الشهادة الدالة على حالة العقار: مدى شمولها بتعليق المجلس الانتقالي لبعض أعمال مصلحة التسجيل العقاري

:

ورقة مقدمة إلى الورشة المنظمة من مصلحة التسجيل العقاري والمنعقدة يومي 25 و26-2-2019، تحت عنوان: الشهادة الدالة على حالة العقار بين الشكل والمضمون ومدى حجيتها القانونية أمام القضاء

إعداد: د. عيـاد علي دربال، القاضي بمحكمة الزاوية الابتدائية  23-2-2019

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه،

لماذا هذه الورقة؟

أصدر المجلس الوطني الانتقالي قراره 102 لسنة 2011 بشأن إعادة تنظيم وتحديد ضوابط العمل بمصلحة التسجيل العقاري وأملاك الدولة، معلقاً بعض أعمال المصلحة المتعلقة بحق الملكية، وذلك خلال الفترة الانتقالية التي ما انفكت البلاد تشهدها بسبب التغييرات السياسية. أثار نص المادة الثالثة من القرار خلافاً بشأن مدى شمول الشهادة العقارية الدالة على حالة العقار (يشار إليها بعدُ بشهادة حالة العقار أو بالشهادة) بالتعليق. تجد هذه الشهادة أهميتها في اشتراط القانون لها لقبول بعض الدعاوى أمام القضاء، وفي هذا، بالدرجة الأولى، تكمن ضرورة الوصول إلى فهم سليم للنص.

ويفرض الخلاف في فهم النص مسائل عديدة متفرعة عن هذه المسألة الأم. لعل أهمها: إذا كان القرار يشمل بتعليقه الشهادة، فهل يعني أن المشرع أسقط اشتراطها في قبول الدعاوى المذكورة؟  ألا تنعدم الحكمة من اشتراطها أساساً بمجرد تعليق أعمال تحقيق الملكية بالمصلحة؟ ماذا لو تحقق القاضي بنفسه من حالة العقار في السجلات العقارية، أو انتدب أحداً لذلك؟

سأحاول الإجابة على ذلك ضمن جملة من المحاور ستنتهي بي إلى الرأي بعدم استغراق الشهادة بالأعمال المعلقة، وبعدم جدارة سواها بقيمتها القانونية في مقام قبول الدعاوى القضائية. وإذ انتهيت إلى هذا وغيره، من المهم الإشارة إلى أن حداثة اتصالي بموضوع الورشة ومحاورها حتم كتابتي الورقة على عجل، واضطرني إلى الاكتفاء بخبرتي القصيرة في مجال القضاء المدني وما أعلمه من مبادئ عامة تحكم قراءة نصوص القانون وفهمها مستنداً أساسياً في ما أقول. وما التوفيق إلا بالله تعالى.

:

الفرع الأول: أهمية شهادة حالة العقار

تنبع أهمية هذه الشهادة من اشتراط المشرع تقديمها إلى القضاء لقبوله نظر دعاوى استحقاق وتثبيت الحقوق العينية العقارية. وَضَعَ هذا الشرط بداءة في نص المادة 79 من قانون المرافعات، والذي يقضي بأنه: "لا يجوز رفع أي دعوى أمام القضاء العادي للمطالبة باستحقاق أو تثبيت ملكية عقار أو أية حقوق عقارية أخرى ما لم تقدم معها شهادة من المكتب المختص في دائرة الأملاك بأن العقار موضوع النزاع ليس محلا لإجراءات تحقيق الملكية...." ثم كرر الشرط من بعدُ في قوانين مصلحة التسجيل العقاري المتعاقبة انتهاءً بالقانون 17 لسنة 2010 بشأن التسجيل العقاري وأملاك الدولة.[1] نصت المادة التاسعة من هذا القانون على أنه: "لا يجوز رفع أي دعوى أمام القضاء بشأن استحقاق، أو تثبيت ملكية عقار، أو أي حقوق عقارية أخرى، ما لم تقدم معها شهادة من الإدارة أو مكتب التسجيل العقاري المختص دالة على حالة العقار في السجلات العقارية، وتبين اللائحة التنفيذية نوع الشهادة وكيفية إصدارها."

وهكذا، يجب لقبول كل ما يندرج تحت طائفة الدعاوى العينية العقارية من دعاوى تتعلق بإثبات الحق أو استحقاقه (يشار إليها بعدُ بالدعوى)، تقديمُ شهادة عقارية دالة على حالة العقار وقت رفع الدعوى. فإذا لم يحقق المدعي هذا الشرط، وجب على القاضي الحكم بعدم قبول دعواه، وامتنع عليه نظر موضوعها.

الفرع الثاني: ماهية شهادة حالة العقار

أولاً: مضمون الشهادة الفاعلة في الدعوى

وفقاً للمادة 79 من قانون المرافعات، يكفي في الشهادة لتحقيقها شرط قبول الدعوى تضمنها إفادة "بأن العقار موضوع النزاع ليس محلاً لإجراءات تحقيق الملكية."  أما المادة التاسعة من القانون 17 لسنة 2010، فقد جاءت بحكم يلوح بادئ الرأي مختلفاً. فهي لا تشترط أن يكون مضمون الشهادة كذاك المحدد في المادة 79، بل تكتفي ببيان حالة العقار في السجلات العقارية على أحد الأنحاء المبينة في اللائحة التنفيذية للقانون (يشار إليها بعدُ باللائحة). ويأتي بيان اللائحة لذلك في المادة 35 بالنص على أن:

"تحرر الشهادات الدالة على حالة العقار في السجلات العقارية وفقاً للبيانات المدونة في ملفات تحقيق الملكية. ولا تعطى شهادات تملك عقارية أو انتفاع من واقع ملفات الإيداع الوقتية التي لم تتخذ بشأنها إجراءات تحقيق الملكية.

