34 م د: مسؤولية عقدية عن إخلال بعقد نقل جوي (إجابة)

:

اتفاقية وارسو 1929 بشأن توحيد بعض قواعد النقل الجوي هي القانون الواجب التطبيق على عقود النقل الجوي الدولي متى كانت نقطتا الرحيل والمقصد النهائي واقعتين في إقليمي دولتين طرفين في الاتفاقية. صارت هذه الاتفاقية جزءاً من القانون الوطني الليبي بانضمام ليبيا إليها بمقتضى القانون 29 لسنة 1968.

للمدعي، بموجب المادة 28(1) من الاتفاقية، الخيار في إقامة دعواه أمام محكمة موطن الناقل، أو محكمة المركز الرئيسي لنشاطه، أو المحكمة التي تقع فيها المنشأة التي أبرمت العقد، أو محكمة المقصد النهائي. ولئن كان النص لا يورد محكمة الوكيل بعمولة بصريح اللفظ، إلا أنه، بهذه الصفة، مستغرَق بمفهوم محكمة المنشأة التي أبرمت العقد.

إذا كانت الاتفاقية تقرر الحق في التعويض عن الأضرار الناشئة عن إخلال الناقل بالتزامه التعاقدي من دون تحديد لطبيعتها ولا لطريقة تقييمها، مقتصرة على وضع سقف لمبلغ التعويض، فإن هذا يستلزم تطبيق القواعد العامة في القانون المدني ضمن هذا السقف.

:

[القاعدة]

[اتفاقية وارسو 1929 بشأن توحيد بعض قواعد النقل الجوي هي القانون الواجب التطبيق على عقود النقل الجوي الدولي متى كانت نقطتا الرحيل والمقصد النهائي واقعتين في إقليمي دولتين طرفين في الاتفاقية. صارت هذه الاتفاقية جزءاً من القانون الوطني الليبي بانضمام ليبيا إليها بمقتضى القانون 29 لسنة 1968.

للمدعي، بموجب المادة 28(1) من الاتفاقية، الخيار في إقامة دعواه أمام محكمة موطن الناقل، أو محكمة المركز الرئيسي لنشاطه، أو المحكمة التي تقع فيها المنشأة التي أبرمت العقد، أو محكمة المقصد النهائي. ولئن كان النص لا يورد محكمة الوكيل بعمولة بصريح اللفظ، إلا أنه، بهذه الصفة، مستغرَق بمفهوم محكمة المنشأة التي أبرمت العقد.

إذا كانت الاتفاقية تقرر الحق في التعويض عن الأضرار الناشئة عن إخلال الناقل بالتزامه التعاقدي من دون تحديد لطبيعتها ولا لطريقة تقييمها، مقتصرة على وضع سقف لمبلغ التعويض، فإن هذا يستلزم تطبيق القواعد العامة في القانون المدني ضمن هذا السقف.]

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه،

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 12 شعبان 1440هـ. الموافق: 17-4-2019م،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وحضور كاتب الجلسة الأخ ...،

أصـــدرت المحكمة، بتوفيق الله تعالى، هذا الحكــم

الدعوى:

...-2017 مدني كلي الزاوية.

المدعي:

  1. ...، مقيم بمحلة قاليل، صبراتة، عن نفسه وبصفته ولياً على ابنه "..."؛
  2. ...، موظف، مقيم بمحلة قاليل، صبراتة؛
  3. ...، موظف، مقيم بمحلة قاليل، صبراتة، بصفته ولياً على ابنه "..."؛
  4. ...، موظف، مقيم بصرمان.

المدعى عليه:

الممثل القانوني لشركة الخطوط الجوية الليبية بصفته، شارع هايتي، طرابلس؛
  1. الممثل القانوني لوكالة العالم للسفر بصفته، الزاوية.

