ayad@dirbal.ly

الموقع الشخصي للدكتور عيـاد علي دربال 
تعريف

الموقع تحت البناء
تحديث: 13-8-2019

السبيل إلى علمنة الدولة: الأنموذج التركي من العثمانية إلى العلمانية

بقلم عياد دربال، 2013

 

تعرض هذه الورقة في مجملها، وفي قرابة العشرين صفحة، تتبعاً للخطوات التي أحالت تركيا من بلاد الشريعةُ الإسلامية فيها هي الدستور والفيصل في شؤون البلاد والعباد إلى مثال هو الأبرز للدولة العلمانية.

1-  المقدمة

بعد الإطاحة بالنظام السياسي الحاكم في ليبيا عام 2011م، شرع القادة الجدد في تغيير دستوري وآخر مؤسساتي لواقع قلَّ أو انعدم نظيره في العصر الحديث. وقد مهد هذا الواقع الفريد الطريقَ أمام إطلاق الأفكار وتصور الحلول واقتراحها، أفكار واقتراحات، رغم اتفاقها، كما المعلَن، في غاية نهضة البلاد نهضةً تبرر تكلفة التغيير، إلا أنها لم تختلف في رسم الطريق الموصلة إلى تلك الغاية فحسب، بل وتعارضت تعارضاً تستعصى معه الحلول الوسط. فقد دخلت القاموسَ السياسي الليبي كلماتٌ جد جديدة ما فتئت تثير جلبة تزيد من تعدد وتشعب السبل المطروحة. ويبدو هذا جلياً في التجاذب بين الأصوات المنادية بسيادة أو حاكمية الله كبديل للسيادة المألوفة للأسماع، سيادة الشعب أو الأمة، من جهة، والأصوات المنادية بهذه الأخيرة، من جهة ثانية. كما يرفع آخرون لواء العلمانية، اسماً أو مفهوماً، كمبدإٍ لنظام الحكم بحجة جوهرية دوره في "تقدم" الدول التي اعتنقته. ويعد الاستشهاد بالأنموذج التركي في هذا المقام، لدى بعض هؤلاء الأخيرين، الدليلَ الأبرز في حواراتهم.

يوحي الواقعُ للمستقرئ للمشهد عن كثب بالتنامي الأسرع والانتشار الأوسع لفكر كل من المنادين بالعلمانية والمتمسكين بسيادة الشعب في أوساط العامة والبارزين السياسيين. لكن، مع هذا، قلما يستعمل هؤلاء لفظَ "العلمانية." ويبدو أن هذا الإحجام راجع إلى أحد أمرين: فمن ناحية، تجنح الفئة المدركةُ مفهومَ المصطلح إلى الحذر في استعماله تفادياً لمعاكسة معارضيه أو التصادم معهم. ومن ناحية أخرى، فإنه بسبب عدم الدراية الكافية بكُنه هذا المصطلح وأبعاد الفكر الذي يعبر عنه، لا تستعملها الفئة الأخرى للاعتقاد، خلافاً للحقيقة، بأن ما تدافع عنه لا يمتّ للعلمانية بصلة.

إن استحضار الأنموذج التركي إلى المشهد السياسي الليبي كخيار جدير بالاعتناق، دفع الكاتبَ إلى تقفّى مسيرة تحول تركيا من دولة يدين 99% من شعبها بالإسلام والشريعةُ الإسلامية فيها هي الدستورُ والفيصلُ في شؤون البلاد والعباد، إلى دولة صارت أنموذجاً فريداً للعلمانية المثالية وإقصاء الدين.

لا يتعدى المقصد من وراء هذا البحث تبيانَ مدلول مبدأ العلمانية بشكل عام، وتتبُّعَ الخطى التي سلكها أصحاب القرار في تركيا لعلمنتها، ثم تلمس وعرض الأبعاد المهمة لصورة هذه العلمانية، وذلك أملاً  في بسط كل ذلك أمام القارئ المسلم بشكل عام، والليبي خصوصاً، ليكون تفضيله لهذا النظام أو رفضه له مبنياً على دراية أوسع ومستنداً إلى بيِّنة أقوى.

في سبيل توفير جو ملائم للقارئ للتقييم الحر للنظام المذكور، يكتفي الكاتب بإتاحة قدرٍ قيِّم من معلومات لا تعدو، في أغلبها، تأصيلاً مفهوماتياً للعلمانية وتتبعاً تاريخياً لسلسلة من الأحداث التي عاشتها تركيا منذ نشأتها حتى تمام هذا العمل. وسيجري تناول ذلك على نحو يعرض فيه الجزء الأول من البحث التعريفَ بمبدأ العلمانية وبيانَ خصائصها، ويُعنَى الجزء الثاني بنشأة العلمانية في تركيا ومراحل تطورها، فيما يخصص الجزء الأخير لأبرز الآثار المترتبة على هذا التحول.

والله ولي التوفيق

2-  معنى العلمانية وخصائصها

العَلمانية بفتح العين لفظ دخيل على اللغة العربية يجد مصدره في القاموس السياسي الأوربي. لذلك، فإن تحديد معناها اللغوي الدقيق يتطلب تعريف ما استعملت رديفاً له في اللغة الأجنبية.

العلمانية ترجمة لكلمة “secularism” الإنجليزية المشتقة من الأصل اللاتيني saeculum بمعنى "الحياة الدنيا." وتعني اصطلاحاً: حالة انعدام أي ارتباط بالدين، والاعتقاد بوجوب نأي الدين عن الحياة الاجتماعية وعن النشاط السياسي للدولة.[1]

كما تُعرَّف بأنها: تعبير عن عدم الاكتراث بالدين والاعتبارات الدينية أو رفضها أو إقصائها.[2]

كمصطلح، استعملت العلمانية لأول مرة في عام 1846م من قبل الكاتب الإنجليزي "جورج هوليوك"[3] للتعبير عن نظام اجتماعي منفصل عن الدين ويسعى إلى التطور والرفاهة في هذه الحياة – نظام مبني، بشكل حصري، على اعتبارات العالم الحاضر الخاضعة لتقييم العقل الإنساني في ضوء التجربة الحياتية المستندة إلى الأمور المادية الملموسة، وذلك بعيداً عن الروحيات والغيبيات والمعتقدات الدينية.[4]

يُعرِّف "هوليوك" العلمانيةَ بأنها: "نمط حياتي مبني على اعتبارات إنسانية صرفة، ومخصص بشكل أساسي لهؤلاء الذين يجدون التفكير الديني غامضاً أو غير كاف أو ليس جديراً بالثقة أو غير صادق.[5] يعتقد "هوليوك" أن على الحكومة العمل لمصلحة الرعايا بناءً على احتياجاتهم في هذه الحياة الدنيا فقط، وألا تُعِرْ أي اهتمام للشؤون المتعلقة بالحياة الأخرى أو الروحانيات.[6]

كان من أبرز المفكرين الذين ساندوا "هوليوك" في التأسيس لمبدأ العلمانية والتشديد على أهميتها في الحقبة نفسها "برادلاف" [7]على الرغم من اختلافه معه في بعض تفاصيلها. يقول هذا الأخير  بأن "إحدى عناصر الخطر في أوربا تتمثل في تطفُّل الكنيسة الكاثوليكية على الحياة السياسية." والعلمانية، في نظره، هي العاصم من هكذا تطفُّل. ويضيف بأن العلمانية ينبغي أن تنطلق من إنكار الدين بالكلية، وأنه على الرغم من أن العلمانيين المعاصرين له ليسوا جميعاً ملحدين، إلا أن "النتيجة المنطقية لقبول العلمانية هي أن معتنقها سيصير إلى الإلحاد إذا كان يملك عقلاً كافياً للإدراك."[8]

وتحفل كتب السياسة والقانون اليومَ بتعريفات كثيرة للعلمانية. وعلى العموم، يمكن حصر هذه التعريفات في صنفين: فهي عند البعض، مبدأ ينبني على رفض الدين بالكلية وعدم الاعتراف بأية قيمة للمعتقدات الدينية، وعند البعض الآخر، هي ليست أكثر من مذهب رافض لتأثير المعتقدات الدينية على وظائف الدولة[9] دون أن يعني هذا تجاهلَ أي أهمية للدين في حياة الفرد الخاصة.[10] بيد أن المذهب العلماني الرافض للدين بالكلية لم يعد يحظى بقبول واسع بسبب تنامي دور الدين في الحياة عند الكثيرين، وهكذا اقتصر مفهوم العلمانية على التشديد على تقديم الحياة الدنيا على التدين من خلال إقصاء الدين عن وظائف الدولة وعن النظام القانوني والحياة العامة.[11] أما على مستوى الحياة الخاصة، فإن حرية الدين تكون مكفولة.

