2 ج د: بناء بدون ترخيص (براءة)

:

المحكمة هي صاحبة الاختصاص بالتكييف القانوني لتأشيرة جهة الإدارة على طلب المتهم الحصول على ترخيص بأعمال الصيانة؛ إعطاء عبارات التأشيرة المعنى العادي الظاهر من ألفاظها في السياق الذي وردت فيه هو السبيل الأساسي للوصول إلى مدلولها القانوني؛ إذا كانت الألفاظ المستعملة تقطع في الدلالة على أن التأشيرة إخبارية تقريرية مرخصة بالصيانة، لا شرطية، كانت قراراً إدارياً مفصحاً عن اتجاه إرادة جهة الإدارة إلى الموافقة.

مبدأ مشروعية القرارات الإدارية وبقاؤها كذلك إلى أن يتم إلغاؤها مبدأ مفرط البداهة ومن طائفة المسلمات في عالم القانون؛ مخالفة القرار الإداري للشكل الجوهري، لا غير الجوهري، هي ما تودي بوجوده القانوني بلا حاجة إلى حكم من القضاء الإداري؛ يكون الشكل جوهرياً إذا ترتب على مخالفته تأثير في موضوع القرار أو انتقاص من ضمانات الأفراد. شرط تقديم طلب الترخيص بالصيانة على أنموذج محدد، وشرط تفريغ الترخيص في آخر خاص لا يتعلقان بالضمانات المقررة لصالح طالب الترخيص، وليس من شأن تمظهر الترخيص أو طلبه في أنموذجه المعد أن يغير بحال من مضمون القرار بالإذن، وإذاً فهما شكلان ثانويان لا يترتب على تخلفهما مساس بالوجود القانوني للقرار.

:

[القاعدة]

[المحكمة هي صاحبة الاختصاص بالتكييف القانوني لتأشيرة جهة الإدارة على طلب المتهم الحصول على ترخيص بأعمال الصيانة؛ إعطاء عبارات التأشيرة المعنى العادي الظاهر من ألفاظها في السياق الذي وردت فيه هو السبيل الأساسي للوصول إلى مدلولها القانوني؛ إذا كانت الألفاظ المستعملة تقطع في الدلالة على أن التأشيرة إخبارية تقريرية مرخصة بالصيانة، لا شرطية، كانت قراراً إدارياً مفصحاً عن اتجاه إرادة جهة الإدارة إلى الموافقة.

مبدأ مشروعية القرارات الإدارية وبقاؤها كذلك إلى أن يتم إلغاؤها مبدأ مفرط البداهة ومن طائفة المسلمات في عالم القانون؛ مخالفة القرار الإداري للشكل الجوهري، لا غير الجوهري، هي ما تودي بوجوده القانوني بلا حاجة إلى حكم من القضاء الإداري؛ يكون الشكل جوهرياً إذا ترتب على مخالفته تأثير في موضوع القرار أو انتقاص من ضمانات الأفراد. شرط تقديم طلب الترخيص بالصيانة على أنموذج محدد، وشرط تفريغ الترخيص في آخر خاص لا يتعلقان بالضمانات المقررة لصالح طالب الترخيص، وليس من شأن تمظهر الترخيص أو طلبه في أنموذجه المعد أن يغير بحال من مضمون القرار بالإذن، وإذاً فهما شكلان ثانويان لا يترتب على تخلفهما مساس بالوجود القانوني للقرار.]

 

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ:25 من ذي الحجة 1439هـ.، 5- 9- 2 18م، 
برئاسة د. عيـاد علي دربال القاضي، وبحضور الأخوين: ... عضو النيابة العامة، و... كاتب الجلسة، 
أصـــدرت المحكمةُ، بتوفيقِ اللهِ تعالى، هذا الحكمَ 
في الدعوى المقيّدة بالسجلّ العام تحت رقم: ...-2 16 حرس بلدي صبراتة، المرفوعة من النيابة العامة بمحكمة صبراتة الجزئية، 
ضـــد 
.... 
لأنه بتاريخ 3 -11-2 16 وما بعده بدائرة مركز الحرس البلدي صبراتة، 
قام بأعمال الصيانة لبناء دون الحصول على ترخيص بذلك من الجهات ذات الاختصاص. وذلك بأن قام بالبدء في ترميم وصيانة العقار الموصوف بالأوراق، وهو بعد لم يتحصل على ترخيص يخوله ما يقوم به، على النحو الثابت بالأوراق. 
الفعل المنطبق عليه الجنحةُ المنصوص عليها بالمادتين 23(1) و32 من القانون 3 لسنة 12 بشأن التخطيط العمراني. 

