81 م د: دعوى تصفية تركة (عدم الاختصاص نوعياً) (عدول عن مذهب سابق)

:

لغةً، تصفية الشيء تعني إزالةَ المواد الغريبة والشوائب عنه. فهي عمليةٌ غايتها استظهارُ أصل الشيء دون زوائد. وإذا سحبنا هذا على "تصفية التركة"، كان المقصودُ الفرقَ بين مجموع موجوداتها ومجموع مطلوباتها، أي مجموع ما تركه المورث ناقصاً حقوقَ غير الورثة فيه كالوصايا والديون، أي صافي التركة.

نظام تصفية التركة، وفق مدلول التصفية في نصوص القانون المدني وفي أحكام القضاء المقارن، عمليةٌ أملتها حالةُ التركة المديونية، وتعني تجريدَها من الديون والوصايا ليفضلَ الباقي منها خالصاً من حقوق الغير جاهزاً للتوزيع بين الورثة، وهو ما تتحقق معه، على وجهٍ عمليّ، القاعدةُ الشرعية التي تقضي بأن لا تركةَ إلا بعد سدادِ الديون. ولأنه ينطوي على إجراءاتٍ طويلة، ويقتضي تكاليفَ عالية، جعله المشرِّعُ استثناءً لا يجوزُ اللجوءُ إليه إلا عند الضرورة. فلا يُصار إليه إلا للحاجة الملجئة إلى ذلك التجريد، وحين لا يكون ممكناً دون الاستعانة بمصفٍّ. وإذن، فلا يكون من وجهٍ لإخضاع التركة لنظام التصفية إلا إذا كان للغير فيها حقوق، وكانت هذه الحقوقُ على درجةٍ من التعقيد يستعصي معه حسمُها بإجراءاتٍ فردية، وكان حجمُ التركة كبيراً بما يضمن عدمَ إرهاقها بتكاليفِ التصفية.

لما كان المدعي يفصح عن أن غايتَه من الدعوى الخروجُ من حالة الشيوع مع خصومه في ملكية أعيانٍ حدَّدها حصراً قال إنها تركةُ مورِّثهم، طالباً تعيينَ نصيبه فيها مفرزاً وتسليمَه إليه، وكان لا يقول باتخاذ الغير إجراءاتٍ فرديةً ضدَّها ولا بحقوقٍ للغير فيها فضلاً عن كونها معقدة، فإن ما يطلبه لا يدخل في ماصدق دعاوى تصفية التركات، بل هو دعوى اقتسام مال شائع تحكمه المواد 786 من قانون المرافعات وما بعدها.

وإذ انتهت المحكمة إلى هذا بعد أن نحت قبلاً، كمعظم المحاكم، نحواً مغايراً في دعاوىً شبيهة وفي الجلسات الأولى لنظر هذه الدعوى أيضاً، فإنها لا تُخفِي تبهُّمَ الأمرِ عليها واستشكالَه بادئَ الرأي حتى كان منها ما كان من اجتهادٍ وقفت على أنه لم يكن بالسديد.  وحيث إنها اليوم، بعد استقصاء تفاصيل المسألة، استبانتِ الحقّ، فإنها تُنْفِذُه دون أن يمنعها ما قضت به بالأمس من الرجوع إليه، فمراجعةُ الحق، كما يقولُ الفاروقُ رضي الله عنه، خيرٌ من التمادي في الباطل.

:

[نظام تصفية التركة – مدلوله لغةً واصطلاحاً – تجريد التركة من حقوق الغير فيها - شروط إخضاع التركة له – الضرورة الملجئة]

 [القاعدة]

[لغةً، تصفية الشيء تعني إزالةَ المواد الغريبة والشوائب عنه. فهي عمليةٌ غايتها استظهارُ أصل الشيء دون زوائد. وإذا سحبنا هذا على "تصفية التركة"، كان المقصودُ الفرقَ بين مجموع موجوداتها ومجموع مطلوباتها، أي مجموع ما تركه المورث ناقصاً حقوقَ غير الورثة فيه كالوصايا والديون، أي صافي التركة.

