79 م د: دعوى مسؤولية عقدية عن عقد سيارات الحرس الشعبي (إجابة)

:

صفةُ وزير الدفاع في دعوى مسؤولية عقدية ضد جهاز الحرس الشعبي قائمةٌ، لا لكونه خلفَ اللجنة المؤقتة للدفاع وكونِ جهاز الحرس الشعبي تابعاً لهذه اللجنة، بل بحسبانه خلفاً للجهاز نفسه. فمن جهة، لا مُشاحَّة في أنه صار بعد التغيير السياسي في البلاد خلفاً للجنة المؤقتة للدفاع. ومن جهةٍ ثانية، ليس في العقدين ولا في طبيعة التعامل والقانون ما يمنع انصرافَ أثارهما إلى الخلف العام حتى يصحَّ إعفاؤه منها. ومن جهةٍ أخيرة، بحلِّ جهاز الحرس الشعبي بموجب قرار وزير الدفاع 40-2011 صار معدومَ الوجود القانوني، والواقعي أيضاً. وحيث إن هذا الجهازَ واحدٌ من أطراف الجسم الدفاعي في البلاد الذي هو وزارة الدفاع. وحيث إنه لا هذه الوزارة ولا مجلس الوزراء أخلف الجهازَ جهازاً نظيراً يعقُبُه في وظيفته ومتلازماتها، فإن هذه الوظيفة تعود بالضرورة إلى أصلها، وزارة الدفاع، ليكون إلغاءُ الجهاز في ذاته طريقةً لإدماجه في الوزارة وسبباً لانصهاره فيها. وهذا يستتبع أيلولةَ ذمته المالية بحقوقها والتزاماتها طرّاً إليها. ولا مراءَ في أن هذه الأيلولةَ وذلك الانصهارَ يندرجان تحت مفهوم الخلافة العامة المقصودة في القانون، بل ويشكلان الصورةَ الأظهرَ لها، أي الصورة التي يُستخلَف فيها السلفُ في مجموع ماله، تماماً كما في خلافة الوارث لكلِّ التركة.

قضاء المحكمة العليا الملزم للمحاكم الدنيا في غير الموضوع الذي صدر فيه هو فقط ذلك الذي ينطوي على حكم عام من قبيل ما يصلح وصفه بالمبدأ بالمفهوم المقصود في قانون المحكمة العليا.

الاستشهاد بمسوَّدة حكم منسوب إلى المحكمة العليا لا توقيعَ عليها ولا ختمَ، ولا أيَّ إشارة تنبئ عن حجية ما سطرته، ولا مصدرَ له في وسيلتي المحكمة العليا في نشر مبادئها، مجلتِها وموقعِها على الشبكة العنكبوتية، استشهادٌ بغير ذي قيمة قانونية.

الطَّرَفِيَّةُ والغَيْرِيَّةُ ليستا المعيارَ الأوحدَ في الالتزام التعاقدي. ونص المادة 145 من القانون المدني لصريح، أيّما صراحة، في تقرير انصراف أثر العقد لا إلى المتعاقدين فحسب، بل وإلى الخلف العام أيضاً. فلا يكفي في تقرير انعدام صفة خصم في الدعوى، وهي مسألةٌ من النظام العام، مجردُ أنه لم يكن طرفاً في العقد دون التحقق، في الآن نفسه، من انتفاء صفة الخلافة العامة عنه.

الشرطُ في التعويض عدالتَه، وهذه تقتضي أن يكون مجزئاً. وحيث إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه، أي مواسياً ومتناسباً مع وزن الضرر وملابساته دون إسراف أو تقتير. لذلك، فعدالته توجب، مع ما تقدم، الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به عند القضاء به. وهذه لا تتمُّ دون مراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لكلِّ ذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها عند تقدير التعويض ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الفعلية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي، والذي كان بموجب قرار مصرف ليبيا المركزي 1 لسنة 2020 بشأن تعديل سعر صرف الدينار.