ملخص الدعوى 

تشير المحكمة بداءة إلى الخطأ المادي الحاصل في اسم المتهم في قرار الاتهام وتصحّحه؛ إذ أن اسمه، حسب الثابت بأوراق الدعوى، ... وليس كما ورد في القرار. 
تخلص الدعـوى في ضبط الحرس البلدي بصبراتة للمتهم بسبب أعمال الصيانة التي يجريها بمبنى كائن في نطاق مخطط مدينة صبراتة. وحيث إنه بضبط أقواله بمحضر جمع الاستدلالات، أقر بالأعمال معقباً بأن لديه ترخيصاً بها من مكتب الإسكان والمرافق وخريطة معتمدة من المكتب نفسه بشكل الصيانة. 
عُرضت الأوراق على النيابة العامة، فأمر وكيلُها بتكليف مهندس من مكتب الإسكان والمرافق بالبلدية لبيان ما إذا كانت أعمال الصيانة تلتزم حدودَ الإذن الممنوح من المكتب للمتهم والمثبت على طلبه الذي تقدم به إليه. 
بتاريخ 7-12-2 16، أعدّ أعضاء لجنة مكلفة من مكتب الإسكان والمرافق صبراتة تقريراً فنياً مفاده أن المبنى موضوع الأوراق متهالكُ السقف والجدران، وأنه عرضة للانهيار، وأن تغييراً حصل في نمطه المعماري، موصين بالمحافظة على النمط القديم المتعلق بحليات الأبواب والنوافذ، مصدقين ما ورد في التقرير الهندسي الذي أعده مكتب ... للأعمال الهندسية بتاريخ سابق من بيان عن أن البناءَ منزلٌ قديم جداً مسقوف خشباً وآجراً، متصدع الجدران، متهالك، وخطر على الموجودين به، منتهين إلى طلب التقيد بتنفيذ الأعمال المدنية وفق الخرائط المعتمدة. 
بتاريخ 27-12-2 16، تقدم المتهم بشكوى إلى النيابة العامة بصفته وكيلاً عن والدته ... ضد ... مدير مكتب السياحة صبراتة بدعوى أنه كان قد تحصل من "المرافق" على ترخيص بصيانة المبنى موضوع الأوراق والمملوك لوالدته، وأنه باشر الأعمال منجزاً منها ما يعادل 7 %، إلا أنه فوجئ برسالة من المدير المذكور إلى رئيس المجلس المحلي يطلب إليه مخاطبة جهاز الحرس البلدي بإيقاف أعمال الصيانة "مهما كانت الأسباب والمبررات حتى يصدر إذن بالترميم من جهاز إدارة المدن التاريخية"، وقد استجاب لذلك برسالة إلى الجهاز، وذلك كلُّه على الرغم من أن المبنى لا يعد من المباني التاريخية بالمدينة وفقاً لقرار اللجنة الشعبية العامة رقم 296 لسنة 2 8 بتحديد تبعية بعض المدن والقرى التاريخية. أرفق المذكور هذا القرار والرسالتين وكتاب وزارة الحكم المحلي إلى رئيس المجلس المحلي صبراتة بتحديد الآثار الواقعة داخل حدوده الإدارية والتي ليس منها المبنى موضوع الدعوى. 
أحيلت الأوراق إلى النيابة العامة فقرر وكيلها بتاريخ 28-12-2 16، بعد التقديم بأنه اجتمع بكل من "مدير مكتب الإسكان والمرافق صبراتة، ومندوب عن مكتب السياحة صبراتة ورئيس فرع الحرس البلدي صبراتة" حيث أفاد الأولان بأن لا ترخيص للمتهم بأعمال الصيانة، قرّر تكليف مهندس من مكتب الإسكان والمرافق صبراتة للتحقق من وجود الترخيص وصحته والتزام المتهم بحدوده. بعد ساعات قليلة، أصدرت النيابة العامة أمراً بإيقاف المتهم عن الاستمرار في أعمال الصيانة، وذلك بعد أن وردت مراسلة من المهندس ... مسؤول مكتب الإسكان والمرافق صبراتة مفيداً: 
 1. أعمال الصيانة والبناء التي تتم بالمبنى تجري بطريقة غير قانونية؛ 
 2. الأعمال التي تنفذ تتم بدون ترخيص بناء أو صيانة أو ترميم؛ 
3. لم تقدم خرائط وفق الأصول الفنية لمثل هذه الأعمال. 
تظلم المتهم من الأمر لدى رئيس النيابة، فعرض الأوراق على أحد أعضاء النيابة الكلية. انتهى العضو إلى عدم قيام الجريمة في حق المتهم وذلك لحصوله على موافقة بأعمال الصيانة ووفق خريطة معتمدة من مكتب الإسكان والمرافق. وعن رسالة مسؤول المكتب، فإنها، وفقاً للرأي، تناقض تأشيرته على الطلب المقدم إليه من المتهم بالإذن بأعمال الصيانة. عُرضت الأوراق على عضو آخر بالنيابة فانتهى بعد الإشارة إلى سقوط الوصف الجنائي عن فعل المتهم بانهيار الركن المعنوي، انتهى إلى رفض التظلم تأسيساً على دعامتين: الأولى، أن المتهم وإن تحصل على موافقة بمنح الترخيص المطلوب، إلا أنه لم يتحصل على الترخيص على الأنموذج المعد لذلك، وهكذا فإن تلك الموافقة لا تعد ترخيصاً بالمعنى القانوني؛ الثانية، أن مسؤول مكتب الإسكان والمرافق أورد في رسالته أن أعمال الصيانة تجري بلا ترخيص ومن دون تقديم خرائط وفق الأصول الفنية. 
عُرض التظلم من بعدُ على وكيل النيابة العامة بمكتب المحامي العام بمحكمة استئناف الزاوية، فأورد في مذكرته ما فحواه أنْ لا ترخيص موافق للقانون بالصيانة، وذلك لأن طلبي الترخيص لم يُقدما على الأنموذج المحدد قانوناً لذلك، وهو ما "قد" يؤثر في تحقق القصد الجنائي عند المتهم والحال أن هذا الإجراء خاص بموظفي المرافق قد يجهله طالب الترخيص. 
استأنف المتهم أعمال الصيانة بناء على أمر على عريضة صادر عن قاضي الأمور الوقتية بمحكمة الزاوية الابتدائية بتاريخ 23-1-2 18 ومذيَّل بالصيغة التنفيذية. يُلزم الأمرُ المعروضَ ضدهما، وزير الإسكان والمرافق ومدير مكتب الإسكان والمرافق صبراتة، بتمكين المتهم من استكمال أعمال الترميم والصيانة للمبنى موضوع الاتهام. 