وتكون الشهادات العقارية الدالة على حالة العقار المشار إليها في المادة التاسعة من القانون على النحو التالي:

فالظاهر هو أن ما يشترطه النص لسلامة فحوى الشهادة كشرط لقبول الدعوى أمام القضاء ليس أكثر من وصف للعقار موضوعها بإحدى حالات ثلاث: ليس محلاً لإجراءات التحقيق؛ حُققت الملكية وانتهت الإجراءات ولا إجراءات جارية؛ جار تحقيق الملكية.

ولأن مسألة التوفيق بين هذا الحكم وذاك المقرر بالمادة 79 بعيدة عن صلب موضوعنا، أكتفي بالإشارة إلى أن القراءة المتقاطعة للنصين، واستحضار حكمة المشرع من تقديم الشهادة، والتي سيأتي نبؤها بعد حين، يفرضان القول بأن لا قيمة للشهادة في الدعوى إلا إذا جاءت نافية كون العقار محلاً لإجراءات تحقيق الملكية وقت رفعها.

ثانياً: شكل الشهادة

نصت المادة 70 من اللائحة على أن تستعمل فروع وإدارات ومكاتب التسجيل العقاري وأملاك الدولة نماذج مرفقة باللائحة. وحددت النموذج (47) قالباً لصب شهادة حالة العقار فيه. يثير هذا مسألة مدى تأثير مخالفة هذا الشكل على قيمة الشهادة أمام القضاء. وهي مسألة تحكمها قواعد معقدة لا يتسع المجال لتفصيلها، وحسبنا فيه إجمالٌ على النحو التالي:

الشكليات التي يقررها المشرع لأعمال السلطة نوعان: جوهرية، وغير جوهرية. مخالفة الشكل الجوهري هي وحدها ما تودي بالوجود القانوني للعمل. ويكون الشكل جوهرياً إذا نص القانون على أنه كذلك وقرر البطلان جزاءً لمخالفته، أو إذا ترتب على مخالفته تأثير في موضوع العمل، أو إذا سبَّب غيابه انتقاصاً من ضمانات الأفراد.

باختبار طبيعة اشتراط صدور الشهادة على النموذج المذكور في ضوء هذه القاعدة، يضح أن هذا الشكل ليس بالجوهري. فمن جهة، لم تشترط المادة 79 من قانون المرافعات للشهادة شكلاً معيناً، مكتفية بإثباتها حالةَ انعدام إجراءات تحقيق الملكية. ومن جهة ثانية، لم يقرر قانون التسجيل العقاري ولا اللائحة بطلان الأوراق التي تخالف النماذج المحددة. ومن جهة أخرى، لا تأثير للنموذج المعد للشهادة على موضوعها وفحواها. ثم إنه لا يتصور أن في تمظهر الفحوى في غير هذا النموذج إهداراً لحق صاحب الشأن. فهذا لا يعنيه هنا أكثرُ من إثبات حالة العقار في السجلات العقارية ليحقق شرط قبول دعواه أمام القضاء. وفي هذا يجزئه مجرد إثبات الحالة بصرف النظر عن القالب الذي يصب فيه.

نخلص من ذلك إلى أن هذا الشكل ثانويٌ، وبالتالي لا يترتب على مخالفته مساس بالوجود القانوني للشهادة ولا بحجيتها أمام القضاء، ليقتصر الفيصل في مدى الحجية والكفاية على فحواها المعلِن عن حالة العقار.

ثالثاً: الطبيعة القانونية للشهادة

في إدارتها لمرفق التسجيل العقاري، تمارس المصلحة أعمالاً قانونية وأخرى مادية. يُقصد بالأعمال القانونية التصرفات التي ترتب مراكز قانونية كالقرارات الإدارية والعقود. أما ما عدا ذلك، فيدخل ضمن طائفة الأعمال المادية. ولقصور ما يصدر عنها من شهادات إدارية عن التأثير على المراكز القانونية للأفراد، فإنها تعد من قبيل الأعمال المادية.[2]

ليحرر المختص شهادة حالة العقار، يكتفي بالاطلاع على البيانات المدونة في ملفات تحقيق الملكية للوقوف على حالته الراهنة ضمن الحالات الثلاث المحددة بالمادة 35 من اللائحة، ومن بعد يثبتها بالشهادة. على هذا النحو، ليس في هذا العمل أي تأثير على المراكز القانونية القائمة للأفراد. فلا هو بالمنشئ لمركز قانوني، ولا بالمعدل له، ولا بالمنهي. إذ أنه ليس أكثر من عمل إداري مادي تخبر فيه المصلحة عن حالة عقار في السجلات العقارية، ولا ينطوي بأي حال على اتجاهٍ لإرادتها إلى إحداث أثر قانوني. ومن ثم، فإن تجسده في الشهادة يجعلها مجرد إفادة إدارية بحالة قائمة لا تمنح حقاً ولا تمنعه.

