82 م د: دعوى تعويض عن غصب ملكية (إجابة - عدم جدوى قرار النزع)

:

القانون وليس العمل غير المشروع هو مصدر التزام الجهة نازعة الملكية بتعويض ملّاك العقارات التي يتم الاستيلاءُ عليها، وذلك سواء التزمت جهةُ الإدارة الإجراءاتِ التي رسمها قانون نزع الملكية أو التفتت عنها.

صدور قرار بنزع الملكية للمنفعة العامة يَقصُرُ بمجرده عن أن يرفع صفةَ الغصب عن فعل الاستيلاء. فهذه الصفةُ أصلٌ ملازمٌ لاستلابِ أملاك الغير، ولا ينخلعُ منه إلا بسببٍ قانوني، وهو في دعوانا نزعُ الملكية لأغراض المنفعة العامة ووفق الإجراءات التي نصَّ عليها قانون التطوير العمراني تفصيلاً. وهي إجراءات عدة لا إجراء واحد. فإن اتُّبعت جميعُها، كان الاستيلاء نزعاً لدواعي المنفعة العامة تحكمه نصوصُ هذا القانون. أمّا إذا لم تُتَّبَع كلُّها أو بعضها أو حتى أحدُها، كان غصباً موجباً لتطبيق الأحكام العامة في القانون المدني.

استيلاء المدعى عليهما على أرض المدعي يشكِّل غصباً من وجه كونه جرى بلا تعويض. لا وجهَ للتحجج بسَعةِ الوقت لدفع التعويض وباحتماله التراخي. ذلك أنه من المقرَّر قانوناً والمقتضى عدالةً والمستقر عليه قضاءً أن الملكيةَ حقٌّ لا يحلُّ المساسُ به إلا بشروط أحدُها أن يكون مقابلَ تعويضٍ عادل. هذا أصلٌ عامٌّ يفضي إليه بداهةً اشتراطُ العدالة في التعويض من جانب، واستعمالُ لفظ "مقابل" من جانب آخر، فلا يجوز الخروجُ عنه إلا بنصٍّ صريح في القانون. فمن ناحية، تفرض العدالةُ التواقتَ بين الاستيلاء ودفع التعويض؛ إذ المعاصرةُ جزءٌ من العدل، وهذا يقتضي ألَّا يُحرَم الشخصُ في الوقت ذاته من البدلين: مالِه الذي انتُزع أو التعويضِ المستحقِّ عنه. ومن ناحية ثانية، فإن لفظ "مقابل" مستلزِمٌ أصالةً هو الآخرُ للفورية مادام لا يوجد صارفٌ يصرفه عن هذه الدلالة. وهذا غير موجود. أضف إلى ذلك أن الذي يُفهم من نصوص قانون التطوير العمراني أيضاً أن المشرع يوجب التعويضَ الكامل على وجه السرعة.

ولئن أمكن حسبانُ تأخيرٍ إجرائيٍّ معقول في منح التعويض مبرَّراً باعتبارات المصلحة العامة التي توجب ترجيحَها على الخاصة، إلا أن تقاعسَ الجهةِ الملزمة به زمناً طويلاً بلا عذرٍ سائغ تبديه يحيل استيلاءَها على عقار الغير غصباً حتى لو سلِمت إجراءاتُه السابقة بأسرها. أضف إليه أن عدَّه غصباً لمجرد إهمال بعض الإجراءات الشكلية لَيجعلُ من نعته بالغصب لعدم التعويض مفروضاً بحكم الأولوية. فلا مُرية في أن الاستحواذ على ملك الغير دون مقابل لهُوَ أشدُّ صور الاعتداء على الملكية وطأةً، وإذن فلا أولى ألبتَّة بصفة الغصب منه.

لما كان ذلك، وكان قد مضى على شقِّ الطريق بأرض المدعي سنواتٌ عديدة، وكان المدعى عليهما إلى اليوم يرفضان تعويضه عن ذلك، فلا جرمَ أن يكون فعلهما غصباً للملكية من هذه الناحية أيضاً، إذ ما الغصبُ في معناه الدقيقِ وأظهرِه إلا استحواذٌ على ملك الغير دون مقابلٍ عادل، فكيف به إذا حصل دون أيِّ مقابل؟!

وحيث إنه لما كان الشرطُ في التعويض عدالتَه، وكانت هذه تقتضي أن يكون مجزئاً. وحيث إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه، أي مواسياً ومتناسباً مع وزن الضرر وملابساته دون إسراف أو تقتير. لذلك، فعدالته توجب، مع ما تقدم، الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به عند القضاء به. وهذه لا تتمُّ دون مراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لكلِّ ذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها عند تقدير التعويض المحكوم به ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الفعلية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي، والذي كان بموجب قرار مصرف ليبيا المركزي 1 لسنة 2020 بشأن تعديل سعر صرف الدينار. إن تغيُّر قيمة النقد هو أحد المؤِّثرات على مقدار التعويض عن الضرر، وإذن فعلى القاضي ليكون تعويضُه عادلاً أن يراعيَه.

:

[نزع الملكية للمنفعة العامة – إجراءاته – تخلفُها كلِّها أو بعضِها أو حتى أحدِها – البيان الوافي بالمشروع وبالعقارات اللازمة له – ماهيته – الغاية منه - معاصرة التعويض للاستيلاء – عدمه -غصب للملكية – دعوى التعويض عنه – القانون أساسها – عدالة التعويض – مراعاة القيمة الحقيقية للنقد]

 [القاعدة]

 [القانون وليس العمل غير المشروع هو مصدر التزام الجهة نازعة الملكية بتعويض ملّاك العقارات التي يتم الاستيلاءُ عليها، وذلك سواء التزمت جهةُ الإدارة الإجراءاتِ التي رسمها قانون نزع الملكية أو التفتت عنها.

صدور قرار بنزع الملكية للمنفعة العامة يَقصُرُ بمجرده عن أن يرفع صفةَ الغصب عن فعل الاستيلاء. فهذه الصفةُ أصلٌ ملازمٌ لاستلابِ أملاك الغير، ولا ينخلعُ منه إلا بسببٍ قانوني، وهو في دعوانا نزعُ الملكية لأغراض المنفعة العامة ووفق الإجراءات التي نصَّ عليها قانون التطوير العمراني تفصيلاً. وهي إجراءات عدة لا إجراء واحد. فإن اتُّبعت جميعُها، كان الاستيلاء نزعاً لدواعي المنفعة العامة تحكمه نصوصُ هذا القانون. أمّا إذا لم تُتَّبَع كلُّها أو بعضها أو حتى أحدُها، كان غصباً موجباً لتطبيق الأحكام العامة في القانون المدني.