:

[جهاز الحرس الشعبي – علاقة وزارة الدفاع به – آثار العقد عليها - الطرَفية والغَيرية والخلف العام – أحكام المحكمة العليا الملزمة للمحاكم الدنيا – التعويض العادل – مراعاة القيمة الحقيقة للنقد]

 [القاعدة]

[صفةُ وزير الدفاع في دعوى مسؤولية عقدية ضد جهاز الحرس الشعبي قائمةٌ، لا لكونه خلفَ اللجنة المؤقتة للدفاع وكونِ جهاز الحرس الشعبي تابعاً لهذه اللجنة، بل بحسبانه خلفاً للجهاز نفسه. فمن جهة، لا مُشاحَّة في أنه صار بعد التغيير السياسي في البلاد خلفاً للجنة المؤقتة للدفاع. ومن جهةٍ ثانية، ليس في العقدين ولا في طبيعة التعامل والقانون ما يمنع انصرافَ أثارهما إلى الخلف العام حتى يصحَّ إعفاؤه منها. ومن جهةٍ أخيرة، بحلِّ جهاز الحرس الشعبي بموجب قرار وزير الدفاع 40-2011 صار معدومَ الوجود القانوني، والواقعي أيضاً. وحيث إن هذا الجهازَ واحدٌ من أطراف الجسم الدفاعي في البلاد الذي هو وزارة الدفاع. وحيث إنه لا هذه الوزارة ولا مجلس الوزراء أخلف الجهازَ جهازاً نظيراً يعقُبُه في وظيفته ومتلازماتها، فإن هذه الوظيفة تعود بالضرورة إلى أصلها، وزارة الدفاع، ليكون إلغاءُ الجهاز في ذاته طريقةً لإدماجه في الوزارة وسبباً لانصهاره فيها. وهذا يستتبع أيلولةَ ذمته المالية بحقوقها والتزاماتها طرّاً إليها. ولا مراءَ في أن هذه الأيلولةَ وذلك الانصهارَ يندرجان تحت مفهوم الخلافة العامة المقصودة في القانون، بل ويشكلان الصورةَ الأظهرَ لها، أي الصورة التي يُستخلَف فيها السلفُ في مجموع ماله، تماماً كما في خلافة الوارث لكلِّ التركة.

قضاء المحكمة العليا الملزم للمحاكم الدنيا في غير الموضوع الذي صدر فيه هو فقط ذلك الذي ينطوي على حكم عام من قبيل ما يصلح وصفه بالمبدأ بالمفهوم المقصود في قانون المحكمة العليا.

الاستشهاد بمسوَّدة حكم منسوب إلى المحكمة العليا لا توقيعَ عليها ولا ختمَ، ولا أيَّ إشارة تنبئ عن حجية ما سطرته، ولا مصدرَ له في وسيلتي المحكمة العليا في نشر مبادئها، مجلتِها وموقعِها على الشبكة العنكبوتية، استشهادٌ بغير ذي قيمة قانونية.

الطَّرَفِيَّةُ والغَيْرِيَّةُ ليستا المعيارَ الأوحدَ في الالتزام التعاقدي. ونص المادة 145 من القانون المدني لصريح، أيّما صراحة، في تقرير انصراف أثر العقد لا إلى المتعاقدين فحسب، بل وإلى الخلف العام أيضاً. فلا يكفي في تقرير انعدام صفة خصم في الدعوى، وهي مسألةٌ من النظام العام، مجردُ أنه لم يكن طرفاً في العقد دون التحقق، في الآن نفسه، من انتفاء صفة الخلافة العامة عنه.

