40 م د: مسؤولية تقصيرية مشتركة عن اشتباك مسلح (إجابة، عدم قبول لعدم الصفة)

:

وإن ثبت خطأ سلوك حرس المنشآت النفطية، وأن قذيفته هي السبب المباشر للضرر، إلا أن الذي أثارها في المقام الأول هو ابتداء الطرف المقابل بالاعتداء، ما يعد معه مشاركاً في المسؤولية عما ترتب من أضرار، فلا يكون الحرس مسؤولاً إلا عن جزء من قيمتها.

يستلزم ثبوت الضرر المادي من المدعي تحديدَ كلِّ عنصر من عناصره والتدليلَ عليه حتى يتأتى للمحكمة التحقق من مدى حقه في التعويض عن كلٍّ منها ثم تقدير المستحق جبراً للضرر. لا حجية للتقدير المكتوب الذي يعده المدعي. إذ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجالٌ أموالَ قوم ودماءهم". ثم إن ذلك لا يندرج تحت الاستثناءات التي قررها القانون المدني على هذا الأصل العام في الإثبات، كذاك المتعلق بدفاتر التجار.

إذا كان الضرر المادي محتملاً غير محقق الوقوع، بطل أن يكون سنداً للتعويض. إذا لم يقدم المدعي الدليل الكافي لصدق قوله بالكسب الفائت، وليس في الأوراق ما يبرهن على عمل مصنعه أصلاً فضلاً عن احتراق مواد موجودة فيه فعلاً ومعدة للبيع، فإنه لا يسوغ للمحكمة افتراض الضرر اعتماداً على طبيعة المصنع لانعدام التلازم بين الأمرين.

:

[التضامن في المسؤولية التقصيرية – أساس التوزيع - الضرر المادي – إثبات عناصره – صناعة المدعي الدليل لنفسه]

 

[القاعدة]

[وإن ثبت خطأ سلوك حرس المنشآت النفطية، وأن قذيفته هي السبب المباشر للضرر، إلا أن الذي أثارها في المقام الأول هو ابتداء الطرف المقابل بالاعتداء، ما يعد معه مشاركاً في المسؤولية عما ترتب من أضرار، فلا يكون الحرس مسؤولاً إلا عن جزء من قيمتها.

يستلزم ثبوت الضرر المادي من المدعي تحديدَ كلِّ عنصر من عناصره والتدليلَ عليه حتى يتأتى للمحكمة التحقق من مدى حقه في التعويض عن كلٍّ منها ثم تقدير المستحق جبراً للضرر. لا حجية للتقدير المكتوب الذي يعده المدعي. إذ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجالٌ أموالَ قوم ودماءهم". ثم إن ذلك لا يندرج تحت الاستثناءات التي قررها القانون المدني على هذا الأصل العام في الإثبات، كذاك المتعلق بدفاتر التجار.

إذا كان الضرر المادي محتملاً غير محقق الوقوع، بطل أن يكون سنداً للتعويض. إذا لم يقدم المدعي الدليل الكافي لصدق قوله بالكسب الفائت، وليس في الأوراق ما يبرهن على عمل مصنعه أصلاً فضلاً عن احتراق مواد موجودة فيه فعلاً ومعدة للبيع، فإنه لا يسوغ للمحكمة افتراض الضرر اعتماداً على طبيعة المصنع لانعدام التلازم بين الأمرين.]

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه،

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 23 شوال 1440هـ. الموافق: 26-6-2019م،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــم

الدعوى:

...-2017 مدني كلي الزاوية.

المدعي:

...، بصفته رئيس مجلس إدارة شركة ... للصناعات الكيماوية ومواد التنظيف، موطنه المختار مكتب المحامي ....

المدعى عليه:

  1. رئيس مجلس الوزراء بصفته؛
  2. وزير الدفاع بصفته؛
  3. وزير الداخلية بصفته؛
  4. رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط بصفته؛
  5. رئيس جهاز حرس المنشآت النفطية بصفته،

تنوب عنهم إدارة القضايا فرع الزاوية، الكائن بالزاوية، طريق الزهراء.