ملخص الدعوى

تلخص الدعـوى في اختصام المدعين للمدعى عليهما بصحيفة أُعلنت إليهما وفقاً للقانون. شرحوا الدعوى بما جماعه أنهم، بقصد السياحة والعلاج، اشتروا من المدعى عليه الثاني تذاكر للسفر جواً من مطار معيتيقة بطرابلس إلى مطار اسطنبول بتركيا على الرحلة رقم 192 ليوم 24-9-2015 والعودة في موعد لاحق، وذلك على متن طائرة المدعى عليه الأول. قبض هذا الأخير الأجرة عن طريق المدعى عليه الثاني، فكانت 1586.750 ديناراً عن تذكرتي المدعي الأول نفسه وابنه؛ 829.550 ديناراً عن تذكرة الثاني؛ ومثله عن تذكرة الرابع؛ 829.450 ديناراً عن تذكرة الثالث بصفته. في الموعد، انتقل المدعون إلى المطار وأنهوا إجراءات تسليم حقائبهم، واستلموا بطاقات الصعود، ثم اتجهوا إلى نقطة الجوازات والجمارك ففُتشوا ليعبروها بعد السماح لهم وختم جوازات سفرهم. صعدوا الطائرة واستقل كل واحد منهم مقعده، غير أنهم أُنزلوا منها قبل أن تقلع، ما ترتب عليه حرمانهم من السفر. تمكنوا من استعادة حقائبهم، لكنهم فشلوا، وبعد محاولات عديدة استغرقت زمناً طويلاً، في رد الأجرة.

وحيث إن عقد النقل عقد يلتزم بمقتضاه الناقل بنقل أشخاص أو أشياء من مكان إلى آخر لقاء أجر معلوم وفقاً للمواد: 571؛ 572؛ 628 من القانون 23 لسنة 2010 بشأن النشاط التجاري. وحيث إن المدعين تضرروا بشكل جسيم بسبب حرمانهم من رحلتهم التي كانت لعلاجهم والترويح عن أنفسهم، وذلك بخطأ الناقل الذي منعهم من السفر رغم انعدام مانع المغادرة ومانع الدخول إلى البلاد المقصودة لاسيما أن قرار المنع من الدخول يدخل في اختصاص هذه البلاد، وأنهم يملكون تذاكر عودة مدفوعة الثمن.

وفقاً للصحيفة، فإن عدم رد "الشركة" "ثمن التذاكر" يعد إثراء منها على حسابهم بدون وجه حق، ما ينطبق عليه نص المادة 182 من القانون المدني. وحيث إن عدم تمكين الشركةِ المدعين من السفر يعد خطأ واضحاً، وقد ارتبط هذا الخطأ بالضرر الذي لحق المدعين، لذا فإنها تكون ملزمة بتعويضهم عما لحقهم من ضرر، عملاً بالمادة 166. ولأن المدعى عليه الثاني وكيل للأول بعمولة، فإن قواعد التضامن المنصوص عليها في المادة 266 تجعله ملزماً معه برد "ثمن التذاكر" إلى المدعين، مع التعويض عما أصابهم من ضرر.

لكل ذلك، فإن المدعين يطلبون الحكم لهم بالتالي:

أولاً: إلزام المدعى عليهما برد قيمة تذاكر السفر، والتي أثريا بها بغير حق؛

ثانياً: إلزامهما بتعويض كل واحد من المدعين بعشرة آلاف دينار، وبالمصاريف والأتعاب.

بدأت المحكمة نظر الدعوى بجلسة 31-10-2018. أمامها، حضر عن المدعين وكيلهم الأستاذ المحامي .... وعن المدعى عليه الأول، حضرت الأستاذة المحامية ... عضو إدارة القضايا بموجب قرار اللجنة الشعبية العامة للعدل 132/2008 بشأن إنابة إدارة القضايا عن شركة الخطوط الجوية الليبية. ولم يحضر المدعى عليه الثاني رغم إعلانه. قدم محامي المدعين حافظة مستندات شملت صوراً ضوئية للوثائق التالية:

