8 م د: إبطال عقد قسمة (عدم قبول لعدم المصلحة)

:

إفصاح المدعي في صحيفة الدعوى عن أن مثار دعواه إبطالُ عقد القسمة لعدم تحقق شروط فصَّلها وارتآها لازمة لصحته كاف لتنزيه الصحيفة عن التجهيل بموضوعها؛ عدم تضمنها تفاصيل لا موجب لها في القانون لا ينبغي له أن يضرها.

إثبات أن العقد معيب قانوناً لا يكفي بمجرده لتحقق المصلحة من إقامة دعوى إبطاله؛ على المدعي إثبات أن له مصلحة مشروعة من إبطال العقد بالتدليل على أنه سيعود عليه بمنفعة حقيقة يبيحها القانون.

:

[القاعدة]

إفصاح المدعي في صحيفة الدعوى عن أن مثار دعواه إبطالُ عقد القسمة لعدم تحقق شروط فصَّلها وارتآها لازمة لصحته كاف لتنزيه الصحيفة عن التجهيل بموضوعها؛ عدم تضمنها تفاصيل لا موجب لها في القانون لا ينبغي له أن يضرها.

إثبات أن العقد معيب قانوناً لا يكفي بمجرده لتحقق المصلحة من إقامة دعوى إبطاله؛ على المدعي إثبات أن له مصلحة مشروعة من إبطال العقد بالتدليل على أنه سيعود عليه بمنفعة حقيقة يبيحها القانون.

 

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 23 شعبان 1439هـ. الموافق: 9- 5- 2018م،

برئاسة د. عيـاد علي دربال القاضي، وحضور ... كاتب الجلسة،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــمَ

في الدعوى المقيّدة بالسجلّ العام تحت رقم: ...-2017 مدني كلي الزاوية، المرفوعة من: ...،

ضـــد

  1. ...؛ –  5. ....

ملخص الدعوى

تخلص الدعـوى في اختصام المدعي للمدعى عليهم بصحيفة أُعلنت إلى الأول منهم، وذلك عن نفسه وبصفته وكيلاً عن الباقين، شارحاً لها على نحـو من القـول مجمله أنه يملك، بسبب الميراث، مع المدعى عليهم أرضاً بمدينة ... محلة ... مساحتها ... هكتارات ونصف الهكتار، يحدها من الشمال، ...؛ ومن الجنوب، ...؛ ومن الشرق، ...؛ ومن الغرب، .... أقام المدعي دعوى قسمة عقار بمحكمة ... الجزئية، فقدم المدعى عليه الأول "ورقة مقاسمة" تبين له بعد الاطلاع عليها بطلانُها فأقام هذه الدعوى طلباً للحكم بإبطالها للأسباب التالية:

أولاً: جرت القسمة من دون فريضة شرعية تحدد نصيب كل وارث، علاوة على أنها لم تشمل كل التركة؛

ثانياً: ورد في القسمة أن الورثة الشرعيين ثلاثة "أولاد" وبنتان وزوجة خلافاً للثابت في الفريضة الشرعية التي تحصرهم في ثلاثة أبناء وثلاثة بنات وزوجة؛

ثالثاً: لم تتضمن القسمةُ أسماءَ الورثة، واقتصرت على إيراد عبارة "البنات الاثنين وأمه"؛

رابعاً: تمت القسمة بتاريخ ...-...-2007 مشاراً فيها إلى حصولها برضا الورثة، وأن وكيل البنات والأم هو الأخ ... (المدعى عليه الأول)، وذلك على الرغم من أن الأم توفيت بتاريخ ...-...-2016.

انتهى المدعي إلى طلب الحكم له ببطلان عقد القسمة مع إلزام المدعى عليه الأول بالمصاريف والأتعاب وشمول الحكم بالنفاذ المعجل وبلا كفالة.

أمام المحكمة، حضر عن المدعي محاميه ...، وحضر المدعى عليه عن نفسه وعن المدعى عليهم الباقين بموجب توكيلات رسمية خاصة، كما حضر معه محاميه .... قدم دفاع المدعي حافظتي مستندات ضمتا حزمة من الصور الضوئية لمستندات تمثلت في: العقد موضوع الدعوى؛ فريضة شرعية؛ حكم قضائي بثبوت وفاة مورث الخصوم وحصر إرثه فيهم دون غيرهم؛ شهادة شاهد مكتوبة بأن ... توفيت بتاريخ ...-...-2006. وانتهى إلى طلب حجز الدعوى للحكم.