الشرطُ في التعويض عدالتَه، وهذه تقتضي أن يكون مجزئاً. وحيث إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه، أي مواسياً ومتناسباً مع وزن الضرر وملابساته دون إسراف أو تقتير. لذلك، فعدالته توجب، مع ما تقدم، الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به عند القضاء به. وهذه لا تتمُّ دون مراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لكلِّ ذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها عند تقدير التعويض ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الفعلية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي، والذي كان بموجب قرار مصرف ليبيا المركزي 1 لسنة 2020 بشأن تعديل سعر صرف الدينار.]

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيْمِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِه مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الكَرِيْمِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 25 شعبان 1442هـ. الموافق: 7-4-2021م،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــم

الدعوى:

...-2020 مدني كلي الزاوية.

المدعي:

  1. ... ~ ....

موطنهما المختار مكتب المحامي ....

المدعى عليه:

  1. رئيس الوزراء بصفته؛
  2. وزير الدفاع بصفته؛
  3. وزير المالية بصفته.

تنوب عنهم إدارة القضايا، فرع الزاوية، الزاوية، طريق الزهراء.

   ملخص الدعوى

اختصم المدعيان المدعى عليهم بصحيفةٍ أعلناها وفق القانون. شرحا الدعوى على نحو أنهما في 6-7-2010، أبرما مع المدعى عليه الثاني عن طريق تابعه الهيئة المؤقتة للدفاع، وبالتحديد جهاز الحرس الشعبي، عقداً بعد أن أعلن عن رغبته في استيراد مركبات آلية كان أغلبها تويوتا هايلوكس قمرة، وقمرة مزدوجة، لبيعها للراغبين من أعضاء الجهاز بثمن أربعة عشر ألف دينار للأولى، وخمسة عشر للثانية. لاقى المدعيان الإيجابَ بقبول، ودفع كلٌّ منهما الثمنَ وفق الثابت بالإيصال المالي. انتظرا تنفيذَ المذكور التزامَه، لكنهما، خلافاً لبعض زملائهم، لم يستلما المبيعَ حتى تاريخ هذه الدعوى.

يضيف المدعيان القول إن عدمَ تسليم تابع المدعى عليه الثاني للمبيع، ثم امتناعَه عن ردِّ الثمن على الرغم من تكرر مطالبتهما به، يشكِّل إخلالاً بالالتزام التعاقدي وبقاعدة أن العقد شريعة المتعاقدين المنصوص عليها في المادة "47" من القانون المدني. كما ألحق بهما أضراراً مادية تمثَّلت في ما لحقهما من خسارة وما فاتهما من كسب نتيجة التأخر في تنفيذ الالتزام، وأضراراً معنوية جماعها شعورهم "بالأسى والحزن والألم النفسي وهم يرون أموالهم مجمدة ويمنون أطفالهم وأسرهم بأنهم سيتمتعون بسيارات جديدة أسوة بأقرانهم." لذا، فإنهما إذ يلجآن إلى القضاء إنما سعياً للحكم لهما بالآتي:

أولاً: فسخ العقدين؛

ثانياً: إلزام المدعى عليهم متضامنين بأن يردّوا الثمن، خمسة عشر ألف دينار للأول، وللثاني أربعة عشر ألفاً؛

ثالثاً: إلزامهم متضامين بأن يدفعوا لكلِّ مدعٍ خمسين ألف دينار جبراً للضررين المادي والمعنوي؛

رابعاً: إلزامهم بالمصاريف والأتعاب، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل.

بدأت المحكمةُ نظرَ الدعوى بجلسة 16-12-2020. أمامها، حضر عن المدعيين الأستاذة ... بتفويض من محاميهما الأستاذ .... وعن المدعي عليهم حضرت الأستاذة ... عضو إدارة القضايا. قدم الحاضر عن المدعيين مستنداتهما في الدعوى فكانت:

وخلص إلى طلب حجز الدعوى للحكم.