  • تذكرة سفر صادرة عن المدعى عليه الثاني في 21-9-2015 لصالح (...)، المدعي الأول نفسه، للذهاب من طرابلس إلى اسطنبول يوم 24-9-2015 على الرحلة: LN192، والعودة على الرحلة LN193 يوم 10-10-2015. أجرة الرحلة، 829.550 ديناراً؛
  • تذكرة سفر على هاتين الرحلتين صادرة عن المذكور في التاريخ ذاته لصالح (...)، ابن المدعي الأول. أجرة الرحلة، 657.200 ديناراً؛
  • تذكرة سفر على الرحلتين صادرة عن المذكور في التاريخ ذاته لصالح (...)، المدعي الثاني. أجرة الرحلة، 829.550 ديناراً؛
  • تذكرة سفر على الرحلتين صادرة عن المذكور في التاريخ ذاته لصالح (...)، ابن المدعي الثالث. أجرة الرحلة، 829.450 ديناراً؛
  • تذكرة سفر على الرحلتين صادرة عن المذكور في التاريخ ذاته لصالح (...)، المدعي الثاني. أجرة الرحلة، 829.550 ديناراً؛
  • الصفحة الرئيسية لجواز سفر كل من المذكورين وصفحة منه تحمل ختم رقابة جوازات المطار بالخروج يوم 24-9-2015.

ضمت الحافظة أيضاً سبع بطاقات تمييز لحقائب مشحونة على الرحلة المذكورة، وبطاقات الصعود إلى هذه الرحلة والصادرة للمذكورين حاملة ختم رقابة جوازات المطار بالخروج في التاريخ المذكور، وختم مركز جمرك المطار.

دفع محامي المدعى عليه الأول بعدم اختصاص المحكمة محلياً بنظر الدعوى وانعقاده إلى محكمة شمال طرابلس الابتدائية استناداً إلى نص المادة 56 من قانون المرافعات. فالمقر الرئيسي لهذا المدعى عليه يقع في دائرة اختصاص تلك المحكمة. ولا يكفي لانعقاد الاختصاص إلى محكمة الزاوية الابتدائية كون مقر المدعى عليه الثاني يقع في دائرتها ولا كونه وكيلاً له. فالنص صريح، ولا فرع للمدعي عليه الأول في مدينة الزاوية.

وأضاف بمذكرةٍ دفوعاً أخرى تجملها المحكمة في التالي:

  • سقوط الحق في رفع الدعوى بالتقادم استناداً إلى نص المادة 660 من قانون النشاط التجاري التي تقضي بتقادم الدعوى الناشئة عن عقد النقل الجوي بمضي سنة من ميعاد وصول الطائرة. فموعد الرحلة 24-9-2015، أما الدعوى فقد رفعت في أواخر عام 2017؛
  • رفض الدعوى لعدم قيامها على أساس صحيح من الواقع والقانون. فلم يمنع المدعى عليه الأولُ المدعين من السفر، ولا يُتصور إنزالهم بعد أن مكنهم من صعود الطائرة. لهذا فإن أسباب إنزالهم الطائرة لا ترجع إليه بل "ربما لأسباب ترجع إليهم أو للسلطات المسؤولة في المطار". وبالتالي فلا خطأ في جانب المدعى عليه الأول.

انتهى الدفاع إلى طلب الحكم له بمقتضى دفوعه، وعلى سبيل الاحتياط، طلبَ خفض قيمة التعويض إن وجدت له المحكمة موجباً.

رد دفاع المدعين بمذكرة التالي فحواها:

  • الدفع بعدم الاختصاص المحلي مردود لثلاثة أسباب: الأول، أن المادة 53(2) من قانون المرافعات تجير رفع الدعوى، في حالة تعدد المدعى عليهم، إلى المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها موطن أحدهم. وموطن المدعى عليه الثاني يدخل في نطاق الاختصاص المحلي لهذه المحكمة. والقول بغير هذا يحمل إلزاماً للمدعين برفع الدعوى أمام أكثر من محكمة وهو أمر تأباه العدالة؛ الثاني، تقضي المادة 59 بأنه "في المواد التجارية، يكون الاختصاص للمحكمة التابع لها المدعى عليه أو المحكمة التي في دائرتها تم الاتفاق. ويعد هذا الاتفاق من الأعمال التجارية وفقاً للمادة 409(10) من قانون النشاط التجاري، وقد تم في مدينة الزاوية لدى المدعى عليه الثاني؛ السبب الثالث هو أن المدعى عليهما متضامنان، والمواد 413 و424 و428 من قانون النشاط التجاري، و272(1) من القانون المدني تجيز مطالبة المدينين المتضامنين مجتمعين أو منفردين، ولهذا فإن المسؤولية التضامنية تجعل من المحكمة التي يقيم فيها أحد المدعى عليهم مختصة بنظر الدعوى؛
  • الدفع بالتقادم مردود بالفقرة الأخيرة من المادة المستدل بها عليه. فهذه تمنع التمسك بالتقادم ممن صدر منه أو من تابعه أو وكلائه غش أو خطأ جسيم. ولا يخفى أن عدم تنفيذ العقد مع المدعين بعد استلام حقائبهم ومرورهم بإجراءات التفتيش ومنحهم الإذن بمغادرة البلاد من رقابة الجوازات، ثم صعودهم الطائرة وجلوسهم في مقاعدهم المخصصة لهم ثم إنزالهم، ربما لإحلال آخرين محلهم، لخطأٌ جسيم وإن لم يرق إلى حد الغش. وعليه فلا يسري على هذه الدعوى إلا التقادم العام المنصوص عليه في المادة 361 من القانون المدني. علاوة على ذلك، فإن الدعوى مؤسسة على الإثراء بلا سبب؛
  • إن خطأ المدعى عليه الأول يكمن في إلغائه عقد النقل وفي إنزال المتعاقدين من الطائرة، وهو ما سبب لهم أضراراً مادية وأخرى معنوية فيكون ملزماً بالتعويض الجابر وفقاً لما تنص عليه المادتان 166 و224. ولا يستطيع التخلص من ذلك إلا بإثبات السبب الأجنبي، وهو ما لم يفعله، "وهذا متحقق من قول [دفاعه] إن سبب إنزال المدعين من الطائرة ربما – كلمة تعني الاحتمال – لسبب يرجع إليهم أو لسلطات المطار."

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وفيها قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءه ليبتلي في الحالتين شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة وقد تفحصت الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في ما قضت به بشأنها. وهو قضاء أمضته بعد سماع المرافعة الشفوية، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر عن المدعين دفاعهم، وعن المدعى عليه الأول دفاعه، ولم يحضر المدعى عليه الثاني رغم إعلانه. إذاً، فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً للحاضرين وغيابياً للغائب عملاً بالمادتين 92 و103 من قانون المرافعات.

حيث إن تكييف الدعوى من تصريف المحكمة، لذا فهي تستهل به وبتحديد القانون الواجب التطبيق. وحيث إن العبرة في التكييف، كما تقضي المحكمة العليا في الطعن المدني 27/27ق، بالسبب المباشر المولد للدعوى، وبحقيقة العلاقة بين طرفيها، بصرف النظر عن ماهية المسؤولية التي استند إليها المدعي في تأييد طلبه أو النص القانوني الذي اعتمد عليه. وحيث إن فحوى ما يقول به المدعون هو أنهم تعاقدوا مع المدعى عليه الأول عن طريق وكيله المدعى عليه الثاني على نقلهم جواً من مطار طرابلس إلى مطار اسطنبول والعودة، وذلك في مواعيد محددة، وأنهم أوفوا بالتزامهم بدفع أجرة النقل، ومع هذا أخل المدعى عليه الأول بالتزامه ممتنعاً عن نقلهم وعن رد ما قبضه منهم، وهو ما ألحق بهم أضراراً مادية وأخرى معنوية، وحملهم على إقامة هذه الدعوى طلباً للتعويض عنها ورد ما دفعوه. وحيث إن الدعوى على هذا النحو تعد دعوى مسؤولية عقدية سندها عقود نقل جوي دولي للأشخاص. لذلك، وكما تقرر المحكمة العليا في العديد من أحكامها، فأحكام اتفاقية وارسو المبرمة في 12 أكتوبر 1929 بشأن توحيد بعض قواعد النقل الجوي والمعدلة بالبروتوكول الصادر في لاهاي 28 سبتمبر 1955 هي القانون الواجب التطبيق عليها. فقد صارت هذه الاتفاقية جزءاً من القانون الوطني بانضمام ليبيا إليها بمقتضى القانون رقم 29 سنة 1968. ويقضي نص المادة 1(1، 2) من الاتفاقية بانطباقها على عقد النقل الجوي الدولي متى كانت نقطتا الرحيل والمقصد النهائي واقعتين في إقليمي دولتين طرفين في الاتفاقية. ومن المعلوم أن ليبيا وتركيا من الدول الأطراف؛[1] زد عليه أن المشرع أعاد تنظيم بعض شؤون الطيران المدني بموجب القانون رقم 6 لسنة 1373 و.ر. ومع هذا، قرر في مادته الرابعة وجوب تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية السارية المفعول مادامت ليبيا طرفاً فيها. وأكد هذا بشأن المسؤولية التعاقدية المتعلقة بالنقل الجوي الدولي بنصه في المادة 149(1) على أن: "تطبق بالنسبة للمسؤولية في النقل الجوي الدولي أحكام أي اتفاقية دولية بشأن توحيد بعض قواعد النقل الجوي الدولي التي تكون ليبيا طرفاً فيها." كما وضع المشرع أحكاماً للنقل الجوي بالقانون 23 لسنة 2010 بشأن النشاط التجاري، لكنه قصرها على النقل الجوي الداخلي دون الدولي بالنص في المادة 648 على أن: "تسري على النقل الجوي الدولي أحكام الاتفاقيات الدولية النافذة في ليبيا. وتسري على النقل الجوي الداخلي الأحكام الواردة في هذا الباب مع مراعاة الأحكام الخاصة المنصوص عليها في المواد التالية." وإذاً فأحكام اتفاقة وارسو تظل هي الواجبة التطبيق على كل نقل جوي دولي، ولا يصار إلى غيرها إلا في ما لم يرد بشأنه نص فيها.