أما دفاع المدعى عليهم، فدفع في الجلسة ببطلان صحيفة الدعوى لخلوها من بيان موطن المدعي المختار. وقدم حافظتي مستندات ضمتا صوراً ضوئية لأوراق تمثلت في: فريضة شرعية؛ محضر اتفاق بين المدعي والمدعى عليه الأول؛ وآخر أمام لجنة فض المنازعات بمؤتمر ... بين المدعي والمدعى عليه الرابع والأول وبصفة هذا الأخير وكيلاً عن المدعى عليهما الثانية والثالثة وعن والدة الخامسة؛ حكم قضائي صادر في ...-2017 ضد المدعي لمصلحة المدعى عليهم بعدم قبول الدعوى؛ حكم آخر صادر في ...-...-2017 ضد المدعي لمصلحة المدعى عليهم برفض الدعوى؛ العقد موضوع الدعوى؛ شهادة من نيابة ... الجزئية باتهام المدعي في ثلاث دعاوى جنائية؛ عقد بيع أرض بين المدعي (مشترياً) والمدعى عليه الرابع؛ تنازلُ المدعى عليها الثانية ووالدة المدعى عليها الخامسة للمدعى عليه الأول عن نصيبيهما في تركة ...؛ شهادة مكتوبة من المدعى عليها الثالثة بتنازل والدتها ... عن نصيبها في الميراث للمدعى عليه الأول؛ شهادة مكتوبة أخرى بذلك من المدعى عليهما الثانية والخامسة.

ضمّن محامي المدعى عليهم دفاعه مذكرةً بفقرة واحدة طويلة وبصياغة ركيكة أرهقت المحكمة في فهم فحواها وترتيبه، فكان هذا ما تسنى لها استخلاصه منها من دفوع:

أولاً: بطلان صحيفة الدعوى للتجهيل بالمدعى به من وجهين: الأول، أنها لم تتضمن اسم مورث الخصوم الذي كان يملك الأرض محل العقد موضوع الدعوى؛ والثاني، أنه على الرغم من دعوى المدعي عدمَ شمول عقد القسمة موضوع الدعوى كلَّ أعيان التركة، إلا أنه لا يبين الأعيان المستثناة؛

ثانياً: بطلان صحيفة الدعوى لخلوها من بيان موطن المدعي المختار استناداً إلى نص المادة 94 من قانون المرافعات؛

ثالثاً: بطلان صحيفة الدعوى للتجهيل بالمدعى عليهم؛ إذ يورد المدعي فيها أن الورثة ثلاثة أبناء وثلاث بنات وزوجة، وأن العقد موضوع الدعوى لم يتضمن أسماءهم، لكنه لا يذكرهم؛

رابعاً: عدم صحة الدعوى. وما لجوء المدعي إليها إلا لتدارك ما خسره من دعاوى سابقة ضد المدعى عليهم تتعلق بالأرض محل العقد موضوع الدعوى. أضف إليه أن المدعي يناقض نفسه في صحيفة دعواه؛ إذ يدعي بداءة أنه يملك الأرض، لكنه يقول ببطلان عقد القسمة موضوع الدعوى، ومع هذا لا يقدم دليلاً على ملكيته تلك الأرض، بل يكتفى بكلام مرسل لا سند له؛

خامساً: عدم حجية الصور الضوئية المقدمة من المدعي في الإثبات.

انتهى الدفاع في مذكرته إلى طلب الحكم ببطلان صحيفة الدعوى، كما انتهى إلى طلب رفض الدعوى لسبب غير مفهوم، هو سقوط الحق في رفع الدعوى؛ إذ لا يوضح مناطه ولا يقدِّم له في المذكرة بما يخبر عما تقصَّده به.

ردَّ دفاع المدعي عما تقدم بمذكرة لم تجد المحكمة فيها جديداً على ما أبداه في الصحيفة سوى إشارة إلى وفاة الأم ... بتاريخ ...-...-2006، فيما يبدو تصحيحاً للخطأ المادي في سنة الوفاة الواردة بالصحيفة. وخلص إلى طلب حجز الدعوى للحكم.