الفرع الثالث: الاختصاص بإصدار الشهادة

من المعلوم في القانون أن توزيع الاختصاص بين سلطات الدولة موكول للمشرع وحده، وأن القراءة العامة لقواعد الاختصاص النوعي تكشف عن مراعاة المشرع في هذا التوزيعِ الصالحَ العام الذي يفرض تقسيم العمل حتى يتفرغ كلُّ موظف وكلُّ هيئة لما أنيط به؛ إذ هذا يساعد على أداء المهام على أحسن وجه. وعليه، لا تختص أي جهة بعملٍ إلا إذا أعطاها المشرع سلطة ممارسته. ولهذا كانت القواعد التشريعية في الاختصاص قواعد متعلقة بالنظام العام، فلا يجوز الاتفاق على خلافها، ولا تشفع حالة الاستعجال لمخالفتها.[3]

ويترتب على مخالفة تلك القواعد أن يولد عمل غير المختص معيباً بعيب عدم الاختصاص. وتبلغ هذه المخالفة مداها في حالة اغتصاب السلطة التي من صورها مصادرة هيئة عملَ هيئة أخرى لا رابطة تبعية بينهما. ومن أهم نتائج هذا الاغتصاب، انحدار عمل المغتصب إلى العدم، بحيث لا يعد أكثر من عمل مادي عديم الأثر القانوني.[4]

في بيانه لشهادة حالة العقار، جاء تحديد المشرع للمختص بإصدارها صريحاً. فهو في المادة 79 من قانون المرافعات "المكتبُ المختص في دائرة الأملاك العامة". وهو "الإدارة أو مكتب التسجيل العقاري المختص" في المادة التاسعة من القانون 17 لسنة 2010. وبهذا فإن الاختصاص بالإصدار ينعقد لجهتين اثنتين لا أكثر: إدارة مصلحة التسجيل العقاري؛ ومكتب التسجيل العقاري بالمصلحة. وهو اختصاص مانع لا تشاركهما فيه أي هيئة أخرى.

وإذا كان الحال كذلك، فإن القواعد العامة في الاختصاصين الولائي والنوعي تستوجب لسلامة شهادة حالة العقار إصدارَها من إحدى تينك الجهتين. فإذا ما صدرت من غيرهما، كانت باطلة فغيرَ منتجة في مقام الشرط اللازم لقبول الدعوى، بل واستحالت والعدم سواء. ولا يغير من هذا في شيء صدور فحواها عن القاضي نفسه، أو عمن ينتدبه من الخبراء القضائيين لذلك، بعد التحقق من حالة العقار في السجلات العقارية؛ لما يشكله هذا من اغتصاب للسلطة بسبب مخالفته الجسيمة لقواعد الاختصاص التي هي من المتعلقات بالنظام العام.

الفرع الرابع: علة اشتراط الشهادة

يشارك القضاءَ في اختصاصه باستحقاق الملكية العقارية وتثبيت حقها مصلحةُ التسجيل العقاري تحت مسمى تحقيق الملكية. فكقاعدة عامة، لذي المصلحة الخيار بين اللجوء إلى هذه الجهة أو تلك. وإذا صعّدنا بنظرنا إلى حقيقة أن هذا الاشتراك قد يفضي إلى تزامن نظر الدعوى القضائية للمطالبة باستحقاق أو تثبيت حق ملكية مع إجراءات مصلحة التسجيل العقاري بتحقيق الحق نفسه، وأنه قد يكون لكلٍّ وجهتُه، ما يفضي إلى تضارب بين الحكم القضائي وقرار المصلحة، إذا ما صعدنا بنظرنا إلى ذلك، أدركنا أهمية وضع المشرع ضمانة إجرائية تحول دون حصول ذلك الازدواج. ولهذا كان اشتراطه شهادةَ حالة العقار لقبول الدعوى المتعلقة به.

فهذه المادة 79 تقضي بوجوب تقديم شهادة من المكتب المختص بأن العقار موضوع الدعوى ليس محلاً لإجراءات تحقيق الملكية، وبأن إقامة الدعوى تغلُّ يد مصلحة التسجيل العقاري عن اتخاذ أي إجراء بشأن طلبات تحقيق الملكية المتعلقة بالعقار نفسه إلى أن يصدر حكم نهائي فيها. وهذه المادة التاسعة من قانون التسجيل العقاري تشترط لقبول الدعوى أن تقدم معها شهادة من الإدارة أو المكتب المختص دالة على حالة العقار في السجلات العقارية. كما تنص المادة العاشرة من القانون نفسه على منع إدارات ومكاتب التسجيل العقاري من إجراءات طلبات تحقيق ملكية عقار رفعت بشأنه الدعوى إلى حين انتهائها.