في 26-4-2 18، اشتكى "مدير مكتب الرخص بالإسكان والمرافق صبراتة" ... بشأن ذلك إلى مركز الحرس البلدي بدعوى أن ما يحصل في مبنى ... موضوع الأوراق مخالف، وذلك بقالة أن "البناء بدون ترخيص وبدون خط تنظيم وتشوه المنظر (النمط المعماري) والبناء في ردود الطريق والبناء في الرصيف العام وعدم استعمال وسائل السلامة وبدون الإشراف من لجنة تجميل المدينة أو مكتب مختص معتمد من المرافق...." أضاف بأنه أعد تقريرين بتاريخ 23 و26-4-2 18 في هذا الشأن وسلمهما إلى "مسؤول الإسكان والمرافق". في 29-4-2 18، تقدم بشكوى بالدعوى ذاتها إلى المحامي العام، مرفقاً التقريرين متضمنين إجمالاً قائمة بالمخالفات التي ذكر. 
انتقل مأمور الضبط القضائي إلى مكان الواقعة وأثبت تحقق استئناف أعمال الصيانة. ذكر أن المتهم أبلغه بالموقع أنه يفعل ما يفعل بحكم من المحكمة، وأنه كان قد سلم صورة منه إلى رئيس مركز الحرس البلدي صبراتة. 
بتاريخ 6-5-2 18 قدم مدير مكتب الرخص سالف الذكر تقريراً فنياً بأن المتهم يستحدث إضافات بالمبني بلا ترخيص، تتمثل في: 
1. بناء قواعد خرسانية مسلحة بالرصيف العام وخارج المبنى؛ 
2. أعمدة من الخرسانة المسلحة بالرصيف العام وداخل المبنى؛ 
3. بناء سملات خرسانة مسلحة بالرصيف العام لربط القاعد الخرسانية الخارجية ببعضها البعض؛
4. بناء بالسقف بروز خارجي في حدود (1) متر طائر بالفضاء العام؛ 
5. الخرسانة المسلحة التي أُضيفت ليست صيانة بل إضافات لدور آخر أو دورين لمبنى موضوع الطلب. 
أحيلت الأوراق إلى مكتب المحامي العام. في 6-5-2 18، فتحت النيابة العامة بالمكتب تحقيقاً في شكوى المتهم المشار إليها والمقدمة بتاريخ 27-12-2 16 ضد ... مدير مكتب السياحة صبراتة. وحيث إنه بسؤال هذا المدير عما إذا كان المبني موضوع الأوراق من ضمن المباني الأثرية القديمة، أجاب بأنه "مبنى قديم يحمل الخصوصية لمدينة صبراتة". 
وحيث إنه بسؤال ... مسؤول الإسكان والمرافق صبراتة، أقر بأنه مَن أشر على طلبين تقدم بأحدهما المتهم وبالآخر ... للحصول على ترخيص بالصيانة. أشر عليهما بـعبارة "لا مانع من الصيانة بعد إحضار المستندات المطلوبة". شرح التفاصيل بما جماعه أنه بتاريخ 31-8-2 16، أذن لـ ... بالصيانة "بشرط الالتزام بالنمط المعماري والإشراف يكون من لجنة تجميل المدينة المعدة من قبل البلدية". وفقاً له، رصدت لجنة المخالفات تحويراً بالعقار وتغييراً في معالمه، فأوقفت الصيانة بناء على كتاب من عميد البلدية بإيقاف المخالفات والتراخيص. وعلى حد قوله، تقدم "بعدها"، وبتاريخ 25-7-2 16 المتهمُ بطلب ترميم وصيانة، فأذن له في ذلك بعبارة "لا مانع من الصيانة بعد إحضار المستندات"، وأحيل الإذن إلى قسم الرخص. 
وحيث إنه بسؤال ... مدير مكتب الرخص بشأن شكواه المشار إليها، أفاد بأن المتهم تقدم إليه في 25-7-2 16 بصفته وكيلاً عن ... وورثة ... بطلب لمنحه ترخيصاً بصيانة المبني موضوع الأوراق مرفقاً به صورة ضوئية للشهادة العقارية رقم ... وخريطة المبنى، فأشر على الطلب بأن لا مانع بشرط تقديم مستندات حددها بالتأشيرة. أضاف بأن المتهم عاد بعد "زمن" وقدم طلب الإذن بالصيانة إلى رئيسه ... مسؤول مكتب الإسكان والمرافق، فأشر على الطلب وذيل التأشيرة بتوقيعه وختْمه بعد أن أحضر المتهم مستنداته. تقدم بعد ذلك شقيق المتهم "..." بطلب بالإذن بصيانة المبنى ذاته فأشر عليه مسؤول المكتب نفسه بأن لا مانع من الصيانة بشرط "الالتزام بالنمط الجمالي للمدينة". بعد ذلك، باشر المتهم أعمال الصيانة معتبراً تلك التأشيرات ترخيصاً بها. ولوقوع المبنى بمدينة صبراتة الأثرية، "حصلت بعض المشاكل داخل مدينة صبراتة". عقد اجتماع بسبب ذلك وبحضور النيابة العامة انتهى بتقرير إيقاف المتهم عن البناء لكونه مخالفاً للقانون. 
وحيث إنه باستجواب المتهم، أقر بالبدء في صيانة المبنى موضوع الدعوى، ذاكراً أنه ملك والدته ... وأنه موكل منها في ذلك. وأضاف بأن والدته تملك هذا المبنى بموجب الشهادة العقارية رقم .... وهي شهادة بملكية المذكورة مع ثمانية آخرين في العقار موضوع الدعوى بما مقداره"35 حصة" من "84 حصة". وبمواجهته بالتهمة المسندة إليه، أنكرها بقولة أنه تقدم بطلب للحصول على ترخيص فأُشر عليه بعدم الممانعة بعد إحضار المستندات، مخطِّئاً ما نسبه وكيل النيابة المحقق إلى ... مدير مكتب الرخص من القول بعدم تقديم المستندات المطلوبة، معتبراً التأشيرة ترخيصاً لاسيما أنه تقدم بطلب الحصول على الترخيص أكثر من سبع مرات. وفي معرض إجابته عن سؤال المحقق عن مستند استئنافه أعمال الصيانة بعد صدور الأمر الولائي، رد بأنه لا يحتاج ترخيصاً آخر والحال أن تأشيرة مكتب المرافق والإسكان تعد في ذاتها ترخيصاً، وبأن التجاءه إلى القضاء ما كان إلا بعدما بنت النيابة العامة أمرها بالإيقاف على "رسالة مغلوطة من المرافق". أضاف بأنه غير معنيٍّ بما تشير إليه النيابة العامة من وجوب أن يكون الترخيص على "نماذج تراخيص"؛ إذ هذا من شأن الموظف المختص. 