توالى استعمال مصطلح العلمانية في الدول الغربية بالمعنى المتقدم للتعبير عن سياسة الفصل بين الكنيسة والدولة، بحيث تستحوذ الكنيسة على الروحانيات بينما تنفرد الدولة بالشؤون الدنيوية، وذلك من دون أن يكون لأي من المؤسستين التدخل في شؤون الأخرى.[12] ولعل من أشهر تعريفات العلمانية اليوم، تعريف جوليان باقني لها بقوله: "في الدولة العلمانية، يكون الدين على المستوى السياسي خفياً، حتى في الأحوال التي يكون له فيها تأثيرٌ كبيرٌ على المستوى الشخصي. فالحكومة العلمانية والساسة لا يقحمون الروحانيات ولا الدين في شؤونهم، وعوضاً عن ذلك، هم يهتمون بمبادئ وقواعد يتشارك فيها كل الناس بصرف النظر عن دياناتهم."[13] فالفضاء العام في الدولة العلمانية، كما يقول أحد فلاسفة العلمانية الفرنسيين، "مفتوح للجميع، بما في ذلك الكنائس، لكنه ينظَّم ويُدار بدونها ووفقاً لقواعد لا تمت إليها بصلة."[14]

تنبني العلمانية على مبدأ النفعية والسعي للوصول إلى أفضل حال في الحياة الدنيا دونما الاعتداد بحياة أخرى.[15] ولهذا فهي تنطلق من مبدأ اللاعصمة في القواعد التي تحكم هذه الحياة،[16] ومن أن الإنسان قادر بنفسه على وضع النظم والقوانين المناسبة له لكونه قديراً على تحديد قيم الخير والشر والمصالح والمضار من دون الحاجة إلى مرجع ديني.[17]  فلسماح الإنسان بالمجادلة ومنْحه مساحةً لتعدد الآراء، فإنه قادرٌ على تقليب الأمور مع غيره من البشر بما يضمن الوصول إلى الحكم الأمثل. ومع أن هذا الحكمَ عرضةً للعيوب، إلا أنه، على الأقل، يظل دائماً مفتوحاً لإعادة النظر، وهذه الإمكانية لإعادة النظر لا تتحقق في حالة إقحام الدين الذي يقتضي الانصياع التام للإله ويفترض العصمة ويحرِّم مجادلةَ الرب،[18] ولهذا السبب، فإنه لا مسوِّغ للدين لأن يكون له مكان في مقاليد الحكم.

وعلى ذلك، فإنه لحسبان دولةٍ ما علمانيةً، لا يشترط إفصاحها صراحة، في دستورها مثلاً، على أنها كذلك، بل يكفي أن تتصف بالخصائص الرئيسية للعلمانية. ففي الدولة العلمانية الأنموذجية، تكون السيادة للأمة أو الشعب لا لله أو جسم ديني أو غيبيات.[19] وفي هذه الدولة، الدين منفصل عن الحكم، فلا أثر له في شؤونه ولا يجوز للقوانين والتنظيمات أن تنبني على أسس دينية.[20] وعلى الدولة العلمانية التزام الحياد تجاه كل الأديان، فلا يكون للدولة دين رسمي كما لا تفضيل لدين على آخر، ومن ثم، فإن كل الأفراد متساوون أمام القانون بصرف النظر عن دينهم.[21] فضلاً عن ذلك، تعد علمانية التعليم في الدولة العلمانية من الخصائص الرئيسية لسلامة علمانيتها، فعلى نظام التعليم أن يؤسس على المنطق والعلم التجريبي لا على الدين أو الاعتقاد.[22] كما تعد حرية الدين والضمير[23] من السمات الأساسية للدولة العلمانية، فلا يحل لهذه الدول إجبار أحد على اعتناق دين أو دعوته إليه أو منعه منه أو لَوْمه عليه.

فإذا تحققت تلك الخصائص، كانت الدولة علمانية وإن لم تفصح في نظامها على أنها كذلك. لكن اتسام نظام الدولة ببعض هذه الخصائص دون الأخرى لا يرفع عنها بالضرورة صفة العلمانية، بل يقتصر أثره على إخراجها من حلقة العلمانية المثالية، وهذا هو حال الكثير من دول العالم اليوم.

ولعله من المفيد لتجلية الصورة أكثر، إيراد أمثلة لمبادئ وقوانين لا يسوغ للدولة تبنيها في النظام العلماني، وذلك بسبب اصطدامها مع مبدأ العلمانية الرافض للتأسيس الديني لوظائف الدولة:

-          مبدأ أن السيادة لله أو الحاكمية لله والذي ينطوي على الإذعان لحكم الله في مسائل دنيوية؛

-          مبدأ أن الإسلام دين الدولة؛

-          مبدأ أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع أو مصدر للتشريع؛

-          قانون الأسرة المستند إلى الشريعة الإسلامية، وذلك لاستناده إلى الدين من جهة، ومن جهة ثانية لتفريقه في المعاملة بين الرجل والمرأة في جملة من الشؤون؛ كنظام الطلاق والولاية وتعدد الزوجات؛

-          قانون الميراث الذي يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين في التركة؛

-          القوانين التي تقرر عقوبات جنائية وفقاً للشريعة الإسلامية، كتشريعات الحدود (السرقة والحرابة، الزنا، القذف)، وقانون تحريم شرب الخمر، وقانون القصاص والدية؛

-          قانون جرائم العرض والأخلاق متى ما تمت أفعالها بتراضي الأطراف؛

-          قانون سب الذات الإلهية؛

-          القانون الذي يعطي المسلم امتيازاً على أتباع دين آخر.

من الجدير بالإشارة أن تبني نظام يخلط بين المبادئ العلمانية وغير العلمانية قد يفضي إلى جملة من التناقضات التي تستعصى على المعالجة. فالنص في الدستور على مبدأ أن السيادة للشعب أو للأمة يتناقض مع النص على مبدأ أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع؛ إذ يقتضي المبدأ الأول، كما يقول "جان جاك روسو" رائد المبدأ، أن القانون ليس إلا تعبيراً عن الإرادة العامة للأغلبية من المواطنين بحيث يكون رأي الإنسان المواطن وقراره الفيصلَ في كل شؤون الدولة، بينما يقتضي المبدأ الثاني الانسجامَ الكلي للقوانين مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وألا يكون لإرادة المواطنين، ولو جميعهم، غير الخضوع التام لما تقرره الشريعة الإسلامية والاستسلام للإرادة الإلهية. 

3-  خطى تركيا نحو العلمانية:

‌أ.       نبذة تاريخية:

كانت الإمبراطورية العثمانية، سلف تركيا اليوم، دولة دينية يلعب فيها الإسلام الدور الرئيسي في الشؤون الحكومية كلها. فمنذ بداية نشأتها، ما انفك الإسلامُ الدينَ الرسمي للدولة، والسلطان هو خليفة المسلمين،[24] تحوز أوامرُه مرتبةً واحدة مع القانون. وفي هذه الدولة، تُعرض المنازعات على المحاكم الشرعية بإدارة فقهاء متخصصين يعملون على تفسير الشريعة الإسلامية وتطبيق أحاكمها على المنازعات المطروحة. ولما كان النظام القانوني في الإمبراطورية يستند إلى الشريعة الإسلامية فحسب، كان لزاماً على كل أحكام المحاكم وكل القوانين الجديدة التي تصدرها الحكومة أن تكون متوافقة مع أحكام الشريعة توافقاً يقرره الفقهاء المتخصصون.[25] لذلك، لم يكن للأمبراطورية دستور مكتوب؛ إذ كانت الشريعةُ الإسلامية القانونَ الأعلى فيها، حائزةً بذلك المكانة الأسمى التي يتبوؤها الدستور في الهرم القانوني في الأنظمة المعاصرة. وقد احتاجت الإمبراطورية العثمانية إلى حوالي 600 عام لوضع أول دستور مكتوب. وحتى بعد كتابة الدستور الأول في عام 1876م، لم تزل الشريعة الإسلامية صاحبةَ المرتبة الأسمى في النظام القانوني.[26]