وقد استظهرت المحكمة العليا العلة ذاتها في جملة من أحكامها. ففي الطعن المدني 15/14ق، تقول: "إن الحكمة التي توخاها المشرع من وجوب تقديم شهادة عقارية في دعاوى المطالبة باستحقاق أو تثبيت ملكية عقارية ... هو تلافي التضارب المحتمل وقوعه بشأن عقار معين بين ما تتخذه مصلحة التسجيل العقاري من إجراءات تحقيق الملكية المتعلقة بالعقار موضوع الدعوى وبين ما يصدر بشأنه من أحكام قضائية." وفي طعن آخر تقول: إن "قصد المشرع من وجوب تقديم شهادة عقارية في دعاوى استحقاق أو تثبيت ملكية عقار ...، هو منع ازدواج الدعاوى وطلبات تحقيق الملكية أمام السلطة القضائية من ناحية، وإدارة التسجيل العقاري من ناحية أخرى. لأن الإدارة المذكورة تختص بتحقيق ملكية العقارات وتصدر بشأنها سندات ملكية مؤقتة أو قطعية، وكذلك تفادي صدور أحكام قد تتعارض مع قرارات إدارة التسجيل العقاري."[5]

وعلى ذلك، فإن الذي يبدو مما تقرر من ارتباط بين العلة والمعلول، يحمل على الانتهاء إلى أن شهادة حالة العقار لا تكون شرطاً لقبول دعاوى استحقاق الملكية أو تثبيتها إلا في الحالات التي يكون فيها التضارب بين الحكم القضائي وقرار مصلحة التسجيل العقاري ممكناً. يلزم عن هذا أنه إذا كان ازدواج الدعاوى وطلبات تحقيق الملكية، ومن ثم احتمال التضارب في القرارات، غير متصور، كما في حالة إكمال إدارة التسجيل العقاري إجراءات تحقيق الملكية وبلوغها حد منح شهادة عقارية قطعية بالملكية لمن ارتأته المالك، فلا محل لاشتراط الشهادة لقبول الدعوى.

لكن قضاء المحكمة العليا والنصوص القانونية ذات العلاقة لا يحافظان على التلازم بين ما ظهر من علة من جهة، والمعلول من جهة ثانية. فقد استقر قضاء المحكمة العليا، كما يبين من جملة من أحكامها،[6] على أنه يجب تقديم الشهادة سواء كان العقار مسجلاً أو غير مسجل، تأسيساً على أن القانون نص على اشتراطها دون أن يفرق بين العقارات المسجلة وغير المسجلة. كذلك فإن النصوص القانونية صريحة في استلزام الشهادة المذكورة في حالة العقارات جميعها. ولعل المادة 35(ب) من اللائحة أوضحها؛ إذ تقضي بأن الشهادة المشترطة في المادة التاسعة من القانون تشمل أيضاً العقار الذي حُققت ملكيته وانتهت الإجراءات بشأنه، وتُقرر أنه في هذه الحالة، تعطى "شهادة بأنه قد حققت ملكيته وهو الآن ليس محلاً لإجراءات تحقيق الملكية." ولذا، فلا محل للاجتهاد مع صراحة النصوص.

والحكم نفسه ينطبق على حالة التعليق التي سيلي بيانها، والمفروضة على المصلحة في شأن إجراءات تحقيق الملكية. فعلى الرغم من أن هذا التعليق يضمن غياب العلة الظاهرة من اشتراط الشهادة لقبول الدعوى؛ إذ لن يكون هناك مجال للازدواج، فضلاً عن التضارب، والحال أن إجراءات تحقيق الملكية بمعرفة المصلحة ممنوعة أصلاً، على الرغم من هذا، إلا أننا نظل، وكما قررت المحكمة العليا، محكومين بصراحة النص المستوجب للشهادة صراحةً لا مجال لتأويلها أو حملها على غير معناها بالغ الوضوح.

الفرع الخامس: الشهادة في ظل المادة الثالثة من قرار المجلس الوطني الانتقالي 102 لسنة 2011

كان ما تقدم في مجمله تمهيداً للمسألة الرئيسية المتمثلة في مدلول نص المادة الثالثة من قرار المجلس الوطني الانتقالي ومدى دخول شهادة حالة العقار في تعليقه. في هذا الجزء الأخير من الورقة، يتناول كاتبها ذلك بطرح النص مثار التخالف ومذاهب فهمه، ليلحقه بتفسيره له وبيان مستنبَطه منه.

أولاً: المادة الثالثة ومذاهب تطبيقها

  1. المادة الثالثة

تنص المادة الثالثة من قرار المجلس الوطني الانتقالي 102 لسنة 2011 بشأن إعادة تنظيم وتحديد ضوابط العمل بمصلحة التسجيل العقاري وأملاك الدولة على أن:

"تعلَّق جميع التصرفات الناقلة للملكية بالمصلحة، ويقتصر دورها خلال المرحلة الانتقالية على العمل الإداري فقط دون إجراءات نقل وتوثيق وتحقيق الملكية وعدم قبول طلبات التسجيل، مع العمل على حفظ وصيانة الملفات العقارية الموجودة في جميع إدارات وفروع التسجيل العقاري."

وحسناً فعل المجلس بتقريره هذا الحكم. فلا يخفى على ناظر بعين الواقع عِظم مساهمة هذا التعليق في الحد من العبث بأملاك البلاد والعباد في ظل بيئة مناسبة صنعها ما تشهده الدولة من ضعف بيّن في سلطاتها بسبب التغييرات السياسية. فبهذا القرار، انقطع السبيل أمام محاولات المساس بأقدس حق مالي، وحيل دون انغماره في فوضى، ومُنع اتساع الباب أمام خصومات قضائية مبتدعة كانت لتثقل كاهل القضاء وتصرف قدراً عظيماً من جهده عن الفصل في حقوق لا تحتمل العدالة تعطيلها إلى حين.