نظام تصفية التركة، وفق مدلول التصفية في نصوص القانون المدني وفي أحكام القضاء المقارن، عمليةٌ أملتها حالةُ التركة المديونية، وتعني تجريدَها من الديون والوصايا ليفضلَ الباقي منها خالصاً من حقوق الغير جاهزاً للتوزيع بين الورثة، وهو ما تتحقق معه، على وجهٍ عمليّ، القاعدةُ الشرعية التي تقضي بأن لا تركةَ إلا بعد سدادِ الديون. ولأنه ينطوي على إجراءاتٍ طويلة، ويقتضي تكاليفَ عالية، جعله المشرِّعُ استثناءً لا يجوزُ اللجوءُ إليه إلا عند الضرورة. فلا يُصار إليه إلا للحاجة الملجئة إلى ذلك التجريد، وحين لا يكون ممكناً دون الاستعانة بمصفٍّ. وإذن، فلا يكون من وجهٍ لإخضاع التركة لنظام التصفية إلا إذا كان للغير فيها حقوق، وكانت هذه الحقوقُ على درجةٍ من التعقيد يستعصي معه حسمُها بإجراءاتٍ فردية، وكان حجمُ التركة كبيراً بما يضمن عدمَ إرهاقها بتكاليفِ التصفية.

لما كان المدعي يفصح عن أن غايتَه من الدعوى الخروجُ من حالة الشيوع مع خصومه في ملكية أعيانٍ حدَّدها حصراً قال إنها تركةُ مورِّثهم، طالباً تعيينَ نصيبه فيها مفرزاً وتسليمَه إليه، وكان لا يقول باتخاذ الغير إجراءاتٍ فرديةً ضدَّها ولا بحقوقٍ للغير فيها فضلاً عن كونها معقدة، فإن ما يطلبه لا يدخل في ماصدق دعاوى تصفية التركات، بل هو دعوى اقتسام مال شائع تحكمه المواد 786 من قانون المرافعات وما بعدها.

وإذ انتهت المحكمة إلى هذا بعد أن نحت قبلاً، كمعظم المحاكم، نحواً مغايراً في دعاوىً شبيهة وفي الجلسات الأولى لنظر هذه الدعوى أيضاً، فإنها لا تُخفِي تبهُّمَ الأمرِ عليها واستشكالَه بادئَ الرأي حتى كان منها ما كان من اجتهادٍ وقفت على أنه لم يكن بالسديد.  وحيث إنها اليوم، بعد استقصاء تفاصيل المسألة، استبانتِ الحقّ، فإنها تُنْفِذُه دون أن يمنعها ما قضت به بالأمس من الرجوع إليه، فمراجعةُ الحق، كما يقولُ الفاروقُ رضي الله عنه، خيرٌ من التمادي في الباطل.]

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيْمِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِه مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الكَرِيْمِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

بالجلسة المنعقدة علناً في: 28 شوال 1442هـ. الموافق: 9-6-2021م،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصـــدرت المحكمةُ، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــمَ

الدعوى:

...-2017 مدني كلي الزاوية.

المدعي:

...، عن نفسه وبصفته وكيلاً عن إخوته أولاد .... موطنه المختار مكتب المحامي ....

المدعى عليه:

  1. ... ~ ....

