7 ج د: تهديد وإساءة استعمال وظيفة (براءة)

:

إذا سألت النيابة العامة الشاهد عن تفاصيل الواقعة بعد أن أخبرته، خلافاً للحقيقة الثابتة في الأوراق، بأنه مستشهد به بمقولة أنه كان حاضراً ما بدر من المتهم، فإن سؤالها يكون باطلاً فتبطل الإجابة عنه تطبيقاً لقاعدة بطلان المبني على الباطل.

تكوين شهادة شاهد الإثبات صورةً ذهنية مغايرة لتلك التي رسمها المجني عليه وشاهده، يحمل على التشكيك في فحواها بما يمتنع معه اتخاذها أساساً للإدانة.

:

[القاعدة]

[إذا سألت النيابة العامة الشاهد عن تفاصيل الواقعة بعد أن أخبرته، خلافاً للحقيقة الثابتة في الأوراق، بأنه مستشهد به بمقولة أنه كان حاضراً ما بدر من المتهم، فإن سؤالها يكون باطلاً فتبطل الإجابة عنه تطبيقاً لقاعدة بطلان المبني على الباطل.

تكوين شهادة شاهد الإثبات صورةً ذهنية مغايرة لتلك التي رسمها المجني عليه وشاهده، يحمل على التشكيك في فحواها بما يمتنع معه اتخاذها أساساً للإدانة.]

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه،

بالجلسة المنعقدة علناً بتاريخ: 29 ذوالقعدة 1440هـ. الموافق: 1-8-2019م،

برئاسة القاضي د. عيـاد علي دربال، وبحضور عضو النيابة العامة الأستاذ ...، وكاتب الجلسة الأخ ...،

أصدرت المحكمةُ، بتوفيقِ اللهِ تعالى، هذا الحكم

الدعوى:

...-2019 جنح بئر عياد.

المدعي:

النيابة العامة بمحكمة صرمان الجزئية.

المتهم:

...، 45 عاماً، مقيم بصرمان محلة مخلوف.

قرار الاتهام:*[1]

بتاريخ 30-10-2017 بدائرة مركز شرطة بئر عياد،

  1. هدد المجني عليه "..." بإنزال ضرر غير مشروع به بأن وجه له عبارات التهديد (سوف اغلق المخبز ونفجره ونساويه بالأرض) وعلى النحو الثابت بالأوراق.
  2. بوصفه موظفاً عاماً (عضواً بمباحث الجوازات بصرمان) أساء استعمال سلطات وظيفته للحصول لنفسه على منفعة غير مشروعة بأن اخذ من عمال المجني عليه سالف الذكر أموال وذلك لغرض ارجاع لهم جوازات سفرهم وعلى النحو الثابت تفصيلاً بالأوراق.

الأفعال المنطبق عليها الجنحتان المنصوص عليهما بالمواد: 430(1) من قانون العقوبات و2 و33 من القانون 2 لسنة 1979 بشأن الجرائم الاقتصادية وتعديلاته.

ملخص الدعوى

تلخّص الدعـوى في شكوى المجني عليه في 30-10-2017 بدعوى استلام المتهم من عماله بالمخبز، وهم تونسيو الجنسية، جوازات سفرهم لإجل إعداد بطاقات حصر العمال، وبعد وقت سلمهم البطاقات مقابل "مبلغ مالي". وفي تاريخ لاحق، سلمهم جوازات سفرهم مقابل "مبلغ مالي". ترك العمال العملَ وحل محلهم عمال وطنيون، لكنه جاءهم إلى المخبز وهددهم بقفله وتفجيره، كما هدده هو بتفجيره.