وحيث إن دفعي دفاع المدعى عليه الأول بعدم الاختصاص المحلي وبالتقادم حقيقان بالنظر قبل وغول الموضوع، لهذا تبدأ المحكمة بوزنهما تباعاً. وحيث إنه عن الدفع الأول، والمقول فيه بأن إقامة المدعى عليه الثاني في طرابلس يمنع هذه المحكمة من نظر الدعوى المرفوعة ضده، فغير صائب. فالمادة 28(1) من اتفاقية وارسو تعطي الخيار للمدعي في إقامة دعواه أمام محكمة موطن الناقل، أو محكمة المركز الرئيسي لنشاطه، أو المحكمة التي تقع فيها المنشأة التي أبرمت العقد، أو محكمة المقصد النهائي. وحيث إن المدعى عليه الثاني، والذي يقع مقره في دائرة الاختصاص المحلي لهذه المحكمة، هو من أبرم عقود النقل مع المدعين بصفته وكيلاً بعمولة للمدعى عليه الأول، وهي صفة مصدَّقة بمكنته فعل ذلك، وبما ورد في التذاكر من أنها صادرة عن المدعى عليه الأول وأن علاقة الثاني به أنه وكيله رقم 1010، فضلاً عن أنها ليست محل مجادلة من دفاع هذا المدعى عليه. وحيث إنه وإن كانت المادة 28 لا تورد محكمة الوكيل بعمولة بصريح اللفظ، إلا أن هذا الوكيل، بهذه الصفة، مستغرَق بمفهوم محكمة المنشأة التي أبرمت العقد، ويساند هذا المقررُ بالمبدأ العام الوارد في نص المادة 59 من القانون المدني المقررة من انعقاد الاختصاص المحلي بنظر الدعاوى المرتبطة بعمل تجاري إلى المحكمة التي تم الاتفاق المتعلق بهذا العمل في دائرتها. ولا يخفى أن عقد النقل الجوي يدخل ضمن طائفة الأعمال التجارية وفقاً لنص المادة 409 من قانون النشاط التجاري 23 لسنة 2010. لذلك، فإن الاختصاص المحلي لهذه المحكمة ينعقد استناداً إلى وقوع مركز المدعى عليه الثاني، بحسبانه المنشأة التي أبرمت العقود موضوع الدعوى، بدائرتها.