ملخص الدعوى

اختصم المدعي، عن نفسه وبصفته، المدعى عليهم بصحيفةٍ أعلنها وأعاد إعلانها بصحيفة عرّف فيها المدعى عليها الأخيرة بأنها موظفة، .... شرح الدعوى بما مِلاكه أن جدَّه، جدَّ إخوته الذين يمثِّل، أنزلهم في 5-3-2014 منزلةَ أبيهم المتوفَّى قبله، وأن هذا ثابتٌ بالفريضة الشرعية 430-2014، بحيث صحَّ لكلِّ واحدٍ منهم في تركة المورث 28 سهماً، وأن أعيان التركة انحصرت في:

يضيف المدعي القولَ إن المورثَ لم يعيِّن مصفياً للتركة قبل وفاته، فبقيت مشاعةً بين الورثة، وإن المدعى عليهم لا يعترفون بحقِّه ومَن يمثل في الإرث معهم. وحيث إن لذي الشأن، بموجب المادة 880 من القانون المدني وقضاء المحكمة العليا، طلبَ تعيين مصفٍّ للتركة إذا لم يكن المورث قد عيَّنه، لذا فهو إذ يقيم هذه الدعوى إنما طلباً للقضاء له بالتالي:

أولاً: الحكم تمهيدياً بتعيين مصفٍّ للتركة لجردِها، وبيانِ ما إذا كانت محمَّلةً بديون، وتحديدِ المبلغ المودع بالحساب المصرفي وعدد الأغنام والأبقار، وتعيينِ نصيب المدعي في كلِّ ذلك طبقاً للفريضة الشرعية؛

ثانياً: إلزام المدعى عليهم بتسليم نصيب المدعي ومن يمثِّل استناداً إلى ما سينتهي إليه الخبير؛

ثالثاً: إلزامهم بالمصاريف والأتعاب، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل، وبلا كفالة.

بدأت المحكمة نظر الدعوى في 24-1-2018. أمامها، حضر عن المدعي، عن نفسه وبصفته، محاميه الأستاذ .... وحضر الأستاذ المحامي ... عن المدعى عليه، عن نفسه وبصفته وكيلاً عن المدعى عليهم عدا الثامنة والتاسعة بموجب التوكيل الرسمي الخاص 20-2018، ولم تحضر هاتان الأخيرتان.

قدم الحاضر عن المدعي مستنداته في الدعوى فكانت:

وطلب إحالة الدعوى على الخبرة لتنفيذ التصفية المطلوبة في الصحيفة.

دفع الحاضرُ عن المدعى عليه الأول عن نفسه وبصفته في جلسة حضوره الأول، 21-2-2018، ببطلان الإعلان الإداري لصحيفة الدعوى لموكِّله لعدم توقيع مأمور الضبط على الصورة المستلمة منه، وبأن حضوره في غير الجلسة المحددة لا يصحِّح البطلان. وفي الجلسات التالية قدَّم مستنداته، وطلب تعيينَ مصفٍّ ذكرَ أن المورِّث كان قد عيَّنه. وقدم مذكرةَ دفاع أتبعها بأخريات في الجلسات اللاحقة ضمّنها ما تجمله المحكمة في التالي:

طلب الدفاعُ تعيينَ المدعى عليه الأول مصفِّياً بمقولة إن المورِّث كان قد عيَّنه، وقدَّم إفادةً من المدعى عليهم عدا هذا والثامنة والتاسعة، وأخرى متضمِّنةً التاسعة، بأن المورث أوصاهم بتنصيب المدعى عليه الأول مصفِّياً لتركته.

في جلسة 23-5-2018، انتدبت المحكمة خبيراً قضائياً مصفياً للتركة لتحديد أعيانها وإعداد مشروعٍ بقسمتها. ورد التقريرُ، ومن بعدُ ملحقٌ له بحصر أعيان التركة وبمشروعٍ بالقسمة.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وبها أصدرت الحكم الوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءُه ليمتحن شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة، وقد اجتهدت في تفحّص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها وفي الإلمامِ بأحكامها، والسدادَ في قضائها بشأنها. وإنه لقضاءٌ أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن المدعي، عن نفسه وبصفته، دفاعُه، وعن المدعى عليه الأول، عن نفسه وبصفته، دفاعه، ولم تحضر المدعى عليهما الثامنة والتاسعة، وإذن فالحكم غيابيٌّ لهاتين، حضوريٌّ للآخرين عملاً بالمادتين 92 و103 من قانون المرافعات. على أن المحكمة غفلت في منطوق حكمها عن تمييز الغيابية بشأن الغائبتين. لكنها تشير إلى أن هذا ليس بالمشين. فقد استقر قضاء المحكمة العليا على أن ذلك التمييز لا يعدُّ من البيانات الجوهرية التي يعيب تخلفُها الحكمَ، وأن حقيقة الواقع هي الفيصل في كون الحكم حضورياً أو غيابياً.