دافع محامي المدعى عليهم بمذكرة ضمَّنها من الدفوع ما تجمله المحكمة في التالي:

قدم الدفاع مسوَّدةً ظاهرُها أنها لحكم للمحكمة العليا في الطعن المدني 270/61ق، وانتهى إلى طلب الحكم له بمقتضى دفوعه.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وفيها قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءُه ليمتحن شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة، وقد اجتهدت في تفحُّص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها وفي الإلمام بأحكامها، والسدادَ في قضائها بشأنها. وإنه لقضاءٌ أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن كلِّ طرف دفاعُه، وإذن فالحكم حضوري عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات.

حيث إن الصفة في التداعي أمام القضاء من النظام العام، لذا فالمحكمة تستهل باختبارها من تلقاء نفسها وبصرف النظر عن إثارة دفاع المدعى عليهم لها. وحيث إنها متحققة في المدعيين بما أثبتاه من ارتباطهما بالعلاقة التعاقدية موضوع الدعوى، فإن دعواهما تكون مقبولة من هذه الناحية. وحيث إنه عن المدعى عليهم، ففي شأنهم التفصيل التالي:

حيث إن الدعوى دعوى مسؤولية عقدية، فلا يكون من وجه لمخاصمة غير المتعاقد أو خلفه. وحيث إن المدعى عليهما الأول والثالث ليسا من أطراف العقدين ولا هما من الخلف، فإن آثارهما لا تطالهما، فلا تكون لهما، من ثمّ، صفةٌ في الخصومة. كما لا أساس لحسبانهما مسؤولَين مع المتعاقد بالتضامن. ذلك أن التضامن في المسؤولية العقدية، خلافاً له في التقصيرية، غيرُ مفترض، بل يستلزم نصاً قانونياً، أو اتفاقاً يقع على من يدعيه عبءُ إثباته. وحيث إنه لا نصَّ عليه، ولا المدعيان أثبتاه، ولذا فغير متحقق. ويجد هذا التسبيب مرجعه في القواعد العامة للمسؤولية العقدية وفي قضاء المحكمة العليا في الطعن المدني 1295/55ق.

أما المدعى عليه الثاني فصفتُه في الدعوى قائمة، لا لكونِه خلفَ اللجنة المؤقتة للدفاع وكونِ جهاز الحرس الشعبي تابعاً لهذه اللجنة، بل بحسبانه خلفاً للجهاز نفسِه. فمن جهة، لا مُشاحَّة في أنه صار بعد التغيير السياسي في البلاد خلفاً للجنة المؤقتة للدفاع. ومن جهةٍ ثانية، ليس في العقدين ولا في طبيعة التعامل والقانون ما يمنع انصرافَ أثارهما إلى الخلف العام حتى يصحَّ إعفاؤه منها. ومن جهةٍ أخيرة، فإنه بحلِّ جهاز الحرس الشعبي بموجب قرار وزير الدفاع 40-2011 انعدم وجودُه القانوني، والواقعي أيضاً. وحيث إن هذا الجهازَ واحدٌ من أطراف الجسم الدفاعي في البلاد الذي هو وزارة الدفاع. وحيث إنه لا هذه الوزارةُ ولا مجلسُ الوزراء أخلف الجهازَ جهازاً نظيراً يعقُبُه في وظيفته ومتلازماتها، فإن هذه الوظيفةَ تعود بالضرورة إلى أصلها، وزارة الدفاع، ليكونَ إلغاءُ الجهاز في ذاته طريقةً لإدماجه في الوزارة وسبباً لانصهاره فيها. وهذا يستتبع أيلولةَ ذمته المالية بحقوقها والتزاماتها طرّاً إليها. ولا مراءَ في أن هذه الأيلولةَ وذلك الانصهارَ يندرجان تحت مفهوم الخلافة العامة المقصودة في القانون، بل ويشكلان الصورةَ الأظهرَ لها، أي الصورة التي يُستخلَف فيها السلفُ في مجموع ماله، تماماً كما في خلافة الوارث لكل التركة.