ملخص الدعوى

تلخّص الدعـوى في اختصام المدعي بصفته للمدعى عليهم بصحيفة أعلنت إلى إدارة القضايا النائب عنهم قانوناً. شرح دعواه بما جماعه أنه مالك شركة ... للصناعات الكيماوية ومواد التنظيف الواقعة ... بالقرب من "جسر المصفاة". يقيم بمقر الشركة عمال، وبه ملحقات تتثمل في مخازن وخزانات مواد كيماوية وأخرى للخلط والبيع. كما يحتوي المواد الخام المستخدمة في صناعة منتجات الشركة.

وفقاً للصحيفة، دارت اشتباكات مسلحة في منطقة مقر الشركة بين أطراف أحدها قوات تابعة إلى حرس المنشآت النفطية، وهو ما أكده تقرير الخبرة المعد تنفيذاً للأمر الولائي ... لسنة 2017. فقد تجاوزت هذه القوات مهمتها بقصفها العشوائي بأسلحة متنوعة في اتجاه مصنع الشركة، ما نجم عنه حرق وتدمير كامل للمصنع بحيث لم يعد صالحاً للعمل. وبهذا انقطع مورد رزق المدعي الوحيد. لذلك، فإن رابطة السببية بين فعل المدعى عليه الخامس والنتيجة تعد قائمة وتدل عليها المستندات المرفقة وتقرير الخبرة. وبالتالي فإن الجهات العامة تكون مسؤولة عن تعويض المدعي عما لحقه من ضرر، وذلك استناداً إلى ما قررته المحكمة العليا من مسؤولية مجلس الوزراء التضامنية بحكم اختصاصه الإشرافي على مؤسسات الدولة جميعها. فالإصابات المباشرة التي لحقت بالمدعي بصفته كانت من الناحية الشمالية، وهي جهة أفراد حرس المنشآت النفطية الذين يتبعون المدعى عليه الرابع بموجب قرار اللجنة الشعبية العامة بإنشاء جهاز حرس المنشآت النفطية 186 لسنة 2007، والقرار 177 لسنة 2011، وهو ما تتحقق معه "مسؤولية المتبوع عن التابع وفقاً لما أكدته المحكمة العليا في الطعنين المدنيين: 288/42ق و202/46ق."

يضيف المدعي بأنه أصيب بأضرار مادية وأخرى معنوية. أما المادية، فأجملها في ما لحقه من خسارة مورد رزقه وفق الثابت بتقرير الخبرة، وضياع فرصة الكسب؛ إذ لو صنع المواد وباعها، لدرت عليه أمولاً كثيرة. أما الأضرار المعنوية، فتكمن في ما أصابه من شعور بالأسى وخيبة الأمل من الجهات العامة التي لم توفر الأمن والأمان لمواطنيها ولأرزاقهم. ولذلك كله، فإنه يستند إلى المواد: 224 و225 و166 من القانون المدني في إقامة هذه الدعوى طلباً للحكم له بالتالي:

أولاً: باعتماد تقرير الخبرة الصادر عن الأمر الولائي والذي يحدد قيمة الأضرار التي لحقت المدعي بصفته؛

ثانياً: بإلزام المدعى عليهم بصفاتهم بأن يدفعوا له مليون دينار تعويضاً عن الأضرار المادية، ومثله عن الأضرار المعنوية؛

ثالثاً: بإلزام المدعى عليهم بأن يدفعوا له مبلغ "مليون ونصف دينار" تعويضاً عما فاته من كسب وما لحقه من خسارة؛

رابعاً: بإلزام المدعى عليهم بالمصاريف والأتعاب، وشمول الحكم بالنفاذ المعجل وبلا كفالة.

بدأت المحكمة نظر الدعوى في 6-12-2017. أمامها، حضر المدعي ومعه محاميه الأستاذ ...، وعن المدعى عليهم، حضر محاميهم الأستاذة ... عضو إدارة القضايا. قدم دفاع المدعي مستنداته في الدعوى فكانت: تقرير الخبرة المشار إليه؛ صورة ضوئية لعقد تأسيس شركة ... لصناعة مواد التنظيف المساهمة؛ صورة ضوئية للنظام الأساسي للشركة، تسمي مادته التاسعة عشرة المدعي مديراً عاماً للشركة. طلب الدفاع إحالة الدعوى إلى التحقيق لسماع شهادة شهود الإثبات بأن مصدر القذائف المتسببة في حريق المصنع هو حرس المنشآت النفطية.