ضبطت الشرطة في اليوم التالي أقوال ...، العامل الليبي بالمخبز، فذكر أن "..." جاءه بالمخبز يشتري خبزاً، لكنه قال إن هذا الخبز مسروق وطلب العدل في الميزان وإبلاغ المالك بذلك، وإلا فإنه سيقفل المخبز ويفجره. أضاف العامل أنه لم يكن من أحد بالمخبز آنذاك، وأنه لا يعرف المذكور، ولا يعلم سبب سلوكه. في 17-6-2019، ضبطت الشرطة أقوال المتهم، فأقر بزيارته المخبز بصفته عضو تحر بمباحث الجوازات، وذلك من أجل التحقق من مستندات العمال، لكنه لم يفعل شيئاً مما نسب إليه من تهديد وأخذ لأموال.

أمام النيابة العامة، شرح المجني عليه الواقعة على نحو أن المتهم ضايق عماله التونسيين عدة مرات بضربهم. كما قام بتهديده هو بتفجير المخبز وبقفله وبتسويته بالأرض. وأضاف بأنه استلم جوازات سفر العمال بدعوى أنه سينقلها إلى لجنة الحصر بصرمان، لكنه، أي المجني عليه، حين راجع اللجنة بشأنها، نفي العاملون فيها استلامهم إياها. وفي وقت لاحق، أعاد المتهم جوازات السفر "مقابل أخذ مبلغ من المال". وزاد على ذلك القول بأن المتهم كان قد هدد العامل الليبي المذكور بإغلاق المخبز وتفجيره وتسويته بالأرض قبل أن يهدده هو، وأنه كان يعمل مع هذا العامل عاملٌ مصري الجنسية ترك العمل بسبب هذه المضايقات، واختتم بأنه لا يعرف سبباً لحمل المتهم على فعل كل ذلك.

وباستجواب المتهم، أنكر الاتهام المسند إليه، مقراً باستلام جوازات سفر العمال كجزء من عمله، معقباً بأنه سلمها إلى رئيس المكتب وبأنه لم يصدر البطاقات المزعومة. وأضاف بأن المجني عليه جاءه إلى البيت متسائلاً عن سبب "المعاملة السيئة" للعمال، فأجابه بأنه يؤدي عمله استناداً إلى تكليف بذلك، فهدده بحبسه بفرية من أجل عماله.

استدعت النيابة العامة الشاهد ...، العامل الليبي المذكور، فذكر أنه يعمل وابنه والعامل المصري "أكرم" بمخبز المجني عليه، وفي أحد الأيام، وبينما كان وحيداً بالمخبز، جاءه المتهم واستفزه قائلاً "اندير ونفعل ونفجر الكوشة"، وأنه سيبلغ الحرس البلدي بالانتهاكات. فأخبر المجنيَّ عليه بأن المتهم ضايقه عدة مرات بالمخبز.

أقفلت النيابة العامة المحضر وصرفت الشاهد، لكن وكيل النيابة المحقق أعاد فتحه بخط كاتب آخر بدون تحديدٍ لتاريخ الافتتاح وبمقدمة أثبت فيها تواجد "الشاهد الثاني" سبباً للافتتاح. طلبت من هذا الشاهد، كرم محمد منصور، العامل المصري بالمخبز، أن يشرح الواقعة بعد أن أخبرته بأن المجني عليه والعامل "..." ذكرا أنه (أي كرم) كان حاضراً ما حصل لهما مع المتهم. أجاب بأنه عامل بالمخبز، و"بتاريخ الواقعة" جاء المتهم إلى المخبز وسب "بعبارات دين أمكم" و"نرفعكم للمباحث"، موجهاً هذا إلى العمال لغرض "مطالبة بمبالغ مالية". كما هدد المجني عليه بتفجير المخبز وبمسحه بالأرض.