ومما يساند هذا التأسيسَ أيضاً ما قضت به المحكمة العليا في حكمها في الطعن المدني 327/64ق، المنشور على موقعها الإلكتروني على الشبكة العنكبوتية، من تأييدِها لحسبان وزير الدفاع خلفاً عاماً لجهاز الحرس الشعبي، وعدِّه بالتالي ذا صفة في دعوىً موضوعتُها كالماثلة. وأما ما استشهد به دفاعُ المدعى عليهم من المسوَّدةِ المنسوبة إلى المحكمة العليا، فغيرُ ذي قيمة قانونية. ففضلاً عن أنها لا تنطوي على حكمٍ عامٍّ من قبيل ما يصلح وصفُه بالمبدأ بالمفهومِ المقصودِ في قانون المحكمة العليا، فإنها لا تحمل في ذاتها ما يجزمُ بانتسابها إلى المحكمة العليا أصلاً؛ إذ إنها مجردُ مسودَّةٍ لا توقيعَ عليها ولا ختمَ، ولا أيَّ إشارة تنبئُ عن حجية ما سطرته. كما لم تجدِ المحكمةُ لها مصدراً في وسيلتي المحكمة العليا في نشرِ مبادئها، مجلتِها وموقعِها على الشبكة العنكبوتية. وإذا كان هذا هو حالُ شكل المسوَّدة، فإن مضمونَها أيضاً يقصُرُ عن أن يكونَ لأعلى هيئة في الهرم القضائي؛ ذلك أنه لمن العصيِّ تصوُّرُ أن تؤسسَ المحكمةُ العليا قضاءَها في موضوعِ دعوىً كالماثلة على مجرد أن الجهاتِ الطاعنةَ (المدعى عليهم هنا) لم تكن طرفاً في العقد. فهذا، ولا ريب، قصورٌ شديدٌ نأبى نسبتَه إليها. إذ من المعلوم جداً أن الطَّرَفِيَّةَ والغَيْرِيَّةَ ليستا المعيارَ الأوحدَ في الالتزام التعاقدي. ونصُّ المادة 145 من القانون المدني لَصريحٌ، أيّما صراحة، في تقرير انصراف أثر العقد لا إلى المتعاقدين فحسب، بل وإلى الخلف العام أيضاً. فكيف لهذه المحكمة، مع هذا الوضوح، أن تُسلِّم بأن المحكمة العليا تكتفي في تقرير انعدام صفة خصمٍ في الدعوى، وهي مسألةٌ من النظام العام، بمجرد أنه لم يكن طرفاً في العقد دون أن تتحققَ، في الآن نفسه، من انتفاءِ صفة الخلافة العامة عنه؟!

لما كان ذلك، فإن المحكمة تواصل وزنها الدعوى ضد ذي الصفة، مضمِّنةً ردودَها على ما فضل من دفوع الدفاع المتبقية ما يتلو من أسباب.

وحيث إنه عن التصرفين المبرمين بين كلِّ مدعٍ وسلف المدعى عليه الثاني، فالمحكمة تكيفهما على أنهما عقدا بيع، أخذاً بأقوال المدعيين المصدَّقة بالإيصالين الماليين المشار إليهما. ففي كليهما يقرُّ السلفُ بأن القيمة المالية التي استلمها هي مقابلُ "شراء آلية من الحرس الشعبي". وهذا دليلٌ على تلاقي إرادتي الطرفين في كلِّ عقدٍ على بيع السلف للمتعاقد معه "آلية" مقابل ثمنٍ مقدَّر (أربعة عشر ألف دينار للواحد، وخمسة عشر للآخر). ففي استعمال لفظ "شراء" مع النص على الثمن ما يقطع في الدلالة على أن التصرفَ المبرم هو عقدُ بيع. وهذا تكييفٌ لا يجادل الدفاع فيه، مكتفياً بمحورةِ دفوعه على نفي الإخلال بالالتزام لا على نفي نشوئه أصالةً، وذلك بما تحدّى به من استحالةِ تنفيذ العقد وتعليقِ التزامه على ما قال به من التزامِ طرفٍ ثالث.