وحيث إنه عن الدفع بالتقادم، فمردود هو الآخر. ذلك أن الدعوى الماثلة تتقادم بمضي سنتين لا سنة واحدة كما يتحدى به دفاع المدعى عليه الأول. فأحكام التقادم المعتبرة ههنا هي تلك المقررة بالمادة 29 من اتفاقية وارسو المشار إليها. وحيث إن نص الفقرة الأولى من هذه المادة يقضي بسقوط الحق في التعويض إذا لم ترفع الدعوى خلال سنتين اعتباراً من تاريخ وصول الطائرة إلى مقصدها أو من التاريخ الذي كان يتعين فيه وصولها، أو من التاريخ الذي توقفت فيه عملية النقل. وحيث إن التاريخ في كل هذه الحالات هو 24-9-2015. وحيث إن حق المدعين في رفع الدعوى يظل سارياً لمدة سنتين من هذا التاريخ. وحيث إن المدعين أقاموا دعواهم في 11-9-2017، فإنهم يكونون بهذا قد أقاموها قبيل انقضاء مدة التقادم.

أما ما تخاصم عليه دفاعا طرفي الدعوى الحاضرين، متحدين بأحكام التقادم الواردة بقانون النشاط التجاري المشار إليه، فجهادٌ في غير غَنَاء؛ لأن صلته بالدعوى منقطعة، ومن ثم فالمحكمة تطرحه جملة واحدة. فأحكام هذا القانون في النقل الجوي تتعلق بعقد النقل الجوي الداخلي فحسب، ولا تسري على عقد النقل الجوي الدولي كما سلف بيانه.

لما كان ذلك، فإن المحكمة تواصل إلى موضوع الدعوى فتبتدئ بالتحقق من ثبوت العلاقة التعاقدية بين المدعين والمدعى عليه الأول، ثم من أركان المسؤولية العقدية الثلاثة.

وحيث إنه عن العلاقة التعاقدية، فهي ثابتة بصور تذاكر السفر الصادر في 21-9-2015 لكل واحد من المدعين، والتي محلها التزام المدعى عليه الأول بنقلهم في مواعيد محددة من مطار طرابلس إلى مطار اسطنبول والعودة، وذلك مقابل أجور مقدرة. فلهذه التذاكر وفقاً للمادة 3(2) من اتفاقية وارسو حجيتها من حيث ثبوت انعقاد عقد النقل وشروطه. كما أن العلاقة التعاقدية ثابتة بتسلم المدعى عليه الأول حقائبهم في مطار طرابلس ومنحهم بطاقات الصعود إلى طائرته، وبعدم إنكار دفاع المدعى عليه الأول لها أصلاً.

وحيث إنه عن ركن الخطأ، فقد استقر في عقيدة المحكمة تحققه في جانب المدعى عليه الأول وحده. فهو من تعاقد، بواسطة وكيله، مع المدعين على نقلهم، وقبض الأجرة مسبقاً، وضرب مواعيد للتنفيذ، وإذاً فهو ملزم تجاه كلٍّ منهم بنقله إلى الوجهة المحددة في الزمن المعين والعودة به كذلك. لكنه، وبعد استقباله لهم في المطار واستلام حقائبهم ثم منحهم بطاقات الصعود، ومواصلته معهم إلى حد استقلال مقاعدهم في الطائرة، الحد الذي يقر به دفاعه، بعد كل هذا يقدم على إنزالهم منها ممتنعاً عن تنفيذ ما التزم به. وحيث إنه لم يثبت مبيحاً لسلوكه من قبيل ذلك المحدد في المادتين 20 و21 من الاتفاقية؛ فلا هو يدلل على أنه اتخذ كل التدابير اللازمة لتفادي عدم النقل، ولا برهن على أنه كان من المستحيل عليه اتخاذ تلك التدابير، ما يكون معه مخلاً بالتزامه التعاقدي إخلالاً موجباً لتخطئة سلوكه وقيام ركن الخطأ في حقه. ولا يغير من هذا تحديدُ نص المادة 19 لمسؤولية الناقل في التأخير في نقل الركاب دون الإشارة إلى حالة امتناعه عن النقل؛ إذ هذه المسؤولية تكون متحققة، ومن باب أولى، في حالة الامتناع أيضاً.