وإذا كان خير القرار في ذلك ظاهراً، إلا أن الثناء لا يحمل بتاتاً استخفافاً بمصالح المتضررين من تعليق الأعمال المذكورة، وذلك لسببين: الواحد، أن فقه الأولويات يفرض تقديم دفع المفسدة، وهي هنا عظيمة، على جلب المصلحة؛ الثاني، أن تعليق تلك الأعمال إلى أجل لا يحول دون ضمان أصحاب الحقوق أصولَ حقوقهم أمام القضاء؛ فهو صاحب الاختصاص الأصيل بالفصل في مسائل الملكية.

  1. مذاهب تطبيق نص المادة الثالثة

لمس الكاتب خلال عمله كقاض أن مجادلات أطراف الخصومات التي يشترط القانون لقبولها تقديم شهادة حالة العقار موضوع الخصومة تجمل في اثنتين: الأولى، أن المادة الثالثة أسقطت هذا الشرط، فلم يعد لازماً لقبول الدعوى؛ الثانية، أن مصلحة التسجيل العقاري ممنوعة قانوناً من إصدارها. كما لاحظ أن للقضاة في موقفهم من النص مذهبين رئيسيين: فمنهم من تمسك بالحكم العام في توقف قبول الدعوى على تقديمها، فسلك سبيلاً من اثنين: إما، ككاتب الورقة، لم ير في النص تعليقاً لإصدار الشهادة، فحكم بعدم قبول الدعوى ومن دون أن يضطر لبحث مسألة التوفيق بين إيجاب القانون لها وتعليقها المقول به؛ أو تجاوز قواعد الاختصاص فانتدب خبيراً للاطلاع على حالة العقار في السجلات العقارية. ومن القضاة من رأي شمول الشهادة بالتعليق فاتخذ واحداً من موقفين: فمنهم من استتبع بحكم اللزوم الحتمي تعليقَ نظر الدعاوى المشترطة لها؛ ومنهم من قرر سقوط اشتراطها.

وإذا كان الحال كذلك، فإن حسم الخلاف يحتاج أولاً تقرير مدى شمول الشهادة بالتعليق، فإذا كانت، صير إلى فحص مسألة إسقاط قرار المجلس اشتراطَ القانون لها وما يتطلبه هذا من تحديد لطبيعة القرار ووضعه في موضعه في التدرج الهرمي لمصادر مبدأ المشروعية في البلاد. لكن الكاتب لا يرى ضرورة تلزه إلى وغول هذا. ذلك أن موضوع المادة الثالثة من هذا القرار، وهي مثار البحث والنقاش، منقطع الصلة بالشرط المذكور. وفي التالي البيان.

ثانياً: تفسير نص المادة الثالثة

يقصد بتفسير النص تحديد معناه واستنباط الحكم القانوني الذي يتضمنه، وذلك من أجل تطبيقه تطبيقاً سليماً. وفي العموم، فإن النص ذا العبارات الصريحة في الإنباء عن المقصود، البالغة من الوضوح حداً لا يبعث على الانحراف عنها، لا يحتاج تفسيراً،[7] ولا يجوز تأويله إلى غير مدلول ألفاظه ظاهرة البيان. فمناط التفسير هو إيضاحُ ما قد يعتري النص من غموض، أو تكملتُه، أو إزالةُ تعارضه مع غيره، أو استنباط حكم لحالة لا يشملها بعباراته، حتى يمكن تطبيقه على نحو عادل.

يبدو نص المادة الثالثة للكاتب مبِيناً واضح الدلالة على المقصود، فلا يحتاج تفسيراً. فلا غموض في ألفاظه، ولا باعث فيها على تحميله مدلولاً غيرَ ذاك الذي تنبئ عنه. لكن ما حصل في الواقع العملي من تخالف شديد في فهمه، وتعلقَ التخالف بمسألة جوهرية تتصل بالحقوق القضائية للأفراد، جعل الاجتهاد في فهم النص ورفع اللبس أمراً تفرضه اعتبارات العدالة والتطبيق السليم للقانون.

ولهذا، فإني أجتهد في ذلك، سائلاً الله تعالى التوفيق والسداد، مذكراً بكُمون الحَيرة التي أثارها النص في ما إذا كان التعليق يشمل إصدار شهادة حالة العقار. وعليه، فهذا ما سيكون محور التفسير. وفي سبيل ذلك، أستعملُ طريقين: طريقاً داخلياً وآخر خارجياً. وإذ أستعمل لفظ "التفسير" في هذا السياق، فإني، تجاوزاً لتعريفه الاصطلاحي المتقدم، استعمله كمرادف للفظ "الفهم".

  1. الطريق الداخلي لتفسير النص (التفسير اللغوي)

 وفي هذا أعتمد على تحديد مدلول النص من ألفاظه وعباراته التي صيغ فيها.

يتعلق الشطر الأول من النص بالتصرفات الناقلة للملكية بالمصلحة. ولأن الشطر الثاني منه يتناول إجراءات نقل الملكية، فإن المقصود بالتصرفات هنا ينصرف إلى تلك التي تبرمها المصلحة مع الغير، والتي يكون محلها نقلاً للملكية، لا التصرفات المبرمة بين آخرين. فهذه الأخيرة مستغرقة بالشطر الثاني.