وحيث إن الدعوى على هذا النحو دعوى مسؤولية عقدية، فإن قبولها يستلزم، وفقاً للمواد 206 و221 و222 من القانون المدني، إعذارَ المدين بإنذاره بتنفيذ التزامه التعاقدي. وحيث إن المدعيين اختصما المدعى عليه الثاني بصحيفة افتتاح هذه الدعوى طالبين ردَّ الثمن مع التعويض، فإن صحيفتهما هذه تغني عن ذلك الإعذار، وتقوم مقامَه في تحقيق الإنذار، وذلك وفق ما قررته المحكمة العليا في الطعنين المدنيين: 499/51ق و56/24ق.

وحيث إنه لما كان العقدان موضوع الدعوى عقدي بيع، فإن جدارتهما لترتيب الالتزامات الناشئة عن عقود البيع عموماً معلَّقةٌ على سلامتهما. وحيث إنه باختبارهما، استبانت المحكمة هذه السلامة. فهما ابتداءً سليمان في ركن التراضي؛ إذ المقرَّر قانوناً أن العقد يتم بمجرد أن يتبادل طرفان التعبيرَ عن إرادتين متطابقتين، وأن هذا التعبير قد يكون بالكتابة، يمكن أن يكون باللفظ أو الإشارة الدالة على المقصود منها، وأنه ينتج أثره فور علم الطرف الموجه إليه وفق ما تقرره المواد من 89 إلى 91 من القانون المدني. وحيث إنه لما كان التبادل للتعبير قد تحقق في عقدي الدعوى وفق الثابت بإيصالي الاستلام النقدي المشار إليهما، فإن هذا، مع الأصل العام المقرِّر أن العقد تم برضا طرفيه، وأن على من يدعي خلاف هذا الإثباتَ، كافٍ للقول بقيام ركن التراضي سليماً.

والعقدان سليمان في ركن المحل أيضاً. فقد وافق نص المادة 135 من حيث أنْ لا مخالفةَ فيه للنظام العام والآداب. ثم إنه جاء معيَّناً. فمع أن الإيصال المالي ليس بالعقد، بل مجرد أداة لإثباته، وأنه لم يتضمن كلَّ تفاصيل الاتفاق، وأن الاتفاق، لا ما صُبَّ فيه، هو ما يخضع لاختبار السلامة في المقام الأول، إلا أن ما ثبت في الإيصالين من اتفاق طرفي العقدين بشأن المسائل الجوهرية فيه دون بعض التفاصيل كافٍ لإثبات سلامة التعيين. فهذه الأخيرةُ يمكن حسمُها، حين الخلاف، بالرجوع إلى طبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة عملاً بالمادتين 95 و408. أضف إلى ذلك أن تعيينَ محلِّ الالتزام بالذات غيرُ مشروط قانوناً، فيكفي أن يكون معيَّناً بنوعه ومقداره. وحيث إن محلَّ التزام المدعى عليه الثاني، وفق الثابت بالإيصالين، هو تسليم المبيع المتمثل في "آلية"، وهي، حسب العرف، تعني "سيارة". وحيث إنه يمكن استخلاص درجتها من حيث الجودة من العرف السائد والمعلوم إبان التعاقد، والذي جرى على أن تكون جديدةً حديثةَ الصنع، فإن هذا، ووفق ما تقضي به المادة 133، يكفي للقطع بسلامة العقد من هذه الناحية أيضاً.

وأما ركنُ السبب، فالمحكمة تقول بسلامته في العقدين لمشروعية البواعث. وهي مشروعيةٌ مفترضةٌ بالمادة 137 من القانون المدني، ولم يثبت خلافها.