أوقف المحققُ الأعمالَ المستأنفة وأعد مذكرة بالتصرف خلص فيها إلى أن لا ترخيص للمتهم بما يجري من أعمال صيانة، وأن "التأشيرة الممهورة بطلبه بعدم الممانعة لا تعد ترخيصاً لكونها مشترطة بتوافر مستندات لم يقم المعني بتقديمها." مضيفاً أنه حتى مع افتراض كونها ترخيصاً، فإن المتهم نفذ أعمالاً منافية للترخيص "من تكسير ما هو غير داخل في عقاره "المرشبيدي" فحفر وأنشأ بها قواعد منها أقام أعمدة. كما حور في المبنى [بما] يخرجه عما كان عليه من مظهر يتنافى ووجود البناء في المدينة الأثرية." زاد على ذلك أن انعدام الترخيص مؤكد بالمراسلات الصادرة عن جهة الإدارة ببلدية صبراتة. لذلك، انتهى إلى إقامة الدعوى الجنائية ضد المتهم بمقتضى قرار الاتهام الذي يتصدر هذا الحكم. 
أمام المحكمة، حضر المتهم وحضر معه تعاقباً محاميتاه فاطمة الكرشودي وعائشة عون من مكتب المحاماة العامة صبراتة. سألته المحكمة عن الاتهام المسند إليه فأنكره بحجة أن ما أجراه من أعمال صيانة بالعقار موضوع الدعوى كان بترخيص من "مكتب المرافق"، ذاكراً أن هذا المكتب اعتمد خريطة الصيانة وأشرف عليها. وبسبب "مضايقات الحرس البلدي ومختاري المحلة"، تقدم بطلب آخر إلى المرافق لحسم الأمر، فأذن بالصيانة بشرط إشراف لجنة تضمن محافظة المبني على نمطه المعماري. أضاف بأن الإذن الممنوح له يعد ترخيصاً، وأن هذا ما صدقته محكمة الاستئناف، قاصداً حكمها برفض التظلم من الأمر الولائي المشار إليه. وقال إنه التزم بحدود الإذن بأعمال الصيانة مدللاً على ذلك بما أكده تقرير الخبير القضائي بمحكمة الزاوية الابتدائية، منتهياً إلى طلب الحكم ببراءته مما نسب إليه. 
قدم المتهم صوراً ضوئية للمستندات التالية: 
- طلبه المتقدم به بتاريخ 25-7-2 16 إلى رئيس قسم الرخص وقد أشر عليه هذا الأخير في اليوم التالي بعبارة: "لا مانع من منحه الترخيص المطلوب بشرط إحضار المستندات المطلوبة وهي ..."، كما أشر عليه مسؤول الإسكان والمرافق المذكور بعبارة: "بعد إحضار المستندات المطلوبة، لا مانع من الصيانة." وذيل التأشيرة بتوقيعه وختمه؛ 
- طلب مقدم من ... في 31-8-2 16 بالحصول على ترخيص صيانة للمبنى موضوع الدعوى مذيل ببيان عن المستندات المرفقة، وموجه إلى مسؤول مكتب الإسكان والمرافق صبراتة. وضع عليه هذا الأخير تأشيرتين جاء في الأولى بتاريخ 3-9-2 16 عبارة: "... رئيس قسم إصدار الرخص لإتمام الإجراء"، وفي الثانية بتاريخ 8-9 عبارة: "لا مانع من الصيانة بشرط 1- الالتزام بالنمط المعماري؛ 2- الإشراف يكون من لجنة تجميل المدينة." ذيل التأشيرتين بتوقيعه ومهر الأخيرة بختمه؛ 
- خريطة للمبنى موضوع الدعوى، تحققت المحكمة من مطابقتها للأصل، موقعاً عليها ومختوماً من مكتب ... للأعمال الهندسية ومؤشراً عليها بالاعتماد وبتوقيع مسؤول مكتب الإسكان والمرافق صبراتة وختمه؛ 
- الأمر على عريضة المشار إليه والذي يحمل رقم ...-2 18 مذيَّلاً بالصيغة التنفيذية؛ 
تمسكت النيابة العامة بقرار الاتهام وطلبت تطبيق أقصى عقوبة. 
دفع دفاع المتهم بعدم قيام الجريمة في حق موكله لحصوله على ترخيص بالأعمال. قدم مذكرتين بالدفاع ضمَّنهما ما تجمله المحكمة في الدفوع التالية: 
1- عدم قيام الجريمة في حق المتهم، وعدم تحقق القصد الجنائي أصلاً لكونه قد تحصل على موافقة كتابية بإجراء أعمال الصيانة؛ 
2- تحصل المتهم على الموافقة بعد أن استوفى المستندات المطلوبة منه، وهو ما أكده مدير مكتب المرافق بتأشيرته، وقد تم تسليم المتهمِ الموافقةَ والخريطةَ المعتمدة؛ 
3- إن رخصة البناء هي قرار إداري تصدره جهة مختصة بتنظيم المباني تأذن فيه بإقامة بناء جديد أو تغيير بناء قائم قبل البدء في أعمال البناء. والقرار الإداري هو إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح، وذلك بقصد إحداث أثر قانوني معين، متى كان ممكناً وجائزاً قانوناً، وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة. ولذلك فإن الموافقة الممنوحة للمتهم هي قرار إداري كامل الأركان، متحصن من الإلغاء، حامل لقرينة المشروعية، ذو قوة تنفيذية من وقت إصداره، منتج كلَّ آثاره القانونية، وليس لواقعة تسليم "الكرت"، وهي واقعة مادية، تأثيرٌ في المراكز القانونية المترتبة؛ 
4- أعمال الصيانة التي أجراها المتهم موافقة للخريطة المعتمدة من المرافق وفق ما أثبته الخبير القضائي، وذلك خلافاً لما جاء على لساني مسؤول قطاع الإسكان والمرافق ومدير مكتب الرخص؛