مع نهاية القرن الثامن عشر، وبسبب الضعف الذي أصاب أركان الدولة العثمانية نتيجة للحروب، ارتأى قادة الإمبراطورية ضرورة إدخال "إصلاحات" على النظام القائم لمواجهة الخطرين الداخلي والخارجي. وفي هذا السياق، قرر السلطان حينها، متأثراً بالثورة الفرنسية (1789م)، استدعاءَ خبراء ومدربين ومعلمين فرنسيين للإشراف على تدريب القوة العسكرية المستحدثة، فابتدأ بهذا تدفق الأفكار الغربية التي كان تأثيرها واضحاً في تناقص دور الفقهاء في القرار السياسي وفي الكثير من شؤون الدولة.[27] وتعاقبت التغييراتُ المستحدثة على النظام السائد، متجهةً به صوب النمط الغربي، استهلالاً بالترحيب بالكثير من الأفكار الجديدة التي كان يرشد إليها الخبراء الغربيون،[28] ومروراً باعتماد النظام القانوني المختلط الذي تقلص فيه دور الفقهاء في إدارة شؤون الحياة وتشاركت فيه الشريعةُ الإسلامية وقوانينُ غربية تنظيمَ تلك الشؤون، وانتهاءً بعلمانية صارت مع نظيرتها الفرنسية الأنموذج الأكثر صرامة في العالم،[29]

‌ب.  علمنة النظام:

تواصلت موجةُ التغييرات نحو النظام العلماني حتى انهيار الدولة العثمانية وسيطرة الجمعية الوطنية التركية الكبرى برئاسة مصطفى كمال أتاتورك على زمام الحكم عام 1920م. في هذه الحقبة، تبنت الجمعيةُ حزمةً من القوانين الغربية، وأنشأت المحاكم "النظامية"، وألغت منصب شيخ الإسلام[30] من الحكومة، وصيرت تبعية المحاكم الدينية لوزارة العدل، والمدارس الدينية لوزارة التعليم. كما طال التغييرُ المؤسساتِ التعليميةَ باستحداث مناهج علمانية في نظامها التعليمي.[31] وفي الأثناء، كان تغيُّرٌ اجتماعيٌّ وثقافيٌّ يخطو خطواته الأولى في المجتمع التركي، فعلى سبيل المثال، صارت الطبقة المتعلمة ترتدي طرازاً جديداً من الملابس، وتميل إلى استعمال لغات أجنبية، وتتبع في معاملتها أنماطَ سلوك وعاداتٍ غربية، وذلك كله في ظل ثقافة جديدة تصور مثل هذه الظواهر كمظاهر للرقي الاجتماعي.[32]

كان القصدُ من معظم التغييرات المستحدثة تكريسَ الفصل بين الدين والدولة، ولذلك جاء "القانون الدستوري" لتركيا الصادر عام 1921م[33] معلناً الدولةَ دولةً ديمقراطية، مقرراً نظام الفصل بين السلطات، مشدداً على أن الوطن، لا الدين، هو أساس الهوية، متبنياً كلمات أتاتورك بأن "السيادة الكاملة وغير المشروطة هي للأمة."[34] وقد شكلت هذه التغييرات أكبر خطوة للتخلي عن الدولة الدينية التي كانت فيها السيادة لله؛ إذ صارت إرادة الشعب لأول مرة مقدَّمة على إرادة الله.[35]

على أن النقطة الأبرز للتحول في المجتمع التركي كانت قد استُهلت بتأسيس الجمهورية التركية عام 1923م بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، والذي صرح منذ البداية بأن في المجتمع التركي "أساساً اجتماعياً كافياً لتأسيس جمهورية علمانية."[36] فقد كان يعتقد بأن الثقافة الغربية، بقوتها التقنية وتقدمها الاقتصادي، تسمو على الثقافة الإسلامية،[37] ولهذا كان من الضروري، حسب اعتقاده، للمجتمعات الإسلامية لتتقدم أن لا تكتفي بشراء المنتجات الغربية، بل عليها أن تصبح في ذاتها غربية.[38] ولتحقيق هذا التغريب، عمل على اجتثاث جذور النظام من الحضارة الإسلامية وتبني قيم ومبادئ الحضارة الغربية، وقد حثته هذا النظرة على تطبيق تغييرات جذرية رآها كفيلة بتطوير تركيا وإدخالها في السباق الحضاري مع الغرب.[39]  

لم يكن أتاتورك يؤمن بتفوق الثقافة الغربية فحسب، بل كان أيضاً يزدري الدين بشكل عام، ولهذا كان في حالات غضبه يصف الإسلام بأنه "الدين السخيف من عربي بدوي لا أخلاق له،" وبأنه "الجثة المتعفنة التي تسمم حياتنا."[40] كما حصل أن نقل عنه بعض المقربين منه قولَه: "أنا لا دين لي، وأحياناً أتمنى أن تدفن كل الأديان في قاع البحر."[41] وقد انعكس كل ذلك على سياسة أتاتورك، فقاد حملة تغيير أسماها بالعلمانية، والتي صارت تعرف لاحقاً بـ "الكمالية" نسبة له.[42] خاض حملته بقوةٍ ضد الدين لإنقاص تأثيره على الحياة العامة من خلال ثلاث وسائل: أولها، تقييد استعمال الرموز الدينية؛ وثانيها، إلغاء صلة المؤسسات الدينية بالسياسة والحكم؛ وآخرها، إحلال نظام تعليم غربي محل الشريعة الإسلامية والنظام التعليمي الإسلامي.[43]

وبسبب ما للإسلام من بُعد سياسي واجتماعي ضاربين في أعماق المجتمع التركي، لم يشأ أتاتورك إنجاز العلمانية دفعة واحدة، كما لم يُخفِ تخوّفاً من العقبات التي قد تعترضه في مجتمع حكمته الشريعة الإسلامية لمئات السنوات. ترتب على هذا اضطرارُه للنص في المادة الثانية من دستور الجمهورية التركية الأول 1924م على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، على الرغم من تعارض هذا النص مع السمة العلمانية الغالبة على الدستور. وقد علق أتاتورك على هذا النص، الذي يدرك تناقضه مع مبادئه العلمانية التي ينبض بها الدستور، بالقول: "بعد تأسيس جمهوريتنا، وعندما كان الدستور تحت الإعداد، فإنه لتفادي استغلال الموقف من قبل أولئك الذين يعتقدون بأن الجمهورية العلمانية مضادة للدين، اضطررنا إلى الإبقاء على هذا الجزء عديم المعنى من المادة الثانية من الدستور."[44] وبالفعل، ظل هذا النص بلا معنى وعديمَ الأثر على التغييرات التي كانت تجري؛ إذ تواصل إقصاء الدين وتأثيراته عن الحياة العامة. ففي عام 1924م، ألغيت المدارس الدينية وسيطرت وزارة التعليم على كل المؤسسات التعليمية. كما ألغيت في هذه السنة المحاكم الدينية. وفي عام 1925م تم تبني التأريخ الإفرنجي مكان التقويم الإسلامي.[45]

وشكلت تلك التغييرات توطئة للتحول الأبرز الذي جرى في عام 1926م، حيث تم رسمياً إلغاء الشريعة الإسلامية كأساس للحكم، وألغي منصب الخليفة. كما تلت ذلك سلسلة من التغييرات مست كثيراً من الشؤون التي كان تستند في أحكامها إلى الشريعة الإسلامية؛ فقد حظر تعدد الزوجات وتم تجريم فعله،[46] و حَلَّ القانون المدني لسنة 1926م المنقول عن نظيره السويسري محل الشريعة الإسلامية ناصاً على المساواة أمام القانون بين الرجل والمرأة مقرراً لكليهما حقوقاً متساوية في الطلاق والميراث والوصاية،[47]  كما تقرر بمقتضاه الزواج المدني كوسيلة وحيدة لإبرام عقد الزواج.[48]

وكما خطط أتاتورك، مهدت كلُّ التغييرات المناخَ المناسبَ لحذف النص "عديم المعنى" والقاضي بأن الإسلام هو دين الدولة. فبمقتضى التعديل الدستوري 1928م، ألغيت المادة الثانية من الدستور، واستبدلت صياغة القَسَم لتصير "أقسم بشرفي" بدلاً من "أقسم بالله." وبالتزامن مع هذه التعديلات الدستورية، تم اتخاذ الكثير من الإجراءات كخطوة هامة "نحو كسر التقاليد الدينية القديمة وإضعاف الصلة بالماضي."[49] فقد أصبح يوم الأحد هو يوم العطلة الأسبوعية، وتُرجم القرآن الكريم إلى اللغة التركية،[50] وصار الآذان يرفع باللغة التركية. علاوة على ذلك، صدر مرسوم بوقف استعمال الحروف العربية لكتابة اللغة التركية لتحل محلها الحروف اللاتينية.[51] وفي عام 1935م، ألغت الحكومة الدراسات الدينية من مناهج التعليم الأساسي والثانوي،[52] وحظرت اللباس الديني  في غير أماكن العبادة، وقررت زياً خاصاً لطلبة المدارس وموظفي الدولة.[53]

‌ج.   دسترة العلمانية

على الرغم من كل المبادئ العلمانية التي استحدثها، لم يتضمن الدستور نصاً صريحاً على علمانية الدولة. كما يقول أحد الكتاب، "نحن نعلم بأن فكرة الجمهورية العلمانية كانت من أشد أسرار أتاتورك كتماناً. عندما يحين الوقت، فإنه سيحولها إلى حقيقة."[54] وبالفعل، فقد صار حلم أتاتورك بتكوين جمهورية علمانيةٍ حقيقةً معلنة للجميع في 1937م، عام واحد قبل مفارقته الحياة. ففي التعديل الدستوري 1937م، أضيفت كلمة "علمانية" إلى دستور 1924م كأحد الصفات الأساسية للجمهورية التركية.[55] عمَّر هذا الدستور أربعة عقود ليحل محله دستور 1961م بعد نجاح الانقلاب العسكري على الحكومة عام 1960م.

