته الشائعة في التركة. هو في حقيقته عقد بيع، وسمي تخارجاً لصفات أطرافه وخصوصية موضوعه. ولهذا، فإن الأحكام المقررة في القانون المدني للعقود عموماً، وتلك المنظمة لعقد البيع، وما يرتبط بالتخارج بشكل خاص من قواعد، تكون المرجع الأساسي للحكم بمدى سلامته.

الميراث سبب من أسباب كسب الملكية يترتب من وقت وفاة المورث، وينقل إلى الورثة ملكية مورثهم جبراً من دون الحاجة إلى تسجيل حق الإرث. وعلى هذا، يكون لكل وارث التصرف في نصيبه الشائع في التركة تصرف المالك وفي الحدود المسموح بها قانوناً والتي توجب عدم الإضرار بحقوق باقي الورثة. لا يغير من هذا الحكم ما تنص عليه المادة 462 من القانون المدني من عدم جواز بيع التركة إلا بعد تفصيل مشتملاتها، إذ يستثنى من هذا، وللحكمة شديدة الظهور، البيعُ بالتخارج بين الورثة.

يكون الحق متنازعاً فيه إذا كان قد رفع بموضوعه دعوى، أو قام في شأنه نزاع جدي. منع بيع الحقوق المتنازع فيها متعلق بالتصرفات اللاحقة لحصول النزاع الجدي أو لرفع دعوى به. وعليه، فإن النزاع ورفع الدعوى اللاحقين للبيع لا ينبغي لهما أن ينالا من سلامة البيع السابق إذا ما كان قد تم صحيحاً.

يشترط لقبول الدعوى المقابلة أمام المحكمة المختصة بالدعوى الأصلية أن يكون أساسها السند الذي قدمه المدعي في الدعوى، أو كانت تستند إلى سند آخر قام عليه موضوع النزاع. إذا كان السند في الدعوى الأصلية العقد، فيما في الدعوى المقابلة حق الإرث، وكان موضوع النزاع في الأصلية، وهو تخاصم بشأن صحة عقد تخارج، غير قائم على حق الإرث بل على سلامة التعاقد أو عدمه، فإن الدعوى المقابلة على هذا النحو تكون منقطعة الصلة بالدعوى الأصلية انقطاعاً يمنع على هذه المحكمة النظر في موضوعها.]

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه،

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 6 جمادى الأولى 1441هـ. الموافق: 1-1-2020،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــم

الدعوى:

...-2018 مدني كلي الزاوية.

المدعي:

  1. ...؛ ~ ....

موطنهم المختار مكتب المحامي ...، الكائن بصرمان.

المدعى عليه:

....

ملخص الدعوى

تجمل الدعـوى في أن المدعين أقـاموها ضد المدعى عليها بصحيفة جرى تصحيحها وإعلانها إليها، صحيفة صفا عرضها حيناً وغام أحياناً بسبب ما طبعها من ركاكة في الأسلوب ومن أخطاء لغوية مبهِمة للمقصود، مشتِّتة للانتباه إلى حد أرهق المحكمة في سبيلها إلى فهم فحواها، فكان التالي ما تأتى لها تحصيله منها:

في 3-1-2016، باعت المدعى عليها وشقيقتاها إلى المدعين حصتهن في ما ورثنه من والدهن من نصيبه المقدر بالنصف في أرض زراعية كائنة بمدينة الزاوية محلة ... بما عليها من مبان، مساحتها 1362.36م2، بحيث تكون المساحة المبيعة 581م2. حدود الأرض: من الشمال، ...؛ من الجنوب، ...؛ من الشرق، ...؛ من الغرب، .... استلمت المدعى عليها الثمن وهو ... ديناراً.

وهم إذ يرفعون هذه الدعوى، إنما طلباً للحكم لهم بصحة هذا العقد ونفاذه، وبإلزام المدعى عليها بالمصاريف، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل.