حصر تقرير الخبرة الأضرار اللاحقة بالمصنع في احتراقٍ وتلفٍ للأعيان التالية:

  1. مخزن مساحته 128م2. قيمة الأضرار خمسة وعشرون ألف دينار؛
  2. مخزن مساحته 40م2 يحوي مواد تضررت كلياً. قيمة الأضرار اثنا عشر ألف دينار؛
  3. حاوية تحوي مواد مهمة تلفت كلياً. قيمة الأضرار خمسة آلاف دينار؛
  4. مكيف هواء المخزن. قيمة الأضرار ألف وأربعمئة دينار؛
  5. أضرار بمبنى العمال قيمتها سبعة آلاف دينار؛
  6. مخزن خرساني ومباني متضررة بشكل بليغ، وتحتاج ثمانية آلاف دينار لإصلاحها؛
  7. تضرر واجهة مبنى للعمال التي مساحتها 54م2، وتلف مكيف الهواء فيها. قيمة الأضرار سبعة آلاف وستمئة وثمانون ديناراً؛
  8. أضرار متفرقة لحقت بمرافق أخرى بالمصنع من مخازن وأسقف بعضها ومباني الإدارات وأبواب. قدرت قيمتها إجمالاً بخمسة عشر ألف دينار؛
  9. إصابة أربعة خزانات كبيرة مخصصة لخلط المواد الكيماوية، قيمتها اثنا عشر ألف دينار؛
  10. إصابة خزان معدني سعة عشرة آلاف لتر بقيمة أربعة آلاف دينار، وآخر سعة خمسة آلاف لتر بقيمة ثلاثة آلاف دينار؛
  11. أعدت اللجنة الفنية بالمصنع والتي شكلها المدعي تقريراً تحصر فيه مواد أتت عليها النار، وتورد أن ارتفاع قيمتها راجع إلى غلاء المادة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والسادسة وإلى حساسية مكوناتها. قدر التقرير قيمة تلك المواد بمبلغ: 1,140,044.500 دينار.

انتهى الخبير إلى تقدير إجمالي قيمة الأضرار بمبلغ: 1,240,124.500 دينار.

دافع محامي المدعى عليهم بدفوع شفوية ومكتوبة التالي ملخصها:

انتهى الدفاع إلى طلب الحكم له بمقتضى دفوعه، وعلي سبيل الاحتياط، طلبَ خفض قيمة التعويض المطالب به إذا وجدت المحكمة له موجباً.

سمعت المحكمة شهادة الشهود، فكانت على النحو التالي:

الشاهد الأول، ...: شهد بما فحواه أنه خلال شهر مايو 2017، حصل إطلاق نار كثيف بالمنطقة، لكن الأكثر كثافة كان صادراً عن جهة حرس المنشآت النفطية الذي كان يتمركز بجانب بوابة مصفاة .... بعد ذلك، شاهد النيران تشتعل في مصنع شركة ... لمواد التنظيف. شاهد ذلك من مستشرفٍ بالطابق الثاني بمنزله الذي تفصله عن مصنع الشركة مسافة مئة وخمسين متراً. وقال: إن كثافة النيران الصادرة عن الجهة الشمالية أعلى إلى حد انعدام التناسب مع النيران المقابلة، وتخمينه أن حرس المنشآت هو مصدرها. الأسلحة المستخدمة في الجهة الشمالية يستطيع، استناداً إلى خبرته "في الفترة الماضية" تحديد نوعها بـ (23 و 14.5)، أما التي تقابلها فيظن أنها (بي.كي.تي).