دستور 1961[56]

تضمن الدستور الجديد جملة من التغييرات المتعلقة بالعلمانية وحرية الدين، تشدد جميعها على العزم على تكريس الفصل التام بين الدولة والدين ومنع استعمال الدين كأداة سياسية، كما تضع هذه التغييرات الضمانَ لاستمرار هذا المنع وذاك الفصل. فهذه المادة 12 تقرر مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون بصرف النظر عن دينهم أو عقيدتهم، فلا انتقاص من حقوق الفرد ولا تأثير  على وضعه الاجتماعي أو القانوني بسبب انتسابه إلى دين معين أو عدم انتسابه إلى أية ملة أو دين. ومن ذلك أنه لم يعد هناك أي قيد ديني على مسائل كالزواج أو الطلاق بين ذوي الأديان المختلفة. ومن جهة أخرى، تضمَنُ المادة 19.أ حرية الدين والمعتقد على المستوى الشخصي، لكنها، في الوقت نفسه، تُعاقب بالحل الدائم أي حزب سياسي يحاول أن يؤسس، ولو بشكل جزئي، النظام القانوني أو السياسي أو الاجتماعي أو الإداري في الدولة على أسس دينية. كما تشترط المادة 57 موافقة كل برامج وأنظمة الأحزاب السياسية للطابع العلماني للحكومة، ولهذا فإنها تعطي تفويضاً للحكومة بحل أي حزب يخفق في التقيد بهذه المبادئ. وضماناً لتهميش تأثيرها على شؤون الإدارة والحكم، صارت هيئة الشؤون الدينية قسماً تابعاً للحكومة وفقاً لنص المادة 153 من الدستور.

على أن السمة الأبرز لدستور 1961م هي أنه علاوة على ضمانه احتفاظَ قيم ومبادئ أتاتورك وتغييراته بمكانتها في الحكومة التركية، تمكن واضعو الدستور من خلال مؤسسات كالمحكمة الدستورية وتقرير العقوبات القاسية كالحل الدائم للأحزاب من توفير الحماية العملية الصلبة للنظام العلماني للجمهورية التركية وتحصينه من المساس به.[57]

دستور 1982:[58]

صدر الدستور التركي الجديد لعام 1982م بعد انقلاب 1980م العسكري. ولا يزال هذا الدستور سارياً حتى اليوم مع تعديلات عديدة ألحقتها به الجمعية الوطنية. حري بالإشارة أن تلك التعديلات جميعها كانت قد طالت الدستور إما بقصد استيفاء شروط العضوية في الاتحاد الأوربي[59] أو التشديد على صون المبادئ الدستورية العلمانية.

جسد هذا الدستور أيضاً النمط العلماني للجمهورية التركية، مؤكداً في مستهل مقدمته[60] على إصراره وتماشيه مع "الإصلاحات والمبادئ التي أدخلها مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، الزعيم الخالد والبطل منقطع النظير" والتي تستند جميعها، كما تقدم البيان، إلى مبدأ العلمانية. لذلك، يردد الدستور قيم أتاتورك الأساسية من أن التفوق المطلق لإرادة الأمة وأن السيادة الكاملة وغير المشروطة هي للأمة التركية لا لله كما كانت إبان الدولة العثمانية. وقد ضمن هذا الإطلاق لسيادة الأمة استمرار الحاجز المنيع قاطع صلة قوانين الدولة بالشريعة الإسلامية، بحيث يتحقق السمو لتلك القوانين على كلام الله في الجمهورية التركية. وفوق ذلك يتضمن الدستور في مقدمته حكماً قاسياً مؤداه أنه "لا يجوز إضفاء أي حماية على أي نشاط يتعارض مع ... المبادئ والإصلاحات التي سنَّها أتاتورك وفقاً لمقتضيات مبدأ العلمانية، كما لا يجوز التدخل، بأي شكل كان، باستعمال المشاعر الدينية المقدسة في شؤون الدولة والسياسة." كما تُشدِّد ديباجة الدستور على وجوب الولاء المطلق ليس لحروفه فحسب، بل ولروحه على السواء – روحه النابضة بالعلمانية التي تصفها المحكمةُ الدستورية التركية في كثير من أحكامها بأنها أساس بناء الجمهورية التركية والعامل الرئيسي وراء وجودها.[61]

تأتي المادة الثانية من الدستور وتعلن صراحةً علمانية الدولة كأحد الخصائص الرئيسية الثلاثة للجمهورية التركية، وذلك بالنص على أن "جمهورية تركيا دولة ديمقراطية علمانية اجتماعية تحكمها سيادة القانون، وتضع في اعتبارها ... الولاء لقومية أتاتورك." وبسبب هاجس الخوف من المساس بمبادئ أتاتورك كما تضمنها الدستور، أضفى الدستورُ على هذه المادة حصانةً من المساس بها إلغاءً أو تعديلاً. فقد نصت المادة الرابعة منه على أنه "لا يجوز إلغاء أو تعديل الحكم ... الوارد في المادة 2 عن خصائص الجمهورية ... كما لا يجوز اقتراح تعديل أي منها."

وبرغم هذه الضمانات، لم يزل شبح الخوف من المساس "بالمكاسب" التي حققها أتاتورك مسيطراً على فكر أنصاره في الحكومة التركية. ومن أجل ضمان دوام تلك المكاسب، أضيف للدستور في 2001م نصٌّ يعطي حزمة من القوانين المقننة لتلك التغييرات مكانة دستورية خاصة ويحظر حسبانها غير دستورية. فوفقاً للمادة 174 من هذا الدستور، "لا يجوز تأويل أو تفسير أي نص من نصوصه لرفع الصفة الدستورية على القوانين الواردة أدناه ... والتي تعد الضامن للسمة العلمانية للجمهورية ...."[62] من هذه القوانين، مواد القانون المدني المقررة للزواج المدني كوسيلة وحيدة لإبرام عقد الزواج وتلك الناصة على المساواة أمام القانون بين الرجل والمرأة في مسائل الزواج والطلاق والميراث والوصاية.

تتوالى النصوص الدستورية الضامنة لقيم العلمانية بشكل يظهر بوضوح حظوتها الاستثنائية. فهذه المادة 13 تشترط في القيود التي قد تفرض على الحقوق والحريات ألا تكون "متعارضة مع نص وروح الدستور ولا مع لوازم ... الجمهورية العلمانية." وهذه المادة 14 تجيز تقييد حرية الدين والمعتقد وحرية ممارستهما المنصوص عليها في المادة 24 في الأحوال التي تُعرِّض فيها للخطر النظامَ العلماني للجمهورية التركية. أما المادتان 81 و 103 اللتان تتضمنان صياغة القَسَم، فإنهما توردان صيغة القسم الذي يؤديه أعضاء الجمعية الوطنية ورئيس الدولة على نحو: "أقسم بشرفي و نزاهتي ... بأن أظل وفياً لسيادة القانون وللجمهورية الديمقراطية والعلمانية، ولمبادئ وإصلاحات أتاتورك."