بدأت هذه المحكمة نظر الدعوى بجلسة 25-7-2019. أمامها، حضر المتهم محبوساً على ذمة القضية ومعه محاميه الأستاذ .... سألته المحكمة عن التهمتين المسندتين إليه بقرار اتهام النيابة العامة، فأنكرهما. تمسكت النيابة العامة بقرار الاتهام وطلبت تطبيق أقصى عقوبة. دفع الدفاع قولاً وكتابة بما تجمله المحكمة في التالي:

قدم الدفاع حافظة مستندات ضمت: رسالة من رئيس قسم مباحث الجوازات صبراتة صرمان، إلى مدير نيابة صرمان بأن المتهم مكلف بوحدة التحري بالقسم وأن عمله في ضبط المقيمين غير الشرعيين جعلته عرضة للكثير من التهم الكيدية من الأجانب مدعومين من مواطنين مستفيدين منهم؛ رسالة أخرى بأن المتهم مكلف بوحدة التحري بالتفتيش على العمالة الأجنبية من حيث الإقامة وصلاحية جوازات السفر والتفتيش على المخابز والمقاهي وضبط المخالفين؛ إفادة مكتوبة ممن يصف نفسه بنائب رئيس وحدة مباحث جوازات صبراتة  بأن المجني عليه يؤوي في عمارتيه 180 أجنبياً تقريباً؛ إفادة أخرى ممن يصف نفسه بالمكلف بالقبض والتحري التابع لقسم الجوازات بالمضمون نفسه.

خلص الدفاع إلى طلب الحكم ببراءة المتهم. وعلى سبيل الاحتياط، طلب إسعافه بظروف الرأفة التخفيف.

حجزت المحكمة الدعوى للحكم بآخر جلسة اليوم، وفيها قضت بالوارد بالمنطوق.

الأسباب

الحمد لله الذي قدّر كلَّ شيءٍ فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرُّه وبما يسوءه ليبتلي في الحالتين شكرَه وصبره. وبعدُ، فإن المحكمة وقد تفحصت الدعوى استهدافاً للفصل فيها بالحق والعدل القانوني، تسأل الله تعالى التوفيقَ في فهمها لها والإلمام بأحكامها، والسداد في ما قضت به بشأنها. وإنه لقضاء أمضته بعد سماع أقوال المتهم ودفاعه وطلبات النيابة العامة، ومطالعة أوراق الدعوى، وإمعانٍ في النظر في كلِّ جوانبها. وهذه أسبابه فمنطوقه.

حيث تم نظر الدعوى على النحو المبين بمحضر جلساتها، وفيها حضر المتهم جلسةَ المرافعة، إذاً فالحكم الصادر فيها يكون حضورياً عملاً بالمادتين: 210(1) و212 من قانون الإجراءات الجنائية.

وحيث إن بالنظر إلى القصور الذي وصم قرار اتهام النيابة العامة في الوصف من حيث ما فيه من أخطاء لغوية، فإن المحكمة، وعملاً بالمادة 181(2) من قانون الإجراءات الجنائية، تقرر تعديله ليكون على النحو التالي:

  1. هدد المجني عليه... بإنزال ضرر غير مشروع به، بأن توعده بقوله: "سوف أغلق المخبز ونفجره ونساويه بالأرض"، وعلى النحو الثابت بالأوراق؛
  2. بوصفه موظفاً عاماً، عضواً بمباحث الجوازات بصرمان، أساء استعمال سلطات وظيفته للحصول لنفسه على منفعة غير مشروعة، بأن قبض أموالاً من عمال المجني عليه سالف الذكر مقابل استعادتهم جوازات سفرهم، وعلى النحو الثابت بالأوراق.

وحيث إنه بفحص المحكمة أدلةَ الدعوى بشأن ما حملته من وقائع، يبين لها تطرق الشك إليها جميعها، ما تستحيل معه عديمة القيمة التدليلية في مقام الإدانة، وذلك وفق البيان التالي:

أما أقوال المجني عليه، فعلاوة على أنها قول على قول فيما تعلق منها بالتهمة الثانية والحال أن المجني عليه لا يقول بحضوره الواقعة بل بإخبار العمال له عنها، علاوة على هذا، فإن مبعث الشك فيها أن مما نسبه، في المقام الأول، إلى المتهم من أنماط السلوك تمثل في تهديد عماله التونسيين بإغلاق المخبز وبتفجيره. لكنه ينسخ ذلك أمام النيابة العامة فيحدد سلوكه ضدهم في ضربهم ومضايقتهم، مورداً أنه التوعد بإغلاق المخبز وبتفجيره كان قد وجه إليه هو نفسه وإلى العامل الليبي الذي خلف العمال التونسيين، لا إلى هؤلاء العمال.