الشاهد الثاني، ...: شهد بما فحواه أنه جار للمصنع الذي يبعد عنه بمئتين وخمسين متراً تقريباً، وأن المدعي اتصل به حوالي العاشرة والنصف ليلة الواقعة مستفهماً. اتجه إلى المصنع، وإطلاق النار كان كثيفاً جداً، ليصله بصعوبة فيجد عمالاً مصابين. أبلغ المدعي هاتفياً، فاتصل هذا بالمطافئ التي هرعت إلى المكان وأخمدت بعض النار. لكن ما هي إلا حوالي عشر دقائق واستؤنف إطلاق النار من جديد. بدأت الواقعة بإطلاق "مجموعة من الشباب" النار صوب المصفاة من جهة مكتب المكافحة الواقع شرقي المصنع. حصل رد عنيف من هذا الاتجاه، وأصيب المصنع في ناحيته الشمالية الغربية. استدل من أصوات المقذوفات على أن أسلحة مجموعة الشباب هي "كلاشن كوف و 14.5"، فيما أسلحة جهة المصفاة من قبيل "23". مصدر النيران العمارات المجاورة لبوابة المصفاة حيث يتمركز حرس المنشآت. لم يشاهد الحرس يطلقون النار وقت الواقعة، فالظلام مخيم. لكنه شاهدهم نهار ذلك اليوم هناك يجهزون أسلحتهم فوق تلك العمارات فيما يبدو أنهم كانوا يتوقعون المواجهة.

الشاهد الثالث، ...: قال: حصل إطلاق نار كثيف ليلة الواقعة، طرفاه حرس المنشآت النفطية والمليشيا المقابلة التي كانت تتمركز بمكتب الجمارك الذي يبعد عن المصنع مائة وخمسين متراً في اتجاه الشرق. بعد ساعة، شاهد النيران تشتعل بالمصنع الذي كان قريباً من منزله. كان مصدر النار من اتجاه مصفاة .... كان كثيفاً إلى حد أن ألزمنا البيت. مصدر النار هو المصفاة، فقد شاهدت ذلك بعيني عندما خرجت ظاناً أن النار تشتعل بمتجري. توقف الطرفان على أثر اشتعال النار، لكنهما ما لبثا أن استأنفا من جديد. لا أعلم من تسبب في الحريق، لكني أفترض أن القذيفة التي أصابت شمال المصنع هي السبب، فقد كان الإصابة قريبة من مواد تنظيف قابلة للاشتعال، وهذه مصدرها ناحية المصفاة. لم أشاهد أعضاء الحرس يطلقون القذائف، لكن مصدرها كان موقعهم. كانت النيران المطلقة من حرس المنشآت أشد كثافة. فلم يستعمل الطرف المقابل إلا أسلحة خفيفة، وقد شاهدت بعضهم عند حضورهم إلى مكان الحريق. استغرق تبادل النار وقتاً من العاشرة والنصف مساءً إلى الثانية صباحاً تقريباً.

نسب المدعي التسبب في الحريق إلى حرس المنشآت النفطية، مرجعاً السبب في الصراع إلى محاولة "العصابة" السيطرة على مصفاة ... لتكرير النفط.

دافع محامي المدعى عليهم بمذكرة دفع فيها بالتالي:

أولاً: عدم اختصاص المحكمة محلياً بنظر الدعوى. فموقع المدعى عليه الرابع هو مدينة طرابلس، ما ينعقد معه الاختصاص بنظر الدعاوى التي ترفع ضدها لمحكمة شمال طرابلس الابتدائية وفقاً للمادة 56 من قانون المرافعات.

ثانياً: لم يفلح المدعي في إثبات دعواه حتى بسماع شهادة الشهود. فالشاهد الأول لم يؤكد على أن أعضاء حرس المنشآت النفطية هم من كان يطلق النار، ذاكراً أن ذلك مجرد تخمين استناداً إلى أن مصدر النار كان جهتهم. وكذلك الحال بالنسبة إلى الشاهد الثاني الذي نفى مشاهدته الأعضاء يطلقون النار، وأرجع ذلك إلى الظلام وبعد المسافة.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وفيها قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءه ليبتلي في الحالتين شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة وقد تفحصت الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في ما قضت به بشأنها. وإنه لقضاء أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن كل طرف دفاعه، وإذاً فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً للطرفين عملاً بالمادة 92 من قانون المرافعات.