 5- ما قدمه المتهم من مستندات للحصول على الترخيص موافق للقانون وفق ما أقر به كتاب مدير إدارة الدراسات بوزارة الإسكان والمرافق بطرابلس الذي يعرب فيه عن استغرابه من عدم منح الترخيص على الرغم من طول المدة؛ 
 6- الاتهام كيدي كما يظهر من التناقض بين إقرار الحرس البلدي أن الإعمال تجري بترخيص وبين فتحه المحضر في المقام الأول، ومن تناقض أقوال المسؤولين من مكتب الترخيص والإسكان والمرافق مع ما أورده الخبير القضائي من انعدام خروج الأعمال عن المحدد بالخريطة؛ 
 7- الأسباب الجهوية المقيتة هي ما كان وراء معارضة الصيانة، "لأن أسرة موكلي من مدينة ..." على حد تعبير الدفاع. ويشهد لهذا أنه على الرغم مما تشهده البلاد من فوضى وكثرة البناء العشوائي والمخالف، لم تقيد خلال سنة كاملة إلا المخالفة موضوع الدعوى وفي الشهر الأخير من السنة كما يظهر من رقمها...؛ 
 8- كان على النيابة ألا تعتمد على شهادات أولئك المسؤولين، بل كان عليها أن تعاين المبنى بنفسها أو أن تنتدب خبيراً مستقلاً عن أطراف الدعوى. 
أضاف الدفاع إلى ما قدمه المتهم صوراً ضوئية للمستنداتِ التالية: 1- حكم محكمة استئناف الزاوية برفض الطعن في الأمر الولائي المشار إليه بتبرير أنه صادف صحيح القانون والحال أن الصادر لمصلحته "المتهم" كان، قبل البدء في العمل، قد تحصل على إذن بالترميم من الجهة المختصة؛ 
 2- تقرير الخبير القضائي المعد بموجب الأمر الولائي رقم ...-2 18 الصادر عن محكمة الزاوية الابتدائية بشأن مدى مطابقة أعمال الصيانة المنفذة على المبنى موضوع الدعوى للخرائط المعتمدة. ستشير المحكمة لاحقاً إلى فحواه ومنتهاه؛ 
 3- كتاب مدير عام التخطيط والمتابعة بوزارة الإسكان والمرافق في 1-1-2 18 بشأن "صحة إجراءات الطلب المقدم من السيد ... [المتهم]"؛ 
انتهى الدفاع إلى طلب الحكم ببراءة المتهم، وعلى سبيل الاحتياط، الأخذ بظروف الرأفة والرحمة بإعمال المواد 29 و 112 و113 من قانون العقوبات. 
وحيث إنه عن فحوى تقرير الخبير القضائي ومنتهاه، فإنه تقرير أعده صاحبه في ست عشرة صحيفة. غلب عليه التفصيل الوافي والإلمام بمعظم نواحي الموضوع ووقائعه والمستندات المقدمة من أطراف الدعوى. وصفَ المبنى موضوع الدعوى بأنه محلات تجارية ذات أبواب خارجية يتوسطها فراغ يستخدم كسكن قديم. يقع المبنى بالمنطقة التجارية بمخطط مدينة صبراتة. انتهى الخبير في تقرير إلى ما تجمعه المحكمة في التالي: 
 1- الإذن بالصيانة يعد ترخيصاً بها على الرغم من معارضة مسؤول الترخيص وعدم تحريره على النموذج المعدّ؛ 
 2- لا يزال المبنى محافظاً على نمطه المعماري من حيث ارتفاعه وفتحات أبوابه وشكله المعماري؛ 
 3- لم تتجاوز الأعمالُ المنفذة المساحةَ المملوكة لمالك العقار حسب الشهادة العقارية؛ 
 4- ما تم من أعمال صيانة مطابقٌ للخريطة المعتمدة من المرافق؛ 
 5- الأعمال المنفذة مطابقة للحدود الوارد ذكرها في الوصفة الفنية؛ 
 6- الأعمال محافظة على الارتفاع وعلى عدم الاعتداء على الرصيف، والأعمدة المقامة مطابقة للوصفة الفنية؛ 
 7- مواد البناء واقعة ضمن حدود الوصفة الفنية؛ 
 8- اللجنة المعمارية المشار إليها في الإذن بالصيانة لا تختص بالإشراف على أعمال الصيانة بل على أعمال الإنشاء. 
أرفق الخبير ست صور شمسية ملونة لواجهات المبنى أشار إلى أن المتهم هو من قدمها له. تُظهر ثلاثٌ منها تهالكاً شديدًا في الجدران وانهياراً في السقف، وذلك في الأجزاء الملتقطة منه. أما الثلاث الأُخر، فتصور المبنى من الخارج بحيث تصور واحدةٌ الحالةَ المتهالكة التي كان عليها قبل الصيانة فيما تصور الأخريان المبنى من الخارج أثناء عملية الصيانة. 
حجزت المحكمة الدعوى للحكم بآخر جلسة اليوم، وفيها قضت بالوارد بالمنطوق. 