وحيث إنه لما ثبت للمحكمة انعقاد العقدين سليمين، لزمها عدُّهما شريعةَ المتعاقدين نزولاً عند حكم المادة 147. وحيث إن ذلك يوجب تنفيذَ كلِّ طرفٍ لالتزاماته. وحيث إنهما عقدان فوريان والحال أن طبيعةَ كلٍّ منهما تقبل تنفيذَ الالتزامات دفعةً واحدة، وليس الزمن بالعنصر الأساسي فيه. وحيث إن كلَّ مدعٍ نفَّذ التزامه بدفع الثمن، فإنه يكون حقيقاً بتنفيذ البائع التزامَه المقابل بتسليم المبيع بوضعه تحت تصرفه فيتمكن من حيازته والانتفاع به دون عائق (المادتان 420 و424). وحيث إنه لم يثبت للمحكمة اتفاق الطرفين على تأجيل تنفيذ التزام البائع أو تحديده بوقت، فإنه يصار إلى الاحتكام إلى الأصل في العقود الفورية من حيث وجوب تنفيذ التزاماتها حالاً ودون إبطاء اللهم إلا ما يفرضه النقلُ من زمن، وذلك وفق ما تنص عليه المادة 452.

وحيث إنه لما كانت المحكمة قد قررت أن المدعى عليه الثاني هو الخلف العام للمتعاقد معه، ترتبَ عليه أن أثار العقد تنصرف إليه، فيسري في حقه ما يسري على سلفه.

وحيث إن تاريخ التعاقد يكشف عن أن المدعيين انتظرا طويلاً آملَين تنفيذَ البائع، ومن بعده خلفه، التزامَه بالتسليم، لكنهما لم يفعلا، فلجآ إلى هذه المحكمة لإنصافهما، لذا فالمحكمة تجبر الخلفَ على ذلك. ولا يسعفُه للتخلص من التنفيذ الفوري ما دفع به دفاعُه من استحالة التنفيذ للقوة القاهرة. فما هذا بالصائب. وقضاء المحكمة العليا في الطعن المدني 10/59ق يعلن زوالها منذ سنوات عديدة مازال المدعى عليه الثاني يرفض تنفيذ الالتزام خلالها حتى تاريخ الفصل في هذه الدعوى. كما لا تُلقي المحكمةُ السمعَ إلى الدفع بتعذّر تسليم المركوب لعدم استيراد "الجهات المورِّدة" له. فهذا سافرُ الفساد لما يقتضيه من حوالةٍ للدين لا دليل عليها، وحسبُك أن المدعيين لا يقرَّانها.

لما كان ذلك، وكان قد ثبت للمحكمة يقيناً تحققُ التزام المدعى عليه الثاني بتسليم المبيعين، وعدمُ وفائه به ودون عذر قانوني. وحيث إن البادي للمحكمة أنْ ليس في نيته التنفيذ اختياراً. لهذا، وحيال عدم تمسك المدعيين بالتنفيذ العيني، تصير المحكمة إلى فسخ العقد استناداً إلى نصي المادتين 159 و206.

وحيث إنه لما كان الفسخ يوجب إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، وهذا يقتضي ردَّ الثمن الذي دفعه كلُّ مدعٍ إليه، فإن المحكمة تقضي به.

وحيث إنه لما كان إخلال البائع بالتزامه التعاقدي، وفقاً للمادة 218، يوجب مسؤوليته العقديةَ على كلِّ ما لحق المشتريَ من ضرر بسبب هذا الإخلال. وحيث إنه لما كان التعويض غير مقدَّرٍ في أي من العقدين موضوع الدعوى، فالمحكمة تقدِّره بقدْره وبحسب عناصره التي يثبتها مدعيه. وحيث إن المدعيين يقولان بضرر مادي. وحيث إن هذا النوع من الضرر ينحصر في ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب مما هو نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر في الوفاء به وفق ما تقضي به المادة 224. وحيث إن القضاء به مشروطٌ بتحديد مَن يزعُمه كلَّ عنصر من عناصره وبالتدليل عليه. وحيث إن المدعيين يكتفيان في هذا بقولهما المرسل بخسارتهما وفوات الكسب عليهما دون بيان عناصر ذلك والبرهنة عليها، فإن هذا لا يجزئهما ليؤتيا سؤلهما بشأنه.