استيلاء المدعى عليهما على أرض المدعي يشكِّل غصباً من وجه كونه جرى بلا تعويض. لا وجهَ للتحجج بسَعةِ الوقت لدفع التعويض وباحتماله التراخي. ذلك أنه من المقرَّر قانوناً والمقتضى عدالةً والمستقر عليه قضاءً أن الملكيةَ حقٌّ لا يحلُّ المساسُ به إلا بشروط أحدُها أن يكون مقابلَ تعويضٍ عادل. هذا أصلٌ عامٌّ يفضي إليه بداهةً اشتراطُ العدالة في التعويض من جانب، واستعمالُ لفظ "مقابل" من جانب آخر، فلا يجوز الخروجُ عنه إلا بنصٍّ صريح في القانون. فمن ناحية، تفرض العدالةُ التواقتَ بين الاستيلاء ودفع التعويض؛ إذ المعاصرةُ جزءٌ من العدل، وهذا يقتضي ألَّا يُحرَم الشخصُ في الوقت ذاته من البدلين: مالِه الذي انتُزع أو التعويضِ المستحقِّ عنه. ومن ناحية ثانية، فإن لفظ "مقابل" مستلزِمٌ أصالةً هو الآخرُ للفورية مادام لا يوجد صارفٌ يصرفه عن هذه الدلالة. وهذا غير موجود. أضف إلى ذلك أن الذي يُفهم من نصوص قانون التطوير العمراني أيضاً أن المشرع يوجب التعويضَ الكامل على وجه السرعة.

ولئن أمكن حسبانُ تأخيرٍ إجرائيٍّ معقول في منح التعويض مبرَّراً باعتبارات المصلحة العامة التي توجب ترجيحَها على الخاصة، إلا أن تقاعسَ الجهةِ الملزمة به زمناً طويلاً بلا عذرٍ سائغ تبديه يحيل استيلاءَها على عقار الغير غصباً حتى لو سلِمت إجراءاتُه السابقة بأسرها. أضف إليه أن عدَّه غصباً لمجرد إهمال بعض الإجراءات الشكلية لَيجعلُ من نعته بالغصب لعدم التعويض مفروضاً بحكم الأولوية. فلا مُرية في أن الاستحواذ على ملك الغير دون مقابل لهُوَ أشدُّ صور الاعتداء على الملكية وطأةً، وإذن فلا أولى ألبتَّة بصفة الغصب منه.

لما كان ذلك، وكان قد مضى على شقِّ الطريق بأرض المدعي سنواتٌ عديدة، وكان المدعى عليهما إلى اليوم يرفضان تعويضه عن ذلك، فلا جرمَ أن يكون فعلهما غصباً للملكية من هذه الناحية أيضاً، إذ ما الغصبُ في معناه الدقيقِ وأظهرِه إلا استحواذٌ على ملك الغير دون مقابلٍ عادل، فكيف به إذا حصل دون أيِّ مقابل؟!

وحيث إنه لما كان الشرطُ في التعويض عدالتَه، وكانت هذه تقتضي أن يكون مجزئاً. وحيث إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه، أي مواسياً ومتناسباً مع وزن الضرر وملابساته دون إسراف أو تقتير. لذلك، فعدالته توجب، مع ما تقدم، الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به عند القضاء به. وهذه لا تتمُّ دون مراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لكلِّ ذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها عند تقدير التعويض المحكوم به ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الفعلية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي، والذي كان بموجب قرار مصرف ليبيا المركزي 1 لسنة 2020 بشأن تعديل سعر صرف الدينار. إن تغيُّر قيمة النقد هو أحد المؤِّثرات على مقدار التعويض عن الضرر، وإذن فعلى القاضي ليكون تعويضُه عادلاً أن يراعيَه.]

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيْمِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِه مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الكَرِيْمِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 23 رمضان 1442هـ. الموافق: 5-5-2021م،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــم

الدعوى:

...-2015 مدني كلي الزاوية.

المدعي:

....

المدعى عليه:

  1. رئيس مجلس الوزراء بصفته؛
  2. وزير المواصلات بصفته؛
  3. وزير الخزانة بصفته.

ملخص الدعوى

اختصم المدعيُ المدعى عليهم بصحيفة أعلنها وفق القانون. شرح الدعوى بما فحواه أن اللجنة الشعبية بشعبية النقاط الخمس أصدرت القرارَ 301/1370 برفع الصبغة الزراعية عن أرض يملكها، وبنزع ملكيتها لوقوعها في مسار "الطريق الرابط بين طريق أبوطينة الدائري والجميل". استصدر الأمرَ الولائي .../2015 عن محكمة العجيلات الابتدائية بانتداب خبيرٍ لحسابِ المساحة المستقطَعة، وحصرِ الأشجار المقتلَعة، وتقديرِ قيمة ذلك وفق سعر السوق السائد، علاوة على تقدير قيمة ما فاته من كسب جرّاء عدم صرف التعويض له في حينه. وقد أنجز الخبيرُ المهمةَ مقدِّراً الأضرارَ بمبلغ 343147 د.ل..

يضيف المدعي أنه يؤسس دعواه على ما تقضي به المادة 814 من القانون المدني من عدم جواز حرمان أحدٍ من ملكه إلا في الأحوال التي يقررها القانون، وبالطريقة التي يرسمها، ومقابل تعويض عادل. ويؤسسها أيضاً على المادة 19 من قانون التطوير العمراني 116 لسنة 1972. ويقول بضررين: ماديٍّ يُرجعه إلى "فقدانه للمساحة المبينة بتقرير الخبرة ... وإزالة الأشجار الواقعة في مسار الطريق"؛ ومعنويٍّ يؤسسه على القلق النفسي الناشئ عمَّا شهده من "اقتلاعٍ لأشجاره المثمرة وشقٍّ للمزرعة وتأخيرٍ في دفع التعويض."