وحيث إن من دفوع دفاع المدعى عليه الأول، عن نفسه وبصفته، ما هو استهلالي، لذا فالمحكمة تبادر بفحصه.

وحيث إنه عن دفعه في جلسة حضوره الأول بعدم انعقاد الخصومة لبطلان الإعلان الإداري، وذلك بدعوى عدم توقيع مأمور الضبط على الصورة المستلمة منه، فردٌّ. ففضلاً عن أنه لم يُقِم الدليل على ذلك، كأن يقدِّم الصورةَ للمحكمة، مكتفياً بقولٍ مرسل، فإن الدفع مرفوضٌ أصالةً بعدم اشتراط القانون لهذا التوقيع. فالتوقيع المشروط على الأصل والصورة هو توقيعُ القائم بالإعلان فحسب (المادة 10(2) من قانون المرافعات). وأما توقيعُ الشرطة، فلا موجب له في القانون، كما لا حاجة له اللهم إلا بقدر ما يقتضيه إثبات واقعة تسليم القائم بالإعلان الصحيفةَ للشرطة من توقيع المستلم على أصلها، وهذا متحققٌ فيها.

وحيث إنه عن الدفع ببطلان الإعلان لعدم توقيع القائم به على الصورة، ولانعدام ختم البريد واسم الموظف، فغير مقبول ابتداءً لعدم إبدائه مع وجه البطلان السابق، ولتأخر التحدي به عن طلب الدافع تعيينَ مصفٍّ للتركة. على نص المادة 91 تستند المحكمة في ذلك؛ إذ إنه يوجب الدفعَ ببطلان أوراق التكليف بالحضور قبل أي طلبٍ أو دفاع فيها وإلا سقط الحقُّ فيه، كما توجب إبداء جميع أوجه البطلان في الورقة معاً. فإن لم يكن، سقط الحقُّ في ما لم يُبدَ منها.

حيث إن تكييف الدعوى من تصريف المحكمة، تصريفاً تتقصَّي فيه حقيقةَ طلبات المدعي وتستظهر مراميها، انتهاءً إلى إعطاء الدعوى وصفَها وتكييفَها الصحيحين دون تقيُّدٍ بتكييف أحد ولا بما يستند إليه في تأييد طلبه أو بالنص القانوني الذي يعتمد عليه. وحيث إن المدعي يطلب تصفيةَ التركة لتحديد أعيانها ومن بعدُ بيان نصيب كلِّ وارثٍ فيها، فإن طلبه هذا ينطوي في ظاهره على دعويين: دعوى تصفية تركة؛ ودعوى قسمة أعيانها بين الخصوم بحسب الفريضة الشريعة. ولهذا، فالمحكمة توطئةً للتكييف السليم، تستهل باختبار هذا التكييف.

وحيث إنه عن تكييف الدعوى بأنها دعوى تصفية تركة، فالمحكمة في اختباره تتعقَّب المفهومَ اللغويَّ لعبارة "تصفية التركة"، ثم مدلولَها الاصطلاحيَّ في التشريع والقضاء.

فأمَّا لغةً، فإن "تصفية الشيء" تعني إزالةَ الموادِ الغريبةِ والشوائبِ عنه. فهي عمليةٌ غايتُها استظهارُ أصلِ الشيء دون زوائد. وإذا سحبنا هذا على "تصفية التركة"، كان المقصودُ الفرقَ بين مجموع موجوداتها ومجموع مطلوباتها، أي مجموع ما تركه المورِّثُ ناقصاً حقوقَ غير الورثة فيه كالوصايا والديون، أي صافي التركة.