الأسباب 

بعد الإحاطة بمفردات الدعوى وسماع أقوال المتهم وطلبات النيابة العامة، أصدرت المحكمةُ الحكمَ التالية أسبابُه ومنطوقه. 
حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر المتهم جلسة المرافعة، إذاً فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً بالنسبة إليه عملاً بالمادتين 21(1) و212 إجراءات جنائية. 
تشير المحكمة بادئ الرأي إلى أنها تقصَّدت من استعراضها معظم دقائق الدعوى ومَاجَريات وقائعها بإيجاز مفصل عرضَ مواقف أطراف الدعوى وتلمُّس أسانيد كلٍّ في وجهته التي يوليها حتى لا يفوتها تناولُ الجوهري منها عرضاً فردَّاً أو تأييداً. 
وحيث إن المحكمة وهي تفحص الدعوى وتزنها بميزان القانون استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، سائلةً الله تعالى التوفيقَ والسداد، يبين لها أن الطافح من المنازعات يتمثل في ثلاث مسائل أساسية: الأولى، مدى حق المتهم في الترخيص في المقام الأول؛ الثانية، مدى صحة وقوع العقار موضوع الدعوى ضمن الجزء الأثري بالمدينة؛ والثالثة، ما إذا كان أيٌّ من التأشيرات المثبتة على طلبي الحصول على ترخيص يصلح لتكييفه ترخيصاً منتجاً للآثار القانونية التي يوجبها الترخيص. 
في نظرها الدعوى المطروحة، تنبه المحكمة بداءة إلى أن ليس من شأنها البحث في المسألة الأولى، استحقاق المتهم ترخيصاً أو عدمه؛ إذ ما هذا موضوع ما هو بمطروح أمامها. كما أن المسألة الثانية ظاهرة الوضوح من حيث إن البيانَ الحصري بالمواقع الأثرية بالمدينة المشار إليه والمعد من الجهة المختصة لا يشمل المبنى موضوع الدعوى. وهي مسألة لا تبدو ذات منازعة جدية لاسيما أن مدير مكتب السياحة صبراتة نفى عن المبنى الصفة الأثرية. ولهذا فليس من شيء يلزُّ المحكمة إلى استدعاء نصوص قانونية غير الواردة في مواد الاتهام. أما المسألة الثالثة، فهي ما تجدها المحكمةُ جوهرَ الخلاف بين أطراف الدعوى وعامل الحسم. فنفيها هو مرد النيابة العامة في اتهامها، فيما إثباتها هو مسوِّغ المتهم القانوني لسلوكه. وعلى هذا فإنها وحدها ما ستقف المحكمة عند حدودها عن طريق التحقق من مدى كفاية أيٍّ من التأشيرات المذكورة لتسويغ الفعل وإباحته. 
وحيث إنه لتجيب المحكمة على ذلك، تتناول المسألة ضمن محورين: الأول، التكييف القانوني للتأشيرة؛ الثاني، القيمة القانونية للتأشيرة وأثرها في إطار قانون التخطيط العمراني. 
وحيث إنه عن المحور الأول، فإن المحكمة، وهي صاحبة الاختصاص المانع في هذه الدعوى بالتكييف القانوني الصحيح للتأشيرات المثبتة على طلبي الحصول على ترخيص بأعمال الصيانة، فإنها تمارس اختصاصها هذا من دون الاعتداد بأي من التكييفات التي يتحدى بها أطراف الدعوى، بما فيها تكييف الإدارة صاحبة التأشيرات نفسها، بل تستقرِيْها وتكيفها وفق القواعد المقررة قانوناً، والتي تفرض البدء بإعطاء العبارات المستخدمة المعنى العادي الظاهر من ألفاظها في السياق الذي وردت فيه. 
وحيث إن الذي تطمئن إليه المحكمة مما سبق استعراضه أن طلب الترخيص الأول كان قد قُدم إلى رئيس مكتب الرخص بالإسكان والمرافق صبراتة بتاريخ 25-02-2016 مرفقاً به صورة ضوئية للشهادة العقارية وخريطة المبنى. أشر على الطلب بأنْ لا مانع بشرط تقديم مستنداتٍ حددها بالتأشيرة. عاد المتهم بعد ذلك وقدم الطلب نفسه إلى ... مسؤول مكتب الإسكان والمرافق بعد أن أحضر المسوغات المطلوبة، على حد ما أورده رئيس مكتب الرخص بالإسكان والمرافق صبراتة أمام النيابة العامة. أشر المسؤول على الطلب بلا مانع من الصيانة، مصدِّراً تأشيرته بالإقرار بإحضار المسوغات المطلوبة، مذيلاً إياها بتوقيعه وختمه. أما القول بأن هذه التأشيرة مشروطة بتقديم المستندات المطلوبة، فلا وجه لقبوله والحال أن الألفاظ المستعملة، وهي الفيصل في الأمر، تقطع في الدلالة على أن التأشيرة إخبارية تقريرية لا شرطية كتلك الصادرة عن رئيس مكتب الرخص. فهي تخبر عن واقعة تحقق تقديم المستندات المطلوبة، ثم تقرر بناء عليها. زد على ذلك أن القول بغير هذا يخرج الألفاظ المستعملة في العبارة عن معناها في السياق الذي وردت فيه؛ إذ جاءت تالية زمنياً لتأشيرة رئيس مكتب الرخص المشترِطة المستندات، ما يعني أن صاحب التأشيرة الأخيرة يقر بأن إذنه في الصيانة جاء بعد تحقق الشرط الموضوع ابتداءً، وإلا فلن يكون لهذه العبارة معنى مستساغ. 
أما طلب الترخيص الثاني، فكان قد قُدِّم إلى المسؤول نفسه بتاريخ 1-9-2016 بطلب الإذن بالترميم والصيانة مع المحافظة على طابعه المعماري الحالي وتحت إشراف جهة فنية، وذلك بعد "حصول مشاكل" بسبب أعمال الصيانة المبتدرة. أُرفق بالطلب الشهادة العقارية؛ رفع مساحي بالمبنى؛ وصفة فنية هندسية؛ تقرير هندسي بالمبنى. أشر المطلوب منه عليه بلا مانع من الصيانة بشرط الالتزام بالنمط المعماري وأن يكون الإشراف من لجنة تجميل المدينة، معلناً بذلك، وبكل وضوح، عن اتجاه إرادة جهة الإدارة إلى الموافقة على أجراء الصيانة المطلوبة. 