وأما طلبهما التعويض عن الضرر الأدبي، فالمحكمة تستجيب له تأسيساً على أن هذا النوع من الضرر، وفق مدلول ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا، من الخفايا غيرِ المدركة بالظاهر، ما يتعذرُ معه لمسُه والوقوفُ عليه وتحديدُ عناصره. وهكذا، يكفي مدعيه لتعويضه عنه معقوليةُ تصور ترتبه عن فعل خصمه، ومعقوليةُ مقدار المبلغِ المرادِ جبراً له أو تخفيفاً منه. والمحكمة تقدِّر تسعة آلاف دينار لكلِّ مدعٍ تعويضاً مجزئاً في التهوين منه، مستهديةً بما تصورته من مصابه في شعوره وعاطفته من انكسارٍ لخاطره، وخيبةٍ لمسعاه بعد تلهف طال أمدُه، فتفاقمَ، ولا عجب، على النفس وقعُه. وما يزيد الألم عمقاً أن الغاصبَ إدارةٌ عامة يُفترض أنها الأنموذج في الوفاء بالعقود، وأنها إحدى أدوات الدولة في حماية الحقوق لا في الاستحواذ عليها بغير حق.

وحيث إنه لما كان الشرطُ في التعويض عدالتَه، وكانت هذه تقتضي أن يكون مجزئاً. وحيث إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه، أي مواسياً ومتناسباً مع وزن الضرر وملابساته دون إسراف أو تقتير. لذلك، فعدالتُه توجب، مع ما تقدم، الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به عند القضاء به. وهذه لا تتمُّ دون مراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لكلِّ ذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها عند تقدير التعويض ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الفعلية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي، والذي كان بموجب قرار مصرف ليبيا المركزي 1 لسنة 2020 بشأن تعديل سعر صرف الدينار. وكما تقول محكمة النقض المصرية في جملة من أحكامها كذينك الصادرين في الطعنين 5860/89ق، جلسة 19-5-2020؛ و16048/88ق، جلسة 19-12-2020، فإن تغيُّر قيمة النقد هو أحد المؤِّثرات على مقدار التعويض عن الضرر، وإذن فعلى القاضي ليكون تعويضُه عادلاً أن يراعيَه.

وحيث إنه عن المصاريف، فيتحملها المدعى عليه الثاني، خاسر الدعوى، وذلك وفقاً للمادتين 281 و282 من قانون المرافعات.

وحيث إنه عن طلب شمول الحكم بالنفاذ المعجل وبغير كفالة، فمرفوضٌ لعدم قيام أيٍّ من حالاته المنصوص عليها في المواد 378 من قانون المرافعات وما بعدها.

 الحكم

حكمت المحكمة حضورياً بالآتي:

أولاً: عدم قبول الدعوى ضد المدعى عليه الأول والثالث؛

ثانياً: فسخ عقدي البيع موضوع الدعوى، وإعادة الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد؛

ثالثاً: إلزام المدعى عليه الثاني بأن يردَّ خمسة عشر ألف دينار إلى المدعي الأول، وأربعة عشر ألف دينار إلى المدعي الثاني؛

رابعاً: إلزام المدعى عليه الثاني بأن يدفع تسعة آلاف دينار لكلِّ واحد من المدعيين تعويضاً له عما أصابه من ضرر معنوي؛

خامساً: إلزام المدعى عليه الثاني بالمصاريف، وبرفض ما عدا ذلك من طلبات. "انتهى منطوق الحكم"

الكاتب                                                                                                        القاضي

   أُودعت الأسباب في: 5-5-2021م