ولا شك في أن وضوح تعلق هذا الشطر بالتصرفات الناقلة للملكية وحدها يرفض بشدة القول بوقوع شهادة حالة العقار محلاً للتعليق في هذا الجزء من النص. إذ من الغني عن البيان، أنها ليست من التصرفات الناقلة للملكية.

وفي شطره الثاني، يقول النص بعبارات أخرى: ولا يحل للمصلحة خلال الفترة الانتقالية التي تمر بها الدولة أن تمارس من أعمالها غير ما هو إداري. على أنه لا يجوز لها مباشرة الأعمال المتعلقة بنقل الملكية وتوثيقها وتحقيقها، ولا مجردُ قبول طلبات التسجيل.

والذي يبدو من صياغة هذا الشطر أن المشرع ميز العمل الإداري عن الأعمال المتعلقة بالنقل والتوثيق والتحقيق، أو أنه اعتبرها كذلك ولكنه استثناها من الأعمال الإدارية المباحة أثناء الفترة الانتقالية. وفي الحالتين، ما هذا بالأمر الجوهري في معرض الإجابة عن المسألة الأم. فالنص هنا صريح في بيان الأعمال الممنوعة والتي حددها في أربعة أصناف: إعمال نقل الملكية؛ أعمال توثيق الملكية؛ أعمال تحقيق الملكية؛ قبول طلبات التسجيل. وهذا البيان الحصري يفرض تعليق سلامة القول بشمول الشهادة بالتعليق على مكنة إدراجها تحت واحد من هذه الأصناف. فإذا صح وصف إصدارها بأنه من أعمال نقل الملكية، أو توثيقها، أو تحقيقها، أو من قبيل قبول طلبات التسجيل، استقام القول بتعليقها، وإلا فلا.

فأما أعمال نقل الملكية، فتتعلق باختصاص المصلحة المقرر في الفصل الرابع من قانون التسجيل العقاري في مادتيه: 48 و49 والمتعلقتين بتسجيل ما يجريه ذوو الشأن من تصرفات ناقلة للملكية. فلا يجوز لها تسجيل عقود البيع والهبة والقسمة والمقايضة وغيرها من العقود التي يكون محلها نقل ملكية عقار من واحد إلى آخر. ويدخل في هذا المنع أيضاً تسجيلُ الأحكام القضائية الصادرة بصحة تلك العقود. فكما هو معلوم، فإن مجرد التعاقد على نقل ملكية عقار لا ينقلها إلى المتصرَّف له إلا بتسجيل العقد أو الحكم الصادر بصحته بالسجل العقاري.[8] وتبقى الملكية على ذمة المتصرِّف إلى حين تسجيل العقد أو الحكم. وعليه، فإن المقصود بإجراءات نقل الملكية في النص هو تسجيل العقود الناقلة للملكية، والأحكام القضائية المقررة صحتَها. ولا شبه في أن إصدار شهادة بحالة عقار ليس من قبيل هذه الأعمال.

أما أعمال توثيق الملكية، فيقصد بها ما تختص به المصلحة بموجب الفصل الخامس من قانون التسجيل العقاري من أعمال توثيق المحررات التي يقدمها ذوو الشأن. فكل ما تعلق منها بحق الملكية يقع تحت طائفة الأعمال المعلقة بالقرار. ولا ريب في التغاير الشديد بين إصدار شهادة حالة العقار وهذه الأعمال.

وأما أعمال تحقيق الملكية، فهي تلك المنصوص عليها في الفصل الثاني من القانون. وتتعلق بإجراءات التحقق من ثبوت ملكية ذوي الشأن للعقارات التي يتقدمون بطلبات بتحقيق ملكيتها. فكما تقدم بيانه، لهم الخيار بين اللجوء إلى القضاء أو إلى المصلحة طلباً لتثبيت حقهم في ملكية عقار، ليتم الفصل في ذلك وفقاً لما يقدمونه من أدلة على الحق. ومن الجلي أن إصدار شهادة إدارية بحالة عقار لا يرتبط بهذه الأعمال. ولا يقدح في هذا من أي وجه إيرادُ المشرع شرط الشهادة في صدر هذا الفصل. ففحواها، كشرط لقبول الدعوى، لا يتصل إلا بحالة العقار من حيث كونه محلاً لإجراءات تحقيق الملكية أو عدمها، وإذاً فلا علاقة لهذا القبول بأعمال المصلحة الأخرى. وهذا ما جعل فصل تحقيق الملكية المكان المناسب للنص عليها.

وأما قبول طلبات التسجيل، فمن المهم، بداية، الإشارة إلى ركاكة الصياغة التي جاء فيها هذا الصنف من المعلقات. فالمقصود، حسب سياق النص، هو امتناع قبول المصلحة هذه الطلبات عطفاً على امتناع مباشرتها إجراءات النقل والتوثيق والتحقيق. وهكذا، فليستقيم المعنى، كان الصحيح حذف لفظ "عدم"، ولهذا وجب رده إلى الخطأ المادي في الصياغة، وبالتالي إهماله.