ومع أن المادة 24 من الدستور قضت بعدم جواز إجبار أحد على العبادة أو المشاركة في المناسبات أو الطقوس الدينية، أو إجباره على أن يصرح عن قناعاته ومعتقداته الدينية، أو أن يُلام أو يُعاقَب بسبب معتقده، وهو ما يقتضيه النظام العلماني أصلاً، إلا أن فقرة من هذه المادة تقرر التعليم الديني الإلزامي في مناهج التعليم الأساسي والثانوي. وفيما يصوِّر بعض النقاد هذا النص على أنه متعارض مع مبدأ العلمانية، يذهب آخرون إلى أن واضعي الدستور أرادوا ما تؤديه هذه الفقرة، من الناحية العملية، من وظيفة لصالح العلمانية؛ فالتعليم الديني الإلزامي يضمن تلقي الطلبة "تعليماً ديناً علمانياً" تحت إشراف الحكومة، فإذا لم يوجد مثل هذا التعليم، فإن الكثير من أولياء الأمور الراغبين في تلقي أولادهم تعليماً إسلامياً، سيرسلونهم إلى دروس دينية خاصة لدى مَن قد يحملون "أفكاراً إسلامية متشددة." وبذلك، فإن التعليم الديني الإلزامي بالمدارس يقطع الطريق أمام هكذا "تشدد" فيصون العلمانية أكثر من أن يمس بها.[63]

4-  العلمانية والحجاب في تركيا:

من خلال الضمانات الدستورية، توفرت الحماية الصلبة للنظام العلماني للجمهورية التركية، واحتفظت قيم ومبادئ أتاتورك و تغييراته بمكانتها السامية في الدولة التركية،[64] منعكسةً على كل جوانب الحياة في البلاد. لكن أهم مثالين في هذا الخصوص، واللذين طال الجدل بشأنهما، ذانك المتعلقان بالأحزاب السياسية وبالحجاب.

أما الأحزاب السياسية، فإنها تخضع للتنظيم بجملة من نصوص الدستور التركي بما يضمن انسجام نشاطاتها وبرامجها السياسية مع مبدأ العلمانية.[65] ويعد أبرز ضمان لذلك الانسجام ذلك المنصوص عليه في المادة 69 من الدستورِ من تخويل المحكمةَ الدستوريةَ سلطةَ حل الحزب السياسي الذي يخالف هذا المبدأ. ومن استقراء أحكام المحكمة الدستورية التركية في هذا الشأن، يبدو جلياً اتسامها بالحزم تجاه علاقة الأحزاب السياسية بالعلمانية. فمنذ تأسيسها في 1962م، حلت المحكمة خمسة أحزاب سياسية ذات مرجعية إسلامية بدعوى خرقها لمبدأ العلمانية المنصوص عليه في الدستور، ولم تزل بعض قرارات الحل مثاراً للنقد بسبب الإفراط في التشدد.[66]

وأما المثال الثاني، وهو الأبرز في نطاق التضييق على الحريات الشخصية بحجة حماية النظام العلماني، فهو الحجاب، والذي ما برح لسنوات كونه أشد المسائل جدلاً وأكثرها حساسية.

يقول أتاتورك:

"في بعض الأماكن، رأيت نساء يضعن قطعة من القماش أو المنديل أو شيئاً آخر فوق رؤوسهن ليخفين وجوههن، كما رأيتهن يطأطئن رؤوسهن إذا مررن برجل. ماذا يعني هذا التصرف؟ أيها السادة، هل بإمكان أمهات وبنات أمّة حضارية أن تتبنى هذا الأسلوب الغريب، هذا الوضع الهمجي؟ إنه مشهد يجعل الأمة محلاً للسخرية. يتحتم علينا معالجة هذا الوضع دفعة واحدة."[67]

 لكن رغم احتقار أتاتورك هذا للحجاب ورغبته في اقتداء النساء التركيات في لباسهن بمثيلاتهن الأوربيات، لم يبادر بأي تنظيم لنمط الحجاب السائد آنذاك،[68] فلم يشمله بالحظر في أيٍّ من القوانين التي صدرت في بدايات التغيير بتنظيم اللباس. واكتفى برفع حظر عدم ارتدائه الذي كان معمولاً به إبان الحكم العثماني، متيحاً بذلك التبرجَ للراغبات فيه من النساء،[69] وهكذا كان موقف الجمعية الوطنية حتى وقت متأخر.

بقيت مسألة الحجاب عالقةً أمام الجمعية الوطنية إلى أن سنت بشأنه قانوناً. كما حصل أن طُعن في دستورية هذا القانون أمام المحكمة الدستورية فقالت فيه كلمتها. بل أن المسألة طرحت أيضاً أمام المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان فكان لها، هي الأخرى، فيها رأي. وفي التالي بيان لذلك تباعاً:

‌أ.       تحريم الحجاب في تركيا

يذهب كثيرون إلى أن حظر الحجاب في تركيا أمرٌ لم يكن لتركيا منه بد. وفقاً لهؤلاء، يُعد هذا الحظر إجراء جوهرياً يتطلبه سياق الوضع التركي ذي الصلة التاريخية "بالتشدد الإسلامي"، وذلك لضمان قوة الحكومة الديمقراطية في البلاد من جهة، ومن جهة أخرى، قطعاً للطريق أمام التمييز في المعاملة. فلكون الحجاب "رمزاً سياسياً"، فإن لباس غير المحجبات قد يُنظر إليه على أنه رمز "للفسوق والبغاء".[70] زد على ذلك أن ارتداء الحجاب قد يؤدي إلى التمييز بين مرتديات الحجاب أنفسهن، وذلك من حيث إن عدم الاتفاق على نمط واحد للحجاب قد يكون مدعاة للخلاف والعنف بين أعضاء الدين الواحد أيضاً. لذلك، فإن حظره، وفقاً لهؤلاء، ضروريٌّ للحؤول دون هذا العنف وذلك التمييز.[71] وفوق ذلك كله، فإن ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية بوجه خاص صار، عند مانعيه، رمزاً للإسلام "المتشدد" وتهديداً لحقوق المرأة التركية ومن ثم للنظام العلماني للجمهورية برمته.[72]

يعد ارتداء الحجاب في الشارع التركي أمراً شائعاً، لكنه في الجامعات التركية وفي المؤسسات الحكومية يمثل ظاهرة حديثة نسبياً. ولم يكن الحجاب سبباً في أي مشكلة حتى الانقلاب العسكري 1980م. فبعد هذا الانقلاب، تبنت الحكومة العسكرية لوائح وتشريعات تنظم ظاهرة ارتداء الحجاب[73] ابتدأت باللائحة الصادرة في 1981م بشأن إلزام موظفي الدولة وطلبة المؤسسات التعليمية العامة بارتداء اللباس العصري المألوف. ونظراً لتزايد عدد المحجبات في المؤسسات التعليمية، لم تكتف اللائحة بفرض اللباس العصري، بل زادت عليه حظراً صريحاً على النساء بارتداء الحجاب في هذه المؤسسات.[74]

في عام 1982م، أصدر مجلس التعليم العالي لائحة تمنع الطالبات اللاتي يرتدين الحجاب من دخول قاعات الدراسة الجامعية. وفي 1984م، قررت المحكمة الإدارية العليا شرعية القرار، معللة إياه بأن ظاهرة ارتداء الحجاب في حالة تحول من الممارسة البريئة إلى رمز لرؤية متعارضة مع حرية المرأة من جهة، ومن جهة ثانية مع الخصائص الأساسية للجمهورية التركية.[75] على أنه لم يتم تنظيم مسألة الحجاب تشريعياً إلا في عام 1988م. فاستجابة لتلك التطورات، تدخلت الجمعية الوطنية لتقنين المسألة وحسْمها تشريعياً، فأصدرت في ذلك العام قانوناً يقضي بأن "اللباس والمظهر العصريين إلزاميان في فصول وأروقة مؤسسات التعليم العالي، المدارس، المعامل، والمراكز الطبية. على أنه يجوز من منطلق ديني ارتداء الحجاب الذي يغطي الرقبة والشعر."[76] وكما يبدو من ظاهر النص، فإنه واضح الدلالة على جعل اللباس العصري إلزامياً من جهة، وعلى أن هذا الإلزام لا يمس بحرية ارتداء الحجاب متى ما كان ارتداؤه راجعاً لأسباب دينية.