كما لا يقدح في ذلك ما اكتفى به الدفاع من القول بأن إنزالهم من الطائرة لم يكن بسبب موكله، بل، وبكلماته، "ربما لأسباب ترجع إليهم أو للسلطات المسؤولية في المطار". فهذا قول ظاهر الفساد، ويكفي المحكمة لتعليل إطراحه ابتناؤه على تخمين لا أكثر، وهو تخمين لا يسانده ما ثبت للمحكمة من وقائع. فمن غير الاعتيادي، بعد اجتياز المدعين لكل الخطوات المتقدمة، أن يعدلوا إرادياً، وجميعاً، عن مواصلة الرحلة وقد بلغوا فيها ذلك المبلغ. وهكذا، كان على الدفاع لنفي خطأ موكله، إثبات أنْ لا يد له فيما حصل بالتدليل على تحقق أحد تخمينيه واقعياً، لا الاكتفاء بمجرد قول مرسل لا زمام له ولا خطام.

أما في شأن المدعى عليه الثاني، فإنه وإن كان وكيلاً للأول، وكان هو من أبرم العقود مع المدعين نيابة عنه، إلا أن المدعين لا ينسبون إليه أي سلوك خاطئ. فقد اقتصر دوره على مجرد إتمام عملية التعاقد، وكان تنفيذ العقود خارجاً عن حدود اختصاصه، فلا يكون من وجه لمساءلته عن خطأ غيره. ولا يغير من هذا قواعدُ التضامن المقررة في القانون المدني، لأن المسؤولية مثار الدعوى محكومة بقانون خاص هو اتفاقية وارسو، ولا يحل الركون إلى غيرها إلا استثناءً فيما لم يرد بشأنه نص. وحيث إن المفهوم من أحكام مسؤولية الناقل المقررة بالاتفاقية في المواد: 19؛ 20؛ 25؛ 25أ هو أن الناقل يكون مسؤولاً عن خطئه وعن خطأ تابعه أو وكيله الذي يثبت أنه قارفه وهو يعمل في نطاق اختصاص وظيفته. أما مسؤولية الوكيل، فتتوقف على الخطأ الصادر عنه فحسب. وحيث إن منع المدعين من السفر حصل بسلوك المدعى عليه الأول وداخل المطار بعيداً عن المدعى عليه الثاني، وليس في الدعوى ما يشير إلى أن لهذا الأخير يداً فيه، ولهذا فإن المحكمة ترفض الدعوى ضده لعدم ثبوت ركن الخطأ في حقه.

وحيث إنه عن ركن الضرر والعلاقة السببية، فمتحققان بثبوت ما نجم عن امتناع المدعى عليه الأول عن تنفيذ عقود المدعين من امتناع سفرهم في الموعد وخسارتهم ما دفعوه أجرة للنقل، فضلاً عما أصابهم من أضرار أدبية.

لما كان ذلك، فإن المحكمة تقضي بمسؤولية المدعى عليه الأول العقدية تجاه كل واحد من المدعين. وحيث إن الاتفاقية وإن تضمنت أحكام التعويض عن الأضرار الناشئة عن مسؤولية الناقل التعاقدية، إلا أنها لا تتضمن أحكاماً تتعلق بأجرة التذكرة عند عدم تنفيذ العقد، ولهذا يلزم استدعاء أحكام القانون المدني للتطبيق. وحيث إن تنفيذ المذكور لالتزامه بنقل المدعين في المواعيد المحددة صار مستحيلاً بانقضائها، فإن العقد يكون منفسخاً من تلقاء نفسه وفق ما تنص عليه المادة 161 من القانون المدني. وحيث أن المادة التالية تقضي بوجوب إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد. وحيث إن هذا يستلزم رد المدعى عليه الأول ما قبضه من كل مدع إليه، ولذا فإن المحكمة تقضي بذلك وفق الوارد بالمنطوق.

وحيث إن المدعين يطلبون في صحيفة دعواهم التعويض عما أصابهم من أضرار نتيجة خطأ المدعى عليه الأول واصفينها في مذكرة دفاع محاميهم بالمادية والمعنوية. وحيث إن الاتفاقية تقرر الحق في التعويض عن الأضرار من دون تحديد لطبيعتها ولا لطريقة تقييمها، مقتصرة في المادة 22(1) على وضع سقف لمبلغ التعويض هو ما يعادل يوم الحكم مئتين وخمسين ألف وحدة نقدية تحتوي على خمسة وستين مليجراماً ونصف من الذهب عيار تسعمائة من الألف ذهباً خالصاً، أي ما يعادل 1637.5 جرام من الذهب عيار0.9. ولهذا يتحتم تطبيق القواعد العامة في القانون المدني ضمن هذا الحد.