وعلى الرغم مما لمسته من استمساك إخوة من قانونيي المصلحة بهذا الجزء من النص دليلاً على شمول الشهادة بالتعليق، إلا أني لا أجد معنى للنص على هذا الضرب من المنع غيرَ التوكيد على امتناع مباشرة المصلحة إجراءات تتعلق على وجه الخصوص بحق الملكية إنشاءً، ونقلاً، وتغييراً، وزوالاً، مما لا تستوعبه التعليقات المعطوف عليها. فإذا كان النص على تعليق "إجراءات نقل الملكية" يقتضي تعليق قبول طلبات التسجيل الخاصة بهذا النقل، إلا أنه لا يتسع لإدخال طلبات تسجيل الوقائع أو التصرفات المنشئة لحق الملكية ابتداءً، أو المغيرة، أو المزيلة له، إلا بالتأويل أو من باب القياس. ولهذا ارتأى المشرع ضرورة للنص على تعليق طلبات التسجيل، فيما لم يرها للنص على طلبات التحقيق والتوثيق. فهذه الأخيرة معلقة بالضرورة بموجب تعليق إجراءات التحقيق والتوثيق ذاتها، والتي لا شك في شمولها قبول تلك الطلبات.

ومما يؤكد على أن المقصود بطلبات التسجيل هو تلك المتعلقة بتسجيل حق الملكية كأحد الحقوق العينية العقارية، ما تجري عليه نصوص اللائحة من إيرادها المستقر لهذه الطلبات في سياق هذا المعنى،[9] ومن انعدام استعمال هذا التعبير في أي سياق آخر، وهو ما يوجب حسبانه مصطلحاً ذا معنى خاص، فلا يسوغ صرفه إلى غيره.

علاوة على ذلك، فإن التركيبة اللغوية لتعبير "طلبات التسجيل"، في حد ذاتها، لا تقبل إدخال طلبات إصدار شهادة حالة عقار فيها. فشساعة الفرق بين الطلبين ظاهرة إلى الحد الذي يفرض التسليم بتغايرهما.

أمَا وقد تعذر، لغة واصطلاحاً، حسبان طلب إصدار الشهادة طلبَ تسجيل، امتنع إدخال قبوله في تعليق قبول طلبات التسجيل. ولهذا، لا يجوز لمصلحة التسجيل العقاري تعليق هذا القبول على أكثر مما تفرضه القواعد العامة من كون مقدمه صاحب مصلحة مشروعة فيما يطلب.

لما كان ذلك، وكانت أصناف أعمال المصلحة المتقدم بيانها لا تقبل، لا في لغتها ولا في تعريفها القانوني، إدراجَ إصدارِها شهادة حالة العقار ضمن ضروبها، وكان لا يمكن إضافة هذا الإصدار لا بطريق الاستنتاج بالقياس ولا من باب أولى، فإن المحاجة بعبارات نص قرار المجلس في القول بشمول الشهادة بالتعليق تبدو ناشئة عن فهمٍ للنص عاطلٍ على التدقيق، ولا تستقيم إلا بمسخه وتحميل عباراته ما لا تحتمله، وهذا لا يحل.

  1. الطريق الخارجي لتفسير النص (التفسير الغائي)

ما وضع المشرع نصاً قانونياً، إلا تقصّد من ورائه تحقيق غاية. ومعرفة هذه الغاية، فالاستهداءَ بها، يساهم إلى حد بعيد في تفسير النص وفهم مدلوله.

في هذه الفقرة، أركن إلى حكمة المشرع من وراء النص مثار الورقة. فإذا ما وقفتُ عليها، ثم وجدت أنها تتحقق بتعليق إصدار الشهادة أيضاً، خلصت إلى استساغة القول بشمولها بالتعليق بهذه الوسيلة في التفسير، وإلا فلا.

من المعلوم بالضرورة أن حق الملكية هو أقدس حقوق الإنسان المالية ومحل حرصه الأول فيها. وقد دفع هذا المشرعَ إلى إحاطته بضمانات تكفل صونه وحمايته من الاعتداء. من تلك الضمانات، أنه أناط بمصلحة التسجيل العقاري الاختصاصَ بتسجيله وتحقيقه ومنح السندات القطعية والمؤقتة بشأنه. ومن ذلك المعلوم أيضاً، أنه يلزم عن الثورات التي تسقط أنظمة الحكم القائمة قدرٌ من الفوضى. وقد يفرض الواقع على المشرع تدخلاً من أجل اتقاء الاعتداء على حق الملكية، وحفظ سنداته من العبث إلى أن تستقر الأوضاع وتقوى سلطات الدولة بما يكفي لاستردادها دورَها الضامنَ لهذا الحق.

كان هذا ما فعله المجلس الانتقالي بإصداره القرار موضوع الورقة، مضيقاً نطاق أعمال مصلحة التسجيل العقاري المتعلقة بحق الملكية أثناء الفترة الانتقالية، رامياً لقطع السبيل أمام العبث بهذا الحق. وهذا السلوك، وكما سلف القول، وإن أدى إلى تعطيل الكثير من المصالح المشروعة على سبيل التأقيت، إلا أن الضرورة هي ما أملته. على أن هذه الضرورة تظل محكومة بقاعدة أنها تقدر بقدرها، فلا يصح سريان التعليق إلا على ما هو لازم لإزالة ضرورته.