وأما مناط الشك في شهادة العامل [الليبي]، فيكمن في أمرين، الواحد فيهما كاف لتعييبها. الأول، أنه يقول في محضر جمع الاستدلالات بأنه لا يعرف الفاعل، ولم يكن معه أحد حين جاءه إلى المخبز وهدده، ولكنه في الوقت نفسه يسمي اسمه. الثاني، أنه بعد أن حدد عبارة التهديد في القول بإقفال المخبز وتفجيره، يأتي أمام النيابة العامة ليقول إن العبارة تمثلت في "اندير ونفعل ونفجر الكوشة"، وأنه سيبلغ الحرس البلدي بالانتهاكات.

وأما أقوال كرم محمد منصور، فهي محل شك لثلاثة أسباب يكفي كلٌّ منها بذاته مسوغاً لإطراحها. الواحد، أن مثوله أمام النيابة العامة جاء مفاجئاً من غير مقدمات. فلا النيابة العامة استدعته، ولا هي أشارت في محضرها إلى كيفية اتصالها به، بل ولا حتى إلى تاريخ اليوم الذي سمعته فيه. ولهذا، فالمحكمة تتساءل عن سبيل قدومه إليها وعن مقصده الحقيقي والحال أن اسمه كاملاً غير وارد بالمحضر ولا هو مستشهَد به أصلاً؛ الآخر، أن سؤال النيابة العامة له عن تفاصيل الواقعة كان بعد أن أخبرته، خلافاً لما هو ثابت بالأوراق، بأن المجني عليه والشاهد ... يستشهدان به بمقولة أنه كان حاضراً ما حصل لهما مع المتهم. وهذا سؤال باطل لبطلان الخبر الذي يحمله. فلا المجني عليه، ولا ... ذكر في أي مرحلة من الدعوى أن "كرماً" كان حاضراً ما حصل لهما، بل أنهما لم يقولا حتى أن العامل المصري، على افتراض أن المقصود هو كرم، كان شاهداً على ما يقولان. ولهذا لزم الالتفات عما ترتب على هذا السؤال من إجابة تطبيقاً لمبدأ بطلان المبني على الباطل؛ الثالث، أن هذا الشخص يقول بحصول الواقعة أمامه، ويصفها بقدوم المتهم "بتاريخ الواقعة" إلى المخبز وبسبه العمال بعبارات "دين أمكم" و"نرفعكم للمباحث"، وبتهديده المجني عليه بتفجير المخبز، وهو ما يرسم صورة ذهنية يجتمع فيها العمال والمجني عليه معاً ليأتي إليهم المتهم ويرميهم تباعاً بعبارات السب والتهديد تلك. وفضلاً عن مخالفة هذا المشهد لذاك الذي صوره المجني عليه بصريح عباراته من أن السلوكين قد حصلا في وقتين متغايرين لا واحد كما يقول كرم، فإن هذه العبارات لا تتطابق مع ما يقول به المجني عليه نفسه.

لما كان ذلك، وحيث إن الشك قد تطرق إلى كل أدلة الدعوى، وحيث إن الأحكام الجنائية بالإدانة تبني على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين، لذا لا يستقيم قانوناً الاستناد إلى تلك الأدلة في إدانة المتهم، وإذاً فإن الأوراق تنتهي إلى خلوها مما يصلح أساساً لهذه الإدانة، وهو ما يجعل القضاء بالبراة أمراً محتوماً وفقاً لنص المادة 277(1) من قانون الإجراءات الجنائية.

الحكم

حكمت المحكمة حضورياً، ببراءة المتهم مما نسب إليه. [انتهى منطوق الحكم]

الكاتب                                                                                    القاضي

 

أُودعت الأسباب في: 1-8-2019.

 

*الوصف مطابق حرفياً لذاك الوارد في قرار اتهام النيابة العامة