وانتهى إلى طلب القضاء له بالآتي:

أولاً: إلزام المدعى عليهم متضامنين بدفع مبلغ التعويض الذي قدَّره الخبير عن الأضرار المادية؛

ثانياً: إلزامهم متضامنين بدفع خمسين ألف دينار تعويضاً عن الأضرار المعنوية؛

ثالثاً: إلزامهم بالمصاريف والأتعاب، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل، وبلا كفالة.

بدأت المحكمةُ نظرَ الدعوى بجلسة 29-9-2015. أمامها، حضر المدعي ومحاميه الأستاذ ...، وعن المدعى عليهم حضرتِ الأستاذة ... عضو إدارة القضايا. قدّم المدعي صورةً رسميةً لتقرير الخبرة المعدِّ تنفيذاً للأمر الولائي المشار إليه. أورد الخبيرُ أنه عاين الأرضَ في 7-6-2015، وقد أثبت التالي:

انتهى المدعيُ إلى طلب حجز الدعوى للحكم، مقدِّماً مستنداتِه الأخرى، وهي:

دافع محامي خصومه كتابةً بدفوعٍ ردّد مضمونَ بعضها مرات. والمحكمة تجملها في التالي:

انتهى الدفاع إلى طلب الحكم بمقتضى دفوعه، وعلى سبيل الاحتياط، طلب خفض قيمة التعويض إن وجدت المحكمة له وجهاً.

طلبت المحكمةُ بهيئة سابقة إلى الخبير بياناً بأسس التقدير التي تبنَّاها في تقريره، فأعدَّ ملحقاً أورد فيه أنه استند في شأن الأشجار إلى قراري اللجنة الشعبية العامة 533/1404و.ر.، و175/1428، معقِّباً بأن أسعار السوق كانت وقتَ الخبرة أعلى بكثير. وأما الأرض، فقد اعتمد فيها على متوسط سعر السوق في المنطقة، بين 70 و90 ديناراً، عملاً بالمادة 86 من اللائحة التنفيذية للقانون 59/2012 بشأن نظام الإدارة المحلية التي تقضي باعتماد أسعار السوق في تحديد مقابل الأراضي الخاصة التي تؤول إلى الدولة.

لم تنتبهِ المحكمةُ بهيئتها الأخيرة إلى الملحق، فانتدبت خبيراً قضائياً آخرَ أجرى عمليةَ المعاينة في غياب المدعى عليهم، فكانت باطلةً لمخالفتها لحكم المادة 203(2) من قانون المرافعات. استغنت المحكمة عن مزيدٍ من الخبرة بعدما بان لها تمامُ عمل الخبير الأول، فحجزت الدعوى للحكم بجلسة اليوم. وهنا قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءُه ليمتحن شكرَه وصبرَه. وبعدُ، فإن المحكمة، وقد اجتهدت في تفحص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها وفي الإلمامِ بأحكامها، والسدادَ في قضائها بشأنها. وإنه لقضاءٌ أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن كلِّ طرف محاميه، وإذن فالحكم حضوريٌّ عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات.

حيث إن تكييفَ الدعوى من تصريف المحكمة. وحيث إن العبرة فيه، كما تقضي المحكمة العليا في الطعن المدني 27/27ق، بالسبب المباشر المولِّد لها، وبحقيقة العلاقة بين طرفيها، بصرف النظر عمّا يستند إليه المدعي في تأييد طلبه أو النص القانوني الذي يقيمه عليه. وحيث إن الذي استبانته المحكمةُ من استقرائها وقائعَ الدعوى ودفوعَ طرفيها والمستندات، وعلى النحو الذي سيأتي تسبيبه بالتفصيل، أن شقَّ الطريق بأرض المدعي وإن استند إلى القرار المشار إليه، ظلَّ على أصله غصباً. ولهذا، تكيِّفُ المحكمةُ الدعوى على أنها دعوى استرداد ملكية مغصوبٍ بطريق التعويض عن الأضرار الناشئة، وذلك خلافاً لمذهب طرفيها من أنها دعوى تعويض عن نزع ملكية للمنفعة العامة. وإذن، فإن المحكمة تجري عليها الأحكامَ المقررةَ لذلك النوع من الدعاوى.

وحيث إن من دفوع دفاع المدعى عليهم دفوعاً استهلالية، لذا فالمحكمة تبدأ باختبارها.

وحيث إنه عن الدفع ببطلان صحيفة الدعوى، والذي يكشف فحواه عن ثنائيةٍ في سببه: التجهيل بالمدعى به؛ والتجهيل بالمدعى عليهم، فإنه مردودٌ تشهد حالةُ الصحيفة المبسوطة في ديباجة هذا الحكم على بطلانه. فأما ردُّ التجهيل بالمدعى به، فراجعٌ إلى أن المقصود به في نص المادة 88 من قانون المرافعات ذاك الذي يُبهِمُ موضوعَ الدعوى أو يثير الريبةَ حول طلبات المدعي فيها إلى حدٍّ يتعذر معه على المحكمة معرفةُ حقيقتها وماهيتها. وحيث إن المدعي يطلب في الصحيفة تعويضاً محدَّداً عما لحقه من أضرارٍ يرجعها إلى الاستيلاء على جزء من أرضه، مبيِّناً شكلَ هذا الاستيلاء، مفصحاً عن كلِّ ذلك في مفرداتٍ وجملٍ مُبيْنةٍ ظاهرةِ الدلالة على المراد منها، فإنه بهذا يكون قد حصّنها من الوصم بالغموض وبذلك التجهيل. وأما النعيُ بعدم إيراد "تاريخ وضع المدعى عليهم اليدَ على العقار"، فليس بالشائن؛ إذ ما هذا بلازم للوضوح ولا هو بالمشروط، وإنما هو أمرٌ منفصلٌ تماماً عن فحوى الدعوى الذي يكفي لسلامة الصحيفة من ناحيته مجردُ بيان ما يطلبه المدعي وسندِه الواقعي أو القانوني.

وأمَّا ردُّ الدفع بالتجهيل بـ"المدعى عليه" بزعم عدم تحديده "تحديداً دقيقاً نافياً للجهالة"، فمبناه أن الخطأ أو النقص المعيِّب هو ما يحدث اللبسَ في تعريف الشخصية إلى حدٍّ يثير الشك حولها ويعسِّر على المحكمة الجزمَ بهوية المعنيِّ بالدعوى. وهذا، ولا مراء، غير متحقق مع بيان صفات المدعى عليهم بياناً وافياً لا يعوزه مزيدٌ من إيضاح.