وبسبب هذا الاستثناء، أثار القانون في ذاته جدلاً كبيراً يتعلق بمدى دستوريته من حيث موافقته لمبدأ العلمانية أو عدمها، فطُعن فيه أمام المحكمة الدستورية لوضعه في ميزان الدستور. أصدرت المحكمة حكمها في 07-03-1989 مقررة عدم دستورية القانون بسبب خرقه ديباجة الدستور التركي والمواد 2 (العلمانية)، و10 (المساواة أمام القانون)، و24 (حرية الدين)، و174 (حماية إصلاحات أتاتورك).[77]

في أسباب حكمها، تقضي المحكمة بأن للعلمانية مكانة دستورية أملتها الظروف التاريخية وخصوصية الإسلام مقارنة بالأديان الأخرى. فالعلمانية، كما تقول المحكمة، تعد شرطاً جوهرياً للديمقراطية، والضامنَ الرئيسي لحرية الدين والمساواة أمام القانون. ففي النظام العلماني لا يسوغ اشتقاق القوانين من الدين؛ إذ لو أجيز هذا، لتطلب الأمر تشريع قوانين مختلفة باختلاف الأديان، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للنظام القانوني العلماني، ومن ثم، لا يستوي للدولة العلمانية أن تقحم الدين في وظيفتها التشريعية. وشددت المحكمة على أنه وإن كانت حرية المعتقد مصونة، إلا أنه يتحتم ألا تتعارض مع حق الدولة في تقييد حرية إظهار الدين (ارتداء الحجاب هنا) حمايةً لمبدأ العلمانية. وتضيف بأنه على الرغم من أن غالبية الأتراك يدينون الإسلام، إلا أن السماح بارتداء الحجاب سيتمخض عن حالة من التمييز بسبب اللباس بين المسلمين الملتزمين بالحجاب والمسلمين غير الملتزمين به واللادينيين؛ إذ، بلا شك، سينظر الملتزمون إلى الصنفين الأخيرين على أنهم معارضون للدين أو غير متدينين.[78] كما تورد المحكمة في أسبابها بأنه بصرف النظر عما إذا كان الحجاب سلوكاً إسلامياً أم لا، فإن إضفاء الشرعية على رمز ديني من هذا النوع في مؤسسات التعليم العالي يتعارض ومبدأ حياد التعليم العام، وذلك بسبب كون هذه الرموز مدعاة للتصادم بين الطلبة ذوي القناعات الدينية المختلفة.[79]

في أكتوبر 1990م، أصدر ت الجمعية الوطنية قانوناً آخر بشأن طراز اللباس الجامعي قُصد منه رفع اللَّبْس الذي أحدثه القانون السابق،[80] فنص على أن: "حرية اختيار اللباس مصونة في مؤسسات التعليم العالي بشرط عدم مخالفتها للقوانين السارية." لكن هذا القانون لم يخص الحجابَ في ذاته بالحماية، كما لم ترد فيه أي إشارة إلى الدين. ويبدو أن اختيار هذا المسلك كان بقصد التزام جانب الحياد وتفادي مطاعن المحكمة الدستورية على القانون السابق من هذه الناحية.[81] مع ذلك، لم يمنع هذا المسلكُ النعيَ على هذا القانون بعدم الدستورية، فقد طُعن في دستوريته بدعوى أن النص على حرية اختيار اللباس يستوعب الحجاب أيضاً، وهو ما يتعارض مع مبدأ العلمانية. وقد قضت المحكمة الدستورية في 1991م بأن هذا القانون لا يمنح رخصةً بارتداء الحجاب في مؤسسات التعليم العالي بل إنه، في الحقيقة، يقتضي حظره، ومن ثم فهو موافق للدستور. وفي ذلك تقول:

"في مؤسسات التعليم العالي، تعد تغطية الرقبة والشعر بالحجاب أو النقاب بناء على معتقدات دينية سلوكاً متعارضاً مع مبدأ العلمانية والمساواة. في هذه الأحوال، فإن حرية اللباس التي يسمح بها النص المطعون فيه في مؤسسات التعليم العالي لا تتعلق بالملابس ذات الطبيعة الدينية أو تلك التي تغطي العنق والشعر باستعمال الحجاب أو النقاب ... فالحرية التي يمنحها هذا النص ... مقيدة بعدم معارضتها "للقوانين السارية". وقد سبق أن أرسى حكم المحكمة الدستورية الصادر في 07-03-1989م مبدأ مؤداه أن تغطية الرقبة والشعر بواسطة الحجاب هو أولاً، وقبل كل شيء، مخالف للدستور. وبالتالي، فإن الشرط الوارد في النص المذكور والذي يستلزم ألا يكون اللباس مخالفاً للقوانين السارية يُخرج تغطيةَ العنق والشعر من دائرة حرية اختيار اللباس ...."[82]

          طُبق الحظر في الجامعات التركية بدرجات متفاوتة حتى عام 1997م الذي شهد تطبيقاً صارماً للحظر ليس في الجامعات فحسب، بل وفي المدارس الثانوية والمؤسسات الحكومية أيضاً. ففي الفترة من 1998م إلى 2000م، مُنعت عشرات الآلاف من الطالبات من مواصلة دراستهن لرفضهن التخلي عن الحجاب، وهو ما اضطر بعضهن إلى مواصلةَ دراستهن في دول أخرى.[83] كما طال التشددُ في الحظر الوظائفَ الحكومية، فنتج عنه أنْ فُصل أثناء الفترة المذكورة مئات الموظفات من أعمالهن بسبب إصرارهن على ارتداء الحجاب.[84]

وتعد لائحة قبول الطلبة الصادرة عن جامعة استانبول في فبراير 1998م المثال الأبرز في مقام حظر الحجاب في المؤسسات التعليمية، وذلك بسبب تصاعد النزاع بشأنها حتى وصوله إلى القضاء الدولي. تحدد هذه اللائحةُ الشروطَ الواجب توافرها لقبول الطالب متضمنةً من بينها جزءاً يتعلق بالحجاب واللحية. جاء في هذا الجزء:

"وفقاً للدستور [التركي] والقانون واللوائح، وبناء على ما قررته المحكمة الإدارية العليا [التركية] ...، لا يجوز قبول الطالبات ذوات الرؤوس المغطاة (مرتديات الحجاب)، ولا الطلبة الملتحين، بمن فيهم الأجانب، للدراسة بالجامعة. وعليه، فإنه لا تجوز إضافة أسماء الطلبة الملتحين والطالبات المتحجبات ولا أرقامهم  لقوائم الطلبة المسجلين بالجامعة. وإذا أصر أحد أولئك الطلبة أو الطالبات على حضور محاضرة أو الدخول إلى قاعة الدراسة، توجّب إبلاغه بالحظر... وبأنه غير مخوّل بحضور المحاضرات. فإذا رفض مغادرة قاعة الدراسة، توجّب على المعلم إثبات ما حصل في محضر وتضمين الأسباب التي منعته من إلقاء المحاضرة، كما يجب عليه إحالة الأمر إلى إدارة الجامعة بوصفه حالة مستعجلة لاتخاذ الإجراءات التأديبية بشأنه."[85]

وفقاً لهذا النص، يمتنع إلقاء المحاضرة المقررة إذا ما أصر الطالب على موقفه ولم ينصع للقواعد المقررة في شأن الحجاب أو اللحية. كما أن المخالف يمكن أن يكون عرضة للإيقاف عن الدراسة أو الطرد كعقوبة تأديبية بسبب مخالفة اللائحة.[86]

بناء على هذه اللائحة، مُنعت الطالبة (ليلى شاهين) البالغة من العمر 31 عاماً، والمسجلة في السنة الخامسة بكلية الطب من حضور الامتحان لرفضها خلع الحجاب.[87] كما منعت في مارس 1998م من التسجيل للسبب ذاته.[88] وفي مايو 1998م، قررت الجامعة معاقبتها تأديبياً بسبب استمرارها في تحدي الحظر.[89]

في مارس 1999م، قدمت ليلى طعناً في اللائحة أمام المحكمة الإدارية استانبول بدعوى افتقارها للأساس القانوني ولعدم اختصاص الجهة المصدرة لها بموضوعها، غير أن المحكمة رفضت دعواها  على أساس أن اللائحة تستند إلى القانون رقم 2547 بشأن التعليم العالي، وإلى السوابق القضائية للمحكمة الدستورية والمحكمة الإدارية العليا. طعنت ليلى في هذا الحكم أمام المحكمة الدستورية، لكن هذه المحكمة رفضت دعواها وأيدت الحكم المطعون فيه.[90] في العام التالي، مُنعت ليلى من التسجيل فاضطُرت في سبتمبر 1999م إلى التسجيل في جامعة فيينا وإكمال دراستها بحجابها هناك.