وحيث إن من دفوع دفاع المدعى عليهم ما هو حقيق بالفحص قبل وغول الموضوع، لذا فالحكمة تستهل بها.

وحيث إنه عن الدفع بعدم الاختصاص المحلي، فممتنع الفحص لتأخير الدفاع له إلى ما بعد ولوجه الموضوع. فقد أبدى دفوعاً موضوعية في الجلسة الثانية لنظر الدعوى، ثم قدم مذكرة دفاع في الجلسة التالية بدفوع موضوعية. لكنه عاد في جلسة لاحقة وقدم مذكرة دفاع أخرى ضمنها هذا الدفع، وهو ما يخالف حكم المادة 76 من قانون المرافعات في الدفع بهذا النوع من عدم الاختصاص.

وحيث إنه عن الدفع بعدم صفة المدعى عليهم عدا الخامس فمصيب في شطره دون الآخر. فأما المدعى عليه الأول، فذو صفة في الدعوى. ومصدر هذا أنه من المقرر بقضاء المحكمة العليا أن مسؤولية رئاسة الوزراء كمتبوع تجد أساسها في اختصاصها الإشرافي على جميع مؤسسات الدولة، وفي مسؤوليتها التضامنية أمام السلطة التشريعية، وبالتالي فإنها تكون ذات علاقةٍ بالنزاع وصفةٍ في الدعوى مادامت قد اختُصمت مع مؤسسة تتبعها (طعن مدني 240/44ق؛ 260-52ق). وأما المدعى عليه الثاني، فلا صفة له في الدعوى. فلئن كانت تبعية جهاز حرس المنشآت النفطية بموجب قرار اللجنة الشعبية العامة 34 لسنة 2010 مشتركة بين هذا المدعى عليه والمدعى عليه الرابع، إلا أن هذا الأخير تفرد لاحقاً بهذه التبعية بموجب القرار 177 لسنة 2011 بنقل تبعية جهاز حرس المنشآت النفطية، ما يكون معه هو صاحب الصفة في الدعوى. أما المدعى عليه الثالث، فلا صفة له والحال أن المحكمة لا تجد علاقة له بها، كما لم يبين المدعي وجهاً مقبولاً لاختصامه.

لما كان ذلك، فإن المحكمة تصير إلى صلب الموضوع. وحيث إن الدعوى الماثلة دعوى تعويض عن ضرر ناشئ عن المسؤولية التقصيرية المنصوص عليها بالمادة 166 من القانون المدني، لذا فالمحكمة تحقق في أركانها.

وحيث إنه عن ركن الخطأ، فقد أفلح المدعي بصفته في إثبات تحققه في جانب المدعى عليه الخامس، وذلك بشهادة الشهود وبالثابت في تقرير الخبرة. فقد توافقت شهادات الشهود الثلاثة على تزامن واقعة الحريق وتبادل إطلاق النيران بين مجموعتين مسلحتين، وعلى أن مصدر نيران أحد الطرفين هو جهة حرس المنشآت النفطية المتمركز في ناحية مصفاة ... لتكرير النفط، وأن النيران من هناك هي الأشد كثافة وباستعمال أسلحة أشد فتكاً. وأفاد اثنان منهم أن الطرف الآخر هو مليشيا أو مجموعة من الشباب تتمركز بجهة مكتب الجمارك الواقع شرقي المصنع. كما أفاد أحدهم بأنه كان في نهار ذلك اليوم قد شاهد حرس المنشآت النفطية يجهزون أسلحتهم فوق العمارات المجاورة لبوابة المصفاة وكأنهم يستعدون لهذه المعركة، وشهد وآخر بأن إصابة المصنع بمقذوف كانت من الجانب الشمالي وهو الجانب المواجه للمصفاة. وهذا يكفي لاقتناع المحكمة بأن حرس المنشآت النفطية كان أحد الطرفين، وأن الحريق الذي شب بالمصنع كان بسبب نيران المعركة، وبالتحديد كان بسبب قذيفة من هذا الحرس التي أصابته من ركنه الشمالي. ومما يؤكد أيضاً أن الحرس هو مصدرها وقوعُ الطرف المقابل له شرقي المصنع ما يمتنع معه أن تكون ناحيته الشمالية في مرماه أو في سبيله إليها. كما أن الخطأ ثابت بما أورده تقرير الخبرة من أن قذيفة أصابت وحدة المخازن التي كانت تحتوي كماً كبيراً من المواد القابلة للاشتعال فاشتعلت فيها النيران وامتدت إلى أجزاء أخرى.