وحيث إنه عن الدفع بعدم الاختصاص الولائي بدعوى انعقاده للجانٍ إدارية خاصةٍ مقرَّرة بقانون التطوير العمراني، فردٌّ أيضاً. والمحكمة في ردِّه لَتجدُ نفسَها في غنىً عن سبر غور الافتراق القضائي بشأن هذه المسألة. ذلك أنه برغم هذا الافتراق الشديد، لا مُشاحَّة في أن استدعاءَ أحكام ذلك القانون للتطبيق مشروطٌ في المقام الأول بالتزام جهة الإدارة في نزعها الملكيةَ بالإجراءات التي نص عليها، وهي إجراءاتٌ عديدةٌ لا إجراءٌ واحدٌ فقط. فإن لم تفعل، عُدَّ استيلاؤها، قولاً واحداً، غصباً خاضعاً للقواعد العامة في الاختصاص المقررة في القانون المدني وقانون المرافعات المدنية. وعلى هذا، لما كانت المحكمةُ قد كيَّفت الاستيلاءَ على أرض المدعي بأنه غصبٌ لا نزعُ ملكية للمنفعة العامة، فإن المدعي إذ ولَّى وجهَه إليها، مقيماً دعواه هذه، طالباً ردَّ أرضِه بطريق التعويض، فإنه يكون قد ولّاه شطرَ الجهةِ المختصةِ قانوناً بالفصل فيها.

وعن الدفعُ بعدم صفة "المدعى عليهم"، والذي صِيغ في عبارات مُربكة، ففيه تفصيل.  فالظاهر أنه دفعٌ بعدم صفة الأول والثالث منهم دون الثاني؛ إذ لا يوردُ الدافعُ أسباباً بشأن هذا الأخير لاسيما أن صفته في الدعوى ظاهرة بحسبانه مباشر فعل الاستيلاء بالنظر إلى ارتباط المشروع بطبيعة وظيفته. أما الأول، فإن صفته في الدعوى متحققة. وهي تنبع من كونه خلفَ مُصدر القرار بالاستيلاء على أرض المدعي، وهو ما يكون معه ذا صفة في دعوى التعويض عن هذا الاستيلاء كائناً من كان المنتفعُ الأولُ منه. أضف إلى ذلك، أن صفتَه متحققةٌ استناداً إلى مخاصمة مؤسسة تتبعه. ولقد قررت المحكمةُ العليا أن مسؤولية رئاسة الوزراء، كمتبوع، تجد مصدرَها في اختصاصها الإشرافي على جميع مؤسسات الدولة، وفي مسؤوليتها التضامنية أمام السلطة التشريعية، وبالتالي فإنها تكون ذات علاقةٍ بالنزاع وصفةٍ في الدعوى مادامت قد اختُصمت مع مؤسسة تتبعها (الطعنان المدنيان: 240/44ق؛ 260/52ق).

وأمَّا الثالث، فالدفع بعدم صفته مصيبٌ موجبٌ للحكم بعدم قبول الدعوى ضده. ذلك أنه ولئن أملى الصالحُ العام، الذي يفرض تقسيمَ العمل حتى يتفرغَ كلُّ موظفٍ وكلُّ هيئةٍ لما أنيط به، على المشرع توزيعَ الاختصاص بين سلطات الدولة، وجعل وزيرَ الخزانة المسؤولَ عن صرف المبالغ المستحقَّة لتنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد الجهات العامة المموَّلة من الخزانة العامة، إلا أن هذا بمجرده لا يبرر اختصامَه في دعوى سندُها سلوكُ غيرِه مادامت العلاقة التبعيَّة أو الإشرافية مع هذا الغير منعدمة. فهذه العلاقة هي أساسُ سلطة الأمر والمراقبة والإدارة التي يمارسها المتبوعُ على تابعه، وهي مناطُ تحمُّله تبعةَ أعمال التابع والتي يُفترَض قانوناً أنها نشأت بسبب سوء اختيار التابع أو التقصير في الرقابة عليه. ولا شبهَ في أن كلَّ هذا غيرُ متحققٍ في حالة وزير المالية بالنسبة إلى رئيس الوزراء ووزير المواصلات. كما أنه لا وجه لاستدعاء المادة 140 من قانون المرافعات أساساً لحسبانه طرفاً في الدعوى؛ إذ إن الحكمَ فيها لا يتوقف على مخاصمته.

وأمَّا الدفع بالتقادم، فمرفوض من وجه كون مَصدر الحق في الدعوى الماثلة هو القانونُ الذي يمنع الاستيلاءَ على حق الملكية لا المسؤولية التقصيرية. فهذه المادةُ 814 من القانون المدني تحظر حرمانَ أيِّ أحدٍ من ملكه إلا في الأحوال التي يقررها القانون، وبالطريقة التي يرسمها، وفي مقابل تعويضٍ عادل. وهذه القواعدُ الدستورية طُراً في قوانينها السابقة والدستور الحالي تصون الملكيةَ الخاصةَ وتمنعُ المساسَ بها إلا في حدود القانون (المادة 16 من الإعلان الدستوري). ولهذا، وكما تقضي المحكمة العليا، فإن "مصدر التزام الجهة النازعة للملكية بتعويض أصحاب العقارات هو القانون، سواء التزمت تلك الجهةُ بالإجراءاتِ التي رسمها القانون أو التفتت عنها" (طعن مدني: 319/47ق؛ 66/48ق). كما قضت في الطعن المدني 930/57ق بأن حقَّ المالك في التعويض عن استيلاء جهة الإدارة عن ملكه يقوم على "قاعدة عامة مردُّها المادة 814 من القانون المدني التي تنص على أنه: "لا يجوز أن يحرمَ أحدٌ من ملكه إلا في الأحوال التي يقرِّرها القانون وبالطريقة التي يرسمها، ويكون ذلك في مقابل تعويض عادل. ... [فلا] حاجة للبحث في مدى توافر مسؤوليتها التقصيرية من عدمها؛ لأن هذا الالتزامَ مصدرُه القانون."