‌ب.  الحجاب أمام المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان: قضية ليلى ضد الدولة التركية

تعرضت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان للنزاع بشأن مسألة الحجاب في قضيتين، وقد قررت في كلتيهما عدم مخالفة القيود التي تفرضها الحكومة التركية على الحجاب للاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان.[91] تعلقت القضية الأولى برفض جامعة أنقرة منْحَ شهادة التخرج لطالبة بسبب رفضها تقديم صورة شخصية لها دونما حجاب. قررت المحكمة في حكمها الصادر في 1993م بأنه متى ما كانت الطالبة قد اختارت الدراسة في مؤسسة علمانية، فإن عليها الالتزام بلوائحها. مثل هذا القيد على الحجاب في لوائح المؤسسات التعليمية - كما تقول المحكمة - مقرر باسم العلمانية، ومن ثم، فإنه لا يشكل خرقاً للاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان.[92]

تعرضت المحكمة الأوربية لمسألة الحجاب ثانية في 2004م. فبعد أن رُفضت كلُّ طعونها أمام المحاكم الوطنية التركية، لجأت ليلى شاهين في نوفمبر 1998م إلى المحكمة الأوربية. استندت ليلى في دعواها إلى ما تقرره الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان من حقوق تدلل على أن حظر الحجاب في مؤسسات التعليم العالي بتركيا يمثل تدخلاً غير مبرر من الدولة في حقوق وحريات محمية بموجب هذه الاتفاقية.

تقول ليلى بأن ارتداءها للحجاب لا يعدو كونه طاعة لدينها ورغبة منها في الظهور بمظهر الملتزمة بتعاليم الإسلام. فهي مسلمة، والإسلام يوجب على المسلمة أن تغطي رأسها ورقبتها. وتأكيداً لهذه النية، تقول بأنه لم يحصل منها أبداً أن اتخذت موقفاً ضد المبادئ الدستورية للدولة التركية، بما فيها مبدأ العلمانية، وأن الأسلوب الذي اتخذته للامتثال للتعاليم الدينية لم يكن للفت الأنظار ولا بقصد الضغط على الآخرين أو للدعوة الدينية.[93] وبالتالي فإن مصادرتها هذا الحق يشكل خرقاً لحقوقها الأساسية المصونة بمقتضى الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان.[94] فهو انتهاك للمواد: 8 (حرمة الحياة الخاصة والأسرية )، و 9 (حرية الفكر والدين) بحسبان الحظر يمنعها من ممارسة حقها في إظهار دينها بارتدائها الحجاب الذي يعد فريضة إسلامية، و10 (حرية التعبير)، و 14 (تحريم التمييز) من حيث إن الحظر يميز بين الطلبة بسبب دينهم  (معتنقي الدين وعديميه) ويجبر الطلبة على اختيار واحد من اثنين، إما التعليم أوالتدين، والمادة 2 من البروتوكول رقم 1 للاتفاقية (حرية التعليم)، وذلك لأن اختيارها الالتزام بمعتقداتها الدينية كان قد استُعمل كمبرر لمنعها من مواصلة تعليمها.[95]

في يونيو 2004م، أصدرت المحكمة الأوربية حكمها القاضي بالإجماع بأن حظْر الحكومة التركية للحجاب في المؤسسات التعليمية لا يمثل خرقاً للاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان.[96] فبعد إقرار المحكمة بأن حرية الدين والمعتقد هي من أساسيات المجتمع الديمقراطي، تقول بأن المادة 9 لا تضفي الحماية على كل الأفعال المبنية على أسس دينية، كما لا تضمن الحق في التصرف وفقاً للمعتقد عندما يكون محل هذا التصرف مكاناً عاماً. وتخلص إلى أنه وفقاً للمادة 9، يجوز تقييد حرية إظهار الدين بشرط أن يكون التقييد مستنداً إلى قانون، وضرورياً في المجتمع الديمقراطي للحفاظ على الأمن والنظام العام، الصحة والآداب، أو لحماية حقوق الآخرين.[97] وتأسيساً على ذلك، بنت المحكمة حكمَها على منطق مناطه أنه وإن كان هناك تدخل من الدولة في حرية الدين المصونة بالاتفاقية، إلا أن هذا التدخل كان قد تم استناداً إلى قانون، وحصل تحقيقا لهدف مشروع وضروري في مجتمع ديمقراطي للحفاظ على النظام العام وحماية حقوق الآخرين.[98] وعليه فهو تدخل مشروع في نظر الاتفاقية الأوربية.

أما كونه قد تم بقانون، فقد بررته المحكمة بأنه كان قد استند إلى قانون التعليم العالي وإلى قضاء المحكمتين الدستورية والإدارية بأن الحجاب يتعارض مع المبادئ الأساسية للجمهورية التركية، وقد كان القانون وحكم المحكمة الدستورية متاحين للآنسة ليلى بحسبانهما منشورين في الجريدة الرسمية. علاوة على ذلك، فإن تدخل الدولة المطعون ضده كان متوقعاً من ليلى لكون لوائح جامعة استانبول منذ 1994م، وهو تاريخ سابق لتسجيلها بالجامعة، تحظر ارتداء الحجاب. [99]

وأما كونه قد تم لغرض مشروع، فإن المحكمة توجزه، لتفصله لاحقاً، في القول بأن المنع كان للحفاظ على النظام العام في الجامعات وتوكيداً لمبدأ العلمانية وحماية لحقوق وحريات الآخرين.[100]

وأما بشأن ضرورة القيد في المجتمع الديمقراطي، فقد بنتها المحكمة على ما مجمله أن التدخل في حق المدعية في إظهار دينها ومنعها من ارتداء الحجاب هو إجراء يستند إلى "مبدأي المساواة والعلمانية اللذين يكملان بعضهما البعض،" ويعدان مبدأين جوهريين لحماية النظام الديمقراطي.[101] فعلى الرغم من أن الحق في إظهار الدين في الحياة الخاصة والعامة حق تقرره المادة التاسعة من الاتفاقية، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالأماكن العامة، فإن الحماية لا تشمل كل أنماط الإظهار.[102]  كما تقرر المحكمة بأنه مادام حظر الحجاب أمراً ضرورياً، فإن من شأن رفع الحظر أن يشكل عائقاً لقدرة تركيا على حماية العلمانية، وحقوق وحريات الآخرين، والنظام العام، والتعددية، والمساواة بين الجنسين.[103] وتشدد المحكمة على جوهرية الحظر لضمان حقوق وحريات الآخرين من حيث إن إجازة الحجاب في الجامعات ينتهك حقوق غير المتحجبات؛ إذ بوصف الحجاب رمزاً دينياً شديد الظهور، فإنه مثير للقلق من ناحية احتمال اكتسابه تأثيراً دعوياً على أولئك اللاتي اخترن عدم ارتدائه.[104] فإذا تزايد عدد الطالبات المتحجبات، فإن هذا سيثير الجدل بشأن مسألة طراز اللباس ومظهر التدين عند النساء الأخريات وهو ما سيضع عليهن تأثيراً كبيراً[105]وينتقص من نطاق حريتهن في اختيار المناسب لهن من اللباس دونما تأثير خارجي.

وفي الإطار نفسه، تقيم المحكمة الحظر أيضاً على أساس المساواة بين الجنسين، بوصفها من أهم المبادئ الرئيسية التي تحرص عليها الاتفاقية الأوربية والهدف الذي تطمح إلى تحقيقه كل الدول الموقعة. فهي تلمح في أسباب حكمها إلى أن في السماح بارتداء الحجاب في الجامعات سماحاً بانتهاك الحق في المساواة بين الجنسين،[106] وذلك بسبب أن القرآن الكريم يفرضه على النساء دون الرجال.[107]

بالإضافة إلى ذلك، تعزي المحكمة حظر الحجاب إلى ضرورة هذا الحظر للحفاظ على النظام العام في الجمهورية التركية. فلأن الحجاب كرمز ديني صار يحوز أهمية سياسية في تركيا في السنوات الأخيرة، كان لزاماً على الدولة تقرير حظره، من جهة، لقطع الطرق على "المتشددين الدينيين" لممارسة الضغط على مَن لا يمارسون الدين، ومن جهة ثانية، لتفويت الفرصة على الحركات السياسية لاستغلال هذا الرمز الديني شديد الظهور في تحقيق أغراض أو مصالح تعارض قيم العلمانية.[108]

أما عن دفع الطاعنة بانتهاك حظر ارتداء الحجاب لحقها في التعليم من حيث إنها كمحجبة ستُحرَم من الالتحاق بالجامعة، فقد رفضته المحكمة هو الآخر محيلة إلى الأسباب ذاتها التي رفضت من أجلها الدفوع المتقدمة، ما مؤداه أنه وإن كان المادة الثانية من البروتوكول رقم 1 (الحق في التعليم) تشمل الحق في الالتحاق بالمؤسسات التعليمية العليا كحق أساسي، إلا أن هذا الحق ليس مطلقاً من القيد، فهو الآخر مقيد بالحاجة الملحة لـحماية السمة العلمانية للمؤسسات التعليمية. ومن ثم، فإن حظر الحجاب وما يستتبعه من حرمان مخالفي هذا الحظر من الالتحاق بالمؤسسات التعليمية لا يتعارض والحق في التعليم المنصوص عليه في المادة الثانية المشار إليها.[109]