وحيث إنه عن التعويض عما أصابهم من ضرر مادي، فالمحكمة ترفضه بسبب عدم التدليل على تحققه. ذلك أن هذا النوع من التعويض يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب مما هو نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر في الوفاء به وفق للقاعدة العامة المقررة بالمادة 224 من القانون المدني. وحيث إن هذا يستلزم من كل مدع تحديدَ كلِّ عنصر من عناصر هذا الضرر والتدليلَ عليه حتى يتأتى للمحكمة التحقق من مدى حقه في التعويض عن كل منها، ومن ثم حساب المستحق جبراً للضرر. وحيث إنهم لم يفعلوا ذلك مكتفين بوصف الأضرار بالمادية، فإن هذا، ولا ريب، لا يحقق شرط استحقاق هذا النوع من التعويض.

وحيث إنه عن طلب التعويض عن الضرر المعنوي، فإن المحكمة تقبله. وإذ تقرر هذا على الرغم من اكتفاء المدعين بالمطالبة به من دون تحديد عناصره، إنما لقناعتها بأنه لما كان محل الضرر المعنوي ليس مصلحة مالية، بل مصاباً في الشعور أو العاطفة أو الكرامة أو الشرف أو ما شابه ذلك مما يصيب الواحد في قيم معنوية مهمة في حياته، لذا فإنه، وفق مدلول ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا، من الخفايا غير المدركة بالظاهر، فلا يمكن، بالتالي، لمسه والوقوف عليه وتحديد عناصره. وحسب مدعيه لقبول طلبه التعويضَ عنه معقوليةُ تصور ترتبه عن الخطأ، ومعقولية تقدير المبلغ المراد جبراً له أو تخفيفاً منه ضمن الحدود القيمية المقررة في الاتفاقية. لذلك تقدر المحكمة لكل متعاقد أربعة آلاف دينار تعويضاً مهوناً عليه مما أصابه من ضرر معنوي تتصوره في ما ألمَّ به في شعوره وعاطفته من خيبة أمل وانكسار للخاطر وشجن بسبب وقع الاعتداء عليه في مشروع بذل فيه المال والوقت والجهد، وبلا ريب، خطط له وتلهف إليه زمناً ليس بالقصير، فمثله لا يفعله المرء كلَّ يوم، لينتهي فجأة إلى نهاية مهينة قاسية يجد نفسه فيها مكرهاً على مغادرة الطائرة بعدما سلك مراحل تنفيذية وصلت به إلى مقعده فيها.

وحيث إنه عن المصاريف، فإن المحكمة تلزم المدعى عليه الأول بها لكونه المحكوم عليه في الدعوى، وذلك وفقاً للمادتين 281 و282 من قانون المرافعات.

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً للمدعين والمدعى عليه الأول، وغيابياً للمدعى عليه الثاني:

أولاً: بإلزام المدعى عليه الأول بأن يرد لكلِّ واحد من المدعين أجرة نقله كما يلي:

  1. المدعي الأول، 829.550 ديناراً عن نفسه، و657.200 ديناراً بصفته ولياً على ابنه "..."؛
  2. المدعي الثاني، 829.550 ديناراً؛
  3. المدعي الثالث بصفته ولياً على ابنه "..."، 829.450 ديناراً؛
  4. المدعي الرابع، 829.550 ديناراً؛

ثانياً: بإلزام المدعى عليه الأول بتعويض كلِّ مدع عما أصابه من ضرر معنوي كالتالي:

  1. ثمانية آلاف دينار للمدعي الأول عن نفسه وبصفته ولياً على ابنه "..."؛
  2. أربعة آلاف دينار لكلٍّ من المدعي الثاني، والمدعي الثالث بصفته، والمدعي الرابع؛

ثالثاً: بإلزام المدعى عليه الأول بالمصاريف، وبرفض ما عدا ذلك من طلبات. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                            القاضي

 

أُودعت الأسباب في: 24-4-2019
 

[1]  دخلت الاتفاقية وبروتوكول التعديل حيز النفاذ في تركيا بتاريخ 23-6-1978.