بدأت المحكمة نظر الدعوى بجلسة 24-10-2018. أمامها، حضر عن المدعين محاميهم الأستاذ ...، وعن المدعى عليها، حضر محاميها الأستاذ .... قدم الأول مستندات موكليه في الدعوى، فكانت: صورة ضوئية مطابقة للأصل لعقد البيع موضوع الدعوى. وهو عقد عرفي مبرم علي في 3-1-2016. ينص في مادته الأولى على "تعهد والتزام" المدعى عليها وأختيها ... ببيع كامل نصيبهن في الأرض المشار إليها للمدعى عليهم، وعلى استلام البائعات لمبلغ 23250 ديناراً ثمناً لذلك؛ صورة رسمية لفريضة شرعية تثبت وفاة ... في 22-11-2010، وانحصار إرثه في زوجته وأمه وأولاده (الخصوم في هذه الدعوى) وأخت لهم؛ صورة ضوئية لشهادة عقارية بملكية مورث الخصوم وأخيه للأرض موضوع الدعوى مناصفة، وهي الأرض موضوع الملف العقاري (18736ت).

في الجلسة الأولى، قدم دفاع المدعى عليها صحيفة دعوى مقابلة ضد المدعين في الدعوى الأصلية وكلٍّ من:

أعلنت الصحيفة وفقاً للقانون. تقول المدعية في الدعوى المقابلة إن محل العقد موضوع الدعوى الأصلية عقار يمثل تركة مورث الخصوم جميعاً، ولم يرد في العقد ما إذا كان مملوكاً لها ولباقي الورثة لاسيما أن المورث لا يملك إلا نصف العقار في الشيوع، وهو ما يوجب رفض الدعوى الأصلية. ولهذا، فإنها تقيم دعواها المقابلة طلباً لتصفية تركة المورث، مستندة في هذا إلى نصيبها فيها المقرر بموجب الفريضة الشرعية المشار إليها، وإلى قانون حماية حقوق المرأة، وإلى أحكام القانون المدني في تصفية التركات الواردة في المواد 891 وما بعدها.

انتهت إلى طلب رفض الدعوى الأصلية والحكم لها في دعواها بالتالي:

أولاً: انتداب خبير مصفياً للتركة لتحديد أعيانها وتقدير قيمتها؛

ثانياً: القضاء بإلزام خصومها بتسليمها النصيب الذي يقرره الخبير، وبمنحها شهادة بالإرث الشرعي، مع إلزامهم بالمصاريف والأتعاب، وشمول الحكم بالنفاذ المعجل، وبلا كفالة.

قدم دفاعها شهادة سلبية صادرة عن مصلحة التسجيل العقاري تشير إلى ملكية مورث الخصوم وأخيه مناصفة للأرض موضوع العقد موضوع الدعوى الأصلية. ودفع بأن هذا العقد عقد تمهيدي تحكمه المادة 101 من القانون المدني، وقد جاء معلقاً على شرط واقف هو التصريح لمصلحة التسجيل العقاري بالتسجيل. ثم إنه من غير الواضح ما إذا كان العقد عقد بيع أو عقد انتفاع. وفي الواقع، فإنه عقد انتفاع معلق على شرط واقف وفقاً لما هو ظاهر في مادتيه الخامسة والسادسة. كما دفع بحظر القانون المدني "بيع التركة إلا بعد تفصيل مشتملاتها أو التخارج بين الورثة"، وبمنع المادة 458 بيع الحقوق المتنازع عليها، وبأن المنازعة متحققة هنا برفع الدعوى الماثلة والمقابلة، وبرفع دعوى أخرى بصحة عقد هبة في بعض أعيان التركة، وبعدم جواز بيع التركات وفقاً للقانون 86 لسنة 1972. وقدم طلباً بالحراسة القضائية على "أعيان التركة" طبقاً للمادة 729 من القانون المدني إلى حين انتهاء النزاع بشأنها، النزاع الذي تدل عليه تلك الدعاوى.

رد دفاع المدعين بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى المقابلة، لأنها دعوى قسمة مال شائع.

أمرت المحكمة المدعين بإدخال أختي المدعى عليهما (...) و(...) معها في الدعوى. امتثلوا، وأعلنوهما بصحيفة الإدخال. حضرتا أمام المحكمة وأقرتا بصحة العقد وبرضاهما بالبيع.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بآخر جلسة اليوم، وهنا أصدرت الحكم الوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءُه ليبتلي في الحالتين شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة وقد اجتهدت في تفحص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في ما قضت به بشأنها. وإنه لقضاء أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث جرى نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن المدعين دفاعهم، وعن المدعى عليها دفاعها. وحضرت المدخلتان. وإذاً، فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً لجميعهم عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات.