وعلى هذا أيضاً استقر قضاءُ محكمة النقض المصرية كما يبين في الكثير من أحكامها التي منها ذاك الصادر في الطعن 17847/80ق بجلسة 23-6-2018 من أن "المقرَّر، في قضاء محكمة النقض، أن القانونَ وليس العمل غير المشروع هو مصدر التزام الجهة نازعة الملكية بتعويض ملّاك العقارات التي يتم الاستيلاءُ عليها، وذلك سواء التزمت الجهةُ الإجراءاتِ التي رسمها قانون نزع الملكية أو التفتت عنها."

ولهذا، فإن الدعوى بالتعويض عن الاستيلاء عن الملكية تتقادم، من حيث الأصل، أي من حيث كونُ سندِها القانون، بمضي 15 عاماً. وهذه مدةٌ لم تنقضِ بدءاً من تاريخ القرار إلى إقامة هذه الدعوى.

إن القول بغير هذا من سريان التقادم الثلاثي على الدعوى الماثلة، فوق أنه يتعارض مع ذلك ومع التكييف القانوني السليم لها، كما مرَّ وكما سنزيده تفصيلاً، يستتبعُ نتيجةً شاذة. فمن غير المنصف أن تتقادم بخمسَ عشرة سنة متى كان إجراءاتُ الاستيلاء سليمةً قانوناً، في حين تتقادم بثلاث سنوات فقط إذا كان الاستيلاء غصباً؟! فالعدالة تأبى امتيازَ الغصبِ عن الاستيلاء المشروع بمثل هذا الفارق في زمن التقادم.

وحيث إنه لما كانت المحكمةُ قد كيَّفت الدعوى كذلك، وهو ما استوجب استبعادَ تطبيق أحكام قانون التطوير العمراني، لزم عنه تهافتُ كلِّ الدفوع المتحدِّية بأحكام هذا القانون، ومن ذلك الدفعُ بعدم قبول الدعوى لعدم تسجيل المدعي العقارَ بالسجل العقاري وفق المشروط بالمادة 22 منه.

لما كان ذلك، فإن المحكمةَ تصير إلى صُلب الموضوع، لتستبين وجهَ استلاب المدعى عليهما الأول والثاني ملكَ المدعي، ثم تبرِّر تكييفَه بالغصب، لتكشفَ من بعدُ عن الضرر الناشئ، انتهاءً إلى تقدير التعويض العادل عنه.

وحيث إنه عن الاستيلاء على ملكية المدعي، فمتحققٌ بما أثبته الخبير القضائي من شقِّ "الطريق الدائري أبوطينة" للمساحة المحدَّدة من أرضه والتي أثبت ملكيتَه لها بما قدَّمه من الإفادة الإدارية المؤيَّدة بالشهادة المكتوبة. كما يحمل دفاعُ ممثلِ المدعى عليهما إقراراً بالاستيلاء على تلك المساحة من أرض المدعي؛ إذ إنه، في الإجمال، لا يجادل في واقعية ذلك بل يمحور منازعتَه الموضوعيةَ حول شروطِ استحقاق التعويض وسبيلِه فحسب. وحيث إن تلك الطريقَ تقتطع جزءاً من الأرض ذاتها، وهو ذاك الذي تمتد الطريقُ عليه والفضاءُ الذي يعلوه، والذي صار ممتنعاً على المدعي الاستفادةُ منه. كما تنتقص من سلطاته على أجزاء أخرى هي المتاخمة للطريق في نطاق ما يمتنع عليه قانوناً استغلالُه. لذا، فهذا كلُّه يشكِّل مساساً بحقه في ملكيته الأرضَ ملكيةً مطلقة.

وحيث إن المدعى عليه الأول هو من أصدر القرارَ بالاستيلاءِ، والثاني هو من باشره فعلاً تأسيساً على ارتباط المشروع بطبيعة وظيفته، فإنهما كليهما يكونان مسؤولين تجاه المدعي عن الأضرار الناشئة. وحيث إنهما توسّلا في ذلك بالقرار المشار إليه، فإن المحكمة تفصِّل في تكييف الفعل للزومه في تحديد الأحكام القانونية واجبة التطبيق.

وحيث إنه باستقراء الأحكام العامة في نزع الملكية للمنفعة العامة، وما استقر عليه قضاءُ المحكمة العليا وقضاءُ النقض المقارن، تؤكِّد هذه المحكمةُ تكييفَها لاستيلاء المدعى عليهما على أرض المدعي بأنه غصبٌ للملكية. وعلى هذا، فللمالك (المدعي) الخيرةُ بين استردادها عيناً، أو بطريق التعويض في حالة استحالة التنفيذ العيني أو في حالة تفضيله هذا. وحيث إنه يؤْثِرُ التعويضَ، فإن دعواه، في حقيقتها، مطالبةٌ بإلزام الغاصب بالرد بطريق التعويض النقدي، والدعوى بها هي دعوى استرداد ملكية بهذا الطريق.

ولا ينالُ من هذا التكييف صدورُ قرار رفع الصبغة الزراعية المشار إليه. ذلك أنه ولئن صحَّ لنا، أخذاً بفحواه، تكييفُه على أنه قرارٌ بنزع الملكية للمنفعة العامة، إلا أنه يَقصُرُ عن أن يرفع صفةَ الغصب عن فعل الاستيلاء. فهذه الصفةُ أصلٌ ملازمٌ لاستلابِ أملاك الغير، ولا ينخلعُ منه إلا بسببٍ قانوني، وهو في دعوانا نزعُ الملكية لأغراض المنفعة العامة ووفق إجراءاتٍ جاء نصُّ قانون التطوير العمراني عليها مبيْناً. فإذا لم يكن كذلك، عُدَّ مصادرةً وغصباً محظوراً. وقد أدركتِ المحكمةُ العليا حرصَ المشرع على قداسة حقِّ الملكية، وإحاطتِه بضمانات موضوعية وإجرائية تكفله، وذلك من تشدّده في تقرير شروطِ تجويزِ المساسِ به، ولهذا نراها ثابتةً في أحكامها على إيجاب اتباع كِّل الإجراءات التي حدَّدها هذا القانون، وعلى عدِّ النزع المخالف لها غصباً. وهي تدأب على استعمالها لفظ "الإجراءات"، بصيغة الجمع لا المفرد، تأكيداً على أنها حزمةٌ وليست إجراءً واحداً. وحدَّدتها في حكمها الصادر في الطعن المدني 29/33ق في أنها تلك التي نصَّ عليها قانون التطوير العمراني "في المادة 17 والمواد التي بعدها"، ورتَّبت على تخلُّف أيٍّ منها استحالةَ الاستيلاءِ غصباً. وفي الطعن المدني 17/27ق حصرتها في أنها "المنصوص عليها في المواد 17 و18 و19" من قانون التطوير العمراني، قاضيةً بأنه "إذا لم تبدأ الجهةُ الإدارية هذه الإجراءاتِ، واستولت على العقار، فلا مجال لتطبيق المادة 34 من هذا القانون ولا للقرار المحدِّد لتسعيرة الأراضي"، واصفةً الاستيلاءَ في هذه الحالة بالقول إن "قضاء المحكمة العليا قد جرى على أن استيلاء جهة الإدارة على عقار لضمِّه للمنفعة العامة دون أن تتخذَ الإجراءات التي يوجبها قانونُ نزع الملكية لا ينقل الملكيةَ، وإنما يبقى العقارُ على ملك صاحبه حتى يتمَّ استرجاعُه أو التعويضُ عنه بقيمته وبمقدار ما أصاب باقي الأرض المتخلفة بعد الاستيلاء من ضرر." وقد استقر قضاؤها على هذا المذهب كما يظهر من جملةٍ من أحكامها في طعون مدنية منها: 12/22ق؛ 118/22ق؛ 29/24ق؛ 102/25ق؛ 46/26ق؛ 69/44ق؛ 101/46ق.