وأمَّا المعنى الاصطلاحي في التشريع، فيتأتى استخلاصُه مما جرى المشرعُ في القانون المدني على تقصُّده من استعماله للفظ "التصفية" في عدة مواضعَ منه. ففي المادة 77 يعرِّف "تصفية المؤسسة" بالعملية التي يتقررُ بها ما يتبقَّى من أموالها بعد التصفية. وفي المواد من 530 إلى 536 المتعلقة بأحكام تصفية الشركة وقسمتها يبيِّن أن المقصودَ بتصفية الشركة الوفاءُ بما عليها من ديونٍ حلَّت، واستنزالُ المبالغ اللازمة لوفاء الديون التي لم تحل، وردُّ المصروفات أو القروض التي يكون أحدُ الشركاء قد باشرها في مصلحة الشركة، ليخلصَ من بعدُ مالُ الشركة صافياً من كلِّ ذلك تمهيداً لقسمته بين الشركاء بحسب النصيب.

والمواد من 880 إلى 918 المتعلقة بتصفية التركات ناضحةٌ هي الأخرى بالمعنى ذاته. فبعد أن وضع المشرع أحكاماً عامةً في المواد الأولى، طفِق يبيِّن إجراءاتِ التصفية، مبتدئاً بجرد التركة، مستهلاً بما ينبئُ عن أن التصفيةَ عمليةٌ أملتها حالةُ التركة المديونية، واضعاً حكماً توفيقياً يضمنُ للورثة وللدائنين على السواء حقوقَهم فيها. فمن جهة، منع الدائنين من اتخاذ أي إجراء على التركة أو الاستمرار فيه إلا في مواجهة المصفِّي (المادة 887(1))، وفي المقابل، علَّق توزيعَ الأنصباء بين الورثة على تمام تسوية الديون جميعِها (المادة 887(2)). وكشف في المادتين 891 و892 عن أن ثمرةَ جردِ المصفِّي للتركة هي بيانُ ما لها وما عليها بغيةَ الوصول إلى الوفاء بديونها الحالّة من أموالها ومما يحصِّله من حقوقها لدى الغير (المادتان 895 و897)، وذلك ضماناً لحق الدائنين في استيفاء ديونهم قبل توزيع التركة. وقرَّر أن توزيع التركة مشروطٌ بذلك الوفاء. ويدخل في المفهوم العام للدائنين الموصَى لهم، وإن كان حقُّهم متأخراً في المرتبة. وعلى هذا، ووفقاً للمادة 902، تؤدَّى الوصايا بعد سداد الديون وقبل القسمة.

فإذا ما تمَّ ذلك كلُّه، تحقَّق القصدُ من تصفية التركة، وخلص صافيها المستحقُّ للورثة إلا من الديون المؤجَّلة، حيث يختص كلُّ وارثٍ منها بما يتناسب وصافي حصته (المادة 899).

ويتأكَّد المدلولُ المتقدم أيضاً بما نص عليه المشرِّع في المادة 904 من جواز تسليم الورثة بعد الجرد "الأشياءَ والنقودَ التي لا يُحتاج لها في تصفية التركة"؛ إذ يحملُ هذا معنى أن الجردَ أو حصرَ الأعيان لا يدخلُ في مفهوم التصفية، بل هو عمليةٌ سابقةٌ عليها فرضتها طبيعةُ التصفية المستوجبةِ تنقيةَ موجودات التركة من مطلوباتها حتى لا يبقى إلا صافيها.