حيث إن ملف الدعوى يضم دعويين، لذا فالمحكمة تفصل فيهما تباعاً.

وحيث إنه عن الدعوى الأصلية، فإنها دعوى صحة عقد معاوضة ونفاذه. وحيث إن التكييف القانوني لهذا العقد هو أنه عقد تخارج بين الورثة بشأن حصة في التركة. بموجبه تبيع المدعى عليها وأختاها المدخلتان حصتهن في الأرض موضوع الدعوى بثمن محدد.

وحيث إن الدعوى بهذه الطبيعة تعد دعوى شخصية عقارية تستند إلى حق شخصي طلباً لتقرير حقٍّ عيني على العقار. وهي من دعاوى الاستحقاق مآلاً، يهدف المتخارج لهم من رفعها إلى إجبارِ المتخارج على تنفيذ الالتزام بنقل ملكية محل التخارج تنفيذاً عينياً، وإلى الحصولِ على حكم قضائي بانتقال هذه الملكية ليقوم تسجيلُه بالسجل العقاري مقامَ تسجيل العقد ذاته، فيتحققَ الانتقالُ بالطريق المقرر قانوناً في المادة 48 من القانون 17 لسنة 2010 بشأن التسجيل العقاري وأملاك الدولة، ووفق المشروط بنصي المادتين 207 و938(1) من القانون المدني. فكما تقول المحكمة العليا في الطعن المدني 23/96ق، "لا يكون مجرد التعاقد على بيع العقار ناقلاً للملكية، وإنما تبقى الملكية على ذمة البائع ولا تنتقل إلى المشتري إلا بتسجيل عقد البيع أو الحكم الصادر بصحة تعاقده." وعليه، فإن علة هذه الدعوى هي ابتغاء نقل الملكية إلى المتخارج له؛ لأن العقد بمجرده لا يكفي لحصول ذلك، ولا يتجاوز أثره إنشاء التزامات شخصية لا يكون فيها المتخارج أكثر من دائن شخصي بحقوقه الناشئة عن العقد.

وحيث إنه لما كانت هذه الدعوى كذلك، فإنه يتعين للقضاء بصحة العقد موضوعها ونفاذه التحققُ من صحةِ التخارج واستيفائِه شروطَه وأركانَه وصلاحيتِه لنقل ملكية موضوعه. والمحكمة في سبيل ذلك تفحص العقد من حيث أركانه، فتنطلق من مبدأ أنه لما كان في حقيقته عقد معاوضة يبيع فيه طرف للآخر حصة شائعة في التركة، وكان هذا يعد من حيث الأصل عقد بيع، وكان وصفه بعقد التخارج راجعاً إلى صفات أطرافه وموضوعه، فإن الأحكام المقررة في القانون المدني للعقود عموماً، وتلك المنظمة لعقد البيع، وما يرتبط بالتخارج بشكل خاص من قواعد، تكون المرجع الأساسي للحكم بمدى سلامته. وبالتالي، فإن المحكمة تجعلها الدليلَ الرئيسي لحكمها.