في الجلسة الأخيرة، قدم دفاع المدعى عليهم مذكرة ثانية متمسكاً فيها بصحة عقد القسمة موضوع الدعوى، وبأنه يتعلق بتركة ... لا تركة ...، وأنه قد تم برضا الورثة جميعهم وفق المقرر بتوقيعاتهم أمام لجنة فض المنازعات. وخلص إلى طلب حجز الدعوى للحكم.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بآخر جلسة اليوم، وفيها قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

بعد سماع المرافعة الشفوية ومطالعة الأوراق، أصدرت المحكمة الحكمَ التالية أسبابه ومنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن كل طرف دفاعه المذكور، إذاً فالحكم الصادر في الدعوى يكون حضورياً بالنسبة لكلا الطرفين عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات.

وحيث إن المحكمة تستهل فحصها للدعوى بالنظر في دفع دفاع المدعى عليهم المقول فيه ببطلان صحيفة افتتاح الدعوى، فتزنه بميزان القانون المتعلق بمناحي النعي بالعيب. فعن النعي الأول، والذي يقول فيه بالتجهيل بالمدعى به لعدم تضمن الصحيفة اسم مورث الخصوم الذي كان يملك الأرض محل العقد موضوع الدعوى، ولعدم ذكره أعيان التركة التي لم يشملها العقد، فإن المحكمة ترفضه. وهي إذ تقرر هذا، تؤسسه على أن النقص الذي يعتري بيان المدعى به فيفضي إلى بطلانها، عملاً بنص المادة 88 من قانون المرافعات، هو ذاك الذي يجهِّل بموضوع الدعوى أو يثير الشك حول طلبات المدعي فيها إلى حد لا يمكن معه الوقوف على حقيقتها، وذلك وفق ما أوضحت مدلوله المحكمة العليا كما يبين في حكمها في الطعن المدني 1/38ق. وحيث إن عبارات الصحيفة المستبطَلة صيغت على نحو كانت فيه طافحة بموضوع الدعوى وطلبات المدعي فيها، وبشكل بدت معه للمحكمة جلية لا يكتنفها أي غموض. فقد أفصح المدعي فيها عما مجمله أن مثارها هو إبطال عقد قسمة لعدم تحقق شروط فصَّلها ارتآها لازمة لصحته، ولذا فلا محل للنعي عليها بالتجهيل بالمدعى به. ولا ينال من سلامة الصحيفة من هذه الناحية عدم تضمنها ذينك البيانين؛ إذ غيابهما لا ينقص من سمة الوضوح التي طبعت موضوعها، وحسبهما، أنهما تفصيلان إضافيان لا موجب في القانون لذكرهما، فلا ينبغي بالتالي لتخلفهما أن يضرها.

أما عن النعي الثاني علي الصحيفة والمقول فيه بخلوها من بيان موطن المدعي المختار، فهو الآخر مردود لأنه ناشئ عن فهم خاطئ لنص المادة 94 من قانون المرافعات. فما الموطن المختار مما يستلزم القانون إيراده من بيانات في الأوراق المراد إعلانها. وما الإشارة إليه بعبارة موطن وكيل الخصم في المادة المذكورة إلا لبيان صلاحية هذا الموطن أيضاً لإعلان الأوراق اللازمة لسير الدعوى فيه، وذلك في الحالات التي لا يوجب فيها القانون الإعلانَ الشخصي.

وأما عن النعي بالتجهيل بالمدعى عليهم، فعرضُه ردُّه. ومع ذلك تؤكد المحكمة على أن إيراد أسماء المدعى عليهم وألقابهم ومهنهم ومواطن إقاماتهم في صحيفة افتتاح الدعوى كاف في ذاته للتعريف بهم. وحيث إن الصحيفة تضمنت كل ذلك؛ فلا وجه للتحدي بهذا النعي.

وحيث إن المحكمة بعدما تحققت من سلامة صحيفة افتتاح الدعوى مما نُعي عليها به، تحكم بعدم قبول الدعوى لعدم قيام شرط المصلحة المشروعة لدي المدعي في إقامتها. ذلك أن المادة الرابعة من قانون المرافعات تقرر أنه: "لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون." ولهذا كان على المدعي لقبول دعواه إثبات أنه صاحب مصلحة مشروعة من رفعها ومن حصوله على حكم بالمطلوب فيها وهو إبطال عقد القسمة. وحيث إنه ليعد كذلك، لا يكفيه أن يبين أن العقد معيب قانوناً، بل يتعين عليه أن يبين أن له مصلحة مشروعة من إبطاله بسبب هذا العيب، بحيث إن من شأن هذا الإبطال أن يعود عليه بمنفعة حقيقة يبيحها القانون. أما وهو لم يفعل، فإنه يكون قد أخفق في إثبات المصلحة المشروعة من رفعه الدعوى.