يستتبع ذلك أن أعمال المصلحة التي لا تتصل بهذا الحق، تسجيلاً، أو توثيقاً، أو تحقيقاً، وبعبارة أخرى، أعمالها التي لا تؤدي مباشرة إلى إنشاء حق ملكية، أو نقله، أو تغييره، أو إزالته، أو تسجيله، أو توثيقه، لا تدخل في مقتضيات ضرورة القرار؛ إذ لا حول لها في أن تطال حق الملكية بسوء. وحيث إن شهادة حالة العقار ليست أكثر مما وصفناها به من أنها إفادة إدارية بحالة واقعية، تماماً كشهادة عقارية بملكية راهنة، وهو ما لا يمكنها به أن تكون عاملاً في العبث بحق الملكية، ولهذا فليس بينها وبين علة النص مناسبة أصلاً، وبالتالي فلا ضرورة لتعليقها. وإذاً، لا يسوغ إدخالها في التعليق بهذه الواسطة أيضاً.

ومن ناحية أخرى، فإن بلوغ غاية المشرع من التعليق تتحقق بتعليق أعمال مصلحة التسجيل العقاري دون القضاء. بل إن تعليق أعمال هذا الأخير يفضي إلى نقيض المقصود تماماً. ولذلك، فإن انبغاء شهادة حالة العقار، وهي من ضمانات حق الملكية، لقبول دعاوى قضائية يرفض فكرة استغراقها بمعلقات القرار. ذلك أنه من شأن هذا التعليق أن يَقف بشكل غير مباشر الدعاوى القضائية بتثبيت حق الملكية أو استحقاقه. ولا يخفى ما في هذا من مصادرة لحق التقاضي، وهو عمل محظور، فضلاً عما فيه من استجلاب مفاسد انتوى الشارع دفعها. فهو يعي أن الضمانات التي قررها في العمل القضائي والصلاحيات التي منحها للقاضي تجعله أكفأ وأقدر من جهة الإدارة على الفصل في ما يعرض عليه من مسائل تتعلق بحق الملكية حتى في الظروف الاستثنائية. ولذلك اقتصر لبلوغ غايته في حماية حق الملكية على تقييد عمل مصلحة التسجيل العقاري دون القضاء. وبناء على ذلك، فإن القول بتعليق المشرع إصدار الشهادة يستتبع تعليقه عمل القضاء أيضاً، ولا يخفى ما لهذا من أثر سلبي على حق الملكية يخالف ذاك المقصود من تشريع النص في المقام الأول.

الخاتمة

فصَّلت المادة الثالثة صنوف أعمال مصلحة التسجيل العقاري المرادة بالتعليق. وقد جاء نصها طافحاً بالدلالة على أن المقصود هو أعمال نقل الملكية وتسجيلها وتوثيقها وتحقيقها فحسب. ولا يدخل في ذلك، لا لفظاً ولا معنى، منح شهادة حالة العقار. فهي أولاً مجرد إفادة إدارية بحالته في واقع سجلات المصلحة، ثم إنه ليس في وسعها القانوني أن تتسبب في ما تغيَّا المشرع الحؤول دونه أثناء الفترة الانتقالية.

كلُّ ذلك يرفض التحجج بالنص في امتناع مصلحة التسجيل العقاري عن واجبها القانوني في إصدار الشهادة لمستحقيها. ولا يشفع لها في هذا الامتناع ما يقول به البعض من صعوبات عملية تلازم الإصدار. فهذه وإن كانت خليقة بأن تعالَج بالطريقة التي تضمن الخضوع للقانون، لا يجوز البتة الاستناد إليها في مصادرة العباد حقاً قرره القانون لهم.

وإذا كان إصدار الشهادة لا يرقى إلى مصاف القرارات الإدارية المؤثرة في المراكز القانونية للأفراد، إلا أن امتناع المصلحة عنه يعد قراراً إدارياً سلبياً غير مشروع، يصلح ليكون لا محلاً لدعوى الإلغاء فحسب، بل وسبباً أيضاً لمسؤولية المصلحة عن دفع تعويضات مالية لا يسعفها في التخلص منها ما يبدو للكاتب من فهم خاطئ لقرار المجلس الانتقالي.

انتهى بحمد الله تعالى


[1]  القانونان الآخران هما: قانون التسجيل العقاري لسنة 1965، ثم القانون 12 لسنة 1988 بشأن مصلحة التسجيل العقاري الاشتراكي والتوثيق.

[2]  انظر في هذا المعنى، قضاء المحكمة العليا، طعن إداري: 7/17ق.

[3]  انظر في هذا المعنى، قضاء المحكمة العليا، طعن إداري: 1/16ق؛ 16/27ق.

[4]  انظر في هذا المعنى، د. محمد الحراري، الرقابة على أعمال الإدارة في القانون الليبي، ط3، 1999، ص 200 – 205؛ المحكمة العليا، طعن إداري: 12/27ق؛ طعن إداري: 1/16ق.

[5]  الطعن المدني: 25/18ق.

[6]  من ذلك حكماها في الطعنين المدنيين: 18/46ق؛ 21/11ق.

[7]  انظر في ذلك قضاء المحكمة العليا في الطعون المدنية: 172/21ق؛ 21/6ق؛ 359/42ق.

[8]  وذلك وفقاً لنصوص المواد: 48 من القانون 17 لسنة 2010 بشأن التسجيل العقاري وأملاك الدولة؛ 207 و938(1) من القانون المدني.

[9]  انظر المواد: 3؛ 4؛ 6؛ 13؛ 15 من اللائحة.