وحيث إنه لما كان إفصاحُ جهة الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة عامة بمقتضى القوانين واللوائح، بقصد إحداث أثر قانوني معين، ممكن وجائز قانوناً مبعثه ابتغاء مصلحة عامة يعدُّ في الفقه والقضاء الإداريين قراراً إدارياً. وحيث إن التأشيرتين كلتيهما صادرتان عن جهة الإدارة، تعبر في كلٍّ منهما عن إذنها بإجراء أعمال صيانةٍ على المبنى موضوع الدعوى هي في الأصل أعمال غير جائزة إلا بموافقتها. لهذا لا يشق على المحكمة أن تقرر اندراجَ كلٍّ من التأشيرتين تحت مسمى القرار الإداري وفق مفهومه المستقر عليه فقهاً وقضاءً، وهو ما يستتبع جريانَ أحكامه عليهما لتكون هي المرجع المعياري للقول بمشروعية القرار أو بعدمها. 
وحيث إنه من المعلوم في القانون بالضرورة أن القرارات الإدارية تلد مصحوبة بقرينة المشروعية والصحة، وتبقى كذلك مادام لم يتم إلغاؤها وفق الطرق المقررة قانوناً. وهذا يقتضي أنه لا يحل في القانونِ نفيُ صفة القرار الإداري عليه بحجة عدم مشروعيته بدعوى أنه مشوب بعيب في ركن من أركانه الأساسية. إذ لا سبيل لتقرير عدم المشروعية هذه إلا ذاك الذي رسمه المشرع، وهو دعوى إلغاء القرار الإداري أمام القضاء المختص والمقررة بالمادة الثانية من القانون رقم 88 لسنة 1971 من قانون القضاء الإداري. وعلى هذا استقر الفقه والقضاء الإداريان وقضاء المحكمة العليا كما يبين من أحكامها التي منها تلك الصادرة في الطعون الإدارية: 1-19ق؛ 2-2 ق؛ 1-22ق؛ 6-3ق حتى صار هذا المبدأ مفرط البداهة ومن طائفة المسلمات في عالم القانون. 
لما كان ذلك، وكان الذي يبين للمحكمة من استعراض مذكرات النيابة العامة وأقوال جهة الإدارة ومراسلاتها أن الظاهر أن منبع الخصام القانوني هو أنه لم يجر صبُّ الإذن بالصيانة ولا طلبه في الأنموذج المعد لذلك، وإذاً فإن القرار الإداري بالترخيص بالصيانة لم يأخذ الشكل المقرر له قانوناً، وهكذا فإنه غير موجود أصلاً. وحيث إنه لما كانت هذه المحاجة تقدح في المقام الأول في الوجود القانوني للقرار، لذا لا يكفي معها الاتكاء على مسلَّمة المشروعية للقول بمشروعية القرار بالإذن بالصيانة. فالوجود القانوني، ولا عجب، يتعلق بمسألة لها أعلوية على مقرَّرة المشروعية، ولهذا فإنها خليقةٌ بالتمحيص. 
وحيث إن القضاء الإداري وعلى رأسه المحكمة العليا قد توسع في نظرية انعدام القرارات الإدارية فلم يقصرها على القرارات المشوبة بعيب اغتصاب السلطة فقط، بل استغرق بها كذلك القراراتِ الإداريةَ المخالفة للقواعد الإجرائية والشكلية الجوهرية التي يتطلبها القانون. فالقرارات التي تتجاهل فيها جهة الإدارة تلك القواعد ليست قرارات غير مشروعة قابلة للإلغاء فحسب، بل، فضلاً عن ذلك، باطلة بطلاناً مطلقاً، معدومةً لا تتقيد بالأحكام العامة في إلغاء القرارات الإدارية، ويختص القضاء العادي والقضاء الإداري بتقرير بطلانها. ولهذا بات من المستقر عليه فقهاً وقضاء أن مخالفة القرار الإداري للشكل الجوهري المقرر قانوناً تودي بوجوده القانوني وتجرده من صفته الإدارية فيستحيل عملاً مادياً عديم الأثر القانوني لا محل للاعتداد به، وذلك بلا حاجة إلى حكم من القضاء الإداري بذلك. فإنْ صِير به إلى هذا القضاء وقرر الإلغاء، كان حكمه كاشفاً للبطلان لا مقرراً له. إذ الحكم المقرر للإلغاء لا يكون إلا في حالات العيب البسيط التي يستقر فيها القرار بعدم الطعن فيه في مواعيد معينة. ولهذا قضت المحكمة العليا بأنه إذا ما تطلب القانون أن يكون القرار الإداري مكتوباً، فإن مخالفة هذا الشكل تجعل القرار معدوماً غير مفصح عن إرادة جهة الإدارة ولا يترتب عليه آثار أو مراكز قانونية. (طعن إداري 4-15ق). على أن هذا الحكم للقرار المخالف للشكل المقرر لا يسري إلا إذا كان الشكل المغفول عنه جوهرياً. 
لما كان ذلك، فإنه يصير لزاماً على المحكمة التحقق مما إذا كان ما نعي به على القرار بالإذن بالصيانة يفضي إلى انعدامه. يقتضي هذا من المحكمة بحثَ ما إذا كان عيب الشكل المتحدى به متعلقاً بشكل جوهري أم ثانوي. والمحكمة إذ تفعل هذا، لهي على دراية تامة بنطاق سلطاتها وبأنها لا تصادر القضاء الإداري اختصاصَه بتقرير مشروعية القرارات الإدارية وعدمها. فبحث هذه المحكمة لا يطال مسألة المشروعية التي هي الأصل في القرار الإداري مادام لم يُلغ قضاءً، بل تتعلق بالوجود القانوني لهذا القرار أصلاً. وهذه مسألة لا يستقل بتقريرها القضاء الإداري، بل لا ريب في دخولها في اختصاص هذه المحكمة أيضاً لاسيما وهي تنظر اتهاماً جنائياً يتوقف الفصل فيه على حسمها. 