وعلى ذلك، فإن تصفيةَ التركة، وفق فحوى هذه النصوص، يعني تجريدها من الديون والوصايا ليفضلَ الباقي منها خالصاً من حقوق الغير جاهزاً للتوزيع بين الورثة. ولا يقدحُ في هذا المعنى ما أشارت إليه بعض تلك النصوص من اختصاص المصفِّي بتحصيل ما للتركة من ديون على الغير. فما هذا بمقصودٍ لذاته في عملية التصفية، وإنما هو من مقتضياتها إذا ما تحققت شروطها؛ إذ إن هذه الديون، بحسب المادة 897(1)، أحدُ أهم مصادر المصفِّي في الوفاء بحقوق الغير في التركة، وهو مصدرٌ مقدَّم على ثمن بيع منقولاتها وعقاراتها عند الضرورة.

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيُّ لنظام تصفية التركات في القضاء أيضاً عن ذلك. وأحكامُ محكمة النقض المصرية في ذلك مُبيْنة. والاستشهادُ بها ههنا يجدُ مرجعَه في تطابق أحكام هذا النظام في القانون المصري مع نظيرتها في الليبي. فقد جرى قضاؤها على أنه نظامٌ استحدثه المشرِّعُ ليكفلَ به حمايةَ مصلحة الورثة ومصلحة دائني التركة معاً؛ إذ بتقريره ترتفع يدُ الدائنين والورثة عن التركة، ويمتنع على الدائنين العاديين من وقت قيد الأمر الصادر بتعيين المصفِّي اتخاذُ أي إجراءاتٍ فردية على أعيان التركة إلى أن تتمَّ تصفيتُها، وبهذا تتحققُ المساواةُ الفعليةُ بينهم، وتنتقلُ أموالُ التركة إلى الورثة خاليةً من الديون، وهو ما تتحقق معه، على وجهٍ عمليّ، القاعدةُ الشرعية التي تقضي بأن لا تركةَ إلا بعد سدادِ الديون (نقض مصري: 7/35ق، جلسة 20-3-1969). وهذا النظام، كما تقول محكمة النقض، ينطوي على إجراءاتٍ طويلة، ويقتضي تكاليفَ عالية. ولهذا، فقد جعله المشرِّعُ استثناءً لا يجوزُ اللجوءُ إليه إلا عند الضرورة، بحيث لا يكون إلا لتصفية التركات الكبيرة إذا أثقلتها الديونُ وتعقَّدت شؤونها (نقض مصري: 930/48ق، جلسة 7-3-1982). وإذن، فهو، وفقاً لها، نظامٌ لا يتناول الحقوقَ في ذاتها، بل ينظمُ الإجراءاتِ التي يحصل بها الورثةُ والدائنون على حقوقهم في التركات في نطاق القاعدة الشرعية المذكورة (نقض مصري: 39/28ق، جلسة 16-5-1963).

لما كان ذلك، فإن تصفيةَ التركة تعني لغةً واصطلاحاً تجريدَها من حقوق الغير فيها بغيةَ تحديد الباقي منها. وحيث إنها عمليةٌ واسعةُ المهام طويلةُ الإجراءات متعدِّدتُها، وذلك بما تشمله من أعمالِ جردٍ للتركة، وأعمالٍ تحفظية، وأخرى إدارية، وفحصٍ للديون، واستيفاءٍ لها ووفاءٍ بها، رضائياً أو قضاء، علاوة على النيابة القانونية عن التركة في الخصومات القضائية. وحيث إن إنجازَ كلِّ هذا قد يتطلب تكاليفَ ماليةً عاليةً مرهقةً للتركة، والحالُ أن القانون يقرر أنها التي تتحمَّلها. لذلك كلِّه، لا يُصار إلى نظام التصفية إلا للحاجة الملجئة إلى ذلك التجريد، وحين لا يكون ممكناً دون الاستعانة بمصفٍّ. وعليه، فلا يكون من وجهٍ لإخضاع التركة لهذا النظام إلا إذا كان للغير فيها حقوق، وكانت هذه الحقوقُ على درجةٍ من التعقيد يستعصي معه حسمُها بإجراءات فردية، وكان حجمُ التركة كبيراً بما يضمن عدمَ إرهاقها بتكاليف التصفية.