 لما كان ذلك، فإن الفيصل في وصف الاستيلاء على عقار الغير بأنه نزعٌ مشروعٌ أو غصب هو بمدى اتباعه الإجراءاتِ المقررةَ في المواد المذكورة. فإن اتُّبعت جميعُها، كان الاستيلاء نزعاً لدواعي المنفعة العامة تحكمه نصوصُ قانون التطوير العمراني. أمّا إذا لم تُتَّبَع كلُّها أو بعضها أو حتى أحدُها، كان غصباً موجباً لتطبيق الأحكام العامة في القانون المدني. ولهذا، فالمحكمة تستعرض ههنا هذه الإجراءاتِ توطئةً لتكييفها:

وعلى هذا، فإن استيلاء المدعى عليهما على ملكية أرض المدعي، وإن استند إلى قرار بنزع الملكية، يظل غصباً من عدة أوجه يكفي الواحدُ منها بذاته لصلاحية النعت:

فهو غصبٌ من وجهِ كونِ قرارِ النزعِ ليس بالقرار الذي عناه المشرع؛ إذ هذا مقيدٌ بجملةٍ من الشروط، وذاك صدر خالياً منها. فمن جهة، لم يكن البيانُ الذي تضمنه عن المشروع العام وافياً بما يمكنُ استبانةُ تفاصيله والتحققُ من لزومه للنفع العام والذي يقتضي، وفقاً للمادة 18 من قانون التطوير العمراني، أن يكون من أجل أحد المشاريع المذكورة. أما مجردُ بيانِ أن النزعَ من أجل شقِّ طريق، فإنه وإن ترجَّح معه أن المشروعَ يبتغي النفعَ العام، جرياً مع الظاهر، إلا أنه لا يقطع في الدلالة على أن هذا النزعَ بذاته حتميٌّ لتحقيق هذه المنفعة. وما نصَّ المشرِّعُ على وجوب البيان المحدَّد الوافي للمشروع إلا ليضمن عدمَ تعسُّف جهة الإدارة واجترائها على الاستحواذ على أملاك الغير دون تدليلٍ كافٍ على ضرورته للمنفعة العامة، حادّاً بهذا الشرطِ مبدأَ متلازمة المنفعة العامة في أعمال الإدارة العامة.

ومن جهة ثانية، فإن القرار لم يتضمن بياناً محدَّداً وافياً بالعقارات اللازمة للمشروع وحدودها، مقتصراً على وصفها بالواقعة في مسار الطريق. فهو لم يعلن عن شقِّه أرضَ المدعي ذاتِها أصلاً، فضلاً عن أن يبيِّن حدودَها وموقعَه فيها بما يضمن أن الاستيلاءَ على المساحة المحدَّدة لم يجرِ جزافاً بغير قاعدة، بل بعد تدقيقٍ وتمحيصٍ ودراسةٍ جديَّةٍ كشفت عن الحاجة إليها لإمضاءِ مصلحةٍ عامةٍ حقيقية تبرِّر التضحيةَ بملكية المالكِ وسلبَها منه مع ما في هذا من مساسٍ بحقٍّ محوريٍّ له جبراً عنه.

وحيث إنه ليس في القرار ما يشير إلى بيانٍ مرفقٍ به يكمِّل كلَّ ذلك النقص (النقص في بيان المشروع وبيان حدود العقار)، فإنه لا يصلح أساساً لنزعِ الملكيةِ المشروع. والمحكمة في ردِّها له لَمدركةٌ أنه ردٌّ لجدواهُ في المحاجّة في هذا المقام لا ردٌّ لمشروعيته المفترضة في ذاته كقرار إداري. ولا يخفى أن هذين أمران متمايزان تماماً.

علاوة على ذلك، فإن استيلاء المدعى عليهما على أرض المدعي يشكِّل غصباً من وجه كونه جرى بلا تعويض. فحتى لو سلمنا، على سبيل الافتراض الساقط، أن قرارَ النزع مستوفٍ الشرائطَ القانونية جمعاء، فإن هذا حسبه لا يزيل عن الاستيلاءِ صفةَ الغصب. فالمادتان 19 و22 من قانون التطوير العمراني تستلزمان لعدِّه نزعاً للمنفعة العامة تقديرَ تعويضٍ للمالك، وإخطارَه به، ونشرَه بالوسائل والطرق المذكورة. ومؤدَّى هذا أن يجريَ التقديرُ، ويُعلَنَ عنه، ويخطرَ المالكُ بأن مبلغ التعويض متاحٌ للقبض. وحيث إن هذه إجراءاتٌ توافق الخصمان على عدم اتباعها؛ إذ لعدمها قامت هذه الخصومة ابتداءً، فإن الاستيلاء يكون معيباً في إجراءاته من هذه الناحية أيضاً.