وحيث إنه وفقاً لتلك للأحكام، يشترط لصحة العقد موضوع الدعوى قيامه على ثلاثة أركان: التراضي، والمحل، والسبب. وحيث إنه بفحص العقد ومستندات الدعوى، يبين للمحكمة تحقق هذه الأركان وسلامتها جمعاء. فأما ركن التراضي، فيبين من مفردات العقد ذاته، ومن إقرار المدخلتين في الدعوى بصفتهما متخارجتين بالبيع برضاهما أمام المحكمة، أنه جاء سليماً موافقاً لنصوص المواد: 89 و90 و91 و407 و408 من القانون المدني. فطرفا العقد أهل للتعاقد، وارتضيا صراحةً بملء الإرادة ما تضمنه العقد من التزام تمثل في بيع نصيبهن في تركة مورثهن المتمثلة في الأرض الموصوفة بثمن محدد أقررن في العقد بقبضه. كما تقول المحكمة بسلامة ركن السبب لافتراض مشروعية البواعث والذي لم يثبت خلافه، وذلك نزولاً عند حكم المادة 137. وأما ركن المحل، فهو الآخر قائم وسليم. فمن جهة، وافق نص المادة 135 من حيث أنْ لا مخالفة فيه للنظام العام والآداب. ومن جهة ثانية، ورد العقد على محل تملكه المتصرفات (المدعى عليها وأختاها المدخلتان) بسبب الميراث. وهي ملكية يدل عليها ما قدمه دفاع المدعى عليها نفسه من الشهادة السلبية المتعلقة بالعقار موضوع العقد، والصورة الضوئية للشهادة العقارية المقدمة من دفاع المدعين، واللتين تورد فيهما المصلحة أن هذا العقار مملوك لمورث الخصوم وأخيه مناصفة، وهو ما يلزم عنه الانتقالُ الفوري لهذه الملكية، بسبب الميراث الثابت بالفريضة الشرعية المرفقة، إلى البائعات بحسب نصيبهن الشائع في الجزء الشائع المملوك للمورث. فمن المعلوم، وكما استقر عليه قضاء المحكمة العليا، أن "الميراث سبب من أسباب كسب الملكية يترتب من وقت وفاة المورث، وينقل إلى الورثة ملكية مورثهم جبراً من دون الحاجة إلى تسجيل حق الإرث إلا من أجل تمكين الوارث من التصرف للغير." أضف إليه أن "انتقال الملك إلى الورثة بعد وفاة مورثهم أمر لا ريب فيه ... والموت سبب للتوريث تتحقق الوراثة فوره، وهي تملُّك الوارث لما تركه المورث." (طعن مدني 62/18ق).

وعلى هذا، يكون لكل وارث التصرف في نصيبه الشائع في التركة تصرف المالك استناداً إلى المقرر في المادة 835 من القانون المدني، وفي الحدود المسموح بها قانوناً والتي توجب عدم الإضرار بحقوق الشركاء (باقي الورثة). ولا يغير من هذا الحكم ما تنص عليه المادة 462 من عدم جواز بيع التركة إلا بعد تفصيل مشتملاتها، إذ يستثني النص من هذا، وللحكمة شديدة الظهور، البيعَ بالتخارج بين الورثة. وإذاً، فالبيع موضوع العقد موضوع الدعوى وارد على مملوك للبائعات وليس في القانون ما يمنعه.

ولا يغير من النظر المتقدم في شيء دفع دفاع المدعى عليها بامتناع بيع الحقوق المتنازع فيها. فما هذا بذي محل ههنا. فبحسب المادة 458(2)، يعد الحق متنازعاً فيه إذا كان قد رفع بموضوعه دعوى، أو قام في شأنه نزاع جدي. وليس هذا بمتحقق في موضوع الدعوى الماثلة. فكما هو بيِّن من عبارات النص، فإن المنع متعلق بالتصرفات اللاحقة لحصول نزاع جدي بشأن الحق المتصرف فيه أو لرفع دعوى به. وعليه، فإن النزاع ورفع الدعوى اللاحقين للبيع لا ينبغي لهما أن ينالا من سلامة البيع السابق إذا ما كان قد تم صحيحاً.

لما كان هذا، فإن محاجة دفاع المدعى عليها بالدعوى الماثلة والدعوى المقابلة كونهما شاهد النزاع تكون باطلة لتأخرهما زمنياً عن التصرف. وأما استشهاده بدعوى صحة عقد هبة في ما يقول بأنه مال آخر من أموال التركة، فسافر في انبتات صلته بالحق المبيع في عقد هذه الدعوى.

لما كان ذلك، فإن المدعين يكونون حقيقين بأن تؤتيهم المحكمة سؤلهم بصحة العقد ونفاذه، وذلك وفق الوارد بالمنطوق.