لما كان ذلك، وكان المدعي، وإن سمّى دعواه دعوى تصفية، يفصح في صحيفتها عن أن غايتَه منها الخروجُ من حالة الشيوع مع خصومه في ملكية أعيانٍ حدَّدها حصراً قال إنها تركةُ مورِّثهم، طالباً تعيينَ نصيبه فيها مفرَزاً وتسليمَه إليه، وكان لا يقول باتخاذ الغير إجراءاتٍ فرديةً ضدَّها، ولا بحقوقٍ للغير فيها فضلاً عن كونها معقدة، وإن طلب عرضاً تحديد ما إذا كانت مثقلة بأي ديون، وإذن فإن ما يطلبه لا يدخل في ماصدق دعاوى تصفية التركات، بل هو دعوى اقتسام مال شائع تحكمه المواد 786 من قانون المرافعات وما بعدها.

وحيث إن هذه المادةَ تقضي بأن الاختصاصَ بنظر هذا النوع من الدعاوى ينعقد للمحكمة الجزئية. وحيث إنه اختصاصٌ نوعيٌّ استثنائي، ومن ثمَّ فمتعلقٌ بالنظام العام. وحيث إن المادة 76 تقضي بأنه "إذا رُفع إلى المحكمة ما ليس من اختصاصها النوعي من حيث الموضوع قررت من تلقاء نفسها عدم اختصاصها في أية حال وأية درجة كانت فيها الدعوى." لهذا، تقضي المحكمةُ بعدم اختصاصها بنظر الدعوى الماثلة وفق الوارد بالمنطوق.

ولا يغيِّر من التكييف المتقدم في شيء ولا من نفي اختصاص هذه المحكمة ما يقول به المدعي من منازعة خصومه له في حقه في الإرث. ذلك أن فحوى دعواه التخلُّصُ من الشيوع في ما يقول بملكيته بسبب الميراث استناداً إلى الفريضة الشرعية. وهي وإن كانت دعوى قسمة، إلا أنها تتَّسعُ، وفق المادة 788، للفصل في ما يثور من نزاعٍ حول الملكية. فبحكم المادة التالية، لا تَقسمُ المحكمةُ الجزئية التركةَ إلا بعد الفصل نهائياً في هذا النزاع، سواء تولَّته بذاتها، أو وقَفَت الدعوى وأحالت الخصومَ على المحكمة الابتدائية إذا ما تجاوز اختصاصَها القيمي، وذلك لتقولَ كلمتَها فيه تمهيداً للحكم بتوزيع الحصص.

وإذ انتهت المحكمة إلى هذا بعد أن نحت قبلاً، كمعظم المحاكم، نحواً مغايراً في دعاوىً شبيهةٍ وفي الجلسات الأولى لنظر هذه الدعوى أيضاً، فإنها لا تُخفِي تبهُّمَ الأمرِ عليها واستشكالَه بادئَ الرأي حتى كان منها ما كان من اجتهادٍ وقفت على أنه لم يكن بالسديد.  وحيث إنها اليوم، بعد استقصاء تفاصيل المسألة، استبانتِ الحقّ، فإنها تُنْفِذه دون أن يمنعها ما قضت به بالأمس من الرجوع إليه، فمراجعةُ الحق، كما يقولُ الفاروقُ رضي الله عنه، خيرٌ من التمادي في الباطل.

وحيث إنه عن مصاريف الدعوى، فيتحملها المدعي، خاسر الدعوى، استناداً إلى المادتين 281 و282 من قانون المرافعات. فهو من أقام الدعوى أمام المحكمة غير المختصة، فعليه تبعتُها.

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، وبإلزام رافعها بالمصاريف. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                                                  القاضي

 أُودعت الأسباب في: 8-7-2021م