ولا يغير من تحقق خطأ حرس المنشآت النفطية تحديد البادئ بالاعتداء والذي قد يثير قيام حالة الدفاع الشرعي المبيح للسلوك. ذلك أن تحقق إصابة المصنع من جهة الحرس وبقذيفة تتناسب مع ما وصفه الشهود من الأسلحة التي كانت تتقاذف من ناحيته، كافٍ للقطع بانحراف سلوكه عن السلوك المعتاد الذي تستدعيه ضرورة الحفاظ على أملاك وأموال الأبرياء الذين لا ضلع لهم في القتال.

وحيث إنه عن ركني الضرر والعلاقة السببية، فقائمان بما أُثبت بتقرير الخبرة وبالشهادات المتقدمة من احتراق منقولات وتلف عقارات بالمصنع نتيجة النيران التي اشتعلت به بسبب المقذوف سالف البيان.

لما كان ذلك، وكانت أركان العمل غير المشروع جمعاء متحققة في جانب المدعى عليه الخامس، لزم القضاء بمسؤوليته التقصيرية بإلزامه بتعويض المدعي بصفته عما لحقه من أضرار. وحيث إن هذا المدعي يقول بضرر مادي وآخر معنوي. وحيث إنه عن الضرر المادي فإنه لما كان موضوعه ما يلحق المضرور من خسارة وما يفوته من كسب مما هو نتيجة طبيعية لسلوك المتسبب فيه، وذلك وفقاً للقاعدة العامة المقررة بالمادة 224 من القانون المدني. لذا، فإن الحكم بثبوته يستلزم من المدعي تحديدَ كلِّ عنصر من عناصره والتدليلَ عليه حتى يتأتى للمحكمة التحقق من مدى حقه في التعويض عن كل منها ثم حساب المستحق جبراً للضرر. وحيث إن المدعي يقول بخسارة وبفوات كسب. وحيث إن الأولى ثابتة، بما يحمل المحكمة على تقدير التعويض عنها بالوارد بالمنطوق، مستندة في هذا على ثلاث دعامات: الأولي، أن تقرير الخبرة أثبت أن قيمة الأضرار التي حصرها الخبير نفسه تقدر بمئة ألف وثمانين ديناراً (100,080.000 د.ل)؛ الثانية، أنه لا وجه في القانون لقبول تقدير الأضرار الوارد في كشف لجنة المصنع المشار إليه. إذ "لو يعطى الناس بدعواهم"، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "لادعى رجالٌ أموالَ قوم ودماءهم". ثم إن هذا العمل لا يندرج تحت الاستثناءات التي قررها القانون المدني على هذا الأصل العام في الإثبات، كذاك المتعلق بدفاتر التجار المنظمة؛ الثالثة، أن المحكمة لا تحمِّل المدعى عليه الخامس إلا جزءاً من المسؤولية لأن الأفعال المتسببة في الحادث متعددة. فعلى الرغم من أن قذيفة الحرس المشار إليها كانت هي السببَ المباشر للنتيجة، إلا أن الذي أثارها في المقام الأول، وحسبما استظهرته المحكمة من أقوال الشهود، هو ابتداء الطرف المقابل بالاعتداء، ما يعد معه مشاركاً في المسؤولية عما ترتب من أضرار. وبهذا، لا يكون المدعى عليه الخامس مسؤولاً إلا عن دفع جزء من مبلغ التعويض المستحق. وحيث إن المبدأ المقرر في المادة 172 من القانون المدني يوجب تضامن المسؤولين عن العمل الضار في التزامهم بالتعويض، ويساوي بينهم في المسؤولية. وحيث إن المحكمة لا تجد أساساً لتوزيع المسؤولية وفق غير هذا المبدأ، لهذا فإنها تحمل المدعى عليه المذكور مسؤولية التعويض عن نصف الأضرار فقط وفق الوارد بالمنطوق.