ولا يجير المدعي من هذا الحكم مناعيه على عقد القسمة موضوع الدعوى لعدم انطواء أي منها على مصلحة مشروعة له. فنعيه ببطلان العقد لتمامه من دون فريضة شرعية تحدد نصيب كل وارث فهو في غير محله. فمن جهة، لا يجعل هذا، حتى على فرض صحته، عقد القسمة باطلاً وقد حصل بتراضي أطرافه؛ إذ ليس في القانون ما يمنع الورثة من قسمة تركة مورثهم من دون اللجوء إلى القضاء. ومن جهة ثانية، لا يدعي المدعي مخالفة القسمة للأنصباء المقررة شرعاً، ولا أن غبناً لحق به منها من قبيل ما يخوله الحق في طلب نقضها استناداً إلى نص المادة 849 من القانون المدني. ولذا، فلا يظهر أن له مصلحة مشروعة من إبطال العقد من هذه الواسطة.

أما ما ينعاه على العقد من عدم شموله كل التركة، فلا يسعفه هو الآخر في إثبات مصلحته من رفع الدعوى. إذ هو مردود من حيث جواز هذا قانوناً، ومن حيث عدم مساسه بحق المدعي فيما لم يدخل في القسمة إن كان له وجه، وذلك استناداً إلى نص المادة 914 من القانون المدني.

وأما نعيه بعدم شمول القسمة كل الورثة الشرعيين، فمردود أيضاً في مقام إثبات المصلحة، وذلك لعدم صحته. فالثابت أن موضوع القسمة هو تركة ... أو جزء منها، وهذا، وفقاً للفريضتين المقدمتين من المدعي نفسه، لم يخلِّف غير من وردوا في العقد (ثلاثة أبناء وبنتين وزوجة)؛

وأما عن النعي بعدم تضمن القسمة أسماءَ الورثة جميعاً واكتفائها بنسب بعضهم، فهو الآخر لا يفيد في إثبات المصلحة من رفع الدعوى. فعلاوة على أن عقد القسمة ليس عقداً شكلياً يستلزم هذا البيان، فإن المدعي، بالرغم من هذا، لا يثبت أن في هذا الشكل مصلحة مشروعة له. فلا يخبر من جهته كيف أن إيراد الأسماء كان ليحقق له فائدة حتى يصح القول بتضرره من عدمِه، ومن ثم تسويغ وجهِ الضررِ رفعَه الدعوى. كما لا ترى المحكمة ذاتُها أن له أي فائدة ظاهرة من وراء ذلك البيان.

وحيث إنه عن النعي بأن القسمة حصلت بصفة المدعى عليه الأول وكيلاً عن الأم التي توفيت قبل إبرام العقد، فهو كذلك لا ينطوي على مصلحة مشروعة من طلب إبطال القسمة. ذلك أن صاحب المصلحة المشروعة في هذه الحالة هو خلف تلك الأم أو وكيله لا غيرهما. ولا يدعي المدعي أنه أحدهم، ولا يجيز له القانون الادعاء دفاعاً عن حق غيره من دون رضاه. أضف إليه أن المدعي لا يبيِّن كيف أن حضور الخلف نفسه القسمةَ كان ليغيرها لصالحه حتى تقر المحكمة أن له مصلحة مشروعة من دعواه.

لما كان ذلك، فإن المحكمة تنتهي إلى أن رفع المدعي للدعوى الماثلة لم يتأسس على مصلحة قائمة يقرها القانون، ومن ثم، فلا يحل قبولها. وللأسباب ذاتها، تنفي المحكمة عن رافع الدعوى المصلحةَ المحتملة أيضاً لعدم تحقق شروطها الواردة في عجز المادة الرابعة من قانون المرافعات.

وحيث إن المحكمة انتهت إلى هذا، فإنها تقف عنده فلا تواصل فحص الدعوى في نواحيها المتبقية وفيما أثير ضدها من دفوع.

وحيث إنه عن المصاريف، فإن المحكمة تلزم المدعي بها لكونه المحكوم عليه، وذلك وفقاً للمادتين 281 و282 من قانون المرافعات.

لهذه الأسباب

حكمت المحكمة حضورياً، بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي مصلحة مشروعة، وبإلزام رافعها بالمصاريف. [انتهى منطوق الحكم]

 

الكاتب                                                                    القاضي

 

أُودعت الأسباب في: 23-5-2018