لا يقدح في ما انصرم من تكييف وتسبيب ما ورد في المادة الأولى من لفظ "تعهد"، والذي تحدى به دفاع المدعى عليها في تكييف العقد بعقد وعد بالبيع. ذلك أن ما يثيره هذا اللفظ بادئ الرأي من هذا الظن يزول باستحضار ثلاثة أمور: عطف البائعات بلفظ "التزمَ" على لفظ "تعهدَ" (المادة الأولى)؛ وتحقق القبول الفوري للمشترين (المدعين) لإيجاب البائعات (المدعى عليها والمدخلتين) (المادة الثالثة)؛ وإقرار البائعات بقبض ثمن بمجرد التوقيع على العقد نفسه. فكل ذلك يقطع في الدلالة على أن الإيجاب والقبول منصبان على البيع ذاته لا على مجرد الوعد به.

وأما الدفع بالشرط الواقف، فرده أنه وإن كانت المادة الخامسة من العقد تنص على أنه "يجوز إبرام وتوقيع عقد نقل الملكية نهائياً خلال مدة أقصاها عند فتح مصلحة التسجيل العقاري"، إلا أن هذا لا يغير من الحكم في شيء. فقد انعقد العقد صحيحاً مكتمل الأركان بما يكون معه فوري الآثار ملزماً للبائعات بأن ينقلن للمشترين، وقد وفوا بالتزامهم، ملكية المبيع. ولهذا، فلا يكون لهذا النص من معنى إلا بصرفه إلى أنه اتفاق بين المتعاقدين على إعادة كتابة العقد نفسه في تاريخ لاحق. وهو بذلك، لن يكون إلا ترديداً لحقوق والتزامات كانت قد نشأت قبلاً، فلا يكون في وسعه القانون أن يؤثر في الطبيعة النهائية للعقد ولا في فورية آثاره.

وأما الدفع بأن موضوع العقد انتفاع لا بيع، ففي غير محله. فقد صيغ نص المادة الأولى من العقد بمفردات واضحة الدلالة على أن موضوعه بيع الطرف الأول (المدعى عليها والمدخلتين) النصيب المشار إليه وأن التزام البائعات التزام بنقل الملكية "نهائياً" إلى الطرف الثاني.

وحيث إنه عن الدعوى المقابلة، فإنه لما كانت المادة 74 من قانون المرافعات تشترط لقبول الطلبات المقابلة أمام المحكمة المختصة بالطلب الأصلي أن يكون أساسها السند الذي قدمه المدعي في الدعوى، أو كانت تستند إلى سند آخر قام عليه موضوع النزاع، وكان السند في الدعوى الأصلية العقد، فيما في الدعوى المقابلة حق الإرث، وكان موضوع النزاع في الدعوى الأصلية، وهو تخاصم بشأن صحة عقد تخارج، غير قائم على حق الإرث بل على سلامة التعاقد أو عدمه، فإن الدعوى المقابلة على هذا النحو تكون منقطعة الصلة بالدعوى الأصلية انقطاعاً يمنع على هذه المحكمة النظر في موضوعها، ما يوجب القضاء بعدم قبولها وفق الوارد بالمنطوق.

وحيث إنه عن مصاريف الدعوى الأصلية، فإن المحكمة، تطبيقاً للمقرر بنصي المادتين 281 و283 من قانون المرافعات، فإنها تلزم المدعى عليها بها لكونها المحكوم عليها في الدعوى، فيما تعفي المدخلتين منها لإقرارهما بها. أما مصاريف الدعوى المقابلة، فالمحكمة تلزم المدعية المقابلة بها لكونها الخاسر فيها.

وحيث إنه عن طلب الحكم بالنفاذ المعجل بلا كفالة، فالمحكمة ترفضه لعدم تحقق أي من حالاته المنصوص عليها بالمادة 380(1) من قانون المرافعات.

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً:

أولاً: في الدعوى الأصلية:

  1. بصحة ونفاذ عقد التخارج المبرم في 3-1-2016، الذي تبيع فيه ... نصيبهن الشائع في ما ورثنه من والدهن من نصيبه الشائع المقدر بالنصف في الأرض موضوع الملف العقاري (...ت)؛
  2. إلزام المدعى عليها بالمصاريف، ورفض ما عدا ذلك من طلبات؛

ثانياً: في الدعوى المقابلة:

بعدم قبولها، وبإلزام رافعتها بمصاريفها. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                          القاضي

 

أُودعت الأسباب في: 6-1-2020م