‌ج.   تواصل معركة الحجاب:

على مر سنوات عملت الحكومة التركية على محاولة إلغاء الحظر المفروض على الحجاب لكن المحكمة الدستورية كانت لها بالمرصاد. ففي عام 2008م أصدر البرلمان التركي بناء على اقتراح من الحزب الحاكم تعديلاً دستورياً برفع الحظر لتعارضه مع الحريات الشخصية في اختيار اللباس المناسب. طُعن في هذا التعديل أمام المحكمة الدستورية، فأصدرت حكمها، بأغلبية 9 قضاة مقابل اثنين، قاضيةً بإلغائه وفقا لنصي المادتين 2 و 4 من الدستور واللتين تتعلقان بعلمانية النظام وبحظر المساس به بأي وجه.[110]

في عام 2012م أظهرت الحكومة تحدياً آخر للمحكمة الدستورية، فأصدرت قراراً برفع حظر الحجاب على المدارس الدينية. ورغم الاتهامات المتواصلة من العلمانيين بالدولة للحكومة بسعيها إلى أسلمة التعليم، سمحت الحكومة في 2014م  بالحجاب في المدارس العادية أيضاً ابتداءً من العام الدراسي التالي كما ألغت الزي المدرسي الإلزامي.[111] علاوة على ذلك، ألغت الحظر على موظفي مؤسسات الدولة فيما عدا أعضاء الهيئات القضائية وأعضاء الشرطة والجيش.

لكن قد لا يكون هذا المآل نهاية الكفاح من أجل تحرير الحجاب؛ إذ توعد الحزب المعارض بالطعن في القرارات المتعلقة برفع الحظر أمام المحكمة الدستورية.[112] ولا أحد يستطيع ضمان أن تسلك المحكمة غير مسلكها الذي حافظت عليه من قبل، وذلك بسبب جنوحها المتشدد إلى رفض الحجاب في كل المناسبات التي عرضت فيها مسألته عليها طوال السنوات الماضية. فلم تنفك تصوره خطراً على مبدأ العلمانية والمساواة وتبطل كل توسعة بشأنه، فكيف إذاً بإطلاق حريته؟! بيد أنه وإلى أن تبتَّ المحكمة الدستورية في الطعن المحتمل بعدم دستورية التعديلات المذكورة، تظل هذه التعديلات سارية وواجبة التطبيق.

5-  الخاتمة

يلزم من وجود النص الصريح في الدستور على علمانية الدولة وجودُ العلمانية، بيد أنه لا يلزم من عدمه عدمها. فالاكتفاء بمجرد تضمين الدستور مبادئ علمانية مثل المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن هويتهم أو جنسهم أو دينهم، أو النص على الحريات والحقوق وفق المفهوم المعاصر السائد، أو أن يعتمد الدستورُ الديمقراطيةَ نظاماً للحكم، يكفي في ذاته لوصف الدولة التي يحكمها بالعلمانية أو اللادينية. فالتعبير عن إرادة مُصدر الدستور علمنةَ الدولة لا يستلزم نصاً صريحاً يتبنى فيه مبدأ العلمانية، بل يمكن استظهار هذه الإرادة من دون لبس أو غموض من خلال روح الدستور ومنهجه اللذين يستشفان من جملة نصوصه، وذلك إذا كانت هذه النصوص تستبعد ابتناء أحكامها على أسس دينية.

إن استبعاد المرجع الديني للأحكام الدستورية كسمة أساسية لعلمانية الدستور يمنع إقحام الدين في شؤون الحكم والسياسة والحياة العامة. ومن ذلك أنه لا يسوغ للدستور العلماني أن يقرر ديناً للدولة، ولا أن يجعله مصدراً للتشريع. فالنظام العلماني وحياد الدولة أمران متلازمان، وهو نظام يقوم على مبدأي النفعية واللاعصمة في القواعد الحاكمة وعلى أن الإنسان أقدر من غيره، ولو كان هذا الغيرُ ربَّه، على أن يصل إلى الحكم الأمثل والأصلح به.

غير أن المسألة تدق إذا ما تضمن الدستور العلماني نصاً يخرج عن هذه الأصول. فالنص الصريح على العلمانية، أو الاقتصار على تبني مبادئها من دون وضع قيود صارمة عليها، ينتج دستوراً متناقضاً في ذاته إذا ما أقحم هذا الدستور الدينَ في نظام الدولة، كأن يقرر الإسلامَ ديناً للدولة أو الشريعةَ الإسلاميةَ مصدرَ التشريع أو مصدراً له؛ إذ علاوة على خرق هذا لمبدأ حياد الدولة، فإن الإسلام يفرض الكثير من القيود على المبادئ العلمانية وتطبيقاتها.

وتتدرج شدة التناقض ونتائجه حسب حجمه في مبادئ الدستور. فقد رأيناه غير ذي أثر في الدستور الأول للجمهورية التركية الذي تضمن جملة من المبادئ العلمانية كالديمقراطية وسيادة الأمة مع نصه صراحة في المادة الثانية على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة. ولم يثر هذا النص أي خوف لدى أتاتورك الذي ارتآه "شراً لابد منه" ونصاً عديم المعنى لاصطدامه مع المبادئ العلمانية التي تضمنها الدستور. فطغيان النصوص العلمانية الصريحة هو ما آمن من ذلك الخوف، وأمال الكفة بشدة وبجلاء نحو علمانية الدستور كمراد أساسي لمصدره وقصر قيمة هذا النص على تفسيره في حدود ما تسمح به المبادئ العلمانية المهيمنة. وهذا ما ظل عليه الحال من تهميش تأثير الدين انتهاءً بحذف النص، والتصريح بعلمانية الدولة بعدما تهيأت النفوس بعد سنوات من إقصاء الدين.

كذلك الحال، فإن النص في الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع لن يعصم من الإبطال قانوناً مشتقاً منها، كذاك الذي يميز بين نصيبي الذكر والأنثى في مسائل الميراث، أو الذي يفرق بين حقوق الزوجين، أو الذي يقرر عقوبات حدية، أو الذي يجرم العلاقات الجنسية خارج نطاق الزوجية متى ما تمت بالتراضي، وذلك إذا كانت الطبيعة العلمانية هي السمة الغالبة على الدستور. ولهذا فإن الدستور الذي يجعل المواثيق الدولية أساساً لنطاق الحريات وحقوق الإنسان، يرفع بالضرورة الصفة الدستورية عن مثل تلك القوانين لما تنطوي عليه من مساس بتلك الحقوق والحريات وفق مفاهيمها العالمية؛ كالحق في المساواة الكاملة بين الجنسين، وتحريم العقوبات الحدية الموصوفة دولياً بـ"القاسية" و"الوحشية"، وتقديس الحرية الشخصية.

وفي المقابل، فإن ارتفاع شدة التناقض بتضمين الدستور مبادئ متوازية من العلمانية ومن الدينية من شأنه أن يضعف قيمته كمرجع أساسي للشرعية في الدولة، ويفتح باباً واسعاً أمام الاختلاف في تفسير نصوصه بسبب تضاربها أو غموضها، وهو ما سيحيد به عن الغاية منه كميزان دقيق للشرعية والفيصل بين المتنازعين، ويجعل مهمة القاضي في الفصل في النزاع عسيرة.

وقصارى القول، إن ألفاظ الدستور ومبانيه قد لا تسعف غير القانوني في تكييف طبيعة النظام الذي يتبناه، ومن شأن عدم دقتها المقصودة أو غير المقصودة أن تفضي إلى جملة من النتائج التي لا تقوى القراءةُ السطحية لنصوص الدستور من غير المتخصصين على أن تتنبأ بها. ولهذا فالوقوف على ماهية النظام المتبنّى يتوقف على فهم فحوى الدستور في جملته وتفصيله، والإلمام بمقتضيات كل المبادئ التي يحتويها، وتقدير مدى قيام نوع من التناقض بينها ودرجته. وعليه، فإن مجرد النص على أن للدين مكانة في النظام القانوني للدولة لا يعني بالضرورة أنه ذو قيمة فعلية في هذا النظام، بل قد لا يكون له أي معنى على الإطلاق.

 

تنزيل الورقة

السبيل إلى علمنة الدولة : الأنموذج التركي السبيل إلى علمنة الدولة