ولا وجهَ للتحجج بسَعةِ الوقت لدفع التعويض وباحتماله التراخي. ذلك أنه من المقرَّر قانوناً والمقتضى عدالةً والمستقر عليه قضاءً أن الملكيةَ حقٌّ لا يحلُّ المساسُ به إلا بشروط أحدُها أن يكون مقابلَ تعويضٍ عادل (المادة 814 من القانون المدني؛ المادة 21 من قانون التطوير العمراني؛ الطعن المدني: 28/26ق؛ 207/41ق). وحيث إن هذا أصلٌ عامٌّ يفضي إليه بداهةً اشتراطُ العدالة في التعويض من جانب، واستعمالُ لفظ "مقابل" من جانب آخر، فلا يجوز الخروجُ عنه إلا بنصٍّ صريح في القانون. فمن ناحية، فإن العدالةَ تفرض التواقتَ بين الاستيلاء ودفع التعويض. ولهذا استقر القضاء المقارن على أن أنه لا يجوز أن "يُنتقَصَ من ملكية أحدِ الأفراد أو حقوقه إلا إذا عاصر ذلك تعويضٌ مكافئٌ لما لحقه من خسارةٍ وما فاته من كسبٍ. فالمعاصرةُ جزءٌ من العدل؛ لأن العدلَ يقتضي ألَّا يُحرَم الشخصُ في الوقت ذاته من البدلين: مالِه الذي انتُزع أو التعويضِ المستحقِّ عنه" (نقض مصري: 16048/88 ق جلسة 19-12-2020؛ 5860/89ق، جلسة 19-5-2020؛ 14025/83ق، 9-3-2020).

ومن ناحية أخرى، فإن لفظ "مقابل" مستلزِمٌ أصالةً هو الآخرُ للفورية مادام لا يوجد صارف يصرفه عن هذه الدلالة. وهذا غير موجود في تلك النصوص.

أضف إلى ذلك أن الذي يُفهم من نصوص قانون التطوير العمراني أيضاً أن المشرع يوجب التعويضَ الكامل على وجه السرعة، وأنه لا يقرُّ تأخيراً في دفعه إلا إذا جاوز مبلغاً محدداً. فإن جاوزه، أُدِّي بعضُه، ودُفع ما تبقى على أقساطٍ سنوية بإضافة نسبة ثابتة (المادة 25). كما يضَحُ وجوبُ الاستعجال في أداء التعويض من نص المادة 29. فبتعليقه ردَّ العقار المنزوع، في حالة عدم تنفيذ المشروع، على ردِّ المالك ما قبضه من تعويض، يكشف المشرِّعُ عن فكِّه الارتباط بين دفع التعويض والبدء في تنفيذ المشروع، وهو ما ينبئ عن أن التعجيلَ في التعويض واجبٌ حتى عند التَّأنِّي في التنفيذ. وما استعمالُه عبارةَ "وبشرط أن يردّوا ما صُرف إليهم من تعويض" إلا دليلٌ على التسليم بوجوب التعويض عاجلاً ودون انتظار إلى ما بعد تنفيذ المشروع. إذ لو لم يكن الأمر كذلك، لجاءت العبارةُ في صيغة تقليلٍ لا تحقيق، كأن يقول: "وبشرط أن يردوا ما قد يكونوا قبضوه من تعويض".

وعلى ذلك، فإنه ولئن أمكن حسبانُ تأخيرٍ إجرائيٍّ معقول في منح التعويض مبرَّراً باعتبارات المصلحة العامة التي توجب ترجيحَها على الخاصة، وداعياً أيضاً للمجادلة في اختصاص القضاء بالفصل في التعويض دون اللجان المذكورة في القانون، إلا أن تقاعسَ الجهةِ الملزمة به زمناً طويلاً بلا عذرٍ سائغ تبديه يحيل استيلاءَها على عقار الغير غصباً حتى لو سلِمت إجراءاتُه السابقة بأسرها. ثم إن عدَّه غصباً لمجرد إهمال بعض الإجراءات الشكلية لَيجعلُ من نعته بالغصب لعدم التعويض مفروضاً بحكم الأولوية. فلا مُرية في أن الاستحواذ على ملك الغير دون مقابل لهو أشدُّ صور الاعتداء على الملكية وطأةً، وإذن فلا أولى ألبتَّة بصفة الغصب منه.

ولا سندَ لتحدٍّ بتوقفِ الاستعجالِ في التعويض على تقدُّم المالك بطلب به. فباستنطاق نصوص قانون التطوير العمراني من المادة 19 إلى 29 يتجلّى أن المبادرة في هذا تكون من جهة الإدارة لا ممن استَلبتْه ملكيتَه. فقد ارتأى المشرعُ أن العدالةَ تقتضي ألَّا يُثقِل عليه بمزيدٍ على ما لاقى من حرمانه من ملكيته عنوةً. ولهذا، لم تتضمن النصوصُ أيَّ إشارة إلى وجوبِ سَبقه بالمطالبة بالتعويض، بل إن نصها على "استحقاق المالك التعويض"، و"التزام لجان التعويض بتقديره"، و"وجوب إخطار المالك بقيمته"، و"منحه الحق في الاعتراض"، لواضح في الدلالة على وجوب مسارعة جهة الإدارة بإجراءات التعويض إلى مداها الذي هو جعْلُ مبلغه مهيَّأً للقبض. ولا نجدُ إلزاماً على المالك بتقدُّمه بطلبٍ إلا في حالة واحدة هي عند إيثاره ردَّ العقار لعدم تنفيذ المشروع، أو في حالة اعتراضه على تقدير التعويض. وعليه، فإن الظاهرَ الذي يؤيده سياقُ النصوص وقواعدُ العدالة ولا يوجد لما يخالفه سندٌ هو أن المشرّع يلزِمُ الجهةَ المنتفعة، وقد نَزعَت لها الإدارةُ عقاراً، أن تُفرِّج عن مالكه بالعوض دون تأخيرٍ ولا توقُّفٍ على طلبٍ منه.

لما كان ذلك، وكان قد مضى على شقِّ الطريق بأرض المدعي سنواتٌ عديدة، وكان المدعى عليهما إلى اليوم يرفضان تعويضه عن ذلك، فلا جرمَ أن يكون فعلُهما غصباً للملكية من هذه الناحية أيضاً، إذ ما الغصبُ في معناه الدقيقِ وأظهرِه إلا استحواذٌ على ملك الغير دون مقابلٍ عادل، فكيف به إذا حصل دون أيِّ مقابل؟!