وحيث إن الفقه والقضاء الإداريين مجمعان على أن الشكل الجوهري في القرار الإداري هو ذاك الذي يترتب على مخالفته التأثير في القرار من حيث موضوعه، وذاك الذي ينتقص من ضمانات الأفراد. فإذا لم يكن للشكل أو الإجراء أثرٌ حاسم في إرادة الإدارة لدى تحديدها مضمونَ القرار بحيث إنه كان ليصدر بالمضمون نفسه حتى لو اتبعت الإدارة الشكلَ الذي أغفلته، ولم يكن مقرراً أصلاً لمصلحة الأفراد بل لمصلحة الإدارة وحدها أو لم يؤثر سلباً على مزايا تقريره لمصلحتهم، عُدَّ الشكل ثانوياً لا يؤثر إغفاله في الوجود القانوني للقرار ولا في ولادته مصحوباً بقرينة المشروعية. 
والمحكمة العليا، سائرةً على نهج القضاء المقارن، الإداري منه والمدني في مصر وفرنسا، لا تخالف ذلك في شيء. ولهذا قضت بأن "العيب الشكلي الذى يعيب القرار الإداري هو الذى يكون من شأنه التأثير على موضوع القرار أو الانتقاص من الضمانات المقررة لصالح الافراد. وقد استقر القضاء الإداري على أنه لا ينبغي التشدد في التمسك بالقيود الشكلية إلى حد يعطل نشاط الإدارة." (الطعن الإداري 3-7ق؛ الطعن الإداري 6-3ق) 
لما كان ذلك، وكان شرط تقديم طلب الترخيص بالصيانة على أنموذج محدد وشرط تفريغ الترخيص بعد الموافقة عليه في أنموذج خاص، والمقرران بموجب القانون 3 لسنة 1369و.ر بشأن التخطيط العمراني، شرطين متعلقين بالشكل الخارجي للترخيص، وكانا مجرد مظهرين تنظيميين لا يمتّان بأي صلة إلى عناصر الإجراءات والشكليات الجوهرية منصرمة البيان، لذا فإنهما لا يعدوان أن يكونا شكلين ثانويين لا يترتب على تخلفهما مساس بالوجود القانوني لقرار الإذن بالموافقة على الصيانة. فمن جهة، لا يتعلق أيٌّ منهما بالضمانات المقررة لصالح طالب الترخيص، والحال أن ما يسعى إليه هو الحصول على الموافقة، وحسبُه أنها تقررت من الموظف المختص بذلك. ومن جهة ثانية، فإن تمظهُرَ الترخيص أو طلبه في أيٍّ من القالبين المذكورين ما كان ليغير، بأي حال، من مضمون القرار بالإذن، والذي تفترض المحكمة، كمتلازمة لقرينة المشروعية، أنه بني على أسباب موضوعية سليمة لا أثر لأي من القالبين فيها. 
لما كان ذلك، وكان قد ثبت للمحكمة أن التأشيرة موضوع الفحص تعد قراراً إدارياً موضوعه الإذن بالصيانة، وثبت من بعدُ أن هذا القرار موجود قانوناً، لذا فإنها تصير إلى بحث آثاره في التالي من التسبيب. 
وحيث إنه عن المحور الثاني، فإن المحكمة تبحث فيه الآثار القانونية للقرار الصادر بالإذن بالصيانة وتأثيرها في سلوك المتهم في إطار قانون التخطيط العمراني، فتقول: 
حيث إنه لما كان قرار الإذن بالصيانة قد صدر عن مختص، وكان يفيد الترخيصَ للمتهم بإجراء أعمال صيانة على المبنى موضوع الدعوى ووفقاً للخريطة المعتمدة من مصدر القرار، وكان غير معلق في وجوده على تصديق أو اعتماد سلطة إدارية أعلى، وكان سليماً من عيوب القرار الإداري التي تفضي إلى انعدامه، فإنه بالتالي يكون، بالمعنى العام، قراراً إدارياً نهائياً، مصحوباً بقرينة المشروعية، منتجاً للآثار المتغياة، قابلاً للتنفيذ الفوري، ويكون بالمعنى الخاص، ترخيصاً بإجراء أعمال صيانة، وبالتالي مبيحاً لها، مجرداً إياها من الصفة الإجرامية. 
وحيث إنه لما ثبت للمحكمة أن سلوك المتهم المتمثل في مباشرة أعمال الصيانة على المبنى موضوع الدعوى كان بمقتضى ترخيص صادر إليه من جهة الاختصاص. وحيث إن ما قام به من الأعمال التنفيذية كان في حدود الترخيص، وذلك أخذاً بما أثبته الخبير القضائي في تقريره الوافي سالف البيان من أن الأعمال المنفذة مطابقة للخريطة المعتمدة من مكتب المرافق والإسكان، وفي الحدود القانونية للعقار، ومن محافظة المبنى على نمطه المعماري والمدعم بالصور الشمسية الملونة التي تبدو فيها، للمحكمة، المحافظةُ على ذلك النمط والشكل الخارجيين جلية. لذلك فإن المحكمة تقضي بأن ما أجراه المتهم من أعمال صيانة على المبنى موضوع الدعوى كان بترخيص وفي حدوده وهو ما ينحسر عنه التأثيم الجنائي. 
وحيث إنه بثبوت تجرد سلوك المتهم من الصفة الإجرامية ينهار الركن المادي لجريمة الصيانة دون ترخيص، وهذا يكفي لحمل الحكم ببراءته منها، فيكون لزاماً على المحكمة القضاء بها، وذلك من دون الحاجة إلى المواصلة إلى فحص الركن المعنوي. 
وحيث إنه بتمحيص المحكمة للواقعة المطروحة وتقليب وقائعها على جميع الوجوه القانونية، تخلص إلى أنها لا تتكون بها أي جريمة جنائية أخرى، وإذاً فإنها، واستناداً إلى نص المادة 277(1) من قانون الإجراءات الجنائية، تقضي فيها بالبراءة وفق الوارد بالمنطوق. 

لهذه الأسباب 

حكمت المحكمة حضورياً، ببراءة المتهم مما نسب إليه. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب ........................................................................ القاضي

 
أُودعت الأسباب في: 23 - 9-2018م