أما ما يقول به المدعي من فوات الكسب، فلا تجد المحكمة دليلاً عليه في الأوراق. ذلك أن التعويض، وفق ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا، لا يكون إلا عن ضرر محقق الوقوع في الحال أو في المستقبل. فإذا كان محتملاً غير محقق الوقوع، بطل أن يكون سنداً للتعويض، ولا يجوز للمحكمة أن تدخله في حسابها عند التقدير (الطعنان المدنيان: 165/44ق؛ 50/23ق). وحيث إن المدعي لم يقدم الدليل الكافي لصدق قوله بالكسب الفائت، وليس في الأوراق ما يبرهن على عمل المصنع أصلاً فضلاً عن احتراق مواد موجودة فيه فعلاً ومعدة للبيع، فإنه لا يسوغ للمحكمة افتراض الضرر اعتماداً على طبيعة المصنع والتي لا يلزم عنها بمجردها صحة الزعم بفوات الكسب.

وحيث إنه عن التعويض عن الضرر المعنوي، فتقدره المحكمة بالوارد بالمنطوق استناداً إلى نص المادة 225 من القانون المدني، مراعية في ذلك جزئية مسؤولية المدعى عليه الخامس على نحو ما سلف بيانه، واضعة في الحسبان أن محل هذا النوع من الضرر ليس بمصلحة مالية، بل هو مصاب في الشعور أو العاطفة أو الكرامة أو الشرف أو ما شابه ذلك مما يصيب الواحد في قيم معنوية مهمة في حياته، وإذاً فهو، وفق مدلول ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا، من الخفايا غير المدركة بالظاهر، فلا يمكن لمسه والوقوف عليه وتحديد عناصره. وحسب مدعيه لقبول طلبه التعويضَ عنه معقوليةُ تصور ترتبه عن الخطأ، ومعقولية تقدير المبلغ المراد جبراً له أو تخفيفاً منه. والمحكمة إذ تقضي للمدعي بالمبلغ الوارد بالمنطوق إنما مهوناً عليه مما تتصوره من الألم الذي أصابه في شعوره وهو يخبَر بما كُرث به من احتراق مصنعه، ويُفجع من بعد فيه وقد أتت النار على محتوياته فأهلكتها وأهلكت بنيانه. أضف إليه ما لا ريب أن عايشه من حزن وذهول وانزعاج بسبب ما يرقبه من عناء يستلزمه إصلاح ما هلك.

وحيث إنه لما كان ذلك، فإن مسؤولية المدعى عليهما الأول والرابع تتحقق بالتبعية استناداً إلى أحكام مسؤولىة المتبوع عن أعمال تابعه المقررة بنص المادة 177 من القانون المدني.

وحيث إنه عن المصاريف، فإن المحكمة تلزم المحكوم عليهم بها، وذلك وفقاً للمادتين 281 و282 من قانون المرافعات.

وحيث إنه عن طلب شمول الحكم بالنفاذ المعجل وبلا كفالة، فالمحكمة ترفضه لعدم تحقق أي من حالاته المنصوص عليها في المواد من 379 إلى 382 من قانون المرافعات.

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً:

أولاً: بعدم قبول الدعوى ضد المدعى عليه الثاني والثالث لعدم الصفة؛

ثانياً: بإلزام المدعى عليهم الأول والرابع والخامس بأن يدفعوا للمدعي بصفته خمسين ألفاً وأربعين دينار تعويضاً له عما أصابه من ضرر مادي، وبأن يدفعوا له، بالصفة نفسها، عشرة آلاف دينار عما أصابه من ضرر معنوي؛

ثالثاً: بإلزام المحكوم عليهم بالمصاريف، وبرفض ما عدا ذلك من طلبات. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                             القاضي

 

أُودعت الأسباب في: 25-7-2019م