لما كانت المحكمة قد انتهت إلى ثبوت استيلاء المدعى عليهما على أرض المدعي الموصوفة، وكان قد ثبت أن هذا الاستيلاءَ يشكِّل غصباً للملكية، صار حقاً له عليها أن تردَّ إليه ما سُلب. وحيث إنه آثرَ التعويض عما لحق من ضرر. وحيث إن هذا ثابتٌ بنوعه الماديِّ بما عُلمَ من تجريده من ملكيته أجزاءَ من أرضه وما عليها من زراعة، وبنوعه المعنوي بما رتبه السلبُ من مساسٍ بعاطفته، كل ذلك على النحو الذي سيأتي نبؤه حالاً. لذلك، فإن المحكمة تؤتيه سؤلَه بالتعويض، محتكمةً في تقديره إلى القواعد العامة في القانون المدني (المواد: 173 و224 و225) التي تمنحها من سلطة واسعة لا يحدُّها فيها إلا أن يكون مكافئاً للخسارة اللاحقة والكسب الفائت.

وحيث إنه عن تقدير التعويض عن الضرر المادي، فإنه لما كان هذا النوعُ من الضرر هو ما يمسُّ بمصلحة مشروعة للمضرور في شخصه أو في ماله. وحيث إن المقصودَ به في الجانب المالي الخسارةُ الماليةُ اللاحقةُ بالمدعي وما فاته من كسبٍ مما هو نتيجةٌ طبيعية للغصب، لذا فالمحكمة تقدِّر التعويضَ عنه بالمبلغ الوارد بالمنطوق، مستهديةً بالعناصر التي أوردها الخبير: مساحة الأرض المستولى عليها والأشجار المقتلعة وثمارها الفائتة، وبأساس حسابه قيمةَ الضرر الناشئ عن ذلك. وذلك على الرغم من عدم شموله كلَّ عناصر الضرر المتصوَّرة، ومن تخلُّف تقديره عما صارت إليه الأثمان من الارتفاع الشديد في السنوات اللاحقة لإجراء الخبرة. فلا تملك المحكمةُ حيالَ رضا المدعي بالتقرير بحالته إلا أن تتقيّد بحدود طلبه، وهي، في الوقت نفسه، ليست بغافلة عما يكون قد طرأ على أرض المدعي الباقية من تحسينٍ بسبب شقِّ الطريق مما يوجب خصمَه من مبلغ التعويض. إلا أنه لما كان هذا التحسينُ غيرَ مفترض، ولم يشر إليه الخبير، كما لم يتحدَّ به دفاعُ المدعى عليهما، فإن المحكمة لم تراعه.

وحيث إنه عن تقدير التعويض عن الضرر في الشق الأدبي، فأساسُه أن هذا النوع من الضرر، وفق مدلول ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا، هو المصاب في الشعور أو العاطفة أو الكرامة أو الشرف أو ما شابه ذلك مما يصيب الواحدَ في قيمٍ معنوية مهمة في حياته. وهو من الخفايا غيرِ المدركة بالظاهر، بحيث يتعذَّرُ لمسُه والوقوفُ عليه وتحديدُ عناصره. وعليه، يكفي المدعيَ لقبول طلبِه التعويضَ عنه معقوليةُ تصوّر ترتبه عن فعل المدعى عليه، ومعقوليةُ مقدار المبلغِ المرادِ جبراً له أو تخفيفاً منه. والمحكمة تقدِّر خمسين ألف دينار تعويضاً مجزئاً في التهوين منه، مسترفدةً ما تصورته من مصاب المدعي في نفسه، من يوم الاستحواذ على ملكه دون أيِّ تعويض يطفئ أُوار توجّعه أو يخفِّفه، إلى يوم الفصل في هذه الدعوى، وما ألمَّ به في شعوره وعاطفته من حزن لا شك أنه ظل يتفاقم أثناء هذا الزمن الطويل. وما يزيد الكربَ أن الغاصبَ إدارةٌ عامة، أحدُ أجسام الدولة التي يرى فيها الفردُ الراعيَ لحقِّه الحافظَ له من اعتداء الغير. فإذا لم تضمن له ذلك، بل كانت هي من سلبه هذا الحقَّ ولم تترضَّه بعوض، كان هذا خِذلاناً منها مفقداً للثقة، موجعاً للقلب.

وحيث إنه لما كان الشرطُ في التعويض عدالتَه، وكانت هذه تقتضي أن يكون مجزئاً. وحيث إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه، أي مواسياً ومتناسباً مع وزن الضرر وملابساته دون إسراف أو تقتير. لذلك، فعدالته توجب، مع ما تقدم، الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به عند القضاء به. وهذه لا تتمُّ دون مراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لكلِّ ذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها عند تقدير التعويض المحكوم به ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الفعلية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي، والذي كان بموجب قرار مصرف ليبيا المركزي 1 لسنة 2020 بشأن تعديل سعر صرف الدينار. وكما تقول محكمة النقض المصرية في جملة من أحكامها كذينك الصادرين في الطعنين 5860/89ق، جلسة 19-5-2020؛ و16048/88ق، جلسة 19-12-2020، فإن تغيُّر قيمة النقد هو أحد المؤِّثرات على مقدار التعويض عن الضرر، وإذن فعلى القاضي ليكون تعويضُه عادلاً أن يراعيَه.

وحيث إنه عن طلب شمول الحكم بالنفاذ المعجل، وبلا كفالة، فالمحكمة ترفضه لعدم تحقق أيٍّ من حالته الواردة في المادة 380 من قانون المرافعات.

وحيث إنه عن المصاريف، فيتحملها خاسر الدعوى، المدعى عليهما، استناداً إلى نصي المادتين 281 و282 من قانون المرافعات.

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً:

أولاً: بعدم قبول الدعوى ضد المدعى عليه الثالث؛

ثانياً: بإلزام المدعى عليهما الأول والثاني متضامنين بأن يدفعا للمدعي ثلاثمئة وأربعة وثلاثين ألفاً ومئة وسبعة وأربعين ديناراً (334147 د.ل.) تعويضاً عن الأضرار المادية، وخمسين ألف دينار (50000 د.ل.) تعويضاً عن الأضرار المعنوية؛

ثالثاً: بإلزام المدعى عليهما الأول والثاني بالمصاريف، وبرفض ما عدا ذلك من طلبات. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                                        القاضي

 

أُودعت الأسباب في: 3-6-2021م