78 م د: دعوى تعويض عن خطأ طبي (إجابة)

:

مردُّ الضرر المادي ما أصاب المدعيةَ من أذىً في جسمها تمثل في ما وصفه تقرير المستشفى بالالتهابِ الحادِّ في عنقِ الرحم، وفي استقرارِ الجسم الغريب في رحمها زمناً بلغ الشهر، وفي ما أحدثه ذلك من حالةٍ مرضيِّةٍ استلزمت "نزعاً" للجسم الغريب، وحاجةً إلى راحة طبية، وتوصيةً بمراجعة الطبيب. وأما الضرر المعنوي، فمتحقق في جانب المدعية بما رتبه الخطأ الطبي من مساس بعاطفتها وشرفها. وحيث إنه من الخفايا غيرِ المدركة بالظاهر، فإن المحكمة تستهدي في تقدير التعويض عنه بما تصورته من مصاب المدعية في نفسها، وما ألمَّ بها في شعورها وعاطفتها من خوفٍ من الأذى الناشئ، ومن إحباطٍ بسبب خيبةِ ظنِّها في طبيب افترضت، كما ينبغي للمريض، أنه، بإذن الله تعالى، يشفيها، فإذا به بانحرافه الجسيم يسقمُها ويؤذيها. كما تستحضر المحكمة ما توقن أنه صاحَبَ ضرَّاءَ المدعية من تخوفٍ من عواقبها، وخشيةٍ من مضاعفاتها على قدرتها على الولادة وهي في مقتبل عمرها. ولا تغفل المحكمة على تصور نيرِ ألمها العاطفي وهي تجدُ نفسَها مرغمةً، بذنبِ غيرها، على استسلامها لاستطالةِ جسدِها في ما يخدش عاطفةَ الحياءِ عندها ولمرتين اثنتين، مرةً من الطبيب الذي نحَّى الشاشَ المتدلي من عنق رحمها، وما استلزمه أيضاً من عملية تنظيف، وأخرى من الطبيب الشرعي تحديداً للمسؤولية. فحتى مع كون المستطيلين طبيبين، وأن لهما في هذا الشأن، من مشروعية الكشف عن العورات، ما ليس لغيرهما، إلا أنه هذا لا يمنع استشعارَ المدعيةِ المساسَ الشديدَ بحيائها العرضي، المساسَ الذي تتأباه الأنثى بطبيعتها، والذي سيقت إليه بجريرة غيرها؛ إذ ما كانت لتُضطرَّ إليه أو ترضى به لولا هذه الجريرة.

لما كان الشرطُ في التعويض عدالتَه، وكانت هذه تقتضي أن يكون مجزئاً. وحيث إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه، أي مواسياً ومتناسباً مع وزن الضرر وملابساته دون إسراف أو تقتير. لذلك، فعدالة التعويض تستلزم الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به عند القضاء به. وهذه لا تتمَّ دون مراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لكلِّ ذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها عند تقدير التعويض المحكوم به ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الفعلية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي، والذي كان بموجب قرار مصرف ليبيا المركزي 1 لسنة 2020 بشأن تعديل سعر صرف الدينار.

:

[خطأ طبي – شموله بالتغطية التأمينية – التزام شركة التأمين بالتعويض – عدالة التعويض – شرطها -  مراعاة القيمة الحقيقية للنقد]

 [القاعدة]

 [مردُّ الضرر المادي ما أصاب المدعيةَ من أذىً في جسمها تمثل في ما وصفه تقرير المستشفى بالالتهابِ الحادِّ في عنقِ الرحم، وفي استقرارِ الجسم الغريب في رحمها زمناً بلغ الشهر، وفي ما أحدثه ذلك من حالةٍ مرضيِّةٍ استلزمت "نزعاً" للجسم الغريب، وحاجةً إلى راحة طبية، وتوصيةً بمراجعة الطبيب. وأما الضرر المعنوي، فمتحقق في جانب المدعية بما رتبه الخطأ الطبي من مساس بعاطفتها وشرفها. وحيث إنه من الخفايا غيرِ المدركة بالظاهر، فإن المحكمة تستهدي في تقدير التعويض عنه بما تصورته من مصاب المدعية في نفسها، وما ألمَّ بها في شعورها وعاطفتها من خوفٍ من الأذى الناشئ، ومن إحباطٍ بسبب خيبةِ ظنِّها في طبيب افترضت، كما ينبغي للمريض، أنه، بإذن الله تعالى، يشفيها، فإذا به بانحرافه الجسيم يسقمُها ويؤذيها. كما تستحضر المحكمة ما توقن أنه صاحَبَ ضرَّاءَ المدعية من تخوفٍ من عواقبها، وخشيةٍ من مضاعفاتها على قدرتها على الولادة وهي في مقتبل عمرها. ولا تغفل المحكمة على تصور نيرِ ألمها العاطفي وهي تجدُ نفسَها مرغمةً، بذنبِ غيرها، على استسلامها لاستطالةِ جسدِها في ما يخدش عاطفةَ الحياءِ عندها ولمرتين اثنتين، مرةً من الطبيب الذي نحَّى الشاشَ المتدلي من عنق رحمها، وما استلزمه أيضاً من عملية تنظيف، وأخرى من الطبيب الشرعي تحديداً للمسؤولية. فحتى مع كون المستطيلين طبيبين، وأن لهما في هذا الشأن، من مشروعية الكشف عن العورات، ما ليس لغيرهما، إلا أنه هذا لا يمنع استشعارَ المدعيةِ المساسَ الشديدَ بحيائها العرضي، المساسَ الذي تتأباه الأنثى بطبيعتها، والذي سيقت إليه بجريرة غيرها؛ إذ ما كانت لتُضطرَّ إليه أو ترضى به لولا هذه الجريرة.

لما كان الشرطُ في التعويض عدالتَه، وكانت هذه تقتضي أن يكون مجزئاً. وحيث إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه، أي مواسياً ومتناسباً مع وزن الضرر وملابساته دون إسراف أو تقتير. لذلك، فعدالة التعويض تستلزم الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به عند القضاء به. وهذه لا تتمَّ دون مراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لكلِّ ذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها عند تقدير التعويض المحكوم به ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الفعلية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي، والذي كان بموجب قرار مصرف ليبيا المركزي 1 لسنة 2020 بشأن تعديل سعر صرف الدينار.]

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيْمِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِه مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الكَرِيْمِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 18 شعبان 1442هـ. الموافق: 31-3-2021م،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــم

الدعوى:

...-2020 مدني كلي الزاوية.

المدعي:

...، موطنها المختار مكتب المحامي ....

المدعى عليه:

الممثل القانوني لشركة ليبيا للتأمين، الكائن مقره بالزاوية، شارع جمال عبدالناصر.

ملخص الدعوى

اختصمت المدعية المدعى عليه بصحيفة صححتها وأعلنتها طبقاً للقانون. يقول محاميها في الصحيفة إنها في أغسطس، 2014، دخلت مستشفى الزاوية التعليمي كحالةِ وضعٍ طبيعي. تعسرتِ الولادةُ، فتدخل الأطباءُ مستعملين جهازاً لسحب الجنين. لم يتّبعوا في العملية الأصولَ العلميةَ، مخالفين بذلك المقررَ في نصوص قانون المسؤولية الطبية 17 لسنة 1986. فقد تركوا في جسمها قطعةَ شاش سبَّبت لها مضاعفاتٍ انتهت بالتهابٍ وتعفُّنٍ بعنق الرحم، وهو ما ألحق بها أضراراً بالغةً أعدمت قدرتها على الإنجاب مستقبلاً.

يضيف المحامي القول: إن مسؤوليةَ المدعى عليه ناشئةٌ عن حلول شركته محلَّ هيئة التأمين، وعن ارتباطِه تعاقدياً بالمستشفى بوصفه مستشفى عاماً، وذلك وفقاً للمادة 31 من قانون المسؤولية الطبية. وعليه، فإن شركةَ المدعى عليه ملزمةٌ قانوناً بتنفيذ العقد بالتعويض عمَّا نشأ عن خطأ الأطباء التقصيري من أضرار مادية وأخرى معنوية. أما المادية، فقد تمثلت في المساس بمصلحة المدعية المالية بسبب ما تكبَّدته من مصاريفَ لعلاجها داخلَ البلاد وخارجَها، وبمصلحة "مادية" تمثلت في إصابة جسمها بالأذى. وأما الأضرار المعنوية، فمردُّها ما أصابها جرَّاء ذلك في العاطفة والشعور الشخصي، وما عانته من ألم وحزن شديد نتيجةَ حرمانها من قدرتها على الإنجاب، على حدِّ تعبير الصحيفة.

يضيف محامي المدعية في الصحيفة طلباً نصُّه: "وإن المدعي يطلب من عدالة المحكمة الحكمَ له بالتعويض عن وفاة ابنه تعويضاً معنوياً." ويخلص إلى أن المدعيةَ إذ تقيم هذه الدعوى، إنما طلباً لإلزام "المدعى عليهم متضامنين"، على حدِّ قوله، بتعويضها بأربعمئة ألف دينار عما أصابها من ضرر مادي، وبمئتي ألف دينار عما أصابها من ضرر معنوي، مع "إلزامهم" بالمصاريف والأتعاب.

بدأت المحكمةُ نظرَ الدعوى في 23-12-2020. أمامها، حضر عن المدعية محاميها .... وعن المدعى عليه حضر محاميه الأستاذة .... طلب الأولُ ضمَّ ملف الدعوى ...-2016 مدني جزئي صرمان لاحتوائه مستندات المدعية.

ضُمَّ الملف. الدعوى فيه مقامةٌ من المدعية هنا ضد المدعى عليه هنا وآخرين. موضوعُها هو ذاتُه موضوعُ الدعوى الماثلة. قضت المحكمة في الموضوع بإلزام المدعى عليهم بتعويض المدعية. استؤنِف الحكم، فقضت المحكمة الاستئنافية بإلغائه، وفي الموضوع بعدم اختصاص المحكمة نوعياً بنظر الدعوى.

اشتمل الملفُّ على مستندات المدعية التالية:

- استمارة خروجها من مستشفى الزاوية التعليمي العام في 17-8-2014 بعد قضاء يوم فيه؛

- تقرير طبي صادر عن المستشفى نفسه في 17-9-2014 بحالتها. ورد فيه أنها تعاني من التهابٍ حادٍّ في عنقِ الرحم "نتيجة وجود قطعة شاش بعنق الرحم بعد الولادة. تم تنظيف مكان الشاش بعد نزعه وتحتاج لفترة راحة لمدة 14 يوماً ومراجعة بعد 3 أيام"؛

- صورة ضوئية لتقرير المجلس الطبي "المختص بتحديد المسؤولية الطبية"، متعلق بمريضة غير المدعية تعدُّ فيه اللجنةُ الطبيةُ تركَ جسمٍ غريبٍ "شاش" في جسم المريضة خطأً طبياً من جانب الطبيب الذي باشر عملية التوليد؛

- تقرير الطبيب الشرعي. يورد فيه أنه، وفقاً للملف الطبي، دخلت المدعيةُ المستشفى بالتاريخ المذكور، وتمتِ الولادةُ ليلاً مع إحداث شقٍّ جانبي لتسهيل خروج رأس الجنين. وخرجت في اليوم التالي وهي بحالة مستقرة. كشف الطبيب الشرعي عنها في 10-1-2018 لبيان مدى تحقق الخطأ الطبي في جانب الطاقم الطبي. سجّل دخولَها المستشفى في التاريخ المحدد وولادتَها أنثى سليمةً ولادةً طبيعيةً بعد إجراء شقٍّ عجانيٍّ جانبيٍّ أيمنَ، وأنها قبل خروجها من المستشفى عانت نزفاً رحمياً مهبلياً بسيطاً. يورد الطبيب الشرعي في التقرير أن طبيب التوليد تدخَّل بوضع شاش طبي خاص لوقف النزف، ويقرُّ هذا الإجراء كعمل سليم طبيَّاً، إلا أنه أخذ عليه أن الطبيب "لم يقم برفع الشاش من داخل الرحم والمهبل كما لم ينصح المريضة بالانتباه لذلك ورفعه بعد تمام الشفاء."  ولذا، فإن سلوكه يشكِّل خطأ طبياً جسيماً. وأضاف أنه "ولحسن الحظ تدارك طبيبٌ آخرُ الأمرَ بتاريخ 2-9-2014 وقام برفع الشاش المتدلي من عنق الرحم وقام بتنظيف الرحم،" وأنه من المعروف علمياً أن ترك شاش أو ما في حكمه داخل الرحم يسبب تعفناً وتقيُّحاً بالمنطقة، علاوة على ما يحدثه من تراكم سموم يمتصها الجسم فتسبِّب مضاعفات عديدة. خلص الطبيب الشرعي إلى أن الطبيب المولِّد لم يراعِ الأصولَ الطبية في عمليته.

انتهى محامي المدعية إلى طلب حجز الدعوى للحكم له بالطلبات الواردة في صحيفة الدعوى.

دافع محامي المدعى عليه كتابةً ببساطةِ الإضرارِ اللاحقة بالمدعية تأسيساً على أن طبيباً تدارك الحالةَ ونزع الشاشَ من عنق رحمها، وعلى أن الطبيبَ الشرعيَّ لم يحدد نسبةً للعجز. وخلص إلى أن ذلك موجبٌ لخفض قيمة التعويض المطالب به إلى الحدِّ المعقول. وانتهى إلى طلب حجز الدعوى للحكم بمقتضى دفعه.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وهنا قضت بالوارد في المنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءُه ليمتحن شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة، وقد اجتهدت في تفحص الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في قضائها بشأنها. وإنه لَقضاءٌ أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث جرى نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها. وحيث حضر عن كل طرف دفاعه، فالحكم إذن حضوري لكليهما عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات.

حيث إن حاصل الدعوى أن المدعية تطلب إلى المحكمة القضاء بإلزام المدعى عليه بدفع تعويض عن الأضرار الناشئة عما تقول به من خطأ طبي ارتكبه في حقها طبيبُ مستشفى الزاوية التعليمي العام، وأنها تخاصمه استناداً إلى مسؤولية المؤمِّن عن التعويض عما ينشأ عن خطأ المؤمَّن له من أضرار، وهي مسؤوليةٌ مبناها عقد التأمين. وحيث إن الأساسَ الصحيح لالتزام المدعى عليه (المؤمِّن) بالتعويض عن خطأ الطبيب، كما تقرر المحكمة العليا في ما سيأتي عرضه من تفسيرها، القانونُ لا العقدُ. لذا، فإن التكييف القانوني للدعوى هو أنها دعوى ضمان سندها القانون الذي يلزم شركة ليبيا للتأمين بالتغطية التأمينية للأضرار الناشئة عن الأخطاء الطبية، وذلك بصرف النظر عن مدى قيام علاقة تعاقدية مع المتسبِّب فيها.

لما كان ذلك، فإنه يلزم لإيتاء المدعية سؤلها تحققُ صفة المدعى عليه في هذه المخاصمة، وأن تبرهن على قيام أركان المسؤولية التقصيرية في حق الطبيب المعني.

وحيث إنه عن صفة المدعى عليه فمتحققةٌ تأسيساً على قرار اللجنة الشعبية العامة 132 لسنة 1430م بإلغاء هيئة التأمين الطبي المنشأة وتقرير بعض الأحكام بشأنها. ذلك أن شركة ليبيا للتأمين (المدعى عليه) حلَّت، بموجب هذا القرار، محلَّ هيئة التأمين الطبي. وعن هذا أرست المحكمة العليا بدوائرها مجتمعة مبدأ في الطعن المدني 526/53ق، مقررةً أن شركة ليبيا للتأمين، وهيئة التأمين الطبي من قبلها، "تعد ملزمة قانوناً بتعويض كل متضرر نتيجة الأخطاء المهنية الناجمة عن ممارسة المهن الطبية والمهن المرتبطة بها بالنسبة للمشتركين المشمولين بالتغطية التأمينية الإلزامية ماداموا يمارسون تلك المهن؛ إذ يظلون بهذه المثابة مشمولين بالتغطية التأمينية دون أن تستطيع هيئة التأمين الطبي، ومن بعدها شركة ليبيا للتأمين، أن تتخلص من التزامها تجاههم … لأن نطاق تغطية التأمين يبدأ بين الهيئة والمشترك من تاريخ مباشرته للمهنة الطبية أو المهن المرتبطة بها نزولاً على أحكام القانون رقم 17 لسنة 1986 بشأن المسؤولية الطبية." وهكذا، فإن مبنى مسؤولية المدعى عليه عن أخطاء أصحاب المهن الطبية عموماً هو القانون، فلا لزوم بالتالي لإبرامهم عقد تأمين معه. وإذن، فهو صاحبُ صفة في هذه الدعوى كمسؤول، مدنياً، عما ينشأ من أضرار بسبب الأخطاء الطبية.

وحيث إنه عن مسؤولية الطبيب التقصيرية، فقائمة بأركانها الثلاثة (الخطأ؛ الضرر؛ العلاقة السببية) على النحو التالي البيان:

فأما ركن الخطأ، فمتحقق من وجهين، يكفي كلُّ واحد منها بذاته لوصم الطبيب بالمخطئ مدنياً.

الوجه الأول: أن المادة 23(3) من قانون المسؤولية الطبية، والتي تعرِّف الخطأَ الطبي المهني، تقضي بأنه: "ويعدُّ نشوءُ الضرر قرينةً على ارتكاب الخطأ أو الإخلال بالالتزام." إذ يظهر من هذا النص أن المشرع قرر هذه المتلازمةَ إدراكاً منه لصعوبة إثبات المضرور وجهَ الخطأ الطبي بحسبانه مسألة فنية بحتاً، فجعل الخطأ قائماً افتراضاً إلى أن يقيم المطبِّبُ الدليلَ على نفيه. وحيث إن الضرر ثابت بما أورده التقرير الطبي الصادر عن مستشفى الطبيب في 17-9-2014، أي بعد شهر من الولادة، من أن المدعية تعاني التهاباً حاداً في عنق الرحم "نتيجة وجود قطعة شاش بعنق الرحم بعد الولادة"، ومن أنها تحتاج، بسبب ذلك، راحةً طبية ومراجعةَ الطبيب. وحيث إن التقريرَ على هذا النحو، وإن لم ينفِ الخطأَ عن سلوك الطبيب أو يثبته صراحةً، إلا أن كشفَه عن هذا الضرر الجسماني كافٍ بذاته لقيام ركن الخطأ المفترض والحال أن المدعى عليه لا يرده بدليل، بل إن في دفاعه ما يحتمل إقرارَه به من وجه كونه يجادل في حجم الأضرار فحسب ولا يمدُّ مجادلته إلى تحدي الدعوى بالخطأ الطبي أصالةً.

الوجه الثاني: ما أثبته الطبيب الشرعي من حصول نزفٍ رحميٍّ للمدعية قبل مغادرتها المستشفى، ومن أن المطبِّب، وإن تعامل معه وفق الأصول العلمية، إلا أنه أبقى الشاش الذي ضمَّد به داخل رحمها، فلا هو نحَّاه، ولا أوصى المدعيةَ بتنحيته، وهو ما نعته بالخطأ الطبي الجسيم من جانب هذا المطبِّب. وهو رأي تجده المحكمة سائغاً متوافقاً مع المجرى الطبيعي للأمور، المجري الذي يتأكد بالتوافق أيضاً مع رأي المجلس الطبي بشأن واقعة شبيهة من حسبانه تركَ جسمٍ غريبٍ "شاش" في جسم المريضة خطأً طبياً من جانب الطبيب المولِّد.

وأما ركنُ الضرر، فثابتٌ بنوعيه الماديِّ والمعنويِّ، وإن لم يكن بالتفصيل المزعوم في صحيفة الدعوى. ومردُّ الضرر المادي ما أصاب المدعيةَ من أذىً في جسمها، أذىً تمثل في ما وصفه تقرير المستشفى بالالتهابِ الحادِّ في عنقِ الرحم، وفي استقرارِ الجسم الغريب في رحمها زمناً بلغ الشهر، وفي ما أحدثه ذلك من حالةٍ مرضيِّةٍ استلزمت "نزعاً" للجسم الغريب، وحاجةً إلى راحة طبية، وتوصيةً بمراجعة الطبيب. وأما الضرر المعنوي، فإنه لما كان مبناه مصاباً في الشعور أو العاطفة أو الكرامة أو الشرف أو ما شابه ذلك مما يصيب الواحد في قيمٍ معنوية مهمة في حياته، فإنه يكون متحققاً في جانب المدعية بما رتبه الخطأ من مساس بعاطفتها وشرفها على النحو الذي سيأتي نبؤه بعد حين.

وحيث إنه عن العلاقة السببية بين الخطأ والضرر، فقائمةٌ يقيناً بثبوت أن ما لحق المدعيةَ من تلك الأضرار ناشئٌ عن خطأ الطبيب لا عن سبب آخر أو معه، وذلك على النحو الذي مرَّ تفصيله.

لما كان ذلك، فإن مسؤولية المدعى عليه عن تعويض المدعية عما لحق بها من أضرار تكون متحققة، وهو ما يستتبع إجابة المدعية إلى دعواها ضده بالتعويض عن الضررين وفق الوارد بالمنطوق.

وحيث إنه عن تقدير التعويض عن الضرر المادي، فإنه لما كان هذا النوع من الضرر هو ذاك الذي يمس بمصلحة مشروعة للمضرور في شخصه أو في ماله. وحيث إن هذا المساسَ في الجانب المالي غيرُ متحقق، فإن المحكمة تتخطَّاه. ذلك أن المقصود به ههنا هو الخسارةُ الماليةُ اللاحقةُ بالمدعية وما فاتها من كسبٍ مما هو نتيجةٌ طبيعية للخطأ الطبي. ومن لوازم التعويض عنه أن يكون قد وقع فعلاً، أو أن يكون وقوعُه في المستقبل حتمياً. كلُّ ذلك وفقاً للقاعدة العامة المقررة بالمادة 224 من القانون المدني ولما استقر عليه قضاء المحكمة العليا في العديد من الأحكام كذاك الصادر في الطعن المدني 50/23ق. وهكذا، فالحكم بثبوت الضرر في الجانب المالي للمدعية يستلزم تحديدَها كلَّ عنصر من عناصره والتدليلَ عليه، وانتفاءَ الطبيعة الاحتمالية عنه. وحيث إنها تزعم تضررَ ذمتها المالية بدعوى تكبدها مصاريفَ لعلاجها داخلَ البلاد وخارجَها. وحيث إنها تكتفي بهذا القول المرسل دون أن تدلل على استشفائها في غير مستشفى الزاوية التعليمي الذي هو مستشفى عام مجاني. لذا، فإن طلبها هذا التعويض حقيقٌ بالردّ.

وأما تعويضها عما أصابها من ضرر في الجانب الشخصي، فمبناه ما تقدَّم تفصيلُه من الأذى اللاحق بها. وتقدِّر له المحكمةُ مبلغَ أربعين ألف دينار مجزئاً لجبره. وأما الدعوى بتوقف قدرتها عن الإنجاب، فمرفوضةٌ لانتفاء دليلها. كما لا تلقي المحكمةُ السمعَ إلى تحججُ دفاع المدعى عليه بعدم تقدير الطبيب الشرعي نسبةً للعجز، وذلك كمبررٍ لطلبه خفضَ قيمةِ التعويض، وتستنكف عن الرد عليه لظهور فساده.

أما تقديرُ المحكمة للتعويض عن الضرر في الشق الأدبي، فأساسُه أن هذا النوع من الضرر، وفق مدلول ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا، من الخفايا غيرِ المدركة بالظاهر، بحيث يتعذرُ لمسُه والوقوفُ عليه وتحديدُ عناصره. وعليه، يكفي المدعيةَ لقبول طلبها التعويضَ عنه معقوليةُ تصور ترتبه عن الخطأ، ومعقوليةُ مقدار المبلغِ المرادِ جبراً له أو تخفيفاً منه. والمحكمة تقدِّر مئةَ ألف دينار تعويضاً مجزئاً في التهوين منه، مستهديةً بما تصورته من مصاب المدعية في نفسها، وما ألمَّ بها في شعورها وعاطفتها من خوفٍ من الأذى الناشئ، ومن إحباطٍ بسبب خيبةِ ظنِّها في طبيب افترضت، كما ينبغي للمريض، أنه، بإذن الله تعالى، يشفيها، فإذا به بانحرافه الجسيم يسقمُها ويؤذيها. كما تستحضر المحكمة ما توقن أنه صاحَبَ ضرَّاءَ المدعية من تخوفٍ من عواقبها، وخشيةٍ من مضاعفاتها على قدرتها على الولادة وهي في مقتبل عمرها. ولا تغفل المحكمة على تصور نيرِ ألمها العاطفي وهي تجدُ نفسَها مرغمةً، بذنبِ غيرها، على استسلامها لاستطالةِ جسدِها في ما يخدش عاطفةَ الحياءِ عندها ولمرتين اثنتين، مرةً من الطبيب الذي نحَّى الشاشَ المتدلي من عنق رحمها، وما استلزمه أيضاً من عملية تنظيف، وأخرى من الطبيب الشرعي تحديداً للمسؤولية. فحتى مع كون المستطيلين طبيبين، وأن لهما في هذا الشأن، من مشروعية الكشف عن العورات، ما ليس لغيرهما، إلا أنه هذا لا يمنع استشعارَ المدعيةِ المساسَ الشديدَ بحيائها العرضي، المساسَ الذي تتأباه الأنثى بطبيعتها، والذي سيقت إليه بجريرة غيرها؛ إذ ما كانت لتُضطرَّ إليه أو ترضى به لولا هذه الجريرة.

وأما زعم محاميها بمعاناتها بسبب "وفاة ابنه"، في ما يظهرُ أنه يقصدُ "ابنها" بتأنيث الضمير، فلا تعتبره المحكمة، ولا تقيم له وزناً في التقدير. ذلك أنه لا دليلَ على الوفاةِ أصلاً فضلاً عن البرهان عن تحقّقِها بسبب الخطأ الطبي. بل إن ظاهر الأوراق يكذِّبه تكذيباً. فقد أثبت الطبيب الشرعي في تقريره ولادةَ المدعية، ولادةً طبيعيةً، أنثى لا ذكراً، وأنها سليمة. وهذا أصل ليس في الأوراق ما يدل على خلافه.

وحيث إنه لما كان الشرطُ في التعويض عدالتَه، وكانت هذه تقتضي أن يكون مجزئاً. وحيث إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان متناسباً مع الضرر، بحيث يصلح بديلاً عنه، أي مواسياً ومتناسباً مع وزن الضرر وملابساته دون إسراف أو تقتير. لذلك، فعدالة التعويض تستلزم الأخذَ في الحسبان المنفعةَ الحقيقيةَ التي ستعود على المتضرر من المبلغ المحكوم به عند القضاء به. وهذه لا تتمَّ دون مراعاة القيمة الفعلية لمبلغ التعويض. لكلِّ ذلك، وضعت المحكمةُ في حسبانها عند تقدير التعويض المحكوم به ما طرأ على الدينار الليبي من تغيّرٍ في قيمته تغيُّراً يشهدُ له حقيقةُ انخفاض قوته الشرائية الفعلية. وهو انخفاضٌ بلغ في الظهور مرتبةَ المعلوم من الواقع بالضرورة. كما يشهد له انخفاضُ قيمته الرسمية مقابلَ النقد الأجنبي، والذي كان بموجب قرار مصرف ليبيا المركزي 1 لسنة 2020 بشأن تعديل سعر صرف الدينار. وكما تقول محكمة النقض المصرية في جملة من أحكامها كذينك الصادرين في الطعنين 5860/89ق، جلسة 19-5-2020؛ و16048/88ق، جلسة 19-12-2020، فإن تغيُّر قيمة النقد هو أحد المؤِّثرات على مقدار التعويض عن الضرر، وإذن فعلى القاضي ليكون تعويضُه عادلاً أن يراعيَه.

وحيث إنه عن المصاريف، فيتحملها المدعى عليه، خاسر الدعوى، وفقاً للمادتين 281 و282 من قانون المرافعات.

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً، بإلزام المدعى عليه بأن يدفع للمدعية مبلغَ أربعين ألف دينار تعويضاً لها عما أصابها من ضررٍ مادي، ومئةَ ألف دينار عما أصابها من ضررٍ معنوي، مع إلزامه بالمصاريف. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                                                القاضي

أُودعت الأسباب